الجزء الثاني
الفصل الثامن
1- منزل جواهر
حتى الآن لم ندخل مع جواهر داخل منزلها... ذلك المنزل الذي يُعَدُّ قصراً مهيباً من الخارج... لكنه من الداخل أشبه بمنزل امرأة محرومة من كل متاع الدنيا.
بوابة الفناء كبيرة مهيبة... فيها الكثير من القطع ذات اللون الذهبي... وعندما يفتح الباب... ترى أرضية الفناء ذات الأرضية الرخامية الزرقاء... وفي اليمين والشمال مكان معد للزراعة... ومسبح بلون سماوي... قد صدئت الأنابيب النازلة من جنباته... ومنذ زمن لم يوضع فيه ماء... وعندما يفتح الباب الرسمي للعمارة... نجده يفضي إلى بهو واسع... بأرضية رخامه ذات لون وردي... مطعمة من أطرافها برخام ذا لون عشبي... لوحات هنا وهناك... تبدو عليها آثار الغبار... وغرفة مكتب... وطاولة طعام خشبية... تكفي لعشرة أشخاص... وأبواب موصدة... تفضي إلى صالات الجلوس... التي لم يدخلها داخل منذ زمن... لا أحد هنا... لنخرج ثانية للفناء... البيت يبدو مرتعا للأشباح... ومن الخارج... هناك باب صغير في الفناء... يرتبط بممر من خلف المكان المعد للزراعة... ويتجه الممر إلى باب صغير... في زاوية المنزل الجنوبية... وعندما نقف أمام الباب... نجد بابا ذا لون واحد... بني داكن... وبإدارة المفتاح في ذلك الباب... يسمع صوت صدى عميق يرتفع لأعلى.
لندخل الآن... كما نرى... ليس أمامنا سوى الدرج الصغير... درج الخدمة... نصعد الدرج... ونصعد... نجد بابا يفضي إلى الدور الثاني... الباب موصد منذ فترة... نصعد لأعلى... ونصعد... ونجد الباب الخشبي... ندير المفتاح... وندخل... صالة صغيرة... بعرض متر ونصف... نستمر في التقدم... هنا تسكن جواهر... سكنها لا يعدو كونه شقة صغيرة... ذات غرفتين ومطبخ... ودورة مياه... إنها في الطابق الثالث... والأخير من العمارة.
بجوار الباب... مرآة... لون الجدران أبيض... لاشيء غير ذلك... الوضع في داخل شقة جواهر المتواضعة... عادي جداً... وعندما يقلب الرائي بصره... لا يجد شيئا يلفت انتباهه... كل المعطيات هنا بسيطة لحد العفوية... تنتهي الصالة الصغيرة... ونرى غرفة النوم.
2- غرفة النوم... من الداخل
علينا أن ندخل الآن إلى غرفة النوم... في شقة جواهر المتواضعة... خطوات فقط... أوه... ها نحن نجد ما كنا نتوقعه... كل شيء بسيط... غرفة النوم ذات السرير الواحد... والأبجورة المكسورة... ولكن... هناك... في إحدى الزوايا... يوجد شيء غريب حقاً... إنه جدير بلفت الانتباه... لنتقدم قليلاً نحوه... بالفعل... غريب... والأغرب... أن توجد فتاة في مثل سن جواهر... تفكر بهذه الطريقة... وتضع ذلك الشيء في منزلها.
جواهر امرأة ذات أفكار كثيرة... ومشاعرها كطيف سابح... قد تلاحظ شيئاً ما... أو تقرأ عن شيء آخر... فيؤثر فيها ذلك الشيء تأثيراً بالغاً... وقد تتأثر أشياء كثيرة في حياتها تبعاً لذلك... الشيء الغريب في تلك الزاوية من غرفة نومها... هو مجسم منقوش من الخشب... وضع ذلك المجسم بدقة بالغة... شكله يشبه المحراب... واتجاهه هو اتجاه القبلة... إن جواهر تصلي صلواتها في ذلك المحراب... ويندر أن تمر ليلة دون أن تصلي جواهر في محرابها نوافل متعددة.
السبب الكامن وراء تبني جواهر لفكرة وضع محراب في غرفة النوم... هو تأثرها بقصة مريم العذراء... عليها السلام... لقد كانت حياة جواهر الموحشة... في حاجة ماسة إلى مؤنس يؤنسها... أكثر الناس صاروا في عين جواهر ذئاباً... إن المؤنس الحقيقي لجواهر... هو ذلك النسيم العليل... الذي يهب على من يقف في محرابه بين يدي الله... أكثر ما تقرأ جواهر في خلواتها تلك... آيات تتحدث عن قصة مريم... وتبكي كلما قرأت من سورة آل عمران: )كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً... قال يا مريم أنى لك هذا... قالت هو من عند الله... إن الله يرزق من يشاء بغير حساب(
الأغْرَبْ... أن جواهر وضعت مجسماً صغيراً لنخلة... وضعته بجوار المحراب... ولا يعدو طول ذلك المجسم المتر والنصف... وكلما قرأت جواهر... قول الله تعالى:)وهزي إليك بجذع النخلة... ( تضع يدها على الجذع... وقد تكون في بعض الأحيان أكثر استعداداً... فتضع بجوارها صحناً من التمر... وكوباً من الماء... وتمد يدها... لتلتقط تمرة... تضعها في فمها... ثم تشرب شيئا من الماء... وعند ذلك... تقرُّ عينها... وتهز رأسها في خشوع... وهي تقرأ الآيات... ولو قدر وهطلت من عينها دمعة... لكانت تلك الدمعة... هي في الحقيقة... إكسير السعادة بالنسبة لها.
كان المحراب والنخلة... من الأسباب التي جعلت جواهر... تهيم بوحدتها تلك... وتأنس بها... وتتلذذ ببقائها عتيقة من كل سُلطة... إلا سلطة الإيمان... كم تمنت جواهر من كل قلبها أن يكون اسمها مريم!... أوه... لو كان الأمر كذلك... لو كان اسمها مريم... لعاشت تَبتُّلهَا ذاك... بانسجام كامل.
في ذلك المحراب العجيب... تَمَّ لجواهر... إكمال عملية طمس وجود الرجال من كل حياتها... وهناك... غَسَلَت ماضيها البائس... بدموعٍ زكية تسكبها دائماً في محرابها.
فكرة المحراب... ليست جديدة على جواهر... أو بمعنى أدق... ليست وليدة هذا المنزل... إن فكرتها هذه... بدأت معها منذ بدأت دراستها في الجامعة... لقد وضعت في منزلها السابق مكانا خاصا بالصلاة... وسمته المحراب... لكنَّ تجسيدها للمحراب والنخلة... وحياة مريم عليها السلام... يبدو أكثر وضوحا هنا... في عمارتها الكبيرة... أو بالأحرى... في شقتها الصغيرة... الهانئة... لدرجة ما.
3- جواهر إلى منزلها
عادت جواهر من المدرسة... مع سائق الباص... بعد تلك المعاناة التي تَبِعَتْ معرفتها لنبأ زواج الطالبة أمل... كانت جواهر متلهفة لمحرابها الطاهر... وصل الباص... ونزلت جواهر... سارت قليلا... وبمجرد فتحها للباب الأرضي للمنزل... انطلقت عبر الدرج بسرعة كبيرة... إنها تحس بما يشبه المغناطيس... يجذبها لمحرابها... ولنخلتها... وعندما وصلت للمحراب... تذكرت أنها تحتاج لأن تتوضأ... بالفعل... توضأت... وغَسل الماء الطهور... آثار الكآبة على ملامحها... وبدأ الإشراق يرسم لوحة كالفلق... بين دفتي وجهها الصالح!
جلست جواهر في محرابها... جميع ذرات بدنها تمثل مشاعر الاستعداد للوقوف بخشوع أمام ربِّها الرحيم.
مدت يدها... حملت المصحف بإيمان... بدأت تفتح أوراقة بهدوء... وبدأت تقرأ: ) كهيعص... ذكر رحمة ربك عبده زكريا... إذ نادى ربه نداء خفياً... قال رب إني وهن العظم مني... واشتعل الرأس شيبا... ولم أكن بدعائك رب شقيا... (.
أحست جواهر وهي ترتل... أن صدرها يتسع حتى أصبح في سعة الكون... وأحسَّت أنه امتلأ إيماناً ويقيناً... حتى فاض على الوجود... نظرت جواهر لأعلى... ثم ابتسمت... أغلقت المصحف... وقامت لتصلي ركعتين... وبعدها صلَّت الظهر... وقبل أن تُسلم في آخر ركعة... قالت بخشوع:
- "رب إني لما أنزلتَ إليَّ من خير فقير "
ثم سلَّمَتْ... وبدأت في الاستغفار... ومالت برأسها قليلاً... وأسندت كتفها على جذع النخلة... ثم استسلمت لنوم عميق.
الفصل التاسع
1- عائلة حسان... وجبة غداء
على سفرة الغداء... يجلس حسان... الغداء الآن يتم تحضيره... والسفرة هي المركز الذي تستدير حوله أسرة حسان... بالطبع... الوجبة تؤكل على النمط التقليدي... كل شيء على الأرض... منها خلقناكم وفيها نعيدكم.
حسان في جانب... وفي الجانب الآخر زوجته... وفي الجهتين الأخريين يجلس أي من الطفلين.
بعد أن اكتمل وضع الطعام على السفرة... بدأ الجميع في الأكل... الطعام موضوع في صحن من الصين... يحوي أربعة أرغفة من الخبز الأسمر... الذي صُنِعَ في المنزل... وصحن من البطاطا المقلية... والمقطعة على شكل شرائح... خمس قطع من الدجاج المقلي... وفي صحن آخر... يوجد الجرجير والبقدونس... وثلاث حبات طماطم... وفي طرف السفرة... تجثم قنينة كبيرة من مشروب غازي... ابتسام تُعارض وجوده دائماً... ومع ذلك... حسان يزعم عدم قدرته الاستغناء عنه.
2- عائلة حسان... مفاجئة
حسان يحمل جناح الدجاجة... يزيل شيئا من الجلد... ثم ينظر إلى ابتسام... ويقول مبتسماً :
-" هناك مفاجأة جميلة... سأتحدث لكم عنها... ولكن... بعد الغداء "
-" هل هي حقاً سعيدة... يا حسان ؟"
- " وهل هناك مفاجآت غير سعيدة؟"
-" نعم يا حسان... بالعكس... في هذا الزمن تستغرب أن تجد مفاجأة سعيدة!"
- " والله... ربما"
مر الوقت... انتهى تناول الغداء... وقام الجميع.
وهناك... في غرفة الجلوس... جلس حسان... وزوجته أمامه... والطفلان يلعبان بجوارهما ... قال في غبطة:
-" تصدقين... لقد غمرت نفسي روحانية عظيمة... أحسست أن الحياة هي حقاً حياة الإيمان... أما حياة المعصية والإثم... فهي خرافة سخيفة... حلم متقلب الأدوار... ولابد أن ينتهي بصاحبه إلى الاستيقاظ "
-" ولكن... عندما يستيقظ... ماذا سيحصل ؟ "
-" لا تقاطعيني يا ابتسام... أرجوك... هناك حبل... وهناك أفكار "
-" أكمل... لن أقاطعك "
-" والله لن أكمل هذا الموضوع "
-" يا ولد! لابد أنني أسعفتك بهذه المقاطعة... أليس كذلك؟... لم يعد لديك ما تقول"
-" في... الحقيقة نعم "
وبدأ الجميع في الضحك...قال حسان:
- " لا... لا... هناك بالفعل المفاجأة... اسمعي"
الفصل العاشر
1- جواهر من جديد
جواهر تسحب باب غرفتها... وتخرج للصالة... لا جديد يشغلها... سوى تداعيات الخبر الذي سمعته في الصباح... عن زواج الطالبة أمل... الساعات تمرُّ بالنسبة لها كسنوات... والفراغ القاتل يهزأ بها ويتحداها... لا يوجد في منزلها الكبير سوى الوحدة والوحشة... والسكون المخنوق.
الأهم من ذلك... أن حَالها الآن أسوأ بكثير من حالها السابق... كانت جواهر تستطيع قتل وحدتها بأعمال كثيرة... منها ما هو ذا جدوى... ومنها ما هو غير ذي جدوى... أما الآن... وبعد التغيرات الصعبة في عواطفها... فإنها لم تعد قادرة على قضاء وقتها بالطريقة السابقة... ومن الصعب عليها أيضاً... أن تقضي على حيرتها التي أصبحت في تزايد.
لم يبق أمام جواهر من عمل يعينها على إطفاء شعلة العذاب... التي انقدحت في عواطفها مؤخرا... سوى الصلاة... إنها هناك... واقفة في محرابها... تدعو الله أن يهديها لأولى درجات السلم... الذي ستصعد فيه... لتكون أكثر استقراراً في حياتها المقبلة... جميع ما حولها يدعو لها أيضاً... فهل ستستجاب دعوتها ودعواتهم ؟!
2- وحدة قاتلة
في صباح اليوم التالي... رنَّ جرس الهاتف باكراً... لم تكلف جواهر نفسها القيام لترد على ذلك المزعج... بالتأكيد هي مديرة المدرسة... إنها تتصل الآن للسؤال عن حال جواهر... رن الهاتف ما قدر له... ثم فقد الأمل في أن ترْتَفِعَ سماعته من مكانها... فَصمت.
الوقت يمضي وكأنه يمتطى ظهر سلحفاة... وجواهر زاهدة في كل شيء مما حولها... حتى الأكل... لم تكلف نفسها الانشغال به.
أخيراً قررت أن تخرج... إن بقاءها بين الجدران الأربعة والسقف والأرضية... أمر يشعرها أنها في حبس مظلم... ولكن يا ترى... من عساها تزور؟... وإلى أين ستذهب؟... ومَنْ مِنَ هؤلاء البشر... المشغولون بأنفسهم حتى الثمالة... لديه الاستعداد ليسمع من هذه المرأة... أو يحاول حل مشاكلها؟:
-" بالطبع... ليس ثمة إلا شخص واحد... العجوز ضاحية... ولكن... ماذا عن ذلك الرجل المُشاكس... صاحب المشاكل... المسمى حسان؟... أوه... إنها مشكلة"
في تلك الأثناء طرأ على جواهر هاجس غريب... لقد بدأت تفكر في التخلي عن علاقتها بالعجوز... بالطبع لو بقى ذلك الرجل السيئ يعاود زيارتها.
قامت جواهر متجهة نحو النافذة... ذات الزجاج العاكس... والمطلة على الفناء...وبدأت تسأل نفسها:
- " ولكن... لماذا كرهت ذلك الرجل... لماذا؟"
أغمضت جواهر عينيها... كان سؤالا مزعجاً لأعماقها... إنها لا تريد أن تسأل نفسها هذا السؤال... إنها لا تدري لماذا... ولكن:
-" أنا لا أثق في مقاصده... نعم... هذا يكفي... كثير من الناس لا نحبهم... لا لشيء... إلا لأن أنفسنا توحي لنا بأنهم يحملون نوايا سيئة... وحسب"
هكذا حدثت جواهر نفسها... وقفت قليلا بجوار النافذة... أشعة الشمس توحي لها بشيء من الحياة... إنها الآن أحوج ما تكون لنسمات الحياة النابضة... لم يطل وقت التفكير... لقد قررت أخيراً أن تذهب إلى ضاحية... بالطبع عليها أن تقوم بشؤون تلك العجوز المسكينة... وبعد ذلك... ستقرر الذهاب إلى أي مكان آخر.
3- هذا المشئوم
تسير بهدوء وسكينة... متجهةً نحو منزل ضاحية... وقبل أن تصل... وضعت يدها على قلبها خوفاً من أن ترى قَدَرَها المشئوم... ذلك الرجل... حسان... أكملت جواهر الطريق... وصلت للباب... وحين دخلت... سلمت على العجوز... وجلست بجوارها... ولكن... يبدو أن العجوز أكثر حزناً وقلقاً... سألتها جواهر:
-" لماذا وجهك حزين يا أمي؟... لم أرك من قبل بهذه النفسية المنزعجة"
-" أوه... حسان... حسان يا بنتي" .
شعرت جواهر بما يشبه الكهرباء... عند سماعها لهذا الاسم... مشاعر غريبة ثارت في أعماقها... فسَّرتها على التّو بأنها مشاعر الكراهية... ثم قالت في توتر:
-" حسان... أوه... نعم... نعم... هل انكشف على حقيقته... يا أمي... هل بدت لك نواياه السيئة... كنت أشعر بذلك من قبل... حدثني بذلك قلبي... وقلبي لا يكذب أبدا... ماذا فعل بالضبط؟"
-" ماذا تقولين يا بنتي؟ لم أسمعك "
-" أقول ماذا فعل بك حسان هذا؟ "
-" نعم ، نعم... إنني يا بنتي لا أدري كيف سأقضي هذا الأسبوع... دون أن أراه "
اضطربت جواهر أكثر... واقتربت ببدنها من العجوز في حيرة... وقالت باهتمام:
-" ماذا تقصدين ؟ "
-" لقد جاءني هذا الصباح... وأخبرني أنه سيذهب هو وعائلته إلى مكة... لأداء العمرة... وقال لي أنه سيستأجر شغالة تقوم بشؤوني خلال هذا الأسبوع... ولكني قلت له شكراً يا بني... ستقوم جواهر باللازم وأكثر... صدقيني... لقد أصبح حسان تماماً كولدي... بل أكثر من ولدي "
أغمضت جواهر عينيها... أحست بما يشبه الصدمة... تتجلجل في خلجات نفسها... لقد بدأت مشاعرها تدخل مرحلة أخرى... هناك شيء ما يتضح شيئا فشيئا... ولكن جواهر تتجاهله... هل يمكن أن تكون مشاعر الكراهية... التي شعرت بها جواهر من قبل... تجاه حسان... هي مشاعر مزيفة كاذبة... تكذب بها جواهر على نفسها؟.
4- هل ثمة خداع ما؟
هل يمكن أن تكون جواهر... قد أحبت شخصيَّة حسان النادرة... وكانت في الوقت ذاته... توهم نفسها أن مشاعرها تلك... ليست سوى مشاعر الكراهية؟... هل أوهمت نفسها بكرهه... وبالإيغال في كرهه... لأنها تعرف أن حبها له... وإعجابها به... ليس له أي معنى؟.
إن مشاعرها الآن كالقِدْرِ الذي يغلي ويغلي... لم تعد جواهر قادرة على معرفة حقيقة ما تشعر به... لابد أن تَتَنَاسى حسان... وتخرجه من حياتها... إن كانت تكرهه... فلهذا عليها أن تتناساه... وإن كانت لا قدر الله... تحبه... فيجب أن تكرهه... ثم تتناساه.
عليها أن تمثل تماماً دور الثعلب... الذي سئل مرة... عن سبب تركه لأكل العنب... الذي لم يستطع الوصول إليه... فقال:
-" أوه... العنب... أنتم لا تعرفون... إنه مُرّ وحامض"
على جواهر أن تتناسى كل مشاعرها نحو هذا الرجل... وأن تجزم أنه حامض... وأنه سئ للغاية.
في أثناء تلك الخلجات... المنبعثة داخل نفس جواهر... قاطعتها ضاحية وهي تقول:
- " لو كان كل الناس مثل حسان... ومثلك يا ابنتي... لكانت الدنيا بخير... لقد ذهب هو وأسرته إلى العمرة... ما شاء الله عليه... دين وخُلق وأدب وصلاح... الطيبات للطيبين" .
مسمار من نوع ما... دخل في أذن جواهر...لقد أحست بما يشبه الكَّية الغائرة... تُكوي بها نفسها الشفافة... كادت تنفجر بالبكاء... ولكنها قامت مستأذنة وانصرفت... ستتغيب قليلا... ثم تعود.
5- زيارة خاصة
عادت جواهر إلى منزلها... قضت وقتا في عمل ما... وبعد صلاة العصر... قررت الذهاب لزيارة أخيها... لقد علمت أنه حضر مع عائلته لقضاء عدة أيام هنا... في منزله الكبير.
صحيح إن مشاعره نحوها أشبه بالجليد... ولكنه أخوها على كل حال... إنها لا تجد أحداً أقرب لمشاعرها... وأقدر على مسح همومها منه.
انطلقت جواهر إلى أخيها سيراً على الأقدام...كان الهواء الطلق... وأشعة الشمس الباردة... تمسح في هدوء... شيئا من همومها... أحست أن أشجار الشارع تحادثها... سمعت صوت العصافير الجميلة وهي تترنم... رأت غراباً أسوداً يطير محلقاً في الجو... لم تلق بالا للغراب... طربت لهذه الطبيعة الجميلة... ولكن... لماذا الغراب؟... لا مشكلة.
لم تلبث أقدام جواهر... أن أوصلتها لِلْفِلّة الجميلة... التي يسكنها أخوها... وما أن دلفت مع الباب... حتى أحست بضيق الحياة المادية... هنا شيء من الرقي الصارخ... ولكنها أحست أن قلبها يدخل سجناً مُنَمَّقاً... السجن هو السجن... وما الفرق بين سجن منمق وسجن بسيط؟... مادام كل منها سجن!... لحظات... هاهو أخوها... إنه يستقبلها بغير قليل من الحنان الجاف والمصطنع.
لقد طربت أيما طرب لهذا الحنان... إنه نصيبها وحظها من الحنان... لقد حُرمت من الحنان بالكلية... لذا فإن قطرة واحدة منه... حتى ولو كانت عكرةً مرةً... ربما كفتها... وربما أطفأت شيئاً من ظمئها.
مشاعر أخيها طارت في صوب شيء آخر... إنه يشعر بشيء من القلق... لقد خشي أن يكون مجيئها من أجل المطالبة في شيء من العقارات... أو الأملاك الأخرى التي يبدو أنها لم تُقَسَّمَ بينهما بشكل صحيح... وعندما علم منها أنها لم تأتِ إلا بهدف الزيارة... أحس بغير قليل من الراحة.
لكن التقطيب لم يزل مرتسماً على وجهه... لم تلمه جواهر على ذلك... إنها تحدث نفسها.
- " هكذا حال رجال الأعمال... لقد سلبتهم الدنيا كل أحاسيسهم... ربما تحول أحدهم إلى آلة لا تعرف إلا المال والمصالح"
ابتسم الأخ وبدأ يقص عليها قصصاً خرافية كثيرة... عن الجن... وأيام زمان... وشيئا عن التجارة.
أسعفه رنين الهاتف الذي جعله يسرع ليرد عليه... وعندما طلبه المتصل في الخارج فرح كثيراً... واستأذن منصرفاً.
6- ضيفة ثقيلة
بقيت جواهر وحدها في الصالة... فترة قصيرة... ثم أقبلت عليها زوجة أخيها.
جواهر تعرف زوجة أخيها منذ الصِّغَر... وتعرف عنها الكِبْرَ والتَّعالي... الجفاف هو الخلق الذي يبدو فطرياً على مُحيَّا هذه الحماة... والترحيب بارد... وبعد الاستقبال بدأت الثرثرة واستمرت... مر وقت قصير... وبدأ التضرم واضحاً على ملامح جواهر... الواقع أنها لم تكن قادرة على تحمل المزيد... لذا استأذنت... لتُبقي على ماء كرامتها الذي كاد يتبخر.
قالت زوجة أخيها:
- " أبقي للعشاء... سنكون سعداء"
- " شكراً أنا سعيدة برؤيتكم بخير"
- " ومن سيوصلك إذن؟"
- " اطمئني... قدماي ستوصلاني "
- " قدماك؟... ماذا تقولين... أين سواقك؟... إياك أن تقولي إنه ليس لديك سوَّاق.... وسيارة؟ "
- " كلا... أنا لا أحتاج كل ذلك "
- " غريب... الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه... ومع أنه لا ينقصك المال... لو لم تكوني ثرية لطلبت من أخيك أن يعطيك قيمة السيارة والسواق"
- " شكراً... خيركم عم الجميع"
قالتها بشيء من الغضب... لقد أحسَّت جواهر بحرج تلك الكلمات... وبأبعادها الغامضة... ولكنها آثرت عدم الرد.
7- هناك... قسط من السعادة
خرجت جواهر من منزل أخيها... حيرة قلبها مضاعفة... وحَنقُها على تلك الحياة يزداد... حياة يلهث أهلها خلف الأموال والمظاهر البرَّاقة.
كانت تسير بخطوات كسيرة داخل فناء منزل أخيها... متجهة للخارج... لم تطل تلك الخطوات... لقد وصلت للبوابة... ودّعت البوابة... وخرجت... واستمرت في السير... حيرتها تُجبرها على النظر نحو السماء... وحزنها يلزمها أن تُنَكَّس رأسها للأرض... لازالت بمحاذاة السور الذي يحيط بفيلا أخيها... شيء ما أشعرها بشيء من الأنس... لقد ارتفع صوت المؤذن نديَّا... إنه الأذان لصلاة المغرب... هكذا غربت الشمس... وهكذا انزاح ثقل يومٍ ثقيل... جثم على صدر جواهر... وكاد يُقطِّع نياط قلبها.
والآن أذَّن المؤذن... إيذاناً بدخول الليل... لعل صوت المؤذن جعل جواهر تعيد شيئاً من حساباتها المضطربة... الله أكبر... الله أكبر.
طأطأت رأسها حتى لامس ذقنُها صَدْرَها... يجب أن تتناسى كل شيء... عليها أن تتغلب على هموم هذا اليوم الثقيل... وأيضا على الهموم التي دخلت قلبها يوم أمس... يجب أن تأخذ قسطاً من الطمأنينة.
رفعت جواهر رأسها قليلاً... كم كانت سعادتها عندما طالعتها لوحة صغيرة... مكتوب عليها "مصلى النساء"!... إنها الآن بجوار المسجد... دَّبت مشاعر الهدوء في جسدها شيئا فشيئا... عندما رأت باب المصلى مفتوحاً... أحست أن كلَّ أبواب الرحمة قد فتحت أمامها... لم تشعر إلا وقدماها تحملانها في خفة... وتدخلانها مع باب الرحمة الواسع... باب بيت الله... المسجد.
ولجت جواهر وهي تقول:
-"اللهم افتح لي أبواب رحمتك"
توضأت في مغسلة صغيرة عند المدخل... ثم تقدمت قليلاً... هناك سجاد بلون أحمر... النور خافت... تقدمت أكثر حتى صارت في الصف الأول... وقفت بخشوع... رفعت يديها لأعلى... الله أكبر... صلت تحية المسجد... وبعد أن سلمت... بدأ لسانها يلهج بأذكار المساء... أحست أن منظفاً قوياً ينظف قلبها... كل الهموم بدأت تتزلزل وتذوب... جواهر لم تكن تستشعر مدى قيمة الصلاة... ولم تكن تحس بأهمية أن تكون الصلوات خمس مرات في اليوم... بالطبع...لم تكن المسألة عبثاً... أو ارتجالاً كلا... إنها حقيقة ثابتة... إن الإنسان أياً كان... فهو في حاجة ليقابل خالقه... وليجدد غسل أدران الدنيا.
كانت نافذة صغيرة في المصلى تفضي إلى الخارج... وكان بمقدور من ينظر إليها من الداخل وهو جالس أن يرى منارة المسجد... نظرت جواهر إلى الخارج إنها صورة بديعة... تلك المنارة تشق الفضاء الباهر... أحست جواهر أن المئذنة تطول وتطول.
8- من أنفسكم أزواجا
فجأة... بدأ صوت المؤذن بالإقامة... الله أكبر ، الله أكبر... وقفت جواهر بهيبة أمام هذه الكلمات... خاصة عندما رأتها تنبعث من أعلى المنارة... عن طريق أجهزة التكبير... أحست أن تلك المنارة أشبه بإصبع طويلة... تشير إلى أعلى... لتقول للناس... السعادة هناك... في الأعلى... ليست أبداً في الأرض... كأنها تقول... إن القلب إذا ارتبط بعلوي... وصل لقمة السعادة... وإذا تدنى إلى فتات الدنيا... فإنه يسير وراء السراب... تذكرت جواهر في تلك الأثناء... زوجة أخيها... حَدَّثت جواهر نفسها:
-" إنها مسكينة... السعادة هنا"
وقفت جواهر على قدميها كالمشدوه... تقدَّمت لتنظر إلى المنارة بشكل أوضح... ثم قالت:
-"أشهد أن لا إله إلا الله"
دخلت جواهر في صلاتها... وأحست أنها تدخل جوانب عالمٍ فسيح... كانت تحس أن كل آية يقرؤها الإمام إنما هي المخاطب الوحيد بها... قرأ الإمام ) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ( أحست أنها لأول مرة تسمع مثل هذه الآية... إن تلك الآية تبعث الآن بإيحاءات جديدة... إلى ذلك القلب الحُرّ ... لقد فُتحت أمامها الآن آفاق جديدة... لهذه الحياة الغريبة... إن هناك حقيقة عميقة... هي من أهم أسرار الحياة الدنيا... كانت تلك الحقيقة غائبة عن ذهنها... إنها حقيقة المودة والرحمة... حقيقة العلاقة الزوجية... السكن إليها... والسكن إليه .
الفصل الحادي عشر
1- حديث النفس
جواهر جالسة في سريرها... تنظر بهدوء إلى السقف... لقد فُتحت أمامها الورقة... تلك الورقة التي طُويت منذ زمن... وأقفل عليها في القلب الأبيض... ونُسي مفتاحها... ولكنها فتحت الآن... وعلى جواهر أن تقرأ فيها شيئا مؤلما... يتعلق بزواجها الأول.
سطور متعرجة كالأفاعي... وجواهر تقرأ وتقرأ... ثم تتأمل في أبعاد عميقة لذلك الزواج... ثم تصل للنتائج... نتائج مذهلة على نفسها الصافية... وعلى مستقبلها الشاب.
مر وقت طويل... لا يعلم امتداده إلا الله... وهناك... وجدت جواهر في قلبها ورقة أخرى... كانت الورقة... أصغر بكثير من الورقة الأولى... ولكنها بالنسبة لجواهر... ذات أهمية بالغة... لقد قرأت فيها مشاعر ليست بالقديمة... ولكن جواهر تناستها عن عمد... بل طمستها من وجدانها طمساً... تلك الكلمات التي قرأتها جواهر في ورقتها الجديدة... كلمات مضيئة جداً... إلى حد التوهج... ولكنها مغمورة بمشاعر حالكة الظلام... نظرت جواهر إليها بشرود... لقد أحست أنها كتبت بماء الذهب الخالص... أو بأشعة النور الساطع ... " رجل يخاف الله "... " وحسن الخلق "
الله... ما أجملها من كلمات... وما أروع رنينها... تساءلت جواهر مع نفسها... وبكل حياء وهمس:
-" وماذا لو جرَّبت الفتاة الوحيدة... القابعة كتمثال فخاري... في قصرها الكبير... ماذا لو جربت حظها مرة أخرى... مع زوج آخر... أليس ذلك أمراً يرضاه الله... ألا يمكن أن يكون ذلك الزوج معيناً لها في سيرها بين طرقات الحياة المظلمة... ألا يمكن أن يعينها أيضاً على طاعة الله... ألا يمكن أن يقوم ذات ليلة ليصلي ركعتين... أثناء هجيعِ كل شيء... ثم يوقظها بهدوء... ويقول لها:
-" جواهر... جواهر ... "
-" نعم "
-" جوهر ... جواهر ... ياقوت... مرجان... لؤلؤ هـ هـ"
-" نعم... ماذا... ماذا... أيها المزعج ؟"
يُدخل معلقة صغيرة... في فمها المفتوح... ربع فتحة... تتذوق جواهر طعم العسل... الذي كان في طرف المعلقة الصغيرة... ثم تبتلعه.
إنها عادة زوجها دائماً... هناك قنينة عسل موجودة بجوار السرير... وكلما أراد منها أن تستيقظ... يضع قليلا من العسل في الملعقة الصغيرة... ثم يضعه في فمها... الذي اعتادت أن تنساه مفتوحا ربع فتحة مع نومها... هذا هو أسلوبه في الحياة... لا حيلة... فتحت جواهر عينيها وقالت:
-" ماذا تريد "
-" فقط طلب صغير جداً "
ابتسمت جواهر في دلال وهي تقول:
-" عيناي لك "
-" ما رأيك يا حبيبتي... أن نصلي لله ركعتين... في هذا الظلام؟... يالله... ما أجملهما... ركعتين!... حتما ستضيئان في سماء الكون المظلمة... وستكونان كنجمتين جميلتين... عندما تصعدان "
جواهر تنظر نحو زوجها في دهشة... إنها تريد أن تقوم لتصلي... ولكنها تحس أن نظرها لوجهه المؤمن... عبادة !... وأي عبادة !... قال لها :
-" هيا قومي... صدقيني يا جواهر... كلَّما تذكرتُ أننا سننام في قبورنا كثيراً... لا أحرص على أن أنام هنا... أمامنا عصور من النوم... ثم سيكون لك مفاجأة بعد أن تقومي... وتصلي"
-" وما هي؟ "
-" لن أقول لك "
قامت جواهر أثناء ذلك لتتوضأ... توضأت وأكملت صلاتها... في ركعتين خاشعتين... بالفعل... لقد أحست أنها حازت سعادة الدنيا جميعاً ... وفي أثناء ذلك... سمعت زوجها يناديها:
- " تعالي لأخذ الهدية... "
قامت جواهر... وانطلقت خفيفة إليه... إنه هناك... هناك... رأته أخيرا... هاهو... لقد أعد كوبين من الحليب... وصحناً متوسطاً من التمر... وبدأ يأكل... ثم ينظر إليها... ويبتسم ... قالت في دعابة:
- " ما هذا المزاح؟... حليب؟... وفي نصف الليل... يا لله العجب! "
بدأ يضحك من كل قلبه... وهي تضحك من كل قلبها... لقد بدأت عيناه تدمعان من الضحك... وعيناها أيضاً تدمعان من الضحك... رفعت جواهر يدها لتمسح الدموع... بظهر كفها... ولكن... كم كان ذلك مؤسفا!... لم تكن الدموع المنهمرة هناك... هي دموع الضحك... لمِنظرِ زوجها... وهو يشرب الحليب في منتصف الليل... ولكنها دموع بكاء... بكاء مر... على واقع مرّ... ولم يكن زوجها ذاك إلا حلماً من أحلام يقظتها... التي بدأت تحاصرها كثيرا في هذه الأيام.
فالواقع أكثر شحاً من أن يمنحها هذا الزوج... وبكل هذه السهولة... لن يمنحها واقعها سوى الأحلام أو الدموع... وإن أوهمها ساعة أنها دموع ضحك... فستكتشف قريباً إنها ليست سوى دموع الحرقة والمرارة... جواهر عندما فتحت عينيها... ومسحت دموعها... كانت أفكارها أكثر نضجاً من ذي قبل... إنها الآن تفكر بجدية في موضوع هذا الزواج الوهمي... فهل تراها ستدخل في دوامة جديدة... تُذهب ما تبقى من هدوء قلبها... ومن ماء عينيها... أم أن قَدراً خارقاً سيأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان؟!.
رفعت جواهر يدها إلى السماء... وبدأت في الدعاء... ولكن... من أين لها برجل متدين... له أخلاقٍ حسنة... ونفس طيبة؟!.
طال التفكير... وفي النهاية وصلت جواهر لخاطرة... لعل فيها بداية الحل... الرجل الوحيد... الذي ربما سيجتهد لمساعدتها... هو الشيخ جابر...كثيرا ما تسمع بأنه رجل ثقة... وتسمع من بعض النساء عن حسن أعماله... وتبنيه لمشاريع خيِّرة... تعود بالنفع على الحي.
اطمأن قلب جواهر لهذه الخاطرة... وعزمت على البدء في العمل الجاد... لطلب المساعدة من الشيخ جابر... وللتِّوِّ... اتجهت إلى مكتبها الصغير... وأخرجت من أحد الأدراج ورقة... وبدأت تسطر عليها :
2- الرسالة
القلم الفضي السائل... يكتب باللون الأزرق المائل للسماوي... أحرف معاناة جواهر...
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
أرسل إليك هذه الرسالة... يا شيخ جابر... وأنا أعتمد على الله أولاً... ثم أطلب مساعدتك ثانياً... في حل مشكلتي... ومشكلتي تتلخص في التالي:
أنا فتاة شابة... وأبلغ من العمر 27 عاماً... تزوَّجتُ قبل سنوات... من قريب لي... عشت معه عيشة الحمل الوديع... مع الوحش الضاري... ظلمني وأساء معاملتي... لقد بقيت معه عاماً هو أبشع عام قد يُقدَّر لامرأة أن تعيش مثله مع رجل... لم أنجب منه... وأنا مسرورة لذلك مع أني لا أعرف سبب عدم الإنجاب... بقيت خلال تلك السنة... أتجرع الأمرين... إلى أن أنقذني الله منه بالطلاق... وقد كان السبب في عدم التوافق... هو أنه رجل لا يخاف الله... وهو أيضاً سيء الخلق... وذات مرة قال لي:
-"أنت لا تساوين شعرة في إصبع قدمها"
قلت له وأنا أبكي:
-" من هي؟"
ذكر اسماً غريبا... بدا لي وأنه اسم فتاة يقابلها خارج إطار الحياة الزوجية.
كنت أحاول تناسي كل شيء... صبرت على معاشرته المرَّة... إلى أن بلغ السيل الزبى... ولم يكن عند ذلك من حل لمشكلتي معه... إلا الطلاق... حفاظاً على ديني وكرامتي وشرفي.
أنا أعمل معلمه في إحدى المدارس الثانوية... ولكن الأمر الذي قد لا يكون مهماً بالنسبة لي... هو أني امرأة ثرية... وأملك عمارة... أسكن في دورها الثالث... وحيدة وحدة الوردة البرية... في الصحراء القاحلة... لي أخ... ولكنه مشغول دائماً... ولا يوليني أي اهتمام... ومقابلتي له لا تعدو عن كونها في الأعياد أو في مناسبات تعدُّ على الأصابع.
لا أريد أن أزكي نفسي... ولكني أعمل جاهدة كي يزيد خوفي من الله...وحُسْن خلقي.
منذ أربع سنوات تقريباً... وأنا أسير على برنامج ثابت... أحسست خلاله باستقرار جزئي في حياتي... فأنا أقضي وقتي بين أعمال المدرسة وبين العبادة... وقد أكتب بعض الخواطر والمقالات... أو أقرأ في مجلات محافظة... أو أقرأ القرآن... وقد أقضي بعض الوقت في زيارة بعض صديقاتي... أو بعض الطالبات .
ولكن في الأيام الأخيرة... حصل موقف قلب حياتي رأساً على عقب... لقد كنت أنفر من الزواج بعد تجربتي الفاشلة مع زوجي الأول... ولكن حساباتي تغيرت الآن بشكل مفاجئ... إن نفوري من الزواج تحول إلى رغبة كبيرة... خاصة بعد قراءتي لقوله تعالى : )ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها... وجعل بينكم مودة ورحمة(
أيقنت أنه يوجد في هذه الحياة رجالٌ من طراز خاص... يخافون الله... وأخلاقهم حسنة .
وبدأت أشعر أنني بحاجة إلى من يقف بجانبي في هذه الوحدة... وفي هذه الحياة الموحشة... شعرت أنني في حاجة لمن يعينني على الطاعة... ويبتسم في وجهي ابتسامة الرضا... ويشكر لي جميلي الذي أسديه إليه... ويغفر لي قبيحي... ويدعو لي عند كل صلاة .
لقد أحسست يا شيخ جابر... أنني في حاجة إلى من يمسح دمعتي... ويُربِّت على كتفي... عندما أشعر بالضيق أو المرض... ويشاركني فرحتي... كلَّما غمرتني السعادة.
إن حياتي مع زوجي السابق... تشبه الجحيم... وكان طلاقي منه هو كوة فتحت لي إلى الجنة الموعودة... كي أعيش فيها بعيداً عن الرجال... وأنا الآن... أحس أنني في جحيم الوحدة... وأن الكوة المفضية للجنة... هي زواجي من رجل يخاف الله... ويكون حسن الخلق... فهل يا ترى سأجده؟!.
التوقيع
ابنتك جواهر عمر
المنزل المقابل لتموينات البيت السعيد
3- الرسالة... والشيخ جابر
انتهى الإمام من صلاة العصر... واسْتَدار ليقابل بوجهه شطر المصلين... وبعد الانتهاء من التسبيح... تقدم إليه رجل في الخمسين من عمره... وقف الإمام... وتصافح الرجلان مصافحة حارة... وبعدها أدخل الرجل يده في جيبه... وأخرج رسالة... ووضعها في يد الإمام... استغرب الإمام لهذه الرسالة... كاد أن يسأل الرجل عن حقيقة المُرسِلِ... وموضوع الرسالة... وعن قضايا أخرى... ولكن الرجل عَاجَلَه مستأذناً... وانصرف.
قلَّب الشيخ جابر تلك الرسالة... لم يكن عليها من الخارج أيُّ معلومات... سوى هذا السطر:
"تُسلَّمُ بيد الشيخ جابر".
وضع الشيخ جابر تلك الرسالة في جيبه... وبعد أن خرج جميع المصلين من المسجد... اتكأ في المحراب... وفتح الرسالة... وبدأ بالقراءة... كان يتابع السطور بكل حيرة... وبكل قلق... لقد آلمه هذا الواقع البائس.
لم ينتهِ من قراءة الرسالة... إلا وقد برد خدَّاه من دمعتين جرتا عليهما... وعندما مسحهما بإجراء يده على خديه... ثم على لحيته البيضاء الطويلة... قال في تأثر:
-" اللهم أعنّي على رفع بلائها... يا رب"
بقى الشيخ جابر في محرابه... إنه يفكر ويفكر... لابد من إيجاد رجل مناسب... ولابد من إقناعه بالتقدم... لخطبة هذه الفتاة.
استمر الشيخ جابر طويلاً وهو يفكر... وكلما لاحت في ذهنه صورة لرجل ما... يتذكر الشرطين : "رجل يخاف الله" "وحسن الخلق"... الرجال يتساقطون أمام هذين الشرطين النادرين... جلس الشيخ جابر طويلاً في المسجد... مرت ساعتان وكأنهما دقيقتان.
قام بعد ذلك... وانصرف إلى منزله.
مرت الأيام متثاقلة كعادتها... وجواهر تنتظر الفَرَجَ الذي بدا وأنه يخرج من صخرة صالح ... وجابر يحاول إخراج الفَرَجَ بكل قوة... ولكن لا تُمكنه الفرص الصعبة من ذلك... ومرت سبعة أيام عجاف... أشبه بسنوات مصر... حينما حكمها العزيز... وتحولت سنابل الأمل التي نبتت في قلب جواهر... إلى سنابل يابسات... وأُكلت كل البقرات السمان... في تلك الأيام الصابرة... وبقيت البقرات العجاف... ترسم أشباح الموت في كل مكان.
جلس الشيخ جابر في المسجد... وبعد أن أدى صلاة العصر... في أحد الأيام... كان ذهنه مشغولا... وكان يتساءل:
-" مَن يا ترى ستبدو صفحته بيضاء... ليتقدم للزواج من هذه المسكينة؟!... لا... لا أحد... لا أحد"
4- المُخَلِّص
قبل أذان المغرب بقليل... الشيخ جابر جالس هناك... بجوار المحراب... موليا وجهه عكس اتجاه القبلة... إنه يسبّح بمسبحة ذات حبات خشبية... وينظر هنا وهناك... وبكل خشوع... دخل رجل مع باب المسجد... بدأ الشيخ جابر يراقب الرجل... الذي يتقدم بهدوء... مرت لحظات... قال الداخل:
- " السلام عليكم يا شيخ جابر... هل أؤذن؟... لقد حان وقت الأذان"
اندهش الرجل الداخل... بسبب تلك النظرة النارية... التي بدأ الشيخ جابر يقذفه بها... وبسبب عدم رده السلام... تسوَّرت على فؤاده خلجات غريبة... مُؤدَّاها:
-" لماذا لم يرد الشيخ جابر على سلامي حين سلَّمت؟... ولماذا يكاد يطعنني بنظراته الحادة؟ "
لم يدم الصمت طويلا... لقد انفرج فم الشيخ جابر بابتسامة تتقاطر سروراً وغبطة... ثم صرخ قائلاً:
-" لقد وجدتك... لقد وجدتك... أنت الذي أبحث عنه"
وقام الشيخ جابر في حال من دهشة الرجل...ومد يده... وصافحه... تم رفع الشيخ جابر قدميه قليلا ليطيل نفسه... ثم قبل رأس ذلك الداخل... وهو يقول:
-" أنت الحل للُّغْز الصَّعب... الذي استعصى حله عليَّ أسبوعاً".
نظر الرجل في دهشة... وظن أنه في حلم سخيف... أو أن الشيخ جابراً... لا قدر الله... أصيب بشيء من المس:
- " أعوذ بالله... الشيخ جابر...الذي يقرأ على الناس... ويعالجهم بالقرآن... يصاب بالمس... غريب"
تحركت شفتاه بعد ذلك بالقول:
-" ماذا تقصد... يا شيخ جابر؟"
-ابتسم جابر وهو يقول:
-" ما دُمت تريد الأذان... أذِّن أولاً... وبعد الصلاة... سأنبئك بالقصَّة كاملة"
مر الوقت سريعا... وبعد انتهاء الصلاة... وانصراف المصلين... بدأ الرجل ينظر إلى الشيخ بنصف عين... وقلبه يتناهشه قلق وحيرة... ونظر إليه الشيخ جابر... ودعاه قائلاً:
-" تعال يا حسان... الموضوع خاص وسري... للغاية"
اقترب حسان في قلق... وجلس بجوار الشيخ... وقال:
-"سري للغاية... أنا والله قلق من هذا الموضع... خيراً إن شاء الله"
-" أولاً أين أنت؟... منذ مدة لم أرك "
-" أوه... صدقت... لقد ذهبت لأخذ العمرة... ولم آت إلا بالأمس... ولكن... هل هذا هو الأمر المهم؟"
-" هل لك يا حسان بأجر كالجبال؟... لا... بل أعظم من الجبال... بإذن الله"
-" أجر عظيم !! ماذا تقصد؟... لا أظن أئمة المساجد... يوزعون الأجر !!"
-" أعلم ذلك... هداك الله... ولكن... أقصد أن أدلك على طريقٍ يوصلك إلى هذا الأجر"
-" أوه يا شيخ... كل إنسان في حاجة للأجر... ولكن... قد تقف الحواجز عائقة تمنعه من تحصيله... الشيطان... الشهوات... الهوى... الكسل...التسويف... أشياء وأشياء... ولكن... ما هو يا ترى هذا الأجر يا شيخ؟"
-" سأبدأ بذكر حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( المسلمون في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد... إذا اشتكى منه عضو... تداعى له سائر الجسد... بالسهر والحمى)".
بدأت الريبة تُداخل ذهن حسان.
5- حسان... وجابر
حسان الجالس أمام الشيخ جابر... هو بعينه... زوج ابتسام... وهو صاحبنا السابق...
ولكن... ماذا يدور بالضبط في ذهن الشيخ جابر... لقد ظهر لحسان أن هناك مشكلة ما... هناك قضية فيها أحْمال وأعباء... وأن عليه أن يحملها بصبر... في سبيل رفع الضوائق عن الآخرين... في الحقيقة لقد فرح حسان... عندما علم أن هناك شيئاً من البذل... من أجل مساعدة الآخرين... ولكنه أيضاً أحس بالقلق يتزايد في قلبه... مع نظرات جابر... قال الشيخ جابر:
- " ألم تسمع بالحديث الذي يقول : (من فَرَّجَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا... فَرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)؟"
هنا بدأ الخوف يسيطر على حسان... لم تعد المسألة مسألة مساعدة... إنها كربة... يا ترى هل ستكون كربة مالية... أو جسمية؟... ما العمل؟... اللهم أعن يا رب!... قال حسان:
-" تكلم يا شيخ جابر... لقد أحرقت أعصابي"
-"الخبر أيضاً سأخبرك به على شكل حديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته... فزوجوه)"
-" زوجوه؟!... زوجوه؟!... من تقصد"
-" أقصد حسَّان... أنت يا حسان ستتزوج "
-" أنت ياحسان... ستتزوج؟... تتزوج!... هـ... هـ...هـ... أنا أتزوج!... ماذا؟... أنا أتزوج؟... ماذا يا جابر؟... أنت تمزح... ولكن مزحك جميل... هـ هـ هـ... بالطبع"
-" اسمع يا حسان... أنا لا أمزح... الواقع أن هناك امرأة صالحة... ومتدينة... تطلقت من زوجها... بأسباب سوء ذلك الزوج... وعدم تقديره لمشاعرها... كان رجلاً لا يخاف الله... وكان سئ الخلق... وبقيت تلك المرأة سنوات بعد أن طُلقت... عاشت أثناء تلك السنوات عيشة الزهد والورع... وأول شيء زهدت فيه... هم الرَّجال... بل إنها لم تزهد فيهم فحسب... لقد كرهتهم... كانت تَرَى أحدهم... فتتذكر زوجها الأول... وتتذكر في الوقت ذاته... إبليس... إن حياتها تحولت إلى حياة أشبه بحياة راهب"
-" أوه يا شيخ... لا تكمل... قطَّعت قلبي... وأنا كما تعلم... لست رأيساً لمشروع ابن باز الخيري... كي أجد لها زوجا "
-" لا مشكلة... أنت تملك الزوج... أنت يا حسان... بالطبع... إنها ستقبل بك... لقد أوْكَلَت الأمر إلي... وأنا مقتنع بك"
بدأ حسان ينظر هنا وهناك في دهشه... ثم ضحك...وبعدها قال:
-"ماذا تقول أنت... أنا أتزوجها... لا يا حبيبي... كل شيء إلا هذا"
-" لا مفر... أنت المرشح الوحيد... أرجوك... عليك أن توافق... بالتي هي أحسن"
-"يا شيخ جابر... عليك أن تعود لرشدك... وعليك ألّا تتعب نفسك معي... الأفضل أن توفر كلامك هذا... لتقنع به غيري... فأنا في الشرق... والزواج بها في الغرب".
-"لا أظن أن لديك أسباباً تجعلك تتحدث معي بهذه الطريقة... وددت لو أبديت حماساً أكبر لحل هذه المعضلة... المرأة تتعذب"
-"معضلة؟... لو تزوجتها لوقعتُ أنا في المعضلة... وأوقعتها معي... أنا عاقل... وأنا أدرى بمصلحتي"
-" لماذا يا حسان؟... لماذا تماطل في عمل الخير؟"
-" يا شيخ... خذ على سبيل المثال... المصاريف... المصاريف لصاحب الدخل المحدود... هي أقل المعضلات... وهناك الكثير من المشاكل"
-" اطمئن من هذه الجهة... أولاً فالرزق بيد الله... ثانياً فهذه المرأة ثرية جداً"
-" ثرية!... ماذا تقصد؟"
-" لديها عمارة... وملايين"
-" ملايين ؟!... أعوذ بالله... أنا لا أحب المال... المال فتنة... ثم أنا أيضا لا أحب الأثرياء... الثراء يصبغ أهله بصبغة الترف... التي تجعل منهم أنانيين... ومتكبرين... نعم... أنا لا أحب الأثرياء... وما دامت ثرية... فهذا يزيد من إصراري على الرفض"
-" اسمع يا حسان... المسألة جداً بسيطة... أنت تُصَعِّب الأمور وتعقّدها... وسأشرح لك المسألة"
-" يا عم جابر... أنا أعطيتك من البداية رأيي... وأرى أن تَضَعَ جهدك في المكان المناسب"
-"اسمع يا حسان... أنت ستتزوج هذه المرأة... يعني ستتزوجها "
-" وسأطلق زوجتي الأولى... والله عال... تكحلها لتعميها"
-" لا إله إلا الله... لم أتوقع أنك صعب بهذه الطريقة... أقول يمين تقول يسار... يا عمي... لا تطلق ولا يحزنون... ستتزوج هذه المرأة... ولن تكلف نفسك سكناً ولا مصاريف... والسلام"
-" ماذا تقول أنت؟!... أي سكن... وأي مصاريف... أنت في واد وأنا في واد آخر... لا يمكن أبداً أن أتخيل ما تقوله... أو أصدقه"
-" يا حسان... المسألة سهلة... وأنت ستعينها على تخطي عقبة كئود... وقفت في طريقها القاسي"
-" أنا سأصاب بالدوار... أنت تمزح... أليس كذلك؟"
-" أمزح؟... وأنا ذو شيبة؟... هذا موضوع جاد"
-" لم أقصد ذلك... ولكن... حتى الشيبان يمزحون"
-" فلماذا تتهرب إذن؟... هل أنت موافق؟... قل "
-" لا ... حتى لو حصلت معجزة... تلتصق فيها السماء بالأرض "
-" انظر يا حسان... هذه المرأة رمت الكرة في ملعبي... كما يقول الصحفيون... مع أني لا أقرأ في الصحف... إلا كما يقرأ رجل عاقل... ما يكتبه المراهقون على الجدارن... يا حسان... هذه المرأة عابدة... النساء العابدات اليوم مثل الشعرة في العجين"
-" أي شعرة؟... وأي عجين؟... وما دخلنا بالعجين؟"
-" صدقت يا حسان... لقد تداخلت كل الخلايا في عقلي... لم أعد قادراً على تجميع الكلام... أقصد أن النساء العابدات... في هذا الزمن... مثل... مثل الشعرة البيضاء ... في ... "
-"في لحيتك يا عم جابر"
-"لا لا... إنما في لحيتك أنت... أرجو أن تكون أكثر جدية... لا تستخف بهذا الكلامٌ... كما ترى... إنه كلام له وزن"
-" صدقني... ليس من شأني عدم الجدية... ولكن أشعر أن ذهني توقف قليلاً... ولم يعد يعمل بصورة طبيعية... تقول إنها عابدة... ثم ماذا أيضاً"
-" نعم... هكذا أريدك... الآن بدأت تسير في الدرب الصحيح... هذه المرأة تُفَرِّغ للعبادة والقرآن كثيراً من وقتها... وهي تقرأ كل ما يقع تحت يدها... من الأشياء المفيدة... إنها مثقفة... ولكن... هناك أمر أهم... هذه المرأة لا تشترط زوجاً يقضي معها كل وقته... نعم إنها لا تشترط ذلك... وربما تبقى لديها يوماً أو يومين في الأسبوع... وبقية الأيام عند أهلك... وربما لم تحتج أبداً أن تخبر زوجتك الأولى بنبأ هذا الزواج... الأمر كما قلت لك... سهل جداً... إن هذه الفتاة لا تريد إلا رجلاً يساعدها في وحدتها... تريد إنساناً مؤمناً يمسح دموعها... ويشفق عليها... ويَسْكُبُ لها كأساً من الحنان... الذي تعطشت للشرب منه... حتى كاد عطشها يقتلها"
بدأ القلق يظهر على وجه حسان... وبدأ الألم يعصر قلبه الطيب... وفي تلك الأثناء... أخرج الشيخ جابر ورقة الرسالة من جيبه... وقال بهدوء:
- " خذ هذه الورقة... اقرأها على مهل... وأعد قراءتها... وبعد أن تفكر... أخبرني بقرارك النهائي"
لم يردّ حسان... وإنما وضع الرسالة في جيبه... وقام متثاقلاً... واتجه نحو باب المسجد... وفي أثناء ذلك... تبعه الشيخ جابر بعينه... وبدأ يتمتم:
- " اللهم إن علمت أن في التوفيق بينهما صلاحا لدنياهما... وأخراهما... فوفق بينهما "
6- طريق صامت
حسان يسير بتثاقل... لقد بدا له وهو ينقل قدميه الواحدة تلو الأخرى... أن الدنيا كبسولة صغيرة... اختُزلت فيها جميع الهموم والمآسي... هذه الدنيا جُرْعَةٌ عفنة... من مستنقع عفن... وإن قُدِّر لها أن تُسعد الإنسان... في يوم ما... فإنها في الوقت ذاته... ستشفي آلافاً... حكمة الله... أن جعلها تسير بهذه الطريقة... كي يَزْهَدَ الناس في التكالب عليها... ويزهدون أيضاً في أيامها الحلوة... كُلَّما علموا أن تلك الأيام الحلوة... ستتبعها أعوامٌ مُرَّة.
نظر حسان عند قدميه... وتوقف... لقد لاحظ خُنفساء صغيرة... تسير في تباطؤ... اقتربت الخنفساء من قدم حسان... وعندما اصطدمت بها... توقفت قليلا... ثم استدارت بسرعة... وبدأت تهرب... ابتسم حسان... وبدأ يحدث نفسه:
-"يا الله... كم أنت حريصة أيتها الخنفساء على أن تعيشي!... غريب... ولكن... لماذا يا ترى تحرص الخنفساء على العيش؟... هل للحياة قيمة لديها... هل تحس أن حياتها ثمينة؟... هل تراها تحس أن حياتها أثمن من حياتنا؟... بالتأكيد!"
استمر حسان في السير... وأخيرا... وصل إلى باب منزله... لم يكن راغباً في الدخول... لذا واصل سيره عبر نفس الطريق... ومع استمرار السير... بدأ يُحَدِّثُ نفسه قائلاً :
- " لن أستسلم أبداً... ولن أتزوج امرأة أخرى... إني الآن أسعد إنسان... ولن أغْدِرَ بزوجتي ابتسام... مهما كانت الإغراآت"
ولكنه وجد صوتاً آخر يصرخ في أعماقه:
-" وهل في الزواج من أخرى غَدْر بالزوجة الأولى؟"
هنا توقف حسان... بدأ الصراع في نفسه يزداد... قال لنفسه:
- "ما المشكلة؟... قد لا يكون الزواج من أخرى غَدْرٌ... لكن بالتأكيد... هو جرحٌ لمشاعرها"
لكن منادياً آخر انبعث صوته قائلاً :
-" أليس هناك نساء يتألمن... قد سحق المجتمع كل مشاعرهن... عندما حكم عليهن بأن لا يتزوجن من متزوج... بسبب أن ذلك المتزوج مِلْكٌ للزوجة الأولى؟... وفي الوقت ذاته... لم تَكُتب الأقدار لهؤلاء النسوة... أن يتقدم لهن رجل خالي الوفاض... أعزب... وغير متزوج... شروط قاسية أخرى"
-" وهل حسان مسئول عن مشاكل العالم؟"
عاد حسان أدراجه... إنه لا يلوي على شيء... نفسه تُدلي بالحجة على نفسه... وحواره زاده حيرةً على حيرته... هناك قضايا لا يمكن حلها... أو ربما لا يستطيع الإنسان الوصول إلى حل مُرضٍ لها... لأن كل حجة فيها تجد رداً من داخلها... لذا فنسيانها هو الحل الأمثل للخروج منها.
7- الزوجة الصالحة
وصل حسان للمنزل... تأكد من أنه قد أخفى الرسالة جيداً في أحد أدراج محفظته... وتأكد أيضاً من عدم وجود أي دموع متطفلة على عينيه... وطرق الباب... وفتحت ابتسام... وتحركت كوابح السعادة من جديد... داخل الشقة المتواضعة... فالشوق قد بلغ بالجميع مبلغه.
- "أهلاً يا زوجي الحبيب"
لفت نظر ابتسام... ذلك الصمت الذي لف حسان فيه كل همومه... لذا قالت:
-" خيراً... ماذا بك يا حسان؟... وجهك متغير... جداً"
-" لا شيء... لا شيء... فقط كنت أتفكر في ملكوت الله... في روعة السماء والأرض... وعندها دمعت عيناي"
أحس حسان بلوم شديد يتمطى في ضميره... هذه أول كلمة كاذبة يقولها لزوجته... ولكن زوجته أخرجته من مشاعره تلك... عندما قالت في تأثر:
-" نعم يا حسان... إنه بالتأكيد موقف مؤثر... النجوم والسماء... سبحان الله!"
-" هل تسمحين لي يا ابتسام بالذهاب لمكتبي؟"
-"يبدو يا حسان أن نفسيتك مضطربة نوعاً ما... هل أقدم لك أي خدمة؟"
-"لا... شكراً... وإنما سأذهب للمكتب"
-"إذن سأحضر لك براد الشاي... وبعض الكيك "
-"أشكرك كثيراً... لدى بعض الأعمال الهامة... أرجو ألا يدخل عليَّ أحدٌ... والشاي سَيُسَهِّرني"
-" حتى أنا... لا تريد أن أدخل عليك ؟"
-" لا لا... أقصد الصغار "
-" اطمئن... ما دُمْتَ مشغولاً... حتى أنا... سأحضر لك الشاي فقط... وأتركك تصارع أعمالك... أدعو لك بالتوفيق"
انتقل الرجل الكئيب إلى مكتبه... وقد كان ذلك المكتب هو في الوقت ذاته غرفة الطعام... أغلق الباب خلفه... وبدأ في فض الرسالة... فتحها... وبدأ يقرأ سطورها بلهفةٍ... لا يدري ما سبب تلك اللهفة... ولكن روح حسان الشفافة... جعلت مشاعره تذوب مع كل كلمة من تلك الكلمات... التي خرجت ذات يوم سابق... من قلب كاتبتها.
وبدون مقدمات... بدأت الدموع تنحدر على خديه... لقد بدأت شفقته على المسكينة تَنْقُشُ حروف كل كلمة كتبتها... على جدار قلب الرجل الرحيم... وعندما أكمل قراءة الرسالة... رفع بصره إلى أعلى... وتذكر الأجر العظيم... الذي تكلم عنه الشيخ جابر من قبل... حقاً إنه أجر عظيم... ذلك الأجر... الذي سيُحَصِّله من ينقذ هذه المسكينة... وكم هم المساكين... من أمثالها!.
لكن حسان في الوقت ذاته... تجاهل نفسه... وقال يتساءل:
-" من يا ترى لهذه المسكينة؟... ومن هو المنقذ لها من محنتها؟... من؟... من؟...لابد أن أبحث لها عن... زوج... حتما... لابد من ذلك"
بدأ حسان يستعرض في ذهنه بعض أولئك الذين يمكن أن يقدمهم للأجر الكبير... ولحل مشكلة جواهر.... ولكن... كل أولئك الذين يستعرضهم حسان... يتحطمون أمام الشرطين الصعبين... " يخاف الله "... و " ذو خلق ".
طرقت ابتسام في تلك الأثناء... باب المكتب... وقام حسان مضطرباً... وفتح الباب... وتناول الشاي منها... وأشرق وجهه... عندما رأى بسمتها الصادقة... وقالت له وهي تشير بإصبعها إليه:
-" أتقن عملك... وإن أردت مساعدة... فأنا رهن الإشارة"
- "شكراً يا ابتسام... ألف شكر"
وعاد حسان ... وجلس على الكرسي... وأسند ظهره للخلف قليلا... وبدأ يتذكر مدى النعمة التي أنعم الله بها عليه... عندما رزقه زوجة كابتسام... ولكنه في الوقت ذاته... تذكر جواهر... وسأل الله أن يرزقها زوجاً طيباً... مثل!... مثل... مثل... حسان !...
-" لا لا... لن أطعنك يا ابتسام من الخلف... ولكن... هل يعني هذا أن تُطعن جواهر مع كل جهة... وفي كل وقت؟... لابد أن أبحث لها عن زوج "
انتهى ذلك اليوم بالنسبة لحسان عند ذهابه إلى فراش النوم .
8- الحل الأخير
في اليوم التالي... لقد أصبحت جواهر هي شُغْلُ حسان الشاغل... وقد أعمل عقله كثيراً في البحث عن المخلَّص لها... ولعل بحثه ذلك كان من أجلها... ومن أجل حل مشكلتها... ربما كان لأجل شيء آخر... نبت في قلبه... وبدأ ينمو... وينمو...
حسان بدأ يعترف أمام نفسه أنه بدأ يحب هذه الفتاة... ولكنه يحبها لمِا عرف من أخلاقها وقِيَمَها... وفي الوقت نفسه... ينكر أيما إنكار... أن حبه هذا يجعله يفكر... حتى مجرد تفكير... في الزواج منها.
بعد مرور ثلاثة أيام... بدأ حسان يُقنع نفسه بِعدم وجود رجل كفء لهذه المرأة الطيبة...وأكثر من ذلك... لقد بدأ يرفض من كان مناسباً ولو نسبياً... يرفضه ويعتذر أمام نفسه بأن جواهر قد تدخل في متاهة جديدة... لو تقدم لها هذا الرجل... أو ذاك .
وتطور الوضع بحسان... بشكل أكبر... لقد أصبح الآن يبحث... ويبحث... فقط ليقنع نفسه أنه لا أحد... شجرة حب هناك... بدأت تُزهر... وحسان الآن... يرشح نفسه بشكل غير محسوس... لقد أصبح شرطها لحناً يتغنى به... أحس أن الحكمة كلها اجتمعت في كلماتها... ولكنه في الوقت ذاته... أحس بشيء من الخجل... يداخل نفسه... قال في حزم:
-" أنا محظوظ... علي أن أحافظ على زوجتي ابتسام... ابتسام ملاك طيب... يجب أن لا أخرب بيتي بنفسي"
لكنّ باعثاً خفياً بدأ يُكذّبه... ويكذبه بصوت مرتفع...
-"أنت تتمنى أن تتعرف على جواهر... بشكل أكبر... أنت يا حسان... بدأت تحبها"
ضحك حسان من هذا الباعث الغبي... الذي بدا وأنه باعث يجيد صناعة النكت!... لكن... وبعد لحظات... أصبح الباعث يهزه هزا... ليست المسألة مسألة " تنكيت"... وإنما هي واقع.
ولكن... هل اكتشف حسان أخيرا... أنه وقع في حبائل امرأة لم يرها... ولم يسمع صوتها... ولكنه فقط... قرأ أفكارها... وخَط يَدهَا... وعرف القليل من قضيتها.
حسان بالفعل... بدأ يشعر بذلك...شعر بدهشة كبيرة... لهذا السقوط... هل معنى هذا... أن الأذن تعشق قبل العين أحياناً؟... وليتها أذن... إنما هي رسالة!.
-"لا... لا... مستحيل"
الباعث الساحر... في وِجْدان ذلك القلب الصافي... بدأ يتحدث ثانية... إنه أشبه بصديقٍ صادق... يحادث حسان دائماً... كلما احتاج إليه.
- "لماذا كل هذه القسوة؟... أنت أحببتها... حقاً... ولكن... لم تقع في حبائلها... إنها مسكينة... لم تَنْصِبْ ذات يوم حَبلاً لأحَدْ... بل هي التي تلفُّها الشباك... وتحتاج إلى من يخلصها من هذه الشباك"
قال حسان لنفسه :
- " أنا أحب ابتسام وكفى"
قال هذه الكلمة وهو يعلم الآن علم اليقين أنه يكذب على نفسه.
- " وهل التعرف على جواهر... يتعارض مع حُبك لابتسام؟"
-" كلا... كلا... لا يؤثر أبداً... إن ابتسام لها المكان الأكبر في قلبي... ولن ينازعها فيه أحد... أما جواهر... فهي مسكينة... وماذا لو قُدر لرجل مثلي أن يُقيل عثرتها... بل ولو أحببتها وأعطيتها بعض مودتي؟"
- "... لا... لا... لن أتزوج بها... وإنما فقط أحاول مساعدتها "
- " تُحِبُّها ... ولا تتزوجها... ما هذا الكلام؟... وما هذه المغالطات؟... اعترف"
- " ربما... ربما أكون... ربما أفكر... في التفكير في الزواج منها... وأنا متأكد أنني لن أتزوج منها... أبداً ولكن... ربما فقط أفكر"
-" ماذا سيحصل إذن؟ "
-" عندها سأعطيها القليل من ساعات أيامي... وأبقي الكثير... والكثير جداً لابتسام... بل لَنْ أنقص من حق ابتسام"
-" أنت بهذه الطريقة ستُحيي نفساً "
-" نعم نعم... أنا لا أريد إلا هذا الهدف السامي... والله العظيم... ثم... ألا يمكن أن تؤدي بها معاناتها وعُزلتها القاسية... إلى الحقد على العالم... أو الانطواء... وربما الموت؟... ألا يمكن للشيطان أن يدخل عليها في وحدتها... فيجُرُّها إلى الإثم جرَّاً؟... بلى... إن الوحدة والهموم... قد تؤدي بالإنسان إلى الجرائم... مهما كان تدينهُ وتمسكه بالفضيلة... فالإنسان له عواطفه وحاجياته... التي قد تتغلب في أحيان كثيرة على عقله... ألم يقل رسول الله: ( إلَّا تفعلوا ) الزواج ( تكن فتنة في الأرض وفساد كبير )؟... وهذه الفتاة شابة... في مقتبل عمرها... وتمدُّ يدها تبحث عن الحلال... مستحيل أن يتقدم لها شاب أعزب... في مجتمع كمجتمعنا... تظلم فيه المرأة المطلقة أيما ظلم... ولا يرشح للزواج منها في الغالب... إلا رجل متزوج... ولو تخلى المتزوجون أيضاً عن الزواج من مثل هذه... فهذا يعنى إيجاد فئة من النساء الناقمات على الحياة ... اللواتي يلعنَّ المجتمع ليلاً ونهاراً... وربما انتقمن لأنفسهن بالبحث عن مصادر محرمة لتلبية رغباتهن... وسيتحول الكثير منهنَّ إلى مصائد للرجال... في متعة محرمة... تماماً كما يحصل في الدول المنحلة... التي لا كرامة فيها للمرأة... ولا قيمة"
كان حسان... مندفعا في الحديث بهذه الطريقة مع نفسه... وعندها قال:
-" أنا لن أتزوج بها... ولو... لا قدر الله... لو فكرت ذات يوم... في الزواج منها... فإنما أفعل ذلك... إنقاذاً لها مما هي فيه".
نظرت نفسه له من طرف عين ، وقالت :
-"يا نمس... هذه الحركات - على غيري-.... أنت تكذب"
فجأة... ابتسم حسان... واكتشف كل ما في أعماقه من الأشياء التي حاول كتمانها... واعترف أنه بدا راغبا في الزواج من جواهر... التي لا يعرف عنها إلا صفحة من ورقة.
9- من هو العريس؟
انقطع حسان لمدة... عن الصلاة في مسجد الشيخ جابر...لقد كان يصلي في مسجد آخر... أبعد بقليل عن مسجد الشيخ جابر... وما كان انقطاع حسان ذلك... إلا خشية مطالبة الشيخ إياه بالقرار النهائي.
مر أسبوع من تسلمه الورقة... وهاهو يتوجه الآن إلى مسجد الشيخ جابر... وهو يحمل قراره النهائي... الذي سيصارح به الشيخ... في موضوع جواهر.
كان ذلك اليوم هو يوم خميس... والوقت... بعد صلاة الظهر... لقد تقابل حسان والشيخ جابر... وتعانقا... وجلسا متقابلين.
-" لماذا يا حسان كل هذا الجفاء؟... لم نعد نراك".
-"كنت مشغولاً جداً"
-" قل لي إذن... ماذا عن الموضوع الذي عرضتُه عليك مسبقاً؟"
-"أي موضوع؟"
-"ماذا؟... هل نسيت؟... موضوع جواهر"
-"أوه... المرأة... جواهر... لقد وجدت الحل لمشكلتها... سهل جداً... غريب أننا لم تفكر فيه من قبل... بجدية"
-" صحيح... الحمد لله... لقد علمت أنك على قدر المسؤولية... سوف يُكتب لها الخروج من مشكلتها... والشفاء أيضاً من مرضها... على يديك يا حسان... لقد سمعتُ أنها مريضة منذ أسبوع... ولم تذهب للمدرسة... أخبرتني بذلك زوجتي... تقول أيضاً إن حالتها تزداد سوءاً... وما دُمتَ وافقت... أرجو أن يتم الزواج بسرعة... الحمد لله... ستكون عريساً عما قريب... يا حسان... يا سلام"
-" لا يا شيخ... إنك تمزح... لن أكون عريساً عما قريب... ولا يحزنون... إنما أنت... أنت يا شيخ... ستكون العريس قريباً... لم أقل لك... بعد تفكير طويل... اتضح لي أنك أنت الرجل المناسب... لجواهر... كل المواصفات المناسبة... تكمن فيك"
بدأ جابر في الضحك بكل استبلاه... ثم قال :
-" ماذا تقصد؟... ثم هذا ليس وقت مزاح يا حسان "
-" صدقني أنا جاد... وكل الجدية فيما أقول... ثم أنا متزوج... ولست في حاجة لجواهر... وعندي أطفال... أنا لا أريد جلب المتاعب لِنَفْسِي... ولا لأهلي... أنت تعرف يا شيخ جابر... مدى المتاعب التي يواجهها زوج اثنين... ذلك عدا الالتزامات المالية... التي يلزمه القيام بها... مهر... منزل جديد... أثاث... مصاريف ثقيلة... وجع راس... وأنا الآن أعيش حياة اكتفاء ذاتي... بالنسبة لمصاريفي... ولا يوجد لدىَّ أي فائض... ولا أريد أن أُدْخِل نفسي في متاهات الدَّيْن... الدين ممنوع... والرزق على الله... وإن كان عدم زواجها قضية صعبة... بالنسبة لها... فزواجي سيجعل حياتي أصعب... لو تزوجتها... أما لو قُدِّر لك أن تتزوجها... أنت يا شيخ جابر... فهذا خير لك ولها أيضاً "
-" يا حسان... أنت تغالطني... وتغالط نفسك... لو علمتُ من نفسي أنني أصلح للزواج منها... لما ترددت... ولكن... يكفيني هذا الشيب... وهذه العصا التي تساعدني كلما قمت أو قعدت... يا حسان... ثق تمام الثقة... أن حالة جواهر سيئة... وتزداد سوءاً مع الوقت... لقد كانت تُخفي كثيراً من مشاعرها... حتى عن نفسها... وانفجرت الآن كل مشاعرها... فأصبحت أشبه ببركان... وعندما تتعذر يا حسان بالمال والنفقات... فأنت تعلم... الرزق بيد الله... وقد يكون زواجك منها... فتحاً لباب رزق جديد... لك... وربما أغلقنا باباً ظناً منا أنه يُنقص من رزقنا...ولو دخلناه... ربما نجد مصدر رزق عظيماً... وعلى العكس... قد نطرق باباً نظن أنه يفضي إلى رزق لنا... ثم يكون مهلكة لأموالنا... أليس كذلك؟"
-" ماذا تريد أن تقول بالضبط؟"
-" أقصد أن جواهر امرأة ثرية... ولن تخسر يا حسان شيئاً لو تَزَّوْجَتَها... بل
ستكسب"
ستكسب"
-"ما هذا يا شيخ؟... تكسب!... تخسر!... كأنك تحدثني عن صفة تجارية"
-" إنها تجارة... نعم... ولكنها تجارة مع الله... اعزم يا حسان... وتوكل على الله"
كان حسان يعيش التناقض بجميع مراحله... تناقض مع نفسه... وتناقض مع الآخرين... تناقض بين قلبه وقالبه... وتناقض بين قوله وفعله... كان يريد إقناع نفسه بأنه طرق جميع الأبواب... لا ليجد الزوج لجواهر... وإنما ليُرشِّحَ نفسه في النهاية... على أنه هو الزوج المناسب... فجأة... أغمض حسان عينيه... وتدحرجت دمعتان على خديه... وبدأ يردد وبكل ثقة:
- " أنا سأنقذ هذه المسكينة... سأنقذها مهما قدمت من تضحيات... لقد قررت الزواج بها "
أحسَّ حسان في الوقت ذاته بباعث يتحدث من داخله ويقول:
-"... يا نمس... كل هذه دموع!!"
لكن سعادة الشيخ جابر وصلت إلى حدٍ لا يوصف... لقد أحس بنشوة النصر... عندما انحلت عقدة الفتاة... إن حسان رجل طيب... ذو خلق ودين... وسيُسعد جواهر بكل ما يستطيع... وهي أيضاً ستسعده... وسَتَمْنَحُه قلبها مع كل مفاتيحه... قال الشيخ جابر:
-" قم يا بني... واغسل وجهك... ثم صل ركعتين... وبعد ذلك... سنبدأ في إكمال هذا المشروع الخيري... صدقني... إن نجاحي في تزويجها برجل مثلك... يُشْعرني بأني قمت بعملٍ صالح... أفضل من بناء المساجد... وزخرفتها... إنه إحياءٌ لنفس ميِّتة... أو موشكة على الموت...ولا أريد أن يكون لي بهذا العمل... كنوزٌ أو أمْوال "
-" بارك الله فيك يا شيخ جابر... وأكثر الله من أمثالك "
-" لماذا... هل تريد الثالثة؟"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق