الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها "رواية " الجزء الأول


 الجزء الأول
الدكتور/ عبدالوهاب آل مرعي 
                                                              
التي أحرقت نقابها

امرأة تُوقِفُ الزَّمَن وزمن يتوقف ساعة



 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ امرأة توقف الزمن ــ



 










نكــــون ســـعداء جداً... بتواصلكم
د.عبد الوهاب آل مرعي
ص. ب / السعودية. أبها: 2422
WAHAB10 @ HOTMAIL.com




الإهداء

إلى الصوت الرهيب الحَازِمْ...
     الذي يُمثِّل الحقيقـــــة...
            بكل مصداقيتهـــــــا....
               ولا يعرف المـكر أو الكـــذب...
                    أبــــــــــــداً...

 إلى المـــــــوت...
        صديقنا المستقبلــــي...
                  والأبـــــــــــدي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الوهاب


الفصل الأول

1-   بيت العجوز ضاحية


صوت صَرير الباب الخشبيِ... ينبعث مُتَقَطِّعاً مخيفاً.
 والسقف الطِّيني يتساقط من بين أخشابه المتراصة ترابٌ ناعم... إيذاناً بأن ضيفاً جديداً فتح الباب.
 الزائر اليوم هو ذاته الزائر بالأمس وهو الزائر المعتاد في كل يوم... ولكنه اليوم يبدو أكثر سعادة ربما لأن الكيس الذي في يده الآن أثقل بكثير من الكيس الذي يحضره معه كل يوم.
ذبابة طُفَيْليَّة وقعت على أنفه... وبدأت في محاولات متكررة دخول أحد منخريه... ولكنه يتجلد قدر المستطاع لإيصال الكيس الثقيل إلى تلك الغرفة المظلمة... والملقاة هناك في شيء من اللامبالاة !.
بعد لحظات من صدور صرير الباب انبعث صوت أكثر تقطعاً وفظاعة... صوت عميق... يصدر دائماً مع ولوج ذلك الزائر... لهذا المكان الرهيب... وتصغي لأصدائه الذابلة جميع المفردات الملقاة.
لم يكن الصوت الرهيب المتقطع سوى أنفاس العجوز ضاحية... ولم يكن سبب تقطعه إلا لأنه لم يتمكن من مغادرة حنجرتها إلا بعد أن أضناه الانتظار.
العجوز ضاحية... إنها أشبه بمئة عام اجتمعت في هيئة إنسان... وعند التدقيق في ملامحها يتأكد لمن يراها أن الحياة الدنيا قد نفضت يديها من هذا المخلوق... وعما قليل ستزفها الأيام المقبلة للحياة الآخرة.
صوت ضاحية المتقطع كان موجهاً لذلك الداخل:
- " أهلاً بك يا ابنتي... تفضلي وادخلي"
قال الداخل في شيء من الدهشة:
- " ابنتي؟... غريب!... ماذا بك يا أمي ضاحية؟... أنا حسان... ولست امرأة... هـ هـ هـ"
  ردت العجوز وهي تبتسم في اعتذار:
- "أهلاً... أهلاً حسان... أوه...كم تكلف نفسك في الحضور إلى هنا؟"
- " أبداً يا أمي... لا تقولي هذا الكلام... أنا هنا في الخدمة... ثم... لقد أتيت بالغداء الساخن... ويجب أن يُرضيني أكلك... الصحة معناها الغذاء الجيد"
تحركت العجوز حركة بطيئة... مد حسان يده في اهتمام... وأمسك يدها... ووضع يده الأخرى خلف ظهرها... وساعدها حتى جلست... ثم ابتسم في صفاء... وتقدم قليلا ليعيد سحب ثوبها على قدميها.
 هذه العجوز تمثل قصة مؤلمة من الحرمان... إنها فيما يبدو مصابة بما يشبه الشلل النصفي... عيناها الذابلتان يُداهم أطرافَهما العمى... بدرجة كبيرة... ولولا النظارة الكثيفة... المائلة في ثقل على طرف أنفها... لكان وجود العينين... تماماً كعدمهما.

2- وجبة بالملعقة

قَبّل حسانُ رأسَ ضاحيةٍ في حنان صادق... ومسح شيئاً تحت جفنها بمنديل أدخله تحت نظارتها... ثم قال مداعباً:
- " ما شاء الله... ما شاء الله... شابة أنت يا ضاحية... وغزالة أيضا... هيا هيا... تجهزي لتناول الطعام"
فتح حسان كيس الغداء... وأخرج صحن الرز... وأخرج كيسا آخر يحوي شيئا من إدام البامية... المغطى باللحم المفروم... أمسك بالملعقة الصغيرة... وبكل هدوء وإخلاص... أخذ شيئا من الرز... ووضع معه القليل من اللحم المفروم... وبدأ يفركه بظهر الملعقة من الأسفل... ثم جمعه على شكل كرة صغيرة... وحمله بالملعقة... ليقترب به من فمها.
وبيدها المرتعشة... حاولت العجوز... مساعدته في إيصال اللقمة لفمها... ولكنها كانت بذلك الفعل " تلخبط " كثيراً من موازناته لإيصال اللقمة... وكثيراً ما يمسك بيدها... وينزلها للأسفل.
استمر حسان في عمله... لقمة صغيرة... ويمتد الزمن... ثم لقمة أخرى... وفي أثناء ذلك كانت نظراته الحزينة تنتقل بهدوء في حركات فم العجوز البطيئة... وهي تحاول جاهدة مضغ الطعام... وما يلبث أن يقدم تشجعيها على التهام المزيد... والمزيد.
مر وقت صامت... وبعد انتهاء العجوز من الطعام قام حسان بترتيب المائدة الصغيرة... ثم إقصاءها إلى طرف السرير.
قال حسان:
-" يا أمي ضاحية"
-" نعم"
-" هل تريدين مني... أن... أغير لك ثيابك... وأنقل القيصرية؟"
-" ماذا تقول؟... لم أسمع"
-" أقول... هل تريدين الحمام... دورة المياه؟"
-" الله يعزك يا ولدي... ستأتي بعد قليل... جارتي الشابة... وسنقوم باللازم"
-" جارتك ؟؟ غريب!! ومن جارتك هذه ؟؟ ما أعرفه... أنه لا يجيء أي أحد إلى هنا"
-" نعم يا ولدي... لقد نسيت أن أخبرك... لم أعد أتذكر الكثير مما يحدث لي... على كل... منذ يومين فقط... زارتني امرأة طيبة... شابة... عمرها قرابة الخمس والعشرين سنة... الحقيقة أني لا أعرفها... أبداً... وهي أيضاً... تقول إنها لا تعرفني... جزاها الله كل خير... لقد بدأت تسألني عن حالتي الصحية... عرفت عني كل شيء... ثم وعدتني أن تقدم لي زيارة كل يوم... والله أنا خجلى منك يا حسان... ومنها أيضا... لكن... الله المستعان... أنا امرأة مبتلاة... وأنتم... لن يضيع أجركم".
-" يا " أمي ضاحية " أنا سأقوم بكل ما تحتاجين من الخدمة... وأيضا... سأغير لك القيصرية... اعتذري من تلك المرأة... لا نريد إحراجها... لا ندري عن ظروفها...لكل إنسان ظرفه... وأنا ظروفي مناسبة لخدمتك"
-" لا يا حسان... إنها مثلك يا بني... تماما... تريد الخير... ثم... هي امرأة مثلي ولن أجد حرجاً في أن تغير ملابسي"
- " وهل تتحرجين مني؟... اعتبريني تماماً مثل ابنك"
لم تتمالك العجوز ضاحية مشاعرها... لقد أخرجت دمعتين مؤلمتين... لتعبر بهما عن مدى قسوة أرذل العمر... الذي بدت تعايش دقائقه التعيسة... بكل ثقل... حتما... ليس لهذه القصة من نهاية... إلا الموت"
قال حسان:
-" تبكين!... وعلام البكاء؟"
-" أنت يا حسان جار طيب... كنت أتخيل نفسي... ماذا لو لم يقدر الله وجودك هنا... كيف ستكون حالتي؟"
-" لا عليك من هذا الآن... المهم... المهم أن تأكلي المزيد من الطعام... الذي أحضرته لك... لقد صنعته زوجتي ابتسام... خصيصاً من أجل صحتك"
مد حسان يده نحو الطعام... ليخرج العجوز من حالة الحزن التي باغتتها للتو...  أعاده مرة أخرى إلى جوارها... في حين نظرت إليه بشرود... وقالت في حزن:
-" حفظك الله يا بني... اذهب إلى أولادك وزوجتك... أنا أعرف جيدا... هذا وقت راحتك... نعم... لتوك خرجت من العمل... ساعات طويلة قضيتها هناك... أنت في حاجة للقليل من الراحة... وأيضا... ربما لم تتناول غداءك حتى الآن... حفظك الله".
قال حسان في اهتمام:
-" هل أنت متأكدة من قدوم هذه المرأة ؟... إن لم يكن حضورها مؤكدا فاسمحي لي بتغيير القيصرية".
-" لا لا... شكراً يا حسان... أنا متأكدة من قدومها... إن شاء الله".
في تلك الأثناء... ابتسم حسان بشيء من الرضا... ثم ألقى نظرة مستعجلة على مفردات الحجرة المتواضعة... ليتأكد أن كل الأمور تسير بطريقة صحيحة... ثم قام.
كانت أفكار حسان كلها منصبة نحو هذه الجارة الجديدة... التي تقدم عروضها لمساعدة العجوز:
-" من تكون يا ترى؟"
وقف حسان قليلاً في منتصف الغرفة أدار رأسه بحيرة... كان يريد أن يسال العجوز عن معلومات أخرى عن هذه الجارة:
-" ولكن... حتما... العجوز لا تعرف عنها أكثر مما قالت"
  قال في نفسه :
-" إنها بالتأكيد امرأة نادرة... بالطبع نادرة في هذا الزمان... ولكن... ما هي مصلحتها من خدمة هذه العجوز؟... وهل يا ترى ستستمر أم أنها ستستسلم قريباً؟"
حسان يسعده أن يجد من يعينه في حمل بعض أعباء العناية بهذه العجوز... ولكنه في الوقت ذاته يريد أن يكسب الأجر جميعاً من  رعاية عجوز منقطعة... ليس لها ملاذ إلا الله... ولكن الله ذو فضل عظيم.
 فكر حسان قليلاً... إن الله لن ينقص من أجره شيئاً... إذا ساعده في رعاية العجوز أي إنسان آخر.

3- البطانية... الأولى

قام حسان لينصرف... سار متجها نحو الباب... كان الفضول يدفعه للبحث من أجل معرفة المزيد عن تلك الجارة الطيبة:
-" من تكون يا ترى هذه الجارة؟... ما هي صفاتها؟... ومن هو والدها؟"
أسئلة كثيرة... قد يكون لجوابها معانٍ أخرى عند حسان.
آن لحسان أن يخرج... وآن له أن يترك العجوز الوحيدة... في رعاية الله... وقبل أن يخرج... تذكر الكيس الكبير... الذي أحضره معه... إن تفكيره في الجارة الطيبة... أنساه كل شيء من حوله.
 عاد حسان وحمل الكيس... وفتحه بهدوء... وأخرج منه بطانية جديدة... من أجود أنواع البطانيات... لقد اشتراها اليوم... وهو عائد من عمله... كي يدفئ بها جسم العجوز الضامر... حمل حسان البطانية... واقترب من العجوز... وابتسم ابتسامة صادقة صامتة... لم يعلم بها أحد... ولكنها تحمل معاني كبيرة في أعماقه... وعندما بسط البطانية على جسم العجوز... قال:
-" هذه بطانية دافئة... يا خالة... ستقيك البرد... حتماً"
 ردت العجوز وهي تدير رأسها بتثاقل نحوه:
-" لماذا يا حسان؟... أنت تكلف نفسك بهذه الطريقة "
-" هذا واجب... والواجب لا مفر منه"
-" بل أنت تريد الجنة... أبشر يا بني... أبشر... أنت نسيج وحدك... أنت ملاك في صورة إنسان... وجارتي أيضاً... هي كذلك.... إنها نسيجة وحدها... وهي ملاك في صورة إنسان"
مع سماع حسان لهذه الكلمات... أحس بإحساس غريب... يداعب مشاعره... أغمض عينيه في تأمل... في حين أكملت العجوز كلا مها:
-"كلما رأيتك يا حسان... أو رأيتها... أحس أنكما من تربة واحدة... ومن معدن واحد... الله... شيء عظيم يجمعكما... ويجذبكما لبعضكما... الله يا حسان... كم سأكون سعيدة... لو..."
قال حسان مقاطعا:
-" نعم نعم... أعرف... لو اجتمعنا في الجنة... جميعاً... يا خالة"
كانت العجوز مستعدة لتقول كلمة ما... ولكن حسان قاطعها... ليخفي خلجات في نفسه... قد تكون هي ذاتها... الخلجات التي تدور في ذهن تلك العجوز.
ابتسمت العجوز ابتسامة رضا... لا يدري حسان على أي شيء كان ذلك الرضا... ثم أتبعت العجوز ابتسامتها بزفرة طويلة... تشعر بخروج كل الهموم والآلام... من قلبٍ نابض بشيء من حياة... قام حسان... وأودع جبين العجوز قبلة حانية صادقة... واتجه للباب.

4- حسان... ينتظر شخصا ما 

خطوات قصيرة متسارعة... وصل بعدها حسان إلى الباب الخشبي المفضي للخارج... ولكنه توقف قليلا... شيء ما جال في ذهنه حول الجارة الجديدة... أدار عينيه مجددا حوله... ثم... شيء ما يجعله يؤثر البقاء لوقت أطول... ربما كان بقاءه من أجل أن يشاهد شخصا ما... بالطبع!.
 أراد حسان أن يقضي وقت الانتظار بالنظر في شيء ما... لم يكن في البيت برمته شيء يلفت النظر... سوي ذلك الباب الصغير... الموجود في جانب من جوانب غرفة ضاحية... فكر حسان قليلا... سيقضي قليلا من الوقت... هناك... عاد حسان نحو ضاحية بتوتر... وسألها وهو يحك رأسه:
- " يا خاله... هذا الباب... هذا الباب الصغير... إلى أين يفضى؟"
- " نعم... ماذا قلت؟"
وضع حسان يده على جبينه في خيبة... ثم أعاد السؤال:
- " ماذا يوجد هنا؟"
قالت وهي تحرك يدها:
-" أدخل... ادخل... وشاهد"
دخل حسان... ليس ثمة ما يدعو للتأمل... غرفة طينية متهالكة... سقفها من الخشب المهترئ... ويوجد في جدارها نافذة صغيرة مغلقة بلوح خشبي... اقترب حسان من النافذة... وضع يده على اللوح الخشبي... يبدو مهترئا تماما... بدفعة واحدة ربما يتحطم... أدار حسان رأسه في شرود... في منتصف الغرفة توجد دعامة خشبية... يبدو أنها تمسك السقف... كي لا يسقط... وضع حسان يده على الدعامة... حاول دَفْعَها بهدوء... بدت الدعامة تتحرك... شعر بشيء من الخوف... لو دفعت الدعامة بدرجة أقوى... لسقط السقف.
قرر حسان أن يخرج من تلك الغرفة المخيفة... يجب أن لا يدخلها أحد بعد اليوم... سار بسرعة... خرج من الغرفة... ثم واصل السير حتى وصل للباب الخارجي... مد يده ليفتحه... ولكنه سمع بصوتِ قادمٍ نحو الباب... من الخارج... لم يلبث صاحب الصوت القادم... أن أصبح مقابلاً للباب... وحينها... سمع حسان صوت الزفير والشهيق الذي يخرج من فم الزائر... يبدو أن المسافة التي قطعها الزائر على قدميه طويلة جدا.

5- البطانية... الثانية

طُرق الباب طرقات وادعة خافتة... فتح حسان على أثرها الباب... ولكن... كم كانت المفاجئة كبيرة... عندما عرف أن الزائر... هو في الحقيقة امرأة.
 تواري حسان قليلاً للخلف... أما المرأة... فقد وضعت يدها على صدرها في ذعر... كادت تهرب... لمح حسان معها كيسا كبيرا ينوء بحمله رجل قوي... تجاهل حسان كل مشاعره... علم أنها لن تدخل وهو موجود هنا... لذا خرج... سار من أمام المرأة... ألقى السلام عليها...لم يسمع منها رداً للسلام... ولم ير من ملامحها شيئا... لشدة احتجابها عن الأنظار... بما ترتديه من ثياب محتشمة... ابتعد حسان عن المنزل وكأن شيئا لا يهمه.
وفي الوقت ذاته... دخلت المرأة... وسارت بهدوء حتى دخلت للحجرة التي تكتنف سرير العجوز... ألقت نظرة سريعة... ثم قالت:
-" باسم الله"
 وتقدمت أكثر... وعندما وقفت عند رأس العجوز... قالت:
-" السلام عليكم"
نظرت لها العجوز بصفاء... ثم ردت:
-" عليكم السلام يا بنيتي... لقد جئت؟... كنت أعلم ذلك... جزاك الله كل خير"
-" كيف أنت يا أمي ضاحية ؟ "
-" بخير يا بنيتي "
-" ماذا أرى... هل تناولت غداءك؟ "
-" نعم... لقد أطعمني حسان "
       عبثت مشاعر متضاربة بقلب الجارة الشابة... أرادت أن تخرج منها بسرعة... لذا قالت:
-" ما شاء الله... بطانية جديدة... ولكن... من أين لك هذه البطانية؟"
-" أوه يا ابنتي... لقد أحضرها حسان"
-" آه... خسارة... لقد أحضرت لك بطانية جديدة... إنها هنا... معي... ولكن... غريب... البطانية التي أحضرتها... تشبه هذه البطانية... تماما"
-" صحيح يا بنيتي!... سبحان الله... أرجو الله أن يجمع..."
       لم تكمل العجوز كلماتها... لقد قاطعتها الفتاة قائلة:
-  " نعم نعم... يجمعنا جميعاً في الجنة... ومعنا جميع المسلمين"
       تنهدت العجوز... وأخرجت عيناها دمعتين معبرتين... تفيض بمعانٍ كثيرة... تعجز الكتب عن التعبير بمثلها... ثم ابتسمت... وابتسمت الجارة الطيبة... وقالت:
-" يا أمي ضاحية... قولي لي... لا شك أنك تريدين الحمّام"
-" يا ابنتي... جزاك الله خيراً... إيه... كم سيأجرك الله... على كل هذا!"

6- الطيبون... للطيبات


مر الوقت بهدوء... مضت نصف ساعة... خلالها قامت الجارة بأعمال كثيرة في منزل العجوز... إنها ترتب وتنظف... وتدور كالنحلة... وبعد أن أكملت عملها ذاك... وقفت عند رأس العجوز بانشغال... إنها تحمل جهاز الجوال الجديد... الذي أحضرته معها... أمالت رأسها نحو ضاحية وقالت:
-" أستأذنك الآن... يا أمي... ولكن... عندما تريدين مني أي شيء... ما عليك إلا أن تضعي إصبعك على هذا الرقم في الهاتف... ثم تضغطينه... لقد برمجته على رقم الجوال لدي... وستجديني عندك بكل سرعة... ومن اليوم إن شاء الله... سأكون عندك مرتين في اليوم... سأحضر هنا قبل العصر... وأيضا... بعد العشاء"
اقتربت الجارة أكثر من العجوز... ثم قالت وهي تبتسم:
-" لن تحتاجي القيصرية بعد اليوم... أنا أعرف... صحتك ممتازة... أنت فقط تتوهمين أنك مريضة... أليس كذلك؟... على كل... سأساعدك للقيام... والذهاب لدورة المياه... بنفسك"
كانت نظرات العجوز الذاهلة مسددة بدهشة إلى وجه تلك الجارة الملائكي... وهي تعرض كل هذه الخدمات... أحست أن رحمات السماء ستغشى الأرض قاطبة... كلما وجد فيها مثل هذه المرأة... كان حسان يقوم باللازم... من ناحية قضاء خصوصيات هذه العجوز... إنه يضع لها القيصرية... ويذهب قليلا... ثم يعود... ليقوم بتنظيفها... وهو يأتي إليها مرة كل يوم... حسان يطعمها خلال قدومه... ثم يضع طعام العشاء قريباً منها... بحيث لا تجد صعوبة في تناوله... ويرتب منزلها الذي ركد فيه كل شيء... ويعود إليها في اليوم التالي بعد خروجه من عمله... لقد أصبح حسان بالنسبة لتلك العجوز كل شيء... إنها تشعر أنه معجزة الحياة... التي قدرها الله لها... ولكن... هذه الجارة... لقد بدأت تفرض نفسها كمعجزة جديدة في حياة العجوز... بالفعل... الحياة لم تزل بخير.
قبل أن تنصرف الجارة... ألقت نظرة على وجه العجوز... ولكن العجوز ابتسمت وهي تقول:
- "" الطيبات للطيبين "... " الطيبون للطيبات""
 بدأت ملامح القلق ترتسم مجددا على وجه الجارة الطيبة... ربما أدركت شيئا مما ترمي إليه ضاحية... ولكنها صمتت.

الفصل الثاني

1- ضاحية... قبل عشرين سنة

العجوز ضاحية بقيَّة باقية من الجيل الماضي... لقد آن وقت رحيلها لتلحق بجيلها الذي رحل عن بكرة أبيه... ربما!.
قصة حياتها غامضة... لا أحد يعرف عنها إلا القليل... ولكن يبدو أن السنوات العجاف التي عاشتها هذه العجوز كانت كفيلة برسم صور حقيرة للحياة... في تصوراتها.
منذ عشرين سنة دخلت ضاحية إلى هذا الحي... وكانت صورتها حين دخلت تحمل كل معاني الفظاعة... إنها بحق أشبه بعود محروق... دخلت إلى الحي وبدأت تسير بين البيوت بكل حذر وتوتر... أضناها المسير... ولكن ليس ثمة خيار... جلست بكل استسلام... عند باب أحد المنازل.
 مر الوقت بطيئا عليها وهي تعد أوراق همومها... وعندما خرج رب المنزل للصلاة... أدهشة جلوسها عند باب منزله... سألها في حيرة عن قصتها... وعن مسلسل حياتها... طأطأت برأسها للأرض ولم تجب عن شيء من أسئلته... طلب منها الدخول لمقابلة زوجته... لكنها رفضت... سألها عمَّا تريد... قالت في خجل:
-" أنا أجيد صناعة التَّنُور... تنور الخبز... وأنا لا أسأل أحدا صَدَقَةً... هل تعرف أحداً يُريد مني صناعة تنورٍ بأجره؟ "
فكر الرجل قليلا... ثم قال في استغراب:
-" في الحقيقة... أيَّتها السيدة... ولكن... أنا في حاجةٍ إلى تنور... ولم لا!... قولي لي إذن... من يضمن لي صناعتك؟"
-" الأمر سهل جدا... لا تدفع الأجر...حتى تجرب التنور"

2- أول تنور

المرأة النشيطة... بدأت في جمع الطين الأحمر... وفي جمع الخشب... كي تحرق به الطين... وتنضجه... قبل أن تبنيه.
 وداخل الفناء... في بيت ذلك الرجل... تجلس المرأة... وقد ثنت ركبتيها... إنها تعجن وتبني... عرقها يتفصد... وهي مصرة على النجاح... أسبوع كامل... قضته في عمل فني رائع... بعدها... أوقدت النار... في التنور...لقد  نجحت المرأة...  في صناعتها الجديدة... وأخذت أجرها بسعادة.
وكانت تلك اللحظة... هي خطوة البداية... في رحلتها الطويلة... على طريقها الجديد لكسب الرزق... بدأت المرأة في صناعة التنور... ومع مرور الوقت... اشتهرت صناعتها بدرجة جيدة... وبدأ زبائنها في الازدياد... وازداد كذلك دَخْلُها... مما جعلها تستأجر منزلاً طينيا صغيراً.
 ومع مرور الأيام... وعلى مدار تسعة عشر عاما... كانت صانعة التنور... تعيش استقرارا كبيرا بين أهل الحي... إنها تعيش مستورة الحال... وجميع السكان يمنحونها التقدير والحب.

3- منذ عام

ضاحية... العجوز الوحيدة... صانعة التنور الماهرة... ومنذ عام واحد فقط... كانت على موعد مع النهاية المؤلمة... التي قلبت حياتها رأسا على عقب.
غربت شمس ذلك اليوم الكئيب... وهجعت العجوز لوحدتها... إلا أن شيئا آخر قاسمها تلك الوحدة... الصداع... الصداع الذي يسري بوميض خافت... وما يلبث أن يلتمع كالبرق... في جوانب رأسها.
 مرت ساعات الليل ثقيلة قاتلة... وفي الصباح... أشرقت شمس الدنيا ببهجة وحيوية... حسان في منزله... لقد استيقظ نشيطا منذ ساعة... إنه كعادته... ينطلق لعمله قرابة الساعة السابعة والربع... خرج حسان من المنزل... وركب سيارته... بقي قليلا من الوقت ينتظر احتماء المحرك... ثم انطلق.
 مر وقت قصير... والسارة تمر الآن بجوار منزل ضاحية... بدأ حسان يطالع يمنة ويسرة دون اهتمام... ولكن شيئا ما لفت نظره... لقد شاهد مصباح النيون فوق باب منزل ضاحية مشتعلاً... حدث نفسه:
-" ما هذا... أمر غريب... مصباح ضاحية يعمل أثناء النهار؟... مستحيل"
شعر حسان بالقلق يتسور عليه ذهنه:
-" هل أصاب العجوز أي مكروه... ليس من عادتها أن تترك المصباح يعمل إلى هذا الوقت"
  أوقف حسان سيارته... ونزل باهتمام... ووقف بجوار الباب... وبدأ يطرقه... ولكن لا مجيب... دفع الباب بقوة... وعندما دخل... وجد العجوز هناك... بدأ يتحسس نبضها... إنها لا زالت داخل إطار الحياة الدنيا... لم ترحل بعد... ولكنها على وشك الرحيل... نظر إلى عينيها الواهنتين... ثم أمسك بيدها... وقال:
-" أنت بخير... لا تقلقي... هيا معي... سنذهب للمستشفى... هيا"
أغمضت العجوز عينيها باستسلام... ولكنها سرعان ما فتحتهما في توتر... ثم هزت رأسها يمينا وشمالا... في رفض شديد لاقتراح الذهاب للمستشفى... تفاجأ حسان لرفضها هذا... حاول رفعها وحملها... ولكنها تشبثث بطرف السرير... لم يشأ حسان أن يدخلها في دوامة جديدة من الصراع ... ولم يكن أمامه سوى حل وحيد... لقد خرج مسرعا.
لم يطل الوقت... هاهو حسان... إنه يدخل للمنزل ومعه الطبيب... بدأ الطبيب في إجراء الفحوصات الأولية للعجوز... أغمض عينيه... ثم هز رأسه في أسف بعدها قال في أسى:
-" الجلطة... هذه أعراض جلطة في الدماغ... يجب أن تذهب حالا للمستشفى"
عرفت ضاحية ما يدور في ذهن الطبيب... ولكنها رفضت الخروج من منزلها رفضا باتا... لم يكن أمام رفضها من حل... هز الطبيب رأسه وهو يقول:
-" لا حل... يجب أن لا نمارس تجاهها أي ضغط... من أجل صحتها... سنتابع حالتها هنا"
استمر الطبيب يتابع حالة ضاحية... داخل بيتها الطيني... بأجهزته البسيطة... مر أسبوع... وذات يوم... قال الطبيب لحسان:
-" شيء مدهش... حالتها الصحية مستقرة... إلى حد كبير... لحسن الحظ... كانت الجلطة خفيفة... بدرجة ساعدت على رفع مستوى صحتها... أو هو فضل الله ورحمته... نعم ... هو فضل الله... على كل... أنا أقدر حالتها... واختيارها البقاء في المنزل... ورفض المستشفى... هكذا كبار السن... يكرهون المستشفيات... نعم"
- " الجميع لا يحب المستشفيات يا دكتور"
 ابتسم الطبيب وخرج.
مرت أسابيع... صحة ضاحية مستقرة... ولكن... بقى إصرارها على عدم الذهاب للمستشفى سراً يُحيِّر حسان... إنها تعيش حياتها المحزنة... وتجعل حسان يعيش تفاصيل تلك الحياة بكل جزئياتها.

4- ابن بار

حسان كُلَّما جلس أمام ضاحية تثور أسئلة الشك في ذهنه... ولكن سرعان ما يتجاهل تلك الشكوك... كي لا يؤثر شيء ما على مدى شفقته عليها... أحيانا يتساءل في حيرة:
-" ما سر مجيئها المفاجئ... منذ عشرين سنة... من أين جاءت؟... وأين كانت؟... ولماذا هي وحيدة هكذا؟... أشبه بالمقطوع من الشجرة... أين أهلها وأبناؤها؟... والأغرب من ذلك... سرها المدفون في صدرها... عن مسقط رأسها... ما هو بلدها وما أصلها؟... ثم... حفيظة النفوس... الخاصة بها... حفيظة النفوس لم تعطني إياها... عندما أخبرتها أني سأقدمها لدى الضمان الاجتماعي... لقد رفضت... غريب... وأخيراً... رفضها الذهاب إلى المستشفى بعد تدهور صحتها... ورفضها أيضاً الذهاب لدار الرعاية للمسنين... ماذا؟!... هل هي إنسان خطير؟... هل لها تاريخ بشع مخيف؟... وهل سيكون سرها هذا خَطِرٌ عليّ؟"
 كلِّ هذه الأسئلة المُلِحَّة تثور في ذهن حسان... ولكن... سرعان ما يتجاهلها... لقد قرر السير في طريقه... حتى النهاية... إنه يقوم بشؤون العجوز... منذ عام تقريباً... ويحسن إليها كما يحسن الابن البار لوالديه... وأحيانا يجلس بجوارها ليتحدث لها عن قصص أو مواقف... كي يدخل شيئا من الأنس على خاطرها... وهي ترد بهدوء ... وتتحدث باقتضاب.
 دهش حسان حين علم أنها لم تركب السيارة... منذ جاءت لهذا الحي... وأنَّها تطفئ قاطع الكهرباء في منزلها مباشرة بعد صلاة العشاء... ولم تفارق الحي منذ عشرين سنة... ولو لساعة واحدة... التلفاز لم تُدخله منزلَها... ولا تملك ثلاجة ولا غسالة... كل ما تعرفه غرفتها مصباح كهربائي يتيم... يضيء الجوانب الداكنة... وكلما تحدث حسان عن للحياة... أيام زمان... وما فيها من الصعاب... تخرج ضاحية من الحديث في الموضوع... مباشرة... بعكس جميع كبار السن... الذين يتلذذون بالحديث عن أيام زمان.
 وذات يوم... كاد حسان يسألها:
- " هل ضاحية هو اسمك الحقيقي... أم أنه اسم مستعار؟"
ولكنه لم يفعل كي لا يوقعها في حرج.
       هذه المرأة سر غامض مدفون... ولكن... هل يا ترى سيُقدَّر له أن يفشو... ويعرفه الناس... أم أنه سيموت بموت صاحبته.

5- خطورة ضاحية

الظلام يبثُّ رهبته في الخارج... ولكن الرهبة داخل جدران منزل ضاحية... تكاد تَقْتُل أي نبضةٍ من أُنس... ضاحية على حالها... ولا يُتوقع أبداً أن يتغير الحال إلى حال أفضل.
ومع صمت الظلام... في قلق وخفية... تحركت العجوز في سريرها... ثم جلست... دون مساعدة أي إنسان... مدت يدها بتثاقل... وأشعلت مفتاح المصباح اليتيم... المجاور لسريرها... ونظرت من حولها يمنة ويسرة... وبدا أنها تراقب شيئاً... نظراتها أشبه بنظرات سارق... وقلبها يرتجف... وكأن جريمة ما ستقع في منزلها المحروم.
حرَّكت ضاحية قدميها بهدوء... وضعتهما على الأرض... وبدأت تجاهد نفسها لتقف... إنها تبدو كإنسان آخر... يختلف عن ضاحية... التي يخدمها حسان... صحيح أنها ليست في كامل صحتها... ولكنها أفضل بكثير من الحال التي يراها عليه حسان... لم تقف ضاحية... ولكنها نزلت من السرير على الأرض... وبدأت تحبو بكل هدوء... وأحيانا تمد يدها... لتعتمد على الجدار... وعيناها لم تزل تسترقان النظر يمنة ويسرة.
 وصلت إلى السرداب الصغير... بجوار غرفتها... دخلت مع الباب الصغير... الذي لا يجاوز ارتفاعه المتر.
 الظلام دامس أشبه بظلام قبر... وأكثر شبهاً ببطن تمساح... بقيت ضاحية تتحسس قليلاً... لم يطل الوقت... لقد خرجت... كانت تحمل صندوقاً عتيقاً... مصنوعا من الحديد... ليس الصندوق كبيراً... ولكنَّ ما بداخله يبدو ثميناً.
حملت الصندوق بصعوبة وبدأت تحبو متجهة نحو سريرها... وبعد أن جلست استرقت النظر هنا وهناك... وبدأت تفتح الصندوق.
فُتح الصندوق... وبدت أوراق العملة النقدية القديمة... متكدِّسةً مُتراصّةً... وبدت أوراق أخرى... هامة جداً في طرف الصندوق... وبدت بعض القطع الذهبية.
سحبت ضاحية أرواقاً نقدية... ربما خمسمئة ريال... وأخذت الأوراق الهامة... فتحت بعضها... وطالعتها بألم... وأمسكت بالخاتم الفضي القديم... الموضوع في مخبأ صغير في الصندوق... رفعته... وبدأت تدقق النظر فيه... أخرجت دمعةً حارة وهي تقبله... ثم أعادته لمكانه الأمين... وأعادت الأوراق الهامة... وأبقت على تلك النقود معها.
أغلقت ضاحية الصندوق... وعادت لتحبو... متجهة نحو السرداب مرةً أخرى... ثم تغَّيبت بداخله دقائق... وعادت حتى جلست على السرير.
 غموض هذا المخلوق يوحي بأن سراً نادراً وعتيقاً... يسكن طيات نفسه... ثم ما معنى النقود العتيقة المتكدسة؟... وما معنى الخمسمئة ريال؟.
مرَّت خمس دقائق... ضاحية تنتظر في قلق... وأخيراً... طُرق الباب... بدأت ضاحية تحبو من جديد... وصلت للباب... فتحته في قلق... بدا الوجه الشاحب... الذي تنتظره.
 وبدا أن الوجوه الشاحبة... تضحك لبعضها... وتنسجم لما ينبعث من حزن على قسماتها... قالت ضاحية :
- " ادخل ... "
دخل الفتى... يبدو أنه في السابعة عشرة... ولكنَّ الفقر والبؤس... حَرماه من التمتع بالشباب... كما يتمتع به بقية البشر.
جلسا متقابلين... قالت له ضاحية:
- " ما هي آخر الأخبار ؟... "
 أسرَّ الفتى لها بأخبار كثيرة... ناولته النقود... وابتسمت له... وانصرف... عادت ضاحية لوضعها السابق... ونامت في سريرها.


الفصل الثالث

1- نظرة فابتسامة... من طرف واحد

أراد حسان أن يتعرف بدرجة أكبر على تلك الجارة الطيبة... الطيبون في هذا الزمان قلة... وهم أقرب لواحد من ألف... ولكن كيف يتعرف عليها... وهي في الأصل ليست محرماً له؟... الفضول هو عدو الإنسان... في كثير من الأحيان... وهو الذي يورده كثيراً من الموارد... ولكن... ماذا في الأمر... لو عرف الكثير عنها؟... ألا يمكن أن تكون محتاجة لخدماته... ألا يمكن أن تكون وحيدة؟... ألا يُحتمل أن يكون لديها أي مشكلة؟... كل ذلك محتمل.
تحايل حسان على نفسه الطيبة جداً... ليصْنع مكراً ما... هو في الحقيقة نابع من نفسٍ أقل طيبة.
لقد احتال... ليكوِّن علاقة بسيطة مع تلك الجارة... وهو على كل حال... لا يطمح من تلك العلاقة إلا معرفة حقيقة الجارة... والأبعاد الحقيقية لحياتها.
لقد كان مكر حسان يتلخَّص في العمل التالي... لقد قرر أن يَحْضُرَ لزيارة العجوز... وتكون الزيارة في الوقت الذي تكون الجارة موجودة فيه... عند العجوز... ومن ثمَّ... يقابل حسان تلك الجارة الطيبة.
وبالفعل... نفَّذ حسان فكرته ذات يوم... وطَرَقَ الباب... كانت الجارة الطيبة بالداخل... وهو يعرف أنها بالداخل... إنها جالسة إلى جوار العجوز... تحدثها... وتسرد عليها أقاصيص دينية... أو دنيوية... وبمجرد سماع الجارة للطرق... لبست ملابسها... وقالت بصوت مرتفع:
- "من بالباب؟"
رد حسان في ثقة:
- " أنا حسان... أريد السلام على الأم ضاحية "
كان حسان يقول هذا الكلام وهو يتلذذ بشيء خفي في نفسه... لكن... أدهشه أن سمع من الجارة قولها وهي تخاطب نفسها:
- " إلى متى وهذا الوقح يطاردني؟... "
مرت لحظات... فتحت الجارة الباب... وعندما سلم حسان... لم ترد السلام... انصرفت والغضب الشديد يبدو على كل حركاتها... عند ذلك... أصيب حسان بأشنع خيبة أمل في حياته... لقد أدرك أن هذه المرأة ليست امرأة طبيعية... على أية حال.
- " أعوذ بالله من هذه المرأة العدوانية... ما هذه التصرفات؟... ثم... ماذا جنيت لها؟... ومتى طاردتها؟"
بدأ حسان يشك في نفسه... وطوى خجلاً بالغاً في جوانحه... وأقبل مسلماً على العجوز.

2- الطيبون... لمن؟

 العجوز ضاحية... تبدو وكأنها لم تَدْرِ شيئاً عما حصل... إنها تسير بإرادة الله... على أكف هؤلاء الطيبين... لها أملها البريء في أن تجمع حسان وجارتها هذه... بين جدران سقف واحد... تريد أن تسعى في تزويجها منه... أو تزويجه منها... لا فرق... هي تنظر للحياة بكل هذه البساطة... واقتناعها بأن الطيبين دائماً للطيبات... جعلها تجعل من الجارة الطيبة... زوجة تلقائية لحسان... ولكن... يبدو أن الأمور ستتمخض عن شيء جديد... يُطيح الجدران والسقف... التي أرادت العجوز أن تُسكن الطيبين والطيبات بينها... على رؤوسهم... ومن يدري؟.
هذه الجارة تحمل شيئاً كبيراً في نفسها... يبدو وكأنه كره عميق لحسان... فهل يا ترى سيكون لهذه الجارة... سرٌ آخر؟.
أما حسان فإنه يحمل إعجاباً بتفاني هذه الجارة... وحبها للخير... لقد رقص قلبه طرباً عند سماع التلميحات التي نثرتها العجوز على عواطفه المتدفقة بحب الطيبين... ولكن... يبدو الأمر مختلفاً تماماً... بالنسبة للجارة... فهي دائماً تضيق بتلك التلميحات... وهي إن مثَّلت دور الحمل الوديع... مع العجوز... إلا أنها تمثل دور اللبؤة المتوحشة... مع حسان.
هكذا بدت الأمور لحسان... وهكذا بدأ الصراع الجديد... مع نفسه ومع جارته غريبة الأطوار.
أصبح هناك سِرَّان تحترق أوراقهما في قلب حسان... سران لم يعثر على جواب لهما... سر المرأة العجوز... وحياتها الغامضة... والآن... سر المرأة الشابة... وتصرفاتها الغامضة... من هي يا ترى؟... ومن تكون؟.

الفصل الرابع

1- حي الوصائل الراكد

حي الوصائل... حي وادع جميل... وكل معطياته تسير بكل هُدوء واستقرار... أُناسُه طيبون... ونساؤه طيبات... وهو ذاته... الحي الذي يسكن فيه حسان والجارة والعجوز.
 هذا الحي يقع على مرتفعات السروات... وفي منطقة ما... المرتفعات الشامخة غالباً يتَّسم سكانها بالأنفة والشموخ... وكثيراً ما ينظرون للطقوس الاجتماعية نظرة إجلال وإكبار... يستخدمونها لتحقيق ذواتهم... يسعى الآباء جاهدين لغرسها في أنفس أبنائهم... بنفس الاهتمام الذي غرسها به آباؤهم من قبل في أنفسهم.
الجو هناك يميل للبرودة... مع أنه لم يصل إلى درجتها القصوى... والأمطار تنزل هنا وهناك... تارة بغزارة... وتارة أخرى بتقتير.
الترابط في هذه البيئة بين أفراد المجتمع قد يصل إلى حد التمازج... سكان القرى في الهِجَرِ... وسكان الأحياء في المدن... يتقابلون كل أسبوع تقريباً... والجو المتقلب يبث الطمأنينة في أوقات هدوئه واعتداله... وينشر الرعب في كل موطئ قَدَمٍ... عندما يُكشِّر البرد القارص عن أنيابه الباردة.
حيُّ الوصائل يسكنه في الغالب أصحاب الدخل المحدود... أولئك الذين لا يكاد ينتهي الشهر إلا وقد انتهت معه رواتب أرباب الأسر... وقد يضطرون للاستدانة... حتى تنفك عنهم تلك الضوائق المحكمة... غالب سكان الحي من الموظفين في القطاع الحكومي... وفي الغالب... لا تكاد تجد سيارة جديدة ولا فارهة تقف أمام باب أي منهم.
المنازل في هذا الحي أُعِدَّت للإيجار... ويملكها أناس يسكنون في أحياء أكثر رقياً... ويتقاضون كل ستة أشهر أحد قسطي الإيجار... الذي يتراوح في الغالب بين خمسة وسبعة آلاف... وكل عمارة تتكون غالباً من دورين... وكل دور يحوي شقتين... وكل شقة تحوي أربع غرف ودَوْرَتي مياه ومطبخ... وهكذا دواليك.
 الغريب في الأمر... أن السعادة مرتسمة دائماً على وجوه أولئك النفر...من سكان الحي... ولا تفارقهم إلا في حالة نزول نكبات ما... من مرض أو موت.
والرجال يجتمعون كل فريضة في المَسجد... ويجتمعون كل يوم أحد... في منزل أحدهم.
أما اجتماع النسوة فهو كل يوم تقريباً... وقد يكون في الصباح وقد يكون في السماء... وقد يكون في الصباح والمساء أيضاً... وتدار القهوة والشاي والكيكات... والألسن أيضاً... وغالباً ما يكون الحديث عن فلانة وعلانة... ومدح في الحاضرات وقدح في الغائبات... وانتقاد من الزوجات لأزواجهن... أو لأزواج غيرهن... وقد تذكر إحداهن أدلة قاطعة تدعم بها دعواها بأنها المسيطرة الأولى والأخيرة على زوجها... وأنه عندها أشبه بابن الكنغر... الذي تضعه أمه في جيب بطنها.

2- أسرة رائعة

عندما تحضر ابتسام... إلى مجالس نساء الحي... وهي نادراً ما تحضر... تنقلب تلك المجالس رأساً لعقب... ويحل الهدوء والسكينة... وتنقطع الغيبة والنميمة... وتُذكر محاسن الغائبات ومحاسن الأزواج... وتتفاخر النسوة بطاعتهن لأزواجهن.
 ابتسام فتاة مؤدبة ومتدينة... وتحمل لواء الإصلاح دائماً... وهي ذات شخصية محبوبة للغاية... وتجيد إدارة المجالس بالطريقة التي تريد... لديها أسلوبها الساحر في الحديث... ولها ثقافتها الإسلامية الناضجة.
إنها جميلة ومهذبة... وهي متزوجة ولها طفلان... وزوجها اسمه حسان... وهو ذاته حسان الذي يقوم برعاية العجوز ضاحية.
ابتسام وحسان يسكنان في إحدى الشقق... في حي الوصائل... لكن السعادة التي تغمر تلك الشقة المتواضعة... تتعالى على السعادة التي تَحل مع أصحاب القصور في قصورهم.
حسان رجلٌ من طرازٍ خاص... نسيج فريد في هذا الزمن... ولو تمنت أم أن يجتمع في ابنها كل صفات الخير... لما كان ذلك الابن إلا حسان... ولو تمنت زوجة... أن يجتمع في زوجها كل صفات الخير... لما كان ذلك الزوج إلا حسان... إنه رجل محبوب على كل مستويات صداقاته.
أما عمله... فهو يعمل لدى مديريَّة الصحة بمُسَمَّى وظيفة مراقب صحي... وراتبه الذي يتقاضاه من تلك الوظيفة... متدنٍ جدّاً... إذا ما قيس بمطالب الحياة التي تُطلب من رب أي أسرة تعيش في مجتمع نفطي... مُترع بالترف إلى حد التخمة.
ليس حسان ممن يحرصون على جمع الأموال... أو كنـزها في البنوك... وليس ممن يضرب لحياة المستقبل ألف حساب... وإنما هو بسيط غاية البساطة... يريد أن يعيش في منزله المستأجر حياة الكفاف... ولا يريد أن ينقص على أهل بيته شيئاً يعتبر من أساسيات الحياة... ولكنه أيضاً لا يريد أن يُحمّل نفسه أيَّما مبلغ مستدان... لذا رتب حسان مصروفاته الأهم فالأهم... على حسب راتبه.
كل سكان الحي يحبون حسان من سويداء قلوبهم... لسبب بسيط... لا يعرفه الجيران بشكل دقيق... ولكن حسان يعرفه جيداً... إنه لا يقابل أحداً يعرفه... أو لا يعرفه... إلا وترتسم على وجهه الصبَّوح... ابتسامة مشرقة... ويردف تلك الابتسامة... بالسلام على من عرف ومن لم يعرف.
الكثير من شباب الحي يحبون أن يقتدوا به في أفعاله وتصرفاته... والقليل يأخذون معه جانب الصمت... ولا أحد أبداً يلمزه أو يسخر منه.

3- الشِّقَّةُ المُتَواضِعةُ

دق الجرس... وأسرعت ابتسام لفتح الباب... كانت تنتظر زوجها حسان على أحر من الجمر... وكانت تحمل في يمينها كوباً من عصير الليمون المبرَّد... وفي يسارها كوباً من الماء.
دَلَفَ حسان مبتسماً عبر الباب... وبمجرد رؤيته الابتسامة الفاتنة... التي ارتسمت على وجه ابتسام... انزاحت عن كاهله جميع هموم الحياة... وفي أثناء ذلك... أقبل وليد... الابن الأكبر في الأسرة... وهو يمسك بيد أخته ولاء... وقال في شيء من الدلال:
- " بابا... هل أحضرت لنا شيئاً من السوق "
أسرع حسان إلى طفليه في شوق عارم... وبدأ يقبلها بحرارة بالغة.
 الحياة في تلك الشقة المتواضعة... تتربع على هامة السعادة... والطمأنينة تسكن جميع أنحاء المنزل.
وابتسام تحب زوجها أشد ما يكون الحب... وتضحِّي بكل غالي من أجله... وأجمل ما في الأمر... أنها امرأة تخاف الله... وتحافظ على الصلاة.

4- مركز الميزان

يبعد منزل حسان... سابق الذكر... عن المسجد المتربع في مركز الحي...  قرابة الثلاثمئة متر شرقاً... وعلى بعد ثلاثمئة متر من جهة الغرب... تجثم عمارة أنيقة من الطراز الحديث... ذات أدوار ثلاثة... ويحيط بها سور ضخم... ويتسارع إلى ذهن الناظر إليها... الجزم بأنها مِلْك لإحدى الأسر الغنية... لكن الناظر عندما يدقق النظر أكثر وأكثر... يستقر في وجدانه أنها عمارة تسري في جنباتها علامات الموت... السبب في ذلك... أنه لا يوجد فيها أي حركة أو صوت... ولا يوجد جوارها أي سيارات... وفي الليل... لا ينبعث إلا ضوء باهت من إحدى غرف الطابق الثالث... وبحلول الساعة العاشرة... يُطفأ ذلك الضوء... وفي الصباح الباكر من كل يوم... يحضر الباص الخاص بنقل المعلمات... لتدلف مع بوابته... معلمة تبدو بائسة محرومة.
حقاً... إنها معادلة صعبة... بل ربما كانت مستحيلة الحل... وميزان اضطربت كفتية... فلو اعتبرنا هذه العمارة... هي إحدى كفتى الميزان... وشقة حسان الصغيرة... هي كفة الميزان الأخرى... والمسجد هو مركز الميزان... لأدركنا على الفور... أن السعادة ليست أبداً في حطام الدنيا.
تلك العمارة تحكي ببلاغة... حال المتخمين... الذين امتلأت أجسامهم بالأمراض العصرية... التي لا تصيب الفقراء أبداً.
ولكن... ما قصة تلك العمارة؟... ومن هي تلك المعلمة البائسة؟... وما هي قصتها كاملة؟

5- ساكنة العمارة

جواهر... هو اسمها... ومِهنتها معلمة لمادة الفيزياء... وعمرها سبعة وعشرون عاماً... هذه هي البطاقة الشخصية لساكنة تلك العمارة الكبيرة... الأهم من ذلك... هو أن أباها توفي وترك ثروةً طائلة... اقتسمت جواهر تلك الثروة مع أخيها الوحيد... وكانت حصتها قرابة الثلاثة ملايين ريال... إضافة إلى هذه العمارة.
والدتها توفيت وهي لا تزال طفلة... وخالتها -زوجة أبيها- وأم أخيها... أيضاً توفيت بعد وفاة والدتها... بزمن... وجواهر لا تذكر شيئاً من تلك الأحداث... الشيء الوحيد الذي تذكره... هو أن والدها كان يحبِّها حباً كبيراً .
في الواقع... لم يكن والد جواهر رجلاً ثرياً بداية الأمر... لقد كان من أفراد الطبقة العادية جداً في المجتمع... وبقُدْرَة قادر... كانت مزرعته المتواضعة... هي القفزة التي أحالته من رجل ذي دخل محدود... إلى صاحب ملايين.
 ذلك أن طريق الإسفلت الذي يشق المدينة... لم يكن له بد من أن يفرش بساطه الأسود... على تلك المزرعة... ولم يكن لوزارة المواصلات... أن تأخذ " مزارع خلق الله وأرضهم "... دون أن تعوضهم... وقد كان نصيب تلك المزرعة التي يملكها والد جواهر... أضعافاً مضاعفة لقيمتها الحقيقية... وعندما تسلم والد جواهر... ما يقارب الأربعة ملايين ريال... وكانت هذه النقلة كبيرة جداً في حياة الأسرة... إلا أن الأب لم يغير كثيراً من أنماط حياته البسيطة... التي استمر عليها طيلة صِباه وطيلة شبابه... لقد مر الوقت هادئا... واشترى والد جواهر أرضاً على شارع تجاري... ثم قام بإعمارها... ثم بنى عمارة في مدينة أخرى... بهدف الاستثمار أولاً... وبِهَدفِ اصطيافه هو وعائلته فيها ثانياً... وكانت تلك المدينة ذات جو بديع... في وقت الصيف... وهي بتحديدٍ أدق... في أعالي جبال السروات... وفي حي يدعى حي الوصائل.


الفصل الخامس

1- زواج... منذ عشر سنوات

جواهر... ذات السبعة عشر خريفا... لتوها تخرجت من الثانوية العامة... تقدم شاب للزواج منها... كان ذلك الشاب قريباً لوالدها... فهو ابن بنت خالته.
استطاع الشاب أن يبدو في صورة الرجل المناسب... عند تقدمه للخطبة... بدت عليه صفات الشهامة والإخلاص والصدق... وحتى التدين... وأوهمهم أنه لم يتقدم إلا حباً لهذه الأسرة... ورغبة في الزواج من بنتٍ ذات أدب ودين وخلق.
لم يكن لدى جواهر القدرة أو الاستطاعة على معرفة هذا الرجل عن كثب... أما أبوها فقد وثق في الشاب ثقة كبيرة... واستطاع إقناع ابنته بهذا الزواج.

2- الزوج... الذئب

وبعد أن تم الزواج... وفي حدث مفاجئ... خَلَع الشاب ثوب الضأن... ولبس ثوب الذئب... وظهر بشعاً بصورة مذهلة... لا يمكن أبداً تحملها... لقد اتضح كل شيء... الشاب لم يتقدم للزواج إلا طلباً في الثروة... التي ستستقر في يد جواهر وأخيها... في يوم ما.
استمر الزواج لمدة عام كامل... كان ذلك العام هو أقسى عام عاشته الفتاة ... ولعل كل نعمة عاشتها من قبل... قد حوَّلها ذلك العام... إلى شيء أقرب للفحم الأسود... إهانة وظلم وتجاهل لأعباء الحياة.
هدف واضح كان يهدف له زوجها... إنها الكراهية...إنه يستخدم كل طريقة كي يجعلها تكرهه... وذلك لسبب وجيه... بالنسبة لأطماعه... أنه يريد منها أن تطلب الطلاق... كي يتسنى له طلب ما يشاء من مال أبيها... الذي تأكد له أنه لن يموت قريباً... وانتظار موته الذي قد يكون بعد عشرات السنين... إضاعة للعمر فيما لا طائل من ورائه... هكذا سوَّلت له نفسه الرخيصة... وهكذا فكر له عقله الإجرامي.
جواهر صابرة على حالتها هذه... طال الصبر وامتد... وبعد أن بلغ صبرها مداه... قررت أن تشكو حالها لأبيها.
ذهبت لوالدها... وبدأت تصف أصناف العناء... لكن الوالد المجرِّب... طلب منها أن تصبر... كان يأمرها بالتضحية من أجل بقاء هذه الأسرة الوليدة... قال لها:
- " لعلك الآن حامل... يا جواهر... هذا نصيبك... اصبري"
هنا توقفت جواهر مع نفسها بخوف وقلق... لقد خشيت من مَغَّبة حملها لو قُدّر لها أن تحمل من هذا الذئب... وعندما كشفت لدى مستشفى خاص... قال لها الطبيب:
- " اسمعي يا أختي... أنت لست حاملاً... ولكن... سأكون صريحا معك... يبدو أن عيبا خلْقيا لديك... لا يجعلك تحملين... هل تريدين إجراء فحص كامل؟... ربما كنت في حاجة لعملية جراحية... ستكون نسبة نجاحها عالية... ولن تكلف الكثير"
لم يعلم الطبيب لماذا جاءت هذه المرأة... ظن أنها جاءت من أجل الاستبشار بالحمل... لم يعلم أنها تهرب منه... لكن صدمتها كبيرة عندما علمت أنها قد تكون عقيماً... أمر صعب عليها... ولكنه قد يهون إذا تذكرت أنه لن يجعل بينها وبين عدوها علاقةً تمتد للأبد.

3- شيء لا يطاق


ذات يوم... دخلت جواهر على والدها... كانت دموعها تعبِّر عن كل مشاعر خيبة الأمل... موقف واحد من عشرات المواقف... بدأ تعرضه على والدها:
- " أبي... كنت أجلس في السرير... الساعة قرابة الثانية بعد منتصف الليل... وحيدة في منزل خالٍ... إلا من الهموم والأحزان... أتدري... لقد كان في الخارج يسهر كعادته... مع رفاقه... أو... لا أدري... مع رفيقاته... لا يعلم إلا الله ... وبمجرد وصوله... استقبلته بكل رحابة صدر... كنت أقول في نفسي... سأتنازل عن الكثير الذي لي عنده... المهم أن يصلح حاله... طُرق الباب... وطَرقت الهموم جدار قلبي... وقمت متجهة للمطبخ... وحملت كوباً من عصير العنب... نعم... عصير العنب... لازلت أذكر كل تفاصيل الموقف... حتى لون الكوب... وكمية العصير... اتجهت بعد ذلك نحو الباب وقلت:
- " من بالباب؟"
-" أنا ... "
إنه صوت زوجي... كنت أعرف ذلك... لأني سمعت صوت سيارته عندما توقفت... أنا أعرف صوتها جيدا... ابتسمت... وفتحت الباب وكنت في أثناء ذلك... أنظر إليه... كنت أَسْتَجْديه في إلقاء ابتسامة مقابلة... وكنت واقفة على الباب... وقلبي يدق خوفاً... ولكن... شزراً نظر إليَّ... لم يلق لعواطفي أيَّ بالٍ... سَخِرَ كِبْرُهُ من ابتسامتي... ودخل مستهتراً بكل شيء... تبعته متجاهلة كل كبريائي... وقلت:
-" أهلاً بك يا حبيبي... تفضل العصير "
-نظر إليَّ باستخفاف... ثم قال :
-" انصرفي عن وجهي يا جرثومة"
... لم أتمالك أعصابي ... لقد انهارت نفسيتي... وبَرَدَت أطرافي... وسقط الكوب من يدي على الأرض... وتناثر العصير الأحمر... كما تناثرت من قبل... دماء كرامتي... عند قَدَمَي هذا الوغد... قال... وكأنما قُدَّ قلبه من فولاذ:
-" كسرتِ الكوب... ودَمَرْتِ الفرش "
اقترب مني في انفعال مصطنع... ورفع يده في غبطة... وأهوى بها على وجهي... الذي تحوّل أمامه إلى قطعة قماش خلِقة... وتلاشت نفسي أمامه... وتلاشت الحياة أمامي... كرهت في داخلي الرجال... كلَّ الرجال... وكرهت الزواج... وكرهت الأزواج... وخطر لي أن أقتل نفسي ... لكني بقيت جاثية على قدمي لفترة... ثم انتبهت... لم أشأ أن أنام... وأين سأنام... هل سأنام معه في فراش واحد... أو غرفة واحدة... لا... حينها لم أجد بداً من التوجه على دورة المياه... أقفلت على نفسي هناك... مرت الساعات كالسنوات... وأصبح الصباح... وجئت إليك... يا والدي"
أيقن الوالد بعد سماع هذه القصة... أن ابنته تسير في طريق طويل من الظلم...لذا سألها:
-" هل تريدين الطلاق؟ "
-" نعم يا والدي... لقد بَلَغَتْ النفس الحلقوم... لم أَعُد أحتمل "
-" ما دام الأمر كذلك فسأفصل الأمر "

4- الطلاق

       لم يكن الأب سعيداً لهذا الطلاق... لقد بدا له خيبة رجائه في هذا القريب... وبدا له ضياع مستقبل ابنته بعد أن تطلق... ولكنه أرسل عدة أشخاص ليفاوضوا زوجها في الطلاق... وبعد أن تمت المفاوضات... وعلم الأب بما يريده الزوج... ذهل ذهولا كبيرا... لقد عرض الزوج طلباته... كي يوافق على الطلاق.
بدا للأب فعلاً أن هذا الرجل لا يصلح إلا أن يعيش في الغابة... بين الوحوش... بكى كثيراً من أجل ابنته... ولكنه في النهاية... سلم للأمر الواقع.
لقد طلب ذلك الزوج مائة ألف ريال... قيمة لورقة الطلاق... ولم يتنازل عن ريال واحد... وبالفعل تسلم المبلغ... وانتهى الكابوس من حياة جواهر... وأصبحت حُرَّةً طليقة... تنتشي كلما تذكرت أنها لا تأرز تحت سيطرة أي رجل يدعى زوجاً.
كرهت جواهر على إثر زواجها ذاك كل الرجال... وكرهت الزواج أيضا... لذا قررت أن تعيش حياتها حرةً طليقة.

5- أيام الوحدة

 وبعد عام واحد من طلاق جواهر... مات والدها... كان حزيناً على ما حصل لابنته... لقد انطوت صفحته... وكان لموت الأب أكبر الأثر على ابنته... بدت لها الحياة صغيرة على حقيقتها... تضاءل كل شيء في نظرها... بدت الحياة أكذوبة كبيرة... كل الناس يصدِّق ألاعيبها... وبدأ الفراغ القاتل يكوي جواهر في وحدتها... لا شيء له طعم... لا شيء له ذوق... لا شيء له رائحة طيبة... أخوها الأكبر رجل أعمال... لقد اشتغل في تجارة والده... له أسرته وبيته الخاص... وهي وحدها في منزل والدها مع الخادمة.

6-  ماذا في الخزانة؟

وفي أحد الأيام... كانت جواهر تقلب في مكتبة والدها... تريد تقطيع شيء من الوقت... وجدت مفتاحا صغيرا في أحد الرفوف... يبدو المفتاح مهما... إنه بالتأكيد لأحد الأدراج المقفلة... أخذت جواهر المفتاح... وبدأت تجرب... وأخيرا فتح باب أحد الأدراج... نظرت جواهر باهتمام:
– " أوه .. ما هذا؟"
أدخلت جواهر يدها بهدوء... وأخرجت شيئا من الداخل... وبدأت تقلبه باهتمام... إنه مصحف له غلاف مُذهب... فتحت أول صفحة... تأثرت كثيرا... لقد وجدت خَطّاً بقلم والدها... وكان المكتوب فيها:
- " هذا هو العلاج... القرآن الكريم... فيه شفاء لما في الصدور... هذا كلام الله... تتنزل علينا به السكينة والطمأنينة... ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
لم تُلْقِ جواهرُ بالاً لهذا الكلام... إنها تسمعه كثيراً من كل أحد... كلِّ يقول ذلك... القرآن يذهب الهموم... كانت تقول في نفسها... هذه مجرد دعايات... أدخلت يدها ثانية... وجدت شيئا آخر... أخرجته باهتمام... إنه صندوق بلاستيكي... فتحته... وجدت بداخله شريطا كاسيت... قرأت عناوين الشريطين... كتب على أحدهما... سورة مريم... كتب على الآخر... تفسير سورة مريم.
شعرت جواهر بخيبة أمل... حدَّثت نفسها بالطريقة الأولى... وكأنها تقول:
- "أنا أريد شيئاً آخر... ألا يوجد غير هذا؟"
ولكنها تذكرت والدها... شعرت أنها تطلع على وصيته:
-" هذه أشبه بالوصية... نعم ... القرآن... يبث الطمأنينة"
نظرت جواهر للمسجل الموضوع في زاوية المكتبة... في إطار خشبي جميل... اتجهت نحوه... ووضعت شريط القرآن... وبدأت في السماع...
" ك هـ ي ع ص ... ذكر رحمة ربك عبده زكريا... إذ نادى ربه نداء خفيا... قال رب إني وهن العظم مني... واشتعل الرأس شيبا... ولم أكن بدعائك رب شقيا..."
جلست جواهر على الأرض... وأسندت ظهرها في استرخاء على الجدار... وواصلت السماع... ومع سماعها ذاك... وجدت أن روحاً جديدة تبث في أعماقها... روحٌ من أمر الله.
شيء ما بدأ يدخل حياة جواهر... القرآن... لقد أحست معه بالطمأنينة والأنس... سمعت التفسير أيضاً... ومع الأيام... بدأت تشعر أن كابوسَ همومِها ينقشع... أحست بالصفاء... وأحست بحاجتها للانكسار بين يدي الصلاة... قصة طويلة عاشتها... مدادها الخوف والقلق والظلم... لقد أصبحت الآن... تسطر بماءٍ من نور... ونفسيتها أصبحت مرتفعة جدا... قررت جواهر أن تعود للدراسة... كي تخرج من وحدتها إلى عالم أرحب.      
الآن لعلنا نذكر حسان... ونذكر المرأة الغريبة... التي غضبت عندما فتح لها حسان باب ضاحية الخشبي... هناك تفاصيل هامة في حياة جواهر وحياة العجوز ستنجلي عن سر غريب.

الفصل السادس

1- مجيء جواهر للوصائل

الواقع... أن الجارة الطيبة للعجوز ضاحية... والتي تتقاطر طيبة ورقة... ليست سوى جواهر... التي طلقها زوجها الجشع منذ عشر سنوات... لقد أكملت دراستها بنجاح... إنها هي صاحبة القصر الكبير... فبعد أن قُسمت ثروة الأب بين الابن الأكبر وجواهر... كانت العمارة في حي الوصائل من نصيبها... ولكنها لم تنتقل حينها إلى هذه العمارة... وإنما بقيت في بيت أبيها... لأنها كانت مرتبطة بالدراسة في الكلية... وهي هناك قريبة من أسرة أخيها... مع أنه كان أقل اهتماماً... ولكنه على أي حال أفضل من العدم.
لقد كان أخوها المشتغل بتجارته المتزايدة... لا يملك وقتا للجلوس مع أخته... خاصة وأنه يكبرها بما يقارب العشرين سنة.
 أما رصيد جواهر في البنك فقد استمرت الزكاة تأكل منه كل سنة خمسةً وسبعين ألفاً... جواهر حريصة على إخراج الزكاة... الزكاة هي المال الذي يبقى عند الله... عمارتها في الوصائل خالية على عروشها.
 وقبل عام واحد... وعندما تخرجت جواهر من الكلية... كان الحظ سعيدا... لقد تم تعيينها في المدينة التي فيها عمارتها... رحلت جواهر إلى المدينة... وسكنت عمارتها... في الدور الثالث... وباشرت عملها كمعلمة... وبدأت حياتها أكثر استقراراً من ذي قبل.
أخو جواهر قرر شراء فلة أنيقة... في المدينة التي تعينت فيها أخته... للاصطياف أولاً... وثانيا ليكون قريبا من أخته... على الأقل في وقت الصيف...وأيضا لأنه يريد فتح مشاريع استثمارية في تلك المدينة.

2- المثالية... جواهر

جواهر... كثيرا ما تفكر وتتأمل... وتحرص على أن تكون امرأة مثالية... لها أفكارها المستقلة... ولها جدولها الخاص في قضاء أوقاتها... بعد أن استقرت حياتها في عمارتها الكبيرة... وهذا التنظيم جعل من حياتها حياة هادئة مستقرة... بشكل كبير.
إنها بالفعل امرأة متدينة... في بداية حياتها كان تدينها فطرياً هادئاً... إنها تعبد الله بالطريقة التي تَعَارف عليها المجتمع... ولكن بعد دخولها الجامعة... تعرفت على الكثير من الصديقات...وتغيرت توجهاتها تجاه الدين... لم يعد الدين عندها مجرد صلاة وصوم... لقد أصبح الدين طريقَ حياةٍ... الدين الحقيقي الذي ينبع دفئاً وروحانية... ويتدفق بحبٍ يفيض بكل معاني السمو الروحي... والأخلاق العالية... هكذا أوحت التجربة لجواهر... النظرة المطمئنة للحياة أصبحت تستولي على لُبِّها... الإسلام هو الحل الواقعي لكل مشاكل الدنيا... الحل لمشاكل الشباب... والحل لمشاكل الصبايا... إنه الحل للانفجارات العنيفة... التي تثور في طيات النفس البشرية... وهو الحل أيضا من أجل تجفيف الدموع المنحدرة على خدَّي كل مظلوم... أو إهدار شيء من الدموع علي خدي كل ظالم.
الإسلام المُنساب إلى خلجات النفس الظامئة... والذي يسقيها بنهر من عسل... أو نهر من لبن... يغسل به آثار نهر الخمر والجنون... الذي عكرها سابقاً... هكذا كانت جواهر تنظر لدينها... وهكذا تشبثت بمبادئها السامية... بكل ذرات جسمها.

3- الأبواب المتهالكة

ومع مرور الوقت... أجبرها الفراغ على الانهماك في القراءة... واستطاعت جواهر بعد فترة وجيزة... أن تتعلم الكثير... لقد قرأت الكثير... وهي الآن تكتب... كم كانت دهشتها عندما رأت أفكارها تتدفق بسلاسة وإبداع... على أوراقها البيضاء!... قرائح كانت كامنة في جوهرها المكبوت... تفجرت عن إبداع مذهل... بدأت جواهر تنشر ما تكتبه في صحف المدرسة.
كثير من وقت جواهر تقضيه مع بعض طالباتها... لقد بنت معهم علاقات طيبة... إنهن يحببنها أشد ما يكون الحب... ويَعْرِضْنَ عليها أيما مشكلة تواجههن... وتستطيع جواهر بحكمتها مساعدتهن في الكثير.
جواهر لم تكن بحاجةٍ للراتب الذي تتقاضاه آخر كل شهر... لذا قررت إنفاق راتبها في دعم الطالبات الفقيرات... وربما كانت تهدي لهن هدايا متعددة.
الأجمل من ذلك... أن جواهر بدأت في دراسة مشروع آخر في حيها الجديد... إنها تريد معرفة تلك الخبايا... التي لا يهتم بها في الغالب أيُّ أحد... كثيرون هم أولئك المهتمون بأوضاع المجتمعات... ولكنهم في الغالب يهتمون بالأوضاع الشكلية... التي تسر الناظرين... ولا يُكلِّفون أنفسهم التعمق... لنفض التراب الذي راكمته سنون الفقر والحرمان... على أرفف وجدران البيوت العارية... حتى من أقل درجات الحقوق الإنسانية... لأنهم وإن كانوا مصلحين... إلا أن أحدهم ربما لا يرضى أن يهبط بنفسه إلى درك ينزل فيه مستواه... عند نفسه وعند الآخرين... حتى ولو كان نزوله ذلك ارتفاعاً عالياً في درجات النبل... وارتفاعاً أيضاً في الدرجات عند الله.
 جواهر طراز خاص... لقد استطاعت بجدارة... اختراق تلك الحواجز النفسية... التي تقف حائلا دون المُصطلح... ودون نفض تراب أرفف الفقراء... وتراب أنفسهم الغبراء.

4- العجوز الطفلة

طرقت جواهر أبواباً عديدة... غَزَتْها من قبل دودة الخشب... وولجت إلى منازل عديدة... ذات جدران ترابية متهالكة... قد نخرتها جيداً حشرة الأرَضَة... ومن بين تلك الأبواب... التي طرقتها جواهر... باب العجوز ضاحية.
تلك الأوضاع البائسة... لم ترتسم في ذهن جواهر فحسب... عندما دخلت لمنزل ضاحية... وإنما نقشت نقشاً لا يمكن أن يطمسه الزمن... هناك شيء آخر... انتقش في فؤادها... لا يُدْرَى أبداً ما سببه... إنه الحب الصادق لهذه العجوز... الواقع أنه حبٌ غير طبيعي... جميع مَن كانت جواهر تقدم لهم إحسانها... كانت نقوش العطف والرحمة... هي النقوش التي تُنقش في نفسها من أجلهم... أما بالنسبة لضاحية... فإن نقوش الحب... ونقوش الميل القلبي الجارف... هي النقوش الأكثر ارتساما في فؤادها.
لم تشعر جواهر بذلك... إلا عندما وجدت قلبها يرقص في مكانه... عندما رأت وجه ضاحية الضامر... أحست أنها تريد أن تمسح على رأسها بحب... وأن تقبل جبينها... وأكثر من ذلك... لقد أحست جواهر... أنها ترغب في أن تنكبَّ على صدر هذه العجوز... لتغرقه بدموع حارة... لا معنى لها عند جواهر... ولكن قد يكون لها معنى في الواقع... وربما كان لها معنى آخر... يفسر شيئا من تلك الحقائق الغامضة... في حياة ضاحية.
قررت جواهر أن تُشْبِعَ ضاحيةَ بحبها وحنانها... وقررت أن تفرِّغ على قلب العجوز... جميع المشاعر المتدفقة... التي أُودعت قلبها الطيب... ثم أُقفل عليها فيه... بِقُفْلٍ رُمي مِفْتَاحه في البحر الميتِ... موتَ حياتها المقتولة... بخنجر زوجها الأول.
شيء واحد كانت جواهر تفكر فيه بقليل من الجدية... مع أنها امرأة كأيِّ بنات جنسها... إنه التفكير في أن يكون لها أطفال تُغدق عليهم من حنانها... ربما كان ذلك... لأن زواجها الأول... جعلها تشك في قُدرتها على الإنجاب... إنها ولمدة عام عاشته معه... لم تحمل... لذا لم تعد تفكر في أن يكون لها طفل أو طفلة.
الآن أصبحت العجوز ضاحية... تُعبِّر عن حقيقة الطفل الصغيرة... لدى جواهر... ربما كان غريبا ذلك الإحساس... ولكن جواهر... أحست بحاجتها لهذه العجوز... بعد أن أحست بحاجة العجوز لها... عجوز في آخر منعطفات العمر... تحتاج لمن يطعمها ويعطف عليها... وما الفرق... إنها تماماً كطفل... وجواهر أصبحت بالنسبة لها تماماً كأم.
 لكن... ربما لم يكن هذا السبب... هو السبب الحقيقي وراء ميل جواهر للعجوز... بيد أن هذا السبب هو السبب الذي أقنعت جواهر به نفسها... وهي تقوم بكل أعمال الأمومة مع العجوز ضاحية... و ربما كشفت الأيام أسبابا أخرى.

الفصل السابع

1- صدمة غير متوقعة

الشمس تعمل جاهدة في تدفئة هواء الصبح... وتعمل أيضاً على رفع درجة حرارة كل قطرة من قطرات الندى التي أتاح لها الليل أن تنزل... كي تتبخر من جديد.
 وأشعة الشمس تدخل من نافذة الصَّف... لتذكر المكان ببداية الحياة ليوم جديد... ويسمع ضجيج الطالبات مدويا... وهو يمزق أستار الصمت... التي عاشها الصَّف طيلة الليل... وفجأة... يعم السكون... وتتجه كل طالبة لمقعدها... وتدخل معلمة محبوبة... ابتسامتها تعيد الأمن في أنفس الطالبات... إنها الأبلة... جواهر.
بعد أن أدارت جواهر نظرتها على جميع الطالبات... كي تتوزع ابتسامتها الساحرة عليهم جميعاً... في عدل خرافي... لفت نظرها تلك الفرحة... المرتسمة على وجوه الجميع.
ليست الفرحة أمراً معتاداً للطالبات... خاصة في صباح يوم دراسي... يستقبل الطالبات فيه... أثقال جهد كوؤد.
سألت جواهر في رِقِّة إحدى الطالبات اللواتي يجلسن في المقاعد الأمامية:
- " قولي لي... ما سبب هذه الفرحة والسرور؟"
ردت الطالبة بسرعة... قبل أن تسبقها طالبة أخرى في الإجابة:
- " أمل ... يا أبلة... تزوَّجت "
كلمات عادَّية... بل وسعيدة... بالنسبة لجميع الحاضرات... اللواتي يشعرن بشيء من التفاؤل... ينقدح في أذهانهن... ويشي بحياة مستقبلية آمنة... ولكن الشيء يختلف تماما بالنسبة لجواهر... لقد اجتمع على قلبها شُعوران متناقضان ... ولا تدري جواهر ما أبعاد هذه المشاعر... مرَّت فترة صمت ثقيلة... ولكنها كانت قصيرة... بعدها قالت جواهر:
- " ألف... مبروك..."
وفي تلك اللحظة... بدأت القشعريرة تسري في أجزاء الجسد النحيل المكدود... الذي تحمله جواهر... وشعرت وكأن رأسها يطوف بجوانب الفصل... وازداد خفقان قلبها... وهي مع ذلك لا تعلم سبباً مقنعاً لكل هذا.
 لم تتمكن جواهر من البداية في شرح الدرس الذي أعدته... اضطرت للجلوس على الكرسي... ثم رفعت حقيبتها الصغيرة... وأخرجت قنينة ماء... وبدأت تشرب منها... الواقع أنها لا تشعر أبداً بأي حاجة للشرب... ولكنها شربت... وبعد ذلك... طلبت من جميع الطالبات لزوم الصمت... والبداية في مراجعة الدروس السابقة... وادعت أنها تشعر بصداع شديد.
 الطالبات لا يعرفن شيئاً عن جواهر... ولا عن حياتها الخاصة... ابتسمت إحدى الطالبات في شطارة... وأسرَّت إلى زميلتها بقولها:
- " أنا عرفت... أن هذه الأعراض ليست سوى أعراض الحمل... ولابد وأن الأبلة حامل"
لكن زميلتها أجابتها مستغربة:
-" ولكن... هل الأبلة متزوجة؟ "
-" هذا مؤكد... وماذا ينقصها لتتزوج؟... لابد وأن الخُطَّاب تسابقوا عليها قبل أن تختار زوجها الحالي... أنا على يقين "
- " صدقتِ... جمال... وراتب... ودين وخلق... ما شاء الله!... اللهم إنا نسألك من فضلك "
- " آمين... اللهم إنا نسألك من فضلك... مبروك عليها وعلى زوجها... لابد وأنهما أسعد العرسان"
- " الطيبات للطيبين !! "
في أثناء ذلك... كانت جواهر تَنْتَظِرُ انتهاء الحصة بفارغ الصبر... وكانت أسئلة كثيرة تضطرب في ذهنها... ومن بين تلك الأسئلة:
- " لماذا أُصبت بهذا الدوار؟... ولماذا اضْطَرَبَتْ جميع موازيني بمجرد سماعي لنبأ زواج أمل المنتظر؟... هل السبب في ذلك... أني أكره الزواج... وأكره ذكره... خوفاً على مستقبل كل بنتٍ ستدخل هذا السجن الحديدي... الذي يسمونه زواجاً... أم بسبب تلك التجربة الفاشلة... التي خضتها... والتي يُذكرني بها كلُّ خبرٍ يحمل في طيَّاته ذكرَ الزواج... أم هو يا ترى شيء آخر؟... هل هي الغَيْرَة؟... الغيرة!... هل من الممكن أن يكون غيرةً من تلك الفتيات اللواتي يتزوجن... الواحدة بعد الأخرى... وأنا قابعة في بيتي... أنتظر القطار المغادر منذ زمن... الذي قرر مسبقاً ألَّا يجيء؟... لا... لا..."
لقد بلغ التفكير بجواهر مبلغاً صعباً... يكاد يجعلها تبكي... وبالفعل... كادت حنجرتها تنفجر بالبكاء... إلا أن جرس انتهاء الحصة أسعفها برنينه... إنها هبة عظيمة نزلت عليها... قامت جواهر مثقلة من مقعدها... وولَّت خارجة.
كل الهموم والكآبة... التي ارتسمت على ملامح جواهر... لم تكن لتخفي على أمل... الطالبة الذكية... مع أنها قد خفيت على غيرها من الطالبات... لقد كانت أمل ترمق جواهر بعين متعجبة... وتساءلت حينها:
- "ما هو يا ترى ذلك السبب الكامن وراء هذه الحالة الغريبة... التي طرأت على المعلمة... بسبب سماعها لخبر زواجي... مع أنها دخلت الحصة في بدايتها وهي على أحسن حال؟... كانت مبتسمة هادئة"

2- تتغير الموازين

لقد كانت ثقة أمل في "أبلة جواهر" ثقة كبيرة... لذا تبعتها بعد خروجها من غرفة الفصل... كانت أمل تبحث عن جواهر... ولم تكن تدري ماذا ستقول لها... ولكنَّ السؤال الحائر في نفسها أَبَى إلا أن يبحث لنفسه عن جواب.
بحثت أمل عن الأبلة في غرفة المعلمات... لم تجدها... بحثت هنا وهناك... كان سوء الحظ ملازماً لأمل طيلة بحثها... أبدا الأبلة غير موجودة... وعلى أمل أن تعود للفصل بسرعة... وفي آخر لحظات... سألت إحدى العاملات في المدرسة... أجابت العاملة:-
- " الأبلة جواهر ... نعم... رأيُتها منذ دقائق... تدخل للمصلى "
انطلقت أمل مسرعة تحذوها أسئلتها... حتى دخلت للمصلى... وهناك... اكتحلت عيناها برؤية جواهر... لقد كانت جالسة في إحدى الزوايا... وهي تخنق عبراتها التي أبت إلا الانفجار... ولما استأذنت الفتاة بالدخول... مسحت جواهر عينيها... وقالت وهي تبتسم :
- " ادخلي يا أمل ... تَعَالَيْ... اجلسي هنا"
وتقدمت أمل بهدوء حتى جلست مقابلةً لجواهر ثم قالت :
-" هل تسمحين لي يا أبلة أن أسألك سؤالا... ولا أدري... قد يكون فيه نوع من الحرج؟ "
- " الحرج؟... تفضلي يا بنتي... ثقي أنني مثل أمك... أو قولي... مثل أختك"
- " أبلة جواهر... قولي لي... بصراحة... ما وجهة نظرك في زواجي؟ "
- " نعم... زواجك... يا بنتي... هل تريدين نصيحتي؟"
اتسعت حدقتا عيني أمل في دهشة... وقالت:
- " نصيحة؟!...نعم ... نعم ... "
- " إنها نصيحة امرأة مجربة... ومحبة لك... الزواج ليس بالأمر السهل... إنه أصعب قرار تتخذه المرأة في حياتها... الزواج يحتاج إلى تأنٍ... وإلى استشارة... يا بنتي... احذري المجاهرين بارتكاب الكبائر... احذري المنافقين... احذري الأناني... الذي يحب نفسه... ولا يبالي بعواطف الآخرين... ثم... إياك ومن لا يبالي بأكل المال الحرام... أو من يستغل طيبة الآخرين ليحقق مآربه... إياك ومن يتزوجك لا ليبني بيتاً لك وله... وإنما يكون هدفه بناء بيته وهدم بيتك"
 كانت جواهر تردد هذا الكلام... وكان صوتها يزداد ارتفاعاً مع كل لحظة... وفجأة... انفجرت حنجرتها بالبكاء... كانت تبكي بنبرات مرتفعة... ثم مالت على أمل... وضمتها لصدرها الحنون.
وفي شيء من السذاجة... قالت أمل:
- " لا عليك يا أمي... لا عليك... إنَّ زوجي يختلف تماما... إنه رجل يخاف الله... وهو يهتم بالصلاة... إنه  يا أبلتي... رجل مؤمن... وعندما رآني لأول مرة... قال لي مبتسماً:
- "الدين المعاملة... ولابد أن أعاملك يا أمل... تماماً كنفسي... وأنت كذلك"
نعم يا أبلة...لقد ابتسم أكثر... وقال لي:
- " لقد سمعت يا أمل... قول رسول الله... عندما قال..." خيركم خيركم لأهله ... وأنا خيركم لأهلي" ... وأنا يا أمل أيضا... سأكون مُتأسِّياً برسول الله... وأرجو أن أكون خيراً لك"
 تصدقين يا أبلة... قال لي عندما همَّ بالذهاب والانصراف... ووجهه يُشع بنور بريء... وعيناه تلمعان بوميض صادق... قال لي:
- " لابد أن نبني بيتاً "
قالت له :
- " بالطبع... هذا مهم... ولكن... قل لي... هل سنبني بيتاً قبل الزواج أم بعده "
رد علي بردً لم أتوقعه... لقد أخجلني رده... كان على حق... قال لي:
- " سنبني بيتاً في أعلى الجنة... وسنبنيه بحسن الخلق "
تصدقين يا أبلة جواهر"
ردت جواهر بتأثر... كانت عبراتها أكثر جفافاً... وابتسامتها تحتل من جديد على شَفتيها... لتشاركها ذهولها:
- " ماذا يا حبيبتي؟"
- " لقد كنت أقل ذوقاً معه... ولكن لا أدري... هل أخطأت أم أصبت؟... قلت له:
- " والدنيا... ألن نبني فيها بيتاً؟"
 ولكنه ابتسم... وأخرج من جيبه صورة فوتوغرافية... وناولني إياها وقال:
- " انظري... هذه هي صورة منزلي الذي انتهيت من إعماره منذ فترة قصيرة... ولم أسكنه حتى الآن... لأنه بقى أهم شيء فيه"
- " وما هو أهم شيء فيه؟ "
" الملكة... إنه أنت يا أمل... أنت الملكة"
كنت يا أبلة أشعر أن كلامه مقطوعة من الشِّعر الجميل... وقبل أن يودعنا... أخرج المصحف من جيبه... وقال في إيمان:
- " هذا... سيُنير طريقنا... وحتماً سيوصلنا لهدفنا "
ردت جواهر في شبه بلاهة:
- " الحمد لله... بارك الله لك في زوجك "

3- الطفل

انصرفت الطالبة... وبقيت جواهر مكانها... لم تعد جواهر الآن هي جواهر منذ قليل... لقد اكتشفت اضطرام اللهب في كثير من مشاعرها...  شيء ما... طالما أخفته في نفسها... وتجاهلت وجوده... لقد كانت تُقْنع نفسها بعدم وجود أي رصيد من تلك المشاعر... داخل الفؤاد الذي باع نفسه لله... وانصرف لفعل الخير... ولكن... الآن... بدأت خلجات جواهر تشعرها بسيل عرم من تلك المشاعر... يحاول اجتياح كيانها.
 لقد بدا لجواهر كثير من معالم أنوثتها وضعفها... ربما بدأت تشعر بحاجتها الماسة... لزوج... يحميها... ويقف بجوارها... ويُغدق عليها شيئا من حبِّه الصادق... وعطفه وإخلاصه... أغمضت جواهر عينيها... وبدأ يَتَرَدَّد في أذنها صوت الطالبة أمل... عندما كانت تقول :
- " اطمئني... إنه رجل يخاف الله... وهو حسن الخلق"
 " حسن الخلق "... " حسن الخلق "... يا له من لحن سحري... لقد بدأ يجري في عروقها... وبدأت تدب معه أحاسيس فياضة... من الأمان والحنان.

4- عالم من الخيال

كانت جواهر جالسة في المصلى بَبَدنها... ولكنَّ أفكارها وآمالها ليست هنا... إنها في مكان آخر... إنها تطوف هناك... تطوف مع نفسها... في عالم الخيال... ذلك العالم الذي لا يمكن لكثير من المحرومين أن يحسُّوا بالسعادة... إلا فيه... بدأت تتخيل نفسها وهي تتقدم نحو المستقبل... ونحو زوجها الموهوم... زوجها الذي لا يعيش الآن... إلا في خيالها فقط... بدأت جواهر تتقدم إليه بخطوات وئيدة... وكان الزوج يلتفت نحو حديقةٍ بهيّة الأزهار... وصلت جواهر إليه... ووضعت يديها على عينيه من الخلف... لكنه وضع يديه على يديها.. وقال:
-" من أنت ؟"
-" تُرى... من أكون؟ "
-" أنت... أم أطفالي "
سحب يدها من فوق عينيه برفق... وبدءا في الضحك... طرب لضحكهما كل شيء في الحديقة... وصمتت البلابل.
تخيَّلَتْهُ وهو يطرق الباب... وتهب هي من الداخل... فتفتح الباب... فيبدو وجهه كوجه القمر ليلة البدر... ثم يبتسم ابتسامة عريضة... ويقول:
-" سلام الله يا بدر "
  فترد في سعادة:
-"سلام الله يا قمر"
تتخيله يبتسم مع كل خدمة صغيرة تقدمها له... ويقول شكراً لك يا حبيبتي... ستساعده في كل شيء... ستشاركه في كل شيء... ستناوله "الشماغ"... ليرتديه... وستساعده في إدخال يده في معطفه... ثم... ستقدم له حذاءه... ولكن... لن يرضى أن تقدم له حذاءه... سيقول:
-" أكرمك الله... ارتاحي... يا حبيبتي"
وستقول:
-" لا... أنا سعيدة بخدمتك"
عندها... سيذهب مسرعاً... ويحمل حذاءها... ويضعه عند قدميها... وهو يبتسم ويقول:
-" تفضلي"
وعند انحنائه... ستقبل رأسه... ويديه... وستحاول أن تقبل قدمه... ولكنه يرفض... ولكنها وبسرعة خاطفة تهبط... وتمد يدها... ثم تمسح يها قدمة... ثم ترفعها وتقبلها... وسيقول عندها:
-" أكرمك الله... أنت متواضعة"
 ثم يهبط بسرعة... ليقبل قدميها... ولكنها ستهرب منه... ستهرب... وهو يُطاردها... وأخيراً ستختبئ منه... يناديها:
-" هيَّا يا جواهر ... هيا لنذهب... اخرجي بسرعة... اليوم موعد تطعيم الولد"
 عندها تتذكر الموعد... وتأتي إليه مسرعة... عليهم أن يسرعوا من أجل تطعيم الولد... تأتي... تبحث عنه... تبحث في جوانب العمارة الكبيرة... لا أحد... أكذوبة سخيفة... هزئت بها عواطفها قليلاً... وسرعان ما دق الجرس... لانتهاء الحصة... وبدأ ضجيج الطالبات... يزعج الآذان... وعادت جواهر لواقعها الأليم... بل عادت إلى ماضيها الأشد ألماً وبؤساً... وبدأت تقرأ في اللوحة السوداء... لم يقدم لها زوجها الأول أيما كلمة شكر... أو مديح... أو ثناء... لم تنعم ذات يوم... بالنظر إلى ابتسامةٍ منه... ولو كانت ابتسامة كاذبة... إنه ساخط عليها دائماً... إن صورته تبدو الآن أكثر وضوحاً... لقد أصبحت صورته تزيل صورة زوجها الذي رأته في الخيال... بدا وكأنه لعنة جهنمَّية حلت عليها.

5 - من هم... الصادقون؟

جواهر بقيت كذلك... كانت دموعها تحكي بفصاحة... قصَّة واقعها الأليم... وتقرأ بسرعة... كل أفكارها... تقرأها بصوت واضح... رن الجرس ثانية... قامت جواهر من شبه سكرتها تلك... وإذا بلسانها يردد ودون سابق تعمد.
-" رجل يخاف الله... وحسن الخلق"
عاد رُشْدُ جواهر لنفسها بدرجة أكبر... بعد أن كادت نفسها تذهب شعاعاً.
وانقدحت في ذهنها فكرة من ذهنها الواعي... قالت حين إذن لنفسها:
-" هل من الممكن يا ترى... أن يوجد في عالم الرجال... اليوم... رجلٌ يخاف الله... وحسن الخلق؟... لا... لا... لا بد وأن هذا من المستحيلات... وإن قُدِّر له أن يحصل مرة واحدة... فسيكون حصوله إحدى عجائب الدنيا... بالتأكيد.
 ازداد تفكير جواهر عمقاً... وازداد إدراكها لحقائق الأمور... وعُرضت على نفسها تلك الكلمة الجميلة... " رجل يخاف الله "... تذكرت رسول الله... لا تدري لماذا... ولكنها تذكرته فعلاً... صلَّت عليه الصلاة الإبراهيمية... قالت وعقلها يكاد يشتعل نورا:
-"ولكن... هل من الممكن أن يوجد رجل يخاف الله... وفي الوقت ذاته... يكون خُلُقُهُ غير حسن"
أجابت نفسها بعد تأمل قصير:
-" مستحيل... إن أي رجل يخاف الله... يجب تلقائياً أن يكون خلقه حسنا... وإن أي رجل لا يملك الخلق الحسن... فمن الكذب أن يكون خائفاً من الله... حتى ولو زعم أنه متدين... وسيكون تدينه هذا نوعاً سخيفاً من الهراء والدجل... يخاف الله... وحسن الخلق... أوه ... بالتأكيد... إنهما ليستا كلمتين... إنهما كلمة واحدة... إنها يخاف الله... فقط "
دق الجرس مرة أخرى... وبدأت جواهر تضع الحل النهائي لأبعاد هذه القضية... التي أخرجتها في الواقع عن قضيتها الأصلية... وخروجها من تلك المشاعر المقْلِقَة بالتأكيد رحمة بها... بدأت تفكر في شيء آخر:
-" لابد أن نتجاهل صور الناس وأشكالهم وملابسهم... وديكورهم الخارجي... تجاهلاً كاملاً... عندما نريد الحكم عليهم بالتدين من عدمه... إن المتدين الحقيقي... هو من يعتاد المساجد ويحسن خلقه... ويخاف الله... حتى ولو وقع منه بعض الآثام التي لا يسلم منها أحد... ولكنَّ حقائق الدين والدنيا كلها مرتسمة في ذهنه"

6- خيال في قلب الخيال

وضعت جواهر يدها تحت خدّها... وعادت تَسْبَحُ في أحلامها الوردية... مع فارس أحلامها غير المنتظر... إنه بالتأكيد متدين... وهو تلقائياً حسن الخلق ... لقد بدأت تنظر إليه من جديد... وهو يمسك بيدها... ويطوف بها أنحاء العالم الفسيح... وكله حبٌ وصفاء... لقد رأته يطير... وهي تطير إلى جواره... طارا متجاورين... وكأن كل السعادة انحسرت على الأرض قاطبة... وأصبحت سحابةً تحوم حولهما.
وفجأة... بدأ حبيبها يبتعد عنها قليلا... وبدت تجاهد نفسها في اللحاق به... إنه يبتعد أكثر... وأكثر... تحوَّل إلى طائر أبيض كبير... أما هي... فقد توقفت عن الطيران... حاولت جاهدة أن تكمل طيرانها... ولكن دون جدوى... بدأت تفقد جناحيها... إنها الآن دون جناحين... بدأت بعد ذلك في السقوط للأرض... إنها تهوي وتهوي... وفي أثناء ذلك... كانت تناديه... لكنه لا يسمعها... وتشعر أنه لو سمعها لاستجاب... وعاد كي يضمها... لتطير إلى جواره... جميع صرخاتها ذهبت أدراج الرياح... وعندما اقتربت من الأرض... بدأت تتلمح تلك المنطقة الصغيرة... التي ستسقط عليها... إنها وللأسف... منطقة تناثرت فيها أحجار حادة... وأشواك ومهالك... من المستحيل أن ينجو من يسقط على هذه الحجارة... حتى ولو كان سقوطه من ارتفاع مترين... كيف بارتفاع مئات الأمتار... شعرت أن نهايتها اقتربت... ومع اقتراب نهايتها... اكتشف طائرها أنها لم تعد بجواره... بحث عنها خلفه... لم يجد لها أثراً... بدأ يسمع أصداء ندائها... رآها وهي تدنو من نهايتها... عاد مسرعاً إليها... كان مدفوعاً بأقصى قوة... سُرْعَتُهُ نحوها تخترق كل ذرَّات الهواء الساكن... كي تحوله إلى هواء مجنون... صمتت كل استنجاداتها بأهل العالم الأرضي... بدأت تعد نفسها لنهايتها... اقترب طيرها منها أكثر وأكثر... مدَّ يده إليها... كاد يمسك بها... ولكن... هيهات... ارتطمت بالأرض الصلبة... تناثرت قطعاً صغيرة... لو تقدم طائرها خطوة واحدة... لكانت الآن... بين يديه... ولكنها النهاية... رآها أشبه بقطع من اللحم... والدم المسفوح.
 الغريب أن نظرتها لحالها الآن تختلف عن نظرتها السابقة... إن تلك الأحجار لم تكن أحجاراً حقيقية... إنها كثبان من زهور ومخمل... غاصت فيها بهدوء... أحسَّت بالسعادة التي فقدتها أثناء سقوطها... تمنت لو يأتي طائرها إليها... هنا... لو يرتطم بتلك الأحجار... سيكون حتماً سعيداً جداً... تذكرت أنه كان متوجهاً نحو الأرض بسرعة مدهشة... كي يلحقها... هل يمكنه يا ترى أن يفرد جناحيه بقوة... ويعود لُيحلّق من جديد... أم أن سرعته ستخونه... ويهوي إلى تلك الأحجار... ويكون أنيساً لها في هذا المكان الجميل... لعل ذلك يحدث... إن كثيراً من الأشياء قد تكون قبيحة في ظاهرها... لكن باطنها سِرٌّ رائع من أسرار السعادة... وربما كانت أشياء مُزوَّدة بكل لونٍ جميل... وهي أم المهالك... تماماً مثل القبر... إما روضة من رياض الجنة... أو حفرة من نار... ومثل أم المعارك ؟!
وبعد لحظات... سمعت جواهر صوتا في الظلام... صوت مزعج... انتبهت على إثره... لم يكن ذلك الصوت سوى صوت الجرس... لقد انتهت حصةٌ من الحصص... وانتهى الحلم الجميل... وزوجها لازال لغزاً أشد غرابة من لغز العجوز ضاحية... إنها الحياة... هكذا صُنِعَتْ... وهكذا صُبِغَتْ... تتضاءل دائماً أمام جهلنا المطبق... بأصغر بدهياتها... ونحن نظن أننا علماء... حكماء... وربما ظن البعض أنهم من علمهم كادوا يكونون أنبياء !!
قامت جواهر من المصلى... لن تبقى فيه فترة أطول... قالت:
-" رب أعوذ بك من شر نفسي... ومن سئ عملي... وارزقني القناعة والرضا... والأمن والإيمان... واختم حياتي بخير"
وصلت جواهر إلى باب المصلى... خرجت معه... وانطلقت إلى غرفة الإدارة... استأذنت للذهاب لمنزلها... فليست قادرةً على إكمال ذلك اليوم الدراسي الصعب... اتصلت المديرة بسائق الباص الخاص بالطالبات... كان رجلاً في الستين... وكانت زوجته تعمل فراشة في المدرسة.
وقبل مغادرة جواهر... ابتسمت لها المديرة... وقالت:
-" ستكونين بخير... اطمئني... أرجو أن أتصل عليك في الليل... لأطمئن على صحتك... الحق يقال يا جواهر... أنت ساكنة في أعماق قلوب الجميع".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق