الجزء الرابع
الفصل الثالث عشر
1- سحب الستار
جواهر نزلت إلى منزلها قبل صلاة العصر بنصف ساعة تقريبا... واتجه حسان بسيارته... كان سعيداً... وكان ينوي الذهاب إلى العجوز ضاحية... يجب أن يطمئن عليها... ويطعمها ويسقيها... وكان الهاجس الذي يخالجه:
-" هل سأجد تلك المرأة... غريبة الأطوار... والأكثر غلظة... عند العجوز؟... لعل وعسى ألا تكون موجودة... سأسعد أيما سعادة بعدم رؤيتها"
أوقف حسان سيارته... ونزل... وسرعان ما طرق الباب... ثم فتح بالمفتاح الذي معه:
-" الحمد لله... لا أثر لتلك المرأة"
دخل حسان... وسلم على ضاحية ... وقام بكل شيء وجب عليه القيام به... ثم جلس بجوارها قليلاً... كي يحادثها عن بعض الأمور التي يعلم أنها تهمها.
ومن بعيد... جاءت جواهر... لقد رقص قلبها عندما رأت السيارة التي غادرتها منذ قليل... بالطبع... سيارة حسان... استعجلت في سيرها أكثر... إنها تعلم أن حسان لا يعلم أبدا... أن تلك المرأة... التي تزوجها... هي ذاتها المرأة التي حصل له معها مواقف سيئة... في منزل ضاحية.
وصلت جواهر إلى باب المنزل... كانت تريد أن – تعمل مقلب في حسان – كما حدثت نفسها... لم تطرق الباب... وإنما دخلت فجأة... لم تُبعد خمارها عن وجهها... كان وقع أقدامِها قوياً وهي تتقدم بكل صرامة... حسان سمع صوت فتح الباب... وضع يده على قلبه.
-" يا ستار... ما هذا الصوت؟"
فكر قليلا... وذهب ذهنه عند الجارة الشرسة.
-" هل يمكن أن تكون هي من فتح الباب؟... يا كافي!"
مرت لحظات ترقُّب... بعدها برزت من هناك... المرأة الشرسة... وعندما رآها حسان... كاد قلبه يتفطَّر:
-" ما هذه المصيبة؟... أعوذ بالله من الشيطان"
ضربات قلب حسان تزداد وتزداد... وعرقه بدأ يتصبب... أغمض عينيه... إنه مستعد الآن لتلقي السباب والشتائم... ربما قذفته المرأة بحذائها... أو ضربته بعصا المكنسة... سوف يتحمل كل شيء حتى تنجلي الغمة... مرت لحضات أخرى... لم يَسمع حسان بشيء من الشتائم.
-" ماذا؟... هل تراها رحلت؟... يارب... "
فتح حسان عينية... المرأة لم ترحل... إنها هناك... أشبه بشبح مخيف... مرت لحظات أخرى... ولكن... الموقف يزداد صعوبة:
-" ما هذا... يا ناس؟... هذا شيء سخيف"
إنها تتقدم... وتتقدم... حسان بدأ يشعر أنها ستجلده بلسانها... حتما ستقول:
-" يا وقح... لماذا أنت هنا؟... يا جبان... يا تافه!"
سهل لو اكتفت بذلك... ولكن... الله أعلم ... ماذا تُخبئ الأقدار...
مرت لحظات... إنها تتقدم... وتتقدم... وهو يرتجف ويرتجف... قالت له بصوت مصطنع... لم يعرفها من خلاله:
-" أنت هنا إذن؟... هيا... اذهب... هيا... وعد إليها بعد قليل... يجب أن يكون لديك كمية أكبر... من الدم... تجري في عروقك... وكمية أكبر... من الإحساس... تسري في مشاعرك... هيا... اخرج"
قام حسان منكساً رأسه... في موقفٍ لا يحسد عليه... إنه سعيد لأنه لم يصب بأذى... ولكن الهوان جميعا يحيط به... وحنقه على هذه المرأة السليطة يتجاوز الخيال:
-" آه لو أمسكت بها ذات يوم... لو يكون لي عليها سلطان... مهما كان... أيَّ سلطان... إذن سأقطف رأسها... آه لو أتزوجها... سيكون زواجي ذاك... أسعد من زواجي بجواهر... لأني سأكوي شموخها هذا... لكن... لا... مستحيل... )الطيبون للطيبات ( أنا لجواهر وابتسام... وهما لي... أما هذه... فيجب أن يتقدم الشيطان لخطبتها... أعانه الله عليها... ولكن... ربما سيستفيد منها"
خرج حسان... ركب سيارته... فكر في أن يدير المفتاح... ويذهب... ولكنه خائف... لقد قالت له تلك المرأة:
-" لا تذهب بعيداً... اذهب للخارج ثم عد"
إنه لا يجد من الشجاعة ما يجعله يخالف أمرها... لذا جلس في السيارة متجمداً أمام المقود... ينتظر انصرافها.
وبعد دقائق... خرجت المرأة... رآها حسان وهي خارجة... مَقَتَهَا من كل قلبه... لا شك أنها ذاهبة... إلى غير رجعة... – الطريق اللي يودِّي- لم يدر حسان ماذا حصل؟... ولكن... هاهي تتجه نحو السيارة... لم يصدق حسان نفسه:
-" ماذا!... يا ستار... ماذا تريد؟"
لقد فتحت المرأة باب الراكب... مر وقت متوتر... وأخيراً... أدْخلت المرأة رأسها من الباب... ثم أدخلت بقية جسمها... لقد جلست على المقعد... حسان لا يدري ما هذا الذي يحصل:
-"هذه سخافة!... لا... ليست سخافة... وإنما وقاحة!!"
تجرأ قليلا ليقول:
-" ... يا امرأة ... "
-" عيوني ... لك... قل... ما تريد... يا حبيبي "
ازدادت دقات قلب حسان... وازدادت زفرات رئته... شعر أنه ليس هنا... ولكنه أكمل:
-" عيونك ماذا... احترمي نفسك... أنا إنسان محترم "
-" اعذرني... أنا أحبك... ومعجبة بك "
-" اللهم لا نسألك رد القضاء... ولكن نسألك اللطف فيه... انزلي... هيا... انزلي... أرجوك... أنا لا أريد مشاكل "
-" وما لنا وللمشاكل... أنا أيضاً لا أحب المشاكل "
-" أقول هيا انزلي... قبل أن أقوم بإجراء آخر... أنت لا تعرفينني جيداً إذا غضبت... أنا إنسان شراني... وأحب المشاكل... ثم أنت كنت سيئة خلق... ومتوحشة... فما هذا التغُّير المفاجئ؟... ولكن... يبدو أنك تجيدين تمثيل دور الحرباء"
قالت وهي تتظاهر بالخجل:
-" صحيح... هذا لطف منك... هل أعجبتك الآن؟... هل أنا ممثلة بارعة... هذا ما كنت أتمناه... يبدو أن هذا الدور أعجبك "
-" بل سقطت من عيني... الحرباء لا يعجبني أي دور تُمثِّله... على كلٍ... كنت أظن أن خدماتك التي تقومين بها للعجوز... خالصة لوجه الله... وإذا بها خالصة لوجهي "
-" أعوذ بالله... ومن أنت حتى أعمل أعمالي لك؟! "
كانت كلمات حسان الأخيرة أكثر تأثيراً على جواهر... لقد غضبت منها فعلاً... وقد تركت اللكنة التي تُزوِّر بها حقيقة شخصيتها... وتحدثت بصوتها الحقيقي... بدا الشك يساور حسان... إنه يعرف صاحبة هذا الصوت... لم تتمالك جواهر نفسها... لقد أحست أنها وقعت في ورطة... ضحكت من كل قلبها... وبأعْلى صوتها... وضربت بيدها على يد حسان... الرابضة هناك...على مُغِّير الحركة – القير-
سحب حسان يده في دهشة... نظرت جواهر يمنة ويسرة... لم تر أحداً... كشفت عند ذلك خمارها... وأكملت ضحكها الذي لم تضحك مثله... منذ وُلدت... وضحك حسان أيضاً... حتى كاد بطنه يتقطع... لقد أحس بذلك.
وهنا... عرف قصةً من أغرب القصص... حيث لم تكن جواهر... سوى تلك المرأة... التي كرهها في ظاهره... واكتشف الآن أنه أحبها... منذ أول رؤية لها... وأنه أحبها أكثر... عندما سمع أخبارها من ضاحية... مع أنه كان يقنع قلبه بأنه يكرهها... لقد ازداد حبه لجواهر الآن.
مد يده بالمفتاح... وأدار المحرك... لقد قرر الإنطلاق... ولكن جواهر قالت:
-" لماذا لا تعود إلى ضاحية؟... ربما كانت تريدك... ثم إن تلك المرأة أمَرتْكَ بالعودة... بعد خروجها"
-" الله يجازيك... يا جواهر... لم أتوقع أبدا أنك أنت "
2- ضاحية تكتشف السر
نزل حسان من سيارته... ودخل إلى منزل العمة ضاحية... وتبعته جواهر... لأنها فيما يبدو تريد عمل مقلب جديد... منذ سنوات لم تعمل " المقالب " لأحد... يبدو أنها موهوبة جدا في عمل المقالب... ويبدو أن جوعا شديدا لمواقف الدعابة التهب في أعماقها... ربما لأنها أخيرا أحست بوجودها كإنسان... ولكنها بالفعل... أصبحت خفيفة الظل... وهي تتحرك كما تتحرك طفلة في الثانية عشرة... لم تعد تُلقي بالاً لشيء... لأنها حقاً سعيدة.
حسان يحمل خبراً ساراً... إنه يريد أن يخبر ضاحية بأنه تزوج... أولاً... وثانيا... أن الله استجاب دعاءها... وزوَّجَهُ من تلك المرأة... التي لا تعرف عنها ضاحية أي شيء... حتى اسمها... وأنَّ جواهر زوجته... هي ذاتها... المرأة الطيبة.
جلس حسان... أمام العجوز... ودخلت جواهر في تلك الأثناء... كانت تضحك... لقد جلست قبالته... لم تفهم ضاحية معنى هذا الجلوس... لامرأة مع رجل غير ذي محرم... ولكنها كما يقال "طَنَّشتْ" وما دخلها في هذين المخلوقين الطاهرين؟... وبماذا يمكنها تفسير جلوسهما متقاربين... إلا بكل حسن نية... هما أخوين في الدين... هذا يكفي... ليجلسا في أي مكان يريدان... ومع ذلك... فقد بقيت ضاحية تقلب طرفها في حسان... ثم في جواهر... إنها حقا... معجبة بهما... قالت أخيراً :
- "الطيبون للطيبات"
- نزلت هذه الكلمات بردا وسلاما على قلب حسان... لذا قال:
- " والطيبات للطيبين "
حركت العجوز يدها بصعوبة... ووضعتها تحت ذقنها... وقالت في كل عفوية :
-" لماذا لا تتزوجان... أنت يا حسان... وأنت يا....؟ "
أسعفها حسان بسرعة... لأنه يعرف أنها لا تعرف اسم المرأة... لذا قال :
-" جواهر "
3- اسم جواهر... يحمل سراً خطيرا
لم يكن حسان ليعلم أبعاد تأثير النَّغم الذي قاله للعجوز... وأي نغم يحمله صوت حسان... عندما تلفظ بكلمة "جواهر "... بالطبع كان بالنسبة له و لجواهر... اسما طبيعيا... وصوتا طبيعيا أيضا.
المذهل حقاً أن هذا الاسم سرى على أذني ضاحية كالكهرباء... فوجئ حسان وجواهر بردة فعل العجوز غير المتوقعة... لقد قالت في دهشة:
-" ماذا قلت؟... جواهر!... هل قلت جواهر؟ "
ليس هذا فحسب... لقد تفاعلت ضاحية مع الاسم تفاعلا غريبا... الأمر يبدو أكثر دهشة... لقد وضعت كفيها على حافتي السرير... واستندت عليه... وجلست دون مساعدة... ثم اقتربت من جواهر... أكثر... وأكثر... إنها تريد تدقيق النظر فيها... عبر نظارتها الكثيفة... بعدها قالت:
-" أنتِ... جواهر!!... هل أنت... جواهر؟ "
أصيبت جواهر بالرعب:
-" غريب جداً... ماذا حصل؟... لقد استطاعت العجوز الاستناد على يديها... بمجرد سماعها لاسمي...اسمي... جواهر "
بدأت جواهر تشعر بشيء من الخوف... وبدأت نظرات ضاحية تتصوب تجاهها بشكل مرعب... ابتلعت جواهر ريقها... مشاعر الخوف تتعاظم في كيانها... مرت لحظات... لم تتمالك جواهر مشاعرها... لذا قامت مرتجفة... لقد قررت أن تجلس على مقعد آخر... يبعد مترين على الأقل عن سرير العجوز... أمَّا حسان فقد اقترب وهو يضحك في سرور... وقال :
-" ماذا دهاك يا أمَّاه؟... هل أعجبك اسم جواهر؟ "
نظرت إليه في شرود... وهزت رأسها في انسجام... وقالت:
-" الله يا ولدي... جواهر... إنه يعيدني للوراء... خمسا وعشرين سنة... أو أكثر "
تهللت أسارير حسان... لأول مرةٍ تتذكر ضاحية شيئا من الماضي... ثم تتحدث عنه... إنها فرصة حسان الذهبية... لإشباع فضوله الكامن...وراء معرفة سر المرأة المقبور... وأبعاد معاناتها... إنها الآن لم تجاوز الخامسة والستين عاماً... ومع ذلك... يبدو أنها قد جاوزت المائة عام... إن تقاسيم وجهها توحي بآلام وأحزان... تُثقل صخور الجبال... ولكن... هل سينكشف سرها الدفين... بعد أن عادت بمخيلتها... إلى أكثر من خمس وعشرين سنة؟... وهل بدأت تثق في حسان؟... وهل ستلتمس عونه... أم أنها زلة لسان... سرعان ما تُقيْلُها الأفكار الصارمة؟... قال حسان:
-" وماذا حصل يا أمي... قبل خمس وعشرين عاماً؟ "
-" ماذا قلت؟... خمس وعشرون سنة!... وماذا سيحصل؟... الدنيا لم تتغير... لا شيء... لا شيء"
اتضح كل شيء... ببساطة... العجوز أرادت أن تخرج من الموضوع... لقد نظرت ثانية إلى جواهر؟... وابتسمت... كانت العجوز حينها جالسة... نعم... كانت جالسة على سريرها... وكانت أكثر قوة... أمر غريب... هل كل هذا بسبب سماعها لاسم جواهر... قالت عند ذلك:
-" يا بنتي يا جواهر... قولي لي... ما اسم أبيك؟... تكلمي... تكلمي... لا تستحي مني... ولا من حسان "
قالت ضاحية... كلماتها تلك... في شيء من الارتباك... ولكن السِّر... يزداد غموضاً... وإلهاباً لمشاعر حسان... أدركت جواهر عمق المشكلة... التي أحلَّها حسان على ضاحية... لذا ابتسمت وقالت في تفاعل:
-" جواهر عمر عيدان... اسمي جواهر عمر عيدان "
4- عمر عيدان... هل ثمة سر ما ؟
لم يتوقع أي من حسان... أو جواهر... أن كلمة " عمر عيدان "... هي الكلمة التي ستعمل عملا أقرب للسحر... بالجالسة في صمت على سرير هرمها... ضاحية.
جواهر قالت تلك الكلمة... "عمر عيدان"... قالتها كي تهدئ قليلا من اضطراب الوضع... ولكن النتيجة كانت أشبة باشتعال فتيل قنبلة موقوتة... لم تخرج ضاحية من أزمتها الصغيرة... ولكنها دخلت في أزمة أعظم... لأنها لم تتذكر حَدَثاً واحدا... حدث منذ خمسة وعشرين عاماً... ولكنها تذكرت كل حدثٍ حدث... طيلة عمرها.
سرى الرَّعب في قلب حسان... وفي قلب جواهر... وعندما فتحت ضاحية عينيها... شبة العمياوين... بدا في تلك اللحظة... أن عينيها لم تكونا عمياوين... ولكنهما كانتا تقذفان بالحزم... والثقة... انتفضت ضاحية أشبه بحجر صلب... وُضع في جوفه لُغم قوي... ثم انفجر.
صرخت ضاحية... دون سابق نذير... صرخت صرخة هي أشبه بصرخة مجنون... ثارت قوتها الكامنة... في لحظة... وقالت بصوت كله حزم ودهشة... أنت جواهر... عمر... عيدان.
شفتا جواهر ترتعشان... وقلبها ينبض بخوف... ولكنها استطاعت أن تقول:
-" نعم "
-" آه... يا رب... أنت جواهر... عمر... عيدان "
-" ماذا حصل ؟ "
في أثناء تلك الدهشة... قامت ضاحية العجوز المشلولة... من سريرها... قامت أشبه بشبح مخيف... قام لتوه من القبر... قامت تحمل نفسها على قدميها اللتين بدتا أكثر قوة وحيوية... واتجهت في ذات الوقت... إلى جواهر.
جواهر تحاول فهم ما يحصل... عقلها لا يسعفها... ولكن بالتأكيد... ما حدث الآن ليس حلماً.
كثير هي الأحداث التي حدثت في هذين اليومين... كلها تحمل شيئا من الدهشة... ولكنّ ما حدث لهذه العجوز... الأشبه بميِّتة حَييت... شيء يوقف قدرات العقل... على معرفة مجريات القصة الغامضة... شيء مذهل... المشلولة التي قامت... والعمياء التي أصبحت ترى كل شيء... وتتعمق في كل ما ترى... ماذا دها الحياة.
لم يقف المشهد عند ذلك... حصل ما هو أغرب... العجوز تسير الآن... تتقدم... وتتقدم... وحسان مذهول... ويشك أن القيامة قد قامت... أما جواهر... فقد أغمضت عينيها بيديها... وبقيت تنتظر... لحظات صمت... بعدها بدأت العجوز تنادي بأعلى صوتها:
-"جواهر... جواهر... عمر عيدان... عمر عيدان"
وفي النهاية... وقفت ضاحية مجاورة لجواهر... ومالت نحوها قليلا... وعندما لاصقت يدها كتفي جواهر... هزتها بهدوء... ثم قالت:
-" هل أنت جواهر!... عمر!... عيدان!"
رفعت جواهر رأسها بهدوء... لتلتقي نظراتها بنظرات الخوف والريبة... في وجه ضاحية... ثم قالت:
-" نعم يا أمي ضاحية... أنا جواهر "
-" يا أمي... قوليها مرة أخرى... أنت لا تعلمين... انظري إليَّ... انظري "
نظرت جواهر إلى ضاحية... ركزت ضاحية نظرها إلى جواهر... صوبته أشبه بعيني لبؤة صيادة... ضاحية لم تعد عمياء... كما كانت سابقاً.
وبعد التأمل... لما يقارب دقيقة... خرجت دمعتان من عيني ضاحية... وقالت:
-" نعم إنكِ أنتِ... أنت هي... يا الله... يا إلهي... يا إلهي... ارحمني... لا يهمني بعد أن رأيتك... أن أموت... حتماً لو متُّ... لما كنتُ تعيسة "
الموقف مذهل بالنسبة لحسَّان... ولكنه بالنسبة لجواهر... كان مذهلٌ بدرجة أكبر... ضاحية لم تزد على أن قالت تلك الكلمات... ولكنها سرعان ما تحركت في سريرها... لتنكبت على جواهر... احتضنتها بلهفة... وبدأت في بكاء أشبه بالصراخ... كانت تضمها إلى صدرها بقوة وبشدة... وجواهر تبكي أيضاً... لا تدري لماذا تبكي... ولكنَّ الموقف كان مؤثراً بطريقةٍ مذهلةٍ... أكبر من أن تحتمله جواهر... حسان شارك في البكاء... ولكن بدرجة أقل... وفَصَلَ الموقف الرهيب... شهقةٌ لضاحية... كانت كفيلةً بتحويل البكاء إلى رعب شديد.
-" ضاحية... ضاحية! "
-" أمي ضاحية... ماذا بك؟ "
لم تكن ضاحية قادرة على الحراك... إنها الآن متحجرة في مكانها.
-" ماذا بها يا جواهر... أجيبي؟ "
-" لا أدري... هل سمعتها حين شهقت؟ "
-" سمعتها...يا رب... يا رب... ماذا عساه حصل لها؟!..."
5- تداخل الألغاز
أسرع حسان نحو ضاحية... إنها مغمضة العينين... جامدة الأعضاء... ولكن... يبدو أنها لازالت حية... حمل حسان وجواهر تلك العجوز التي بدا لهم وأنها سرٌّ محض... وسر دفين مكبوت... وربما كانت جواهر... جزء من ذلك السر... ربما.
أوصلاها للسيارة... ثم انطلقا بها للمستشفى... كانت الأيدي على القلوب:
-" ماذا سيحصل لو... لو... قُدِّر موت هذه العجوز الطيبة؟"
وصلت السيارة إلى المستشفى... وأنزلت العجوز... واستقبلت هيئة الإسعاف هذه الحالة بغير قليل من الاهتمام... قياس نبض... قياس ضغط... جهاز أكسجين... إبر لها أول وليس لها آخر... فحص للعينين... وكشف على البطن... وأخيراً قال الطبيب:
-" اطمئنوا... على كلٍ... الحالة سيئة... ولكن ما حقيقة ما حصل لها؟"
كان حسان حريصاً على ألا يتلفظ بكلمة واحدة... إنه يعلم تماما مدى حرص العجوز على سرية حياتها الخاصة... إنها لا تريد من أحد أن يعرف عنها أي شيء... إنها كانت ترفض دائماً الذهاب للمستشفى... كانت تحتمل الآلام... وربما تحملت الموت... في سبيل ألا تُعرف حقيقتها... أو حقيقة قصتها... لم يشأ حسان أن يتكلم.
وفي تلك الأثناء... انفجرت جواهر باكية... حمل الطبيب أحد الكراسي... وقربه منها... وهو يطرح عليها السؤال:
-" هل هي قريبة لك؟... أرجوك... من أجل مصلحتها"
وبكل براءة... بدأت جواهر تتكلم... إنها حريصة على مصلحة العجوز... كما قال الطبيب... لم تتكلم بكلمة أو كلمتين... ولكنها –خَرَطَتْ- جميع حبَّات المسبحة... لقد أخبرته بأشياء كثيرة:
-"هذه المرأة ليست قريبة لي...لم أتعرف عليها إلا مؤخرا... إنها وحيدة تعيش في منزلها... ليس لها أقارب... مسكينة... كنت أقدم لها المساعدة... فمنزلها قريب من منزلي... لقد كانت عاجزة... وحيدة... إنها مسكينة تستحق الشفقة والرحمة... ولكنها عندما علمت باسمي... قامت نحوي... وسارت لعدة أمتار... وعندما تأملت ملامحي... قالت :
- " إنك أنتِ هي... الحمد لله أنني رأيتك"
وضمتني لصدرها... ثم سقطت "
ارتجفت جواهر عند ذلك... وانفجرت باكية... في حين أحس حسان بإشكالية الوضع... وأحس أيضاً بالمنزلق الخطير... الذي وقعت فيه جواهر... لقد أفضت بالسر الكبير... الذي ربما يكشف عن بعض حقيقة ضاحية... قال الطبيب:
-" وما اسمك؟ "
-" جواهر عمر عيدان "
6- السر... السر
اضطرب حسان... وأمسك بزوجته... وسحبها إلى الخارج... كان يريد أن يؤنبها على ما قالت... وعلى صراحتها غير المناسبة... لقد شعر من أعماق نفسه أن سر ضاحية يستحق أن لا يعرفه أي إنسان... إنه سر غالٍ جداً... ونفيس جداً... حرام أن يفقد شيئاً من قدسَّيته... بكل هذه السهولة... لقد كتمته ضاحية في نفسها... أعواماً مديدة... فمن الجور أن تكشف جواهر أبعادة... في لحظات قليلة:
-" لا يا جواهر... لا... لا... لماذا تَحدثتِ عن ضاحية بكل صراحة؟ "
-" إنه الطبيب... الطبيب... لابد أن كلامي سيساعده في علاجها "
-" أنت حمقاء... اعذريني على هذه الكلمة... ولكنَّ عقلي يكاد يتبخر "
-" آسفة يا حسان... لم أٌقصد... هل غضبت عليَّ؟... هل جئتُ لك المشاكل... من أول يوم عرفتك فيه؟... قل ذلك... نعم... أنا أعرف أنني وجه النحس"
أغمض حسان عينيه في ألم... ثم قال وهو يسحب كرسيا ليجلس إلى جوار جواهر:
-" بل أنا آسف... ولكن... سر ضاحية له قيمة كبيرة عندي... وبالطبع عند صاحبته... لقد فقد الآن كل قيمته... إنها لا تريد أن يراها أي أحد "
في أثناء ذلك... قال الطبيب منادياً:
-" حسان... تعال... تعال... لقد أفاقت والدتك "
أقبل حسان... كان قلبه يرقص خوفاً وفرحاً... قال لها:
-" سلامات... سلامات يا أمي... "
-" أين أنا؟... وأين جواهر؟... جواهر عمر... عمر عيدان... أين جواهر؟ "
-" أنا حسان يا أمي ضاحية... أنا هنا "
-" لا أريدك يا حسان... يا بني... أنا أريد جواهر... جواهر فقط... أريد أن أراها"
دَعا حسان زوجته جواهر... أقبلت واتجهت نحو ضاحية... وفي تلك الأثناء... حاولت ضاحية أن تقوم... كما قامت من قبل... إنها متلهفة لتضم جواهر... ولكنها لم تستطع... حاولت أن تُحرك يدها... ولكن لم تستطع... لقد عادت حليمة... إلى عادتها... وعادت ضاحية... لشللها الُمقيِّدِ لكل حركاتها... مسكينة هي... لكنَّ بصرها عاد قوياً... هذا غريب .
قالت ضاحية :
-" أقبلي يا جواهر... أريد أن تَرْتوي عيني بالنظر إليك... إني أريد إشباع بصري بملامحك... قبل أن يرحل بصري... كما رحلت قوتي... أنا أشكر الله أن أعاد بصري لي... في هذه الساعات... أقبلي يا جواهر... أقبلي..."
أنكبت جواهر على ضاحية... كانت تبكي بحرقة... شعر حسان أن ضوءاً قَدَحَ في الغرفة... أشبه بضوء " فلاش " الكاميرا... لكنه لم يلق لذلك بالاً... إنه مأسور بهذا المنظر الرائع... وربما كان ذلك الضوء... بداية لأحداث رهيبة سيظهرها المستقبل... والنار قد تكون من مستصغر الشرر.
7- إلى الخارج
مرت ساعات... وعادت لضاحية بعض صحتها... وعندما عرفت ما حولها... سألت:
-" أين نحن ؟"
-" هنا... في المستشفى "
-" المستشفى؟... المستشفى؟... لماذا؟... من أتي بي إلى هنا؟ "
-" تَعِبْتِ قليلاً يا خاله... ثم حملناك للمستشفى "
قالت ضاحية في حالة ثورة شديدة:
-" المستشفى لماذا؟... أعيديني للمنزل يا جواهر... لا أريد أن أبقى هنا... هيا أعيديني... لماذا فعلت بي كل هذا؟... لقد ظلمتني... هيا أعيديني يا جواهر "
قلقت جواهر... وقلق حسان... إلا أن الطبيب قال لهما:
- " لا تبالوا بكلامها... ستدخل للتنويم... وربما تستعيد صحتها خلال أيام... وربما إذا عُرضت على بعض الاستشاريين... ستعود للمشي... أنا واثق من ذلك "
موقف حسان أصبح صعباً للغاية... كلام الطبيب مُطمْئن... وضاحية تريد الخروج... والسر الثمين... السر الثمين... يمر بأزمة كبيرة... قطعت أروقةَ الصمت... صرخةٌ من ضاحية... حيث تشبثت بكل قوتها بجواهر... وهي تقول :
-" أخرجيني من هنا... حرام... حرام عليك... هل هذا جزائي؟... أخرجيني من هنا...أخرجيني "
قرر حسان وجواهر أن يُخرجا ضاحية من هنا... وطمأنهم الطبيب بأنه لا مانع من ذلك... إلا أن متابعتها يجب أن تكون دورية .
دفع حسان أجرة المستشفى الخاص... كانت قرابة الثمانمئة ريال... وحملت ضاحية من جديد... ووضعت في المقعد الخلقي للسيارة... وركبت جواهر في الأمام... بجوار حسان... وسارت السيارة إلى منزل ضاحية... حسان أمال رأسه قليلا... وسأل جواهر بهمس:
-" ماذا تفسرين كل ما يحصل؟ "
-" لم أعد أستغرب شيئاً في هذه الحياة المليئة بالمتناقضات... كلها وهم وسراب ومتاعب... وخِراف وكلاب "
-" خراف وكلاب... لا أظن... بل كلها عمل خير... لأن الخير هو الذي يبقى... ومن لم يعمل الخير فهو أقرب للأموات... لا قيمة له... ولا لعمله... وماؤه أقرب للسراب "
-" ماذا ستفعل يا حسان؟ "
-" سنبقى عندها أطول وقت ممكن "
-" أنا أشعر أنني بدأت أنجذب إليها الآن... بدرجة أكبر من ذي قبل... أحس الآن أنها جزء مني... وأنا جزء منها "
-" لكن إياكِ أن تكشفي شيئاً عن حياتها لأي إنسان "
-" سألزم نفسي بذلك... وسأبيت عندها الليلة "
-" جميل جداً... أنت بذلك تفعلين الخير... أرجو الله لها العافية "
-" هل تظن يا حسان أن عافيتها ستعود لها؟ "
-" إنها ليست عجوزاً طاعنة... لا أظنها وصلت السبعين... ولكن المرض أنهكها... الطبيب طمأننا... ربما يكتب لها حياة جديدة... ربما... وتقوم من مرضها هذا "
-" سأكون سعيدة جداً... تصدق... أريد إنفاق كل ما أملك... من أجل إعادة بسمتها... لقد قررت معالجتها في الخارج "
-" أنت واهمة يا جواهر... السر الذي تحمله يمنع عليها حتى قطع حفيظة النفوس... لن تساعدك في ذلك... لقد حاولت عمل ذلك معها من قبل... تصدقين !!... إنها لم تعرض نفسها على طبيب... منذ مرضت بالجلطة... سوى مرة واحدة... أنا مستغرب... كيف لازالت حية... إلى الآن "
-" جزاك الله خيرا يا حسان... أنا فخورة بك "
-" وأنا فخور بكِ أيضاً... وسعادتي لا تُضاهى "
وصلت سيارة حسان عند ذلك... لمنزل ضاحية وانتهت الأحاديث التي لم تسمعها ضاحية... وحُملت ضاحية إلى داخل منزلها وبقيت جواهر لتُمرضها... وذهب حسان إلى منزله لدى ابتسام... كان وقت المغرب ساعتها على وشك الدخول.
الفصل الرابع عشر
1- ليلة لطيفة
عندما طرق حسان باب منزله... كانت ابتسام في الداخل... إنها تنتظره على أحَرَّ من الجمر... وهو أيضاً يحس شوقاً عارماً في داخله لمقابلتها... لقد غاب عنها يوماً كاملاً... اتصل فقط ليلة البارحة... وأخبرها أنه سيتأخر حتى الصباح... واتصل بها في الصباح... وأخبرها أنه سيتأخر حتى العصر... وها هو الآن يحضر مع صلاة المغرب... وعندما فتحت له الباب... أشرقت شمسُها في وجهه... إنها تحس أنه هو الشمس والقمر... بالنسبة لها... وعندما يغيب... حتما يكون الليل قد دخل... وعندما يجيء... تحس أن الشمس قد طلعت... استقبلته بوجهها المشرق... وابتسامتها الصافية... وعندما جلسا... نظرت إليه من طرف عين... وقالت:
- " لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟... أصحابُك يجب أن تخاصمهم... كم تَعذَّبْتُ من أجل فراقك... ليلة البارحة "
لم يكن حسان قد أعد كذبة مناسبة... لمثل هذا السؤال... إنه انشغل بالأحداث الجسام التي حدثت لضاحية... ولكن لا يخلو بيت الذئب من عظم... كما لا يخلو لسان أبن آدم... من كذبة بيضاء... أو...
-" أوه... لقد اشتقت لك كثيراً... أصحابي هؤلاء... لقد ألْزَمُوني النزول معهم للبحر... تصوري... والله فاضيين... ولكن... الحمد لله... لقد استمتعنا هناك أيما استمتاع... الزحام... الزحام فقط هو الذي يكاد يذهب بالألباب "
لم تفكر ابتسام في مدى صحة حديثة... لأنها تثق أولاً أنه لا يكذب... وثانياً يكفيها أنه الآن بجوارها.
2- الصورة الفوتوغرافية
مرت أيامٌ جميلة... حسان مع زوجته ابتسام طيلة الوقت... أو هو في عمله... وربما كان لدى ضاحية.
كانت جواهر تقضي أغلب الوقت لدى ضاحية... وكان حسان يقابل جواهر في أحيان قليلة هناك...في منزل ضاحية.
وخلال خمسة أيام... سارت صحة ضاحية إلى القمة... ولعل ذلك يرجع إلى وجود جواهر بجوارها... بل حتى حركتها... لقد أصبحت حركتها أفضل بكثير... فهي تحرك يدها... وتستطيع مدَّها إلى فمها... وتستطيع الجلوس أيضا لوحدها... ونظرها تحسَّن بطريقة كبيرة... قال حسان:
- " لعل تحسن بصرها أشبه بقصة يعقوب... عندما رأى قميص يوسف... بعد أن ابيضت عيناه من الحزن "
لكن جواهر قالت:
_ " لا أضمن ذلك... فأنا لا أعني لضاحية أي شيء... لقد رَجَعَ بصر يعقوب... عندما رأى قمص ابنه... أما أنا بالنسبة لضاحية... مجرد امرأة غريبة "
-" لا أحد يدري... الحياة هذه كلها أسرار "
-" ماذا تقصد؟ "
-" لا شيء... ولكن كما ترين... لقد تَحَسَّنت صحة ضاحية... ثم... لك عندي مفاجأة سارة "
-" صحيح ؟ "
-" نعم... مفاجأة ستطيرين فرحاً بها "
-" حسان... هناك خبر غريب... لم يكن أبداً في الحسبان "
-" ما هو؟ "
-" لقد ظهرت صورة ضاحية في إحدى الصحف... كَتَبَ الطبيب الذي قام بعلاجها تحقيقاً غريباً... كان يريد من التقرير إبراز مواهبه... يبدو ذلك... ويريد دعاية للمستشفى الذي يعمل فيه "
بدا الارتباك على ملامح حسان... بدأ ينظر هنا وهناك... اقترب من جواهر أكثر... ثم قال:
-" ماذا تقولين؟ هل أنت متأكدة؟"
-" نعم أنا رأيتها"
-" هذه كارثة ؟! "
-" كارثة؟... كارثة لماذا؟ "
-" هل الجريدة لديك؟ "
-" نعم"
أخرجت جواهر الجريدة من حقيبتها... ومد حسان يده ليتناولها... وبدأ يقرأ... لقد كتب بالخط العريض:
- " امرأة تجاوز السبعين... مصابة بشلل كامل... ترجع لها عافيتها وبصرها... عندما رأت إحدى جاراتها تجلس مع رجل غريب... "
أصيب حسان بالذهول... ورمى الجريدة من يده... وأحس بخيبة الأمل... ثم قال في حسرة:
-" لقد كشف السر... يا جواهر... لقد أسأنا لضاحية... في الوقت الذي أردنا مساعدتها "
-" ما هذا الكلام يا حسان؟... أنا لا أصدق أن هناك سراً ما... هذه إرادة الله... فقط "
-" أرجو الله أن يغفر لنا... وأن لا تظهر أي تطورات لانتشار الخبر "
-" لا عليك الآن... لن يكون هناك أي تطورات للصورة... كم هي أخبار الجرائد التي تُنسى بعد يوم من نشرها... لا تكن حساسا لهذا الموضوع يا حسان... ولكن... قل لي... ما هي المفاجأة يا حسان؟"
-" لم يعد لي رغبة في أي مفاجأة... أنا حزين... وأزداد حزناً "
-" أرجوك قل لي... لا تعطي الأمور أكثر من حجمها "
-" على كل... لقد مَدَّدْتُ الإجازة من عملي لمدة أسبوع... كنت أنوي السفر... أنا وأنت"
-" السفر؟... وضاحية!... هل ستبقى وحدها ؟"
-" لقد استأجرت خادمة لمدة أسبوع... وستبقى لتقوم بشؤونها... حتى العودة "
-" والله فكرة... ولم لا؟!... أنا موافقة "
-" ولكن... أنا غير موافق "
-" غير موافق؟... لماذا؟... ما هذه المفاجأة ؟ "
-" أنا قلق بشأن الإعلان الذي في الجريدة "
-" يا رجل... توكل على الله "
-" لابد أن يُعاقب ذلك الطبيب الذي نشر الخبر... والصحفي الذي صوَّر الصورة... بدون موافقتنا"
-" الأمر أسهل... سيَنْسَى الناس هذا الخبر... كما تُنسى كل الأخبار "
3- إلى الطريق الرحب
وفي اليوم التالي... ودع حسان زوجته ابتسام... وأبناءه... بعد أن أخبرهم أنه يعزم السفر... ودَّعته ابتسام وعيناها تغرق بالدموع... وبعد دقائق... كانت سيارته تقف بجوار منزل جواهر... التي أَعَدَّت من قبل كل شيء لهذه الرحلة... إنها أول رحلة طويلة تقوم بها... أخيرا ستُطلّق قصرها الكبير... الذي كان سجنا لها... وستسافر... مع من أحبت... سألها حسان:
-" إلي أين النية؟ "
-" لديَّ اقتراحٌ جميل... هل نستهل رحلتنا بالعمرة ؟ "
-" العمرة!... أي عمرة؟ "
-" هل نسيت شيئا اسمه عمرة... العمرة يا حبيبي... أن نذهب لمكة... تصدق منذ سنوات عديدة... لم أرَ الحرم "
-" صحيح يا جواهر... هل تريدين العمرة؟... سأكون سعيداً لو قدمتُ لك هذه الهدية... مع أنني منذ فترة قصيرة كنت في مكة... ولكن... "
-" ولكن ماذا ؟ "
-" يختلف تماماً أن أكون مع ابتسام... أو أن أكون معك "
-" لماذا؟... ومن أنا ومن ابتسام؟ "
-" أنت شيء... وابتسام شيء آخر... أنت جوهرة... وابتسام لؤلؤة... أنت الشمس وابتسام القمر... أنت اللبن وابتسام الماء... أنت الروح... وابتسام الجسد... أنت السمع وابتسام البصر... أنت شيء وابتسام شيء آخر... لكن... لا غنى لي عن أيكما... "
-" ولكن... أنت بالنسبة لي كل شيء... أنت الجواهر واللؤلؤ... أنت الشمس والقمر... وأنت اللبن والعسل... وأنت الروح والجسد... وأنت السمع والبصر... أنا أستغني عن كل شيء... ولكن لا أستغنى عنك "
-" لقد أحرجتِني بكلامك... ولكن... مع ذلك فأقوالك ظلٌ لأقوالي... لأنكِ استوحيت كلامك من كلامي "
-" تقصد أنني بَبَّغاء "
-" لا... لا... أقصد أنك صورة طبق الأصل "
هـ ... هـ ... هـ ...
مضى الطريق من تحت إطارات السيارة... سلساً... ومضت ساعات والساعات... وبعد ذلك... وصلت السيارة العتيقة إلى البيت العتيق... واستشعرت جواهر منظر الحرم... اتسع صدرها حتى أصبح بحجم الرحاب الطاهر.
-" هنا تسكب العبرات... وهنا أيضاً تُغسل الآلام... كم من مهْموم أراق ماء همِّه هنا!... وكم من حزين غسل أدران حزنه هنا!"
شربت جواهر من زمزم... هل هي الآن في الدنيا... أم هي في الجنة؟... لو كانت سعادة المرء في الجنة... كسعادتها في أكناف بيت الله... لكفى بالجنة إكراماً لعباد الله الصالحين... نظرت إلى زوجها المحرم... كان خاشعا يدعو بصدق... سألت نفسها... وهي تطيل النظر:
-" هل حقاً هذا المخلوق إنسان؟... لا... لا... إنه ملك كريم... ربما لو كان بعد محمد أنبياء... ربما... لا لا... أستغفر الله... ولكن... لو كان الله آمرا أحدا... أن يسجد لأحد... لأمرني أن أسجد لحسان"
مشاعر جواهر ليست هنا... إنها تفكر وتفكر... فكرت أثناء ذلك أن تمسك بيد حسان... لكن... تذكرت ذلك الطائر... الذي طار... حسان حقاً طائر... إنه حمامة مسجد... ما أعظم الإسلام... الذي يصنع أمثال هؤلاء... اللهم انشر الإسلام في كل مكان... كي تهنأ الشعوب... وتهنأ النساء... ويهنأ كل الرجال... وتهنأ كل حمامات السلام... التي ذبحت في الدنيا.
انتهت العمرة... وعرض حسان على جواهر الانطلاق إلى مناطق أخرى للنزهة... كانت كلماته صدمة بالنسبة لجواهر... إنها لا تريد مغادرة هذا المكان الآمن:
-" رب اجعل هذا بلداً آمناً... واجعل قلبي آمناً... لماذا يا حسان نذهب؟... إنني أفضِّل البقاء هنا على الذهاب... ولو إلى أروع بلاد العالم "
-" صحيح... هل تُفضلين البقاء؟ "
-" وحتى آخر يوم من عمري "
-" هذا كثير جداً... ربما ستعيشين قرناً قادماً "
-" إذن وحتى آخر أيام إجازتك "
4- ثالث ثلاثة
أيام انقضت كدقائق... وعاد ركب الأسرة السعيدة... إلى موطن الرأس... حسان يحرقه الشوق العارم... للقاء ابتسام وأبنائه... وكما قال حسان:
-" لقد أصيب حبي هذه الأيام... أصيب بطفرة جينيّة... الواقع أنني أستطيع توزيعه على العالم أجمع... الحب هو شريان الحياة الحقيقي... لماذا لا يعيش الناس في محبة؟... حتماً عندها سيعيشون في هناء... وستتحول ليلة الثلاثين إلى ليلة مقمرة"
وصلت السيارة بعد طريق طويل... ونزلت جواهر بجوار منزلها... وبعد دقائق... وقفت سيارة حسان بجوار منزل ابتسام... ونزل من سيارته بخفة... وعندما ولج للمنزل... استقبلته أسرته في كل هنا... ومرت ليلة هانئة... داخل الشقة الصغيرة.
وفي اليوم التالي... عاد حسان من عمله... وكما هي العادة... مرَّ في طريق عودته بالعمَّة ضاحية... لحسن حظه... لقد وجد جواهر بجوارها... إنها الآن تتمتع بصحة وعافية... لقد سعدت ضاحية أيما سعادة بقدوم جواهر... وجواهر عندها منذ الصباح... لقد أعدت لها طعاما... تناولاه سويا... وحدثتها عن الكثير من أحداث رحلتها السعدية... وعن مدى الطيبة التي يتمتع بها زوجها حسان... كانت جواهر جالسة أمام ضاحية... وكانت ضاحية تستغل كل فرصة لتميل برأسها قليلا... وتقبل جواهر... وجواهر سعيدة كل السعادة بجلوسها بجوار هذه المرأة... إنها تحس أن الأمان كلَّه ينصب في قلبها كلما رأتها تبتسم.
جلس حسان مقابلاً للمرأتين... لقد اكتشف أن حبة لضاحية يزداد مع الأيام... كان في السابق يُشفق عليها... أما الآن فهو يحبها من كل قلبه... المحبة نعمة كبيرة.
استمرت الجلسة ما شاء الله... كان حسان أثناء حديثة يلهو بمفتاح السيارة... وعندما حان وقت الرحيل... استأذنت جواهر في الانصراف... بعد أن قبلت رأس ضاحية... واستأذن حسان... انصرفا للخارج... وعندما ركبا في السيارة... بحث حسان عن المفتاح... لكنه لم يجده... تذكر... لعله نسيه في الداخل... لقد أخرجه من جيبه عندما كان جالسا على سرير ضاحية .
5- انفجار السر
عاد حسان إلى ضاحية مرة أخرى... باب منزلها على حالة... أدخل المفتاح... وفتح.
الغريب في الأمر... أن ضاحية كانت تبتسم من كل قلبها... عندما رأت حسان يدخل... قالت له:
-" لقد عرفت أنك ستعود "
-"عرفتِ؟... كيف عرفت؟... ولماذا ؟ "
-" لأنني أخفيت مفتاح السيارة "
-" غريب... ولماذا أخفيته يا عمة؟ "
تغيرت ملامح ضاحية من الهزل إلى الجد... وقالت في صرامة... وهي تشيح بعينيها إلى الأرض... وتكسوها السكينة والهيبة:
-" لأنني سأقول لك السر... السر الثمين... ولأني سأعطيك الشنطة... التي تحت السرير... أعطيك إياها كوديعة... يا حسان "
في انفعال يحفه الخوف... قال حسان:
-" أي سر ؟ "
-" سر حياتي الطويلة... الغامضة... أنا الآن لا أعبأ لشيء... بعد أن رأيت جواهر... وهي شابة... ورأيتها... وهي في عصمة رجل متدين... مثلك يا حسان... أنا الآن مطمئنة عليها... وسأهنأ في موتي كل هناء... إن كنا من أهل الجنة... أللهم اجعلنا من أهل الجنة "
-" آمين... ولكن... كيف عرفت جواهر؟... ومن تكون جواهر بالنسبة لك؟"
قالت ضاحية بحزم أكبر:
-" أحضر الشنطة من تحت السرير... واقترب مني... وسأخبرك بكل شيء "
مرت لحظات صامتة... لا يُسمع فيها سوى زفير صاحبة والثغر الهامس... وهي تُتَمْتِمُ بكلمات غامضة... وحركات حسان وهو يحني جذعه لآخر حدٍ... وقد وضع يده على حافة السرير... واليد الأخرى تبحث تحت السرير... وبدأ يتحسس... ليمسك بالشنطة القديمة... أخرج حسان الشنطة... ووضعها أمام العجوز.
وضعت العجوز يدها على الشنطة... وأدارت عينيها هنا وهناك... ثم دنت برأسها من حسان... واقترب حسان بأذنه من فمها... كان سمعه مصغيا جداً لما ستقوله... وقالت العجوز ما قالت في همس... ثم صمتت.
مرت لحظات أخرى... وأخيراً... لقد خرج السر الثمين... من قلب العجوز... واستقر في قلب حسان... كلمة بكلمة... وحرفاً بحرف.
كانت انفعالات حسان على وجهه تبدو مذهلة... كلما تتابعت كلمات ضاحية إلى أذنيه... وقبل انتهاء الكلام... وصل ذهول حسان إلى نهايته... لقد كاد أن يُغْشَى عليه... وكاد يفقد وعيه... ولكنه تمالك نفسه... بقي متسمراً مكانه... إنه ينظر إلى نقطة واحدة... ويفتح عينه نصف فتحة... ويغلقها نصف إغلاقة... قالت ضاحية :
-" لقد عرفت كل شيء... اذهب... هيا يا حسان... وإياك أن تتكلم بكلمة...وهذه الشنطة... إياك أن يعرف أحد حقيقتها"
6- شنطة في شنطة
قام حسان... الدنيا تدور أمامه... والشنطة الأثرية في يمينه... انصرف خارجاً من منزل ضاحية... اتجه لسيارته... جواهر داخل السيارة... لقد نسي تماما أن جواهر جالسة تنتظر... فتح شنطة السيارة الخلفية... ووضع شنطة ضاحية بكل هدوء.
جواهر تراقب حسان... وتراقب تلك الشنطة... حتى توارت في مؤخرة السيارة... وعندما ركب حسان... أدهشها ذلك الصمت الرهيب... الذي يلفه... تماماً كما أدهشتها تلك الشنطة التي لم تعد معه الآن... لم يخطر ببال حسان أن رؤية جواهر للشنطة خطأ بالغ في تطبيق وصية ضاحية... كان من المفروض عليه أن يخفيها... ولكنَّ الذهول أصاب عقله بِشيء من البله... بل لقد نسى وجود جواهر نهائياً... وعندما سألته:
-" خير!... لقد تأخرت! "
انتبه لوجودها... بدا مرتبكا... ثم قال في توتر:
-" هه... أنت... أوه... جواهر... كيف حالك؟... منذ متى وأنتِ هنا؟ "
-" ماذا بك؟... أنا هنا منذ ركبنا سوياً... وَعُدْتَ لأخذ المفتاح "
-" المفتاح؟... أي مفتاح؟ "
-" حسان... ماذا بك؟... مفتاح السيارة "
أمسك حسان رأسه بيده... وارتجف مع سؤال جواهر... وبدأ يفكر بجد في كثير مما حوله... أعادت جواهر القول:
-" ما حقيقة أمر الشنطة التي وضعتها في مؤخرة السيارة؟ "
لقد اكتشف حسان أنه فرط في الأمانة... بدرجة ما... بالفعل... هذا مأزق كبير... ولكن هل سيودي خطأه هذا بكل شيء؟... بكل شيء.
فكر حسان لمدة دقيقتين... في صمت مطبق... وقال بعدها متصنعاً الضحك:
-" سامحك الله يا أمي ضاحية... هـ هـ هـ... أظن أنني أصبت بالزكام... لقد أصابتني العدوى... ولم لا؟... كنت أتحدث معها وهي تتكلم بصوت مرتفع... خطئي أني اقتربت منها... كان زفيرها يدخل في أنفي... هـ... هـ... هـ... "
-" والشنطة؟... ماذا كانت تريد منك بالضبط يا حسان... بماذا كانت تتكلم معك؟ "
-" وهه... أي شنطة؟ "
لقد وقع حسان في حرج شديد... عليه الإسراع في ابتكار كذبة ما... أياَ كان لونها... سوداء بيضاء... لا يهم... المهم أن يخرج من المأزق... ويحفظ السر الخطير... قالت جواهر في إصرار:
-" تكلم يا حسان... ماذا حدث؟"
-" أوه الشنطة... هل رأيتها؟... لم أكن أريد أن أقول لك ذلك... لأنني كنت أشعر بالخجل"
-" ولماذا الخجل؟ "
-" العجوز... فقيرة... نعم... أنا أعرف حالها جيدا... لقد أقْسَمَتْ عليَّ أن آخذ قيمة المستشفى... تصدقين... لم تكن أموالها إلا أوراقاً من فئة ريال... هـ... هـ... هـ... وعندما أعطتني ثمانمئة ريال... كانت أشبه بجبل صغير... قلت متعجبا:
-" كيف سأحملها؟"
قالت في ذكاء:
-" خذ الشنطة... من تحت السرير... وضع فيها النقود"
مددت يدي تحت السرير... وجدت شنطة قديمة... لا تفرقين بينها وبين التراب... شعرت بحرج من العجوز... بالطبع... موقف محرج... وبدأت أشعر بالعطاس من رائحة التراب... ولكني رأيت أن حَلَّها كان مناسباً... أخذت الشنطة... وبدأت أعد الريالات... لذا تأخرت... هـ هـ هـ "
لم تقتنع جواهر بهذه الترهات... ولكنها لم تكلف نفسها بحث قضية ظنت أنها لا تَهُمها... ربما كان بين حسان وضاحية موضوع ما... إنها مُتَعَوِّدّة على عدم التدخل في شؤون الغير... ولكنها ضحكت كما ضحك زوجها... وسارت السيارة... وأوصلها حسان لمنزلها... ثم نزلت... وكان موعد اللقاء غداً... عند ضاحية.
الفصل الخامس عشر
1- فترة النقاهة
رجع حسان إلى زوجته ابتسام... كانت مشاعره مضطربة... إنه الآن يملك السر الكبير... وعليه أن يحافظ عليه... بكل طاقته... وعندما دخل المنزل... استقبلته ابتسام... وبمجرد جلوسه... أمسكت بأذنه مداعبة... وقالت :
- " لن أطلِق سراح أذنك حتى تخبرني... لماذا أصبحت تُطيل الغَيْبة خلال هذه الأيام ؟"
لقد تحسنت بديهة حسان في الكذب الأبيض... لذا قال :
-" أوه يا ابتسام... ألم أخبرك؟ "
-" تخبرني بماذا "
-" أحد أصدقائي... يريد فتح سوق تجاري... ويريد أيضاً أن أشاركه "
-" هل وافقت؟ "
-" لا... لا... ليس معي ريال "
-" ولماذا يريد متاجرتك إذن ؟"
-" لأنه لا يستغني أبداً عن مشورتي "
-" مشورتك!... أنت!... ومنذ متى ولك خبرات تجارية؟ "
-" في الحقيقة... هو... آى... أحْضري الشاي أولاً... ثم نُكمل الموضوع... أو... هناك اقتراح أفضل... نشرب الشاي في أحدى الحدائق... أريد أن أشم الهواء... وبالمَّرة... نأخذ الغذاء معنا... ونتغدى "
-" الأمر كما تريد "
ذهبت ابتسام لإعداد الشاي... وبعض أغراض الغداء... وعاد حسان إلى ترتيب أوراق ذهنه المبعثرة... إنه لا يستطيع التفكير في شيء... حتى تجميع الكلمات... أصبح صعبا... يجب أن يأخذ قسطاً من النقاهة مع زوجته ابتسام... إنه يحب جواهر... ولكن شتان... هنا مع ابتسام يوجد الهدوء... بكل أبعاده... يحب ألّا يبقى مع جواهر كثيرا... خاصة في هذه الأيام... إن قلقه ومتناقضات حياته تزداد معها... يجب أن يتوقف عن زيارتها مؤقتاً... بل حتى عن رؤيتها... ويجب أن يتناسى كل الأحداث الجسام... وغير الجسام .
2- رحلة الأُنس
لحظات جميلة مرت... هاهي سيارتهم تنطلق... حسان وابتسام وطفلاهما... والدنيا ترقص طربا لسعادتهم... لقد هدأت أعصاب حسان نوعاً ما... ولكن... عليه ألاَّ يسير بالسيارة مع الطريق المار بجوار منزل ضاحية... أو الطريق المار من جوار منزل جواهر... عليه أن يعيش الآن بين أسطر صفحته الأولى... الأولى فقط.
-" ما هي المفاجأة يا حسان؟ "
-" المفاجأة؟... مفاجأة!... أوه... المفاجأة...نعم... نعم... المفاجأة... لقد ضقت ذرعاً بمكتبي... الذي يجثم في غرفة المائدة... وكأنه يجثم على قلبك... أليس كذلك؟ "
-" نعم... المكتب!... وهل ستخرجه؟... ألف مبروك... سيكون بَيْتُنا عندها واسعاً جداً"
-" لن يكون واسعاً ولا شيء... البيت كما هو... اللهم متر واحد في غرفة الطعام "
-" ستبيع المكتب القديم... الحمد لله "
-" لن أبيعه... كلا... هناك حل أفضل... لقد وجدت مكتباً... في عمارة على شارع تجاري... وقررت أنا وصاحبي استئجار ذلك المكتب... هو يعمل في المكتب كرجل أعمال... يبيع ويشتري في الأراضي والعمائر... وأنا أضع مكتبي أيضاً هناك... وعندما أرغب في القراءة... أكون بعيداً عن الإزعاج"
-" ما هذه الفكرة الغريبة؟... ستكون بعيداً عنا يا حبيبي... ثم... من سيُحضر لك القهوة... والحليب... والشاي؟... ومن سيحضر لك عصير الليمون؟ "
قال حسان في نفسه بخبث:
-" أوه... بسيطة... جواهر... جواهر ستحضر لي ذلك كله"
ولكنه قال لابتسام:
-" والله صحيح... لم أفكر في ذلك... حقيقةً مشكلة... ولكن... هناك حل... أنت ستُعدِّين لي القهوة بالحليب... والشاي... وستضعينها في حافظة الحرارة... المهم... سيتسع المنزل... هل أنت سعيدة بهذه المفاجأة... يا حبيبتي؟ "
-" سعيدة لأنني سأرتاح من المكتب... والمنزل سيتسع... ولكني حزينة... لأني سأفارقك ساعات أطول"
مرت الساعات... كانت النزهة رائعة... استعاد حسان خلالها كثيراً من هدوئه... وبعد أن صلى إماماً لزوجته في الحديقة... صلاة المغرب... اقترح أن يكون العشاء في أحد المطاعم الممتازة... استقبلت العائلة هذا الرأي بالفرح الكبير... كان المطعم يحوي قسماً خاصاً بالعائلات... ويوجد في ذلك القسم مَلاهٍ للأطفال.
العشاء الذي اشترك في اختياره كل من حسان وابتسام كان رائعا... طبق متوسطٌ من الرز... وأربع قطع من الكباب المشوي... صحن من البطاطا المقلية... وطبقان من إدام الباذنجان... وكوبان من عصير الفراولة.
غمر الأُنس المكان... والضحك الذي ضحكه حسان تلك الليلة غلَّف همومه... وعندما عادت الأسرة قرابة الساعة العاشرة إلى المنزل... ألقى حسان بنفسه منهكاً على سريره... ونام نوماً عميقاً.
الفصل السادس عشر
1- الأمل يتراقص
وفي صباح اليوم التالي تناول حسان فطوره:
-" من يد ما نعدمها"
وخرج باكراً إلى عمله... ومن العمل اتصل بابتسام... قال لها:
-" قد أتأخر عن الغداء... قليلا... يبدو أنني سأذهب إلى العجوز ضاحية"
الحقيقة أن حسان غير رأيه... سيذهب إلى جواهر... وسوف يتغدى عندها... مع أنه قد أخذ عهداً على نفسه من قبل... ألاَّ يرى جواهر لمدة أسبوع على الأقل... ولكن... بعْد أن -ذهبت شياطينه!-... استغفر... وأناب!.
حسان لا يدري لماذا... ولكنه يشعر أنه يتقطع الآن شوقاً ليراها... جواهر... وقرابة الساعة الثانية ظهراً... كانت جواهر تنتظره... لقد أعدت مائدة عامرة.
كانت ملامح ضاحية لا تفارق مخيلة حسان طيلة ساعات العمل... وعندما خرج من عمله مُتَّجهاً لجواهر... ازدادت صورة ضاحية صفاءً ووضوحاً في ذهنه... إنه الآن يُحس بمشاعر جديدة تجاهها... بعد أن استلم منها الشنطة الغريبة... وعرف سرها الكبير... لقد أعطته أنفس ما لديها... وعليه أن يقوم بما يمليه عليه ضميره... دخل حسان على جواهر... وكان الاستقبال لائقاً بحرارة مشاعرها... قالت له:
-"المائدة جاهزة... وفيها كل ما يلذ ويطيب"
وقف حسان قليلاً يتأمل... بدا وكأن جسمه هنا وعقله في مكان آخر... قالت له:
- " أوه يا حسان... أريد منك في الأيام الخاصة بي... أن يكون عقلك وجسمك هنا... وابتسام لها عقلك وجسمك بقية الأيام"
- " ابتسام؟... لا يا جواهر... أنا لا أفكر في ابتسام... ولكن... أنا أفكر في... شيء آخر... علي أن أذهب الآن... لن أتغيب طويلا... ثلث ساعة... وأعود"
قام حسان باهتمام... شيء ما يشغله... يشغله جدا... خرج من المنزل... جواهر لا تدري عما يدور بخلده... ولكنها واثقة أنه لن يتأخر... مر الوقت سريعا... وانقضى من الوقت ثلث ساعة... بالضبط... بعدها جاء حسان... كان يحمل في يده علبتين من مشروب غازي... دخل المنزل... وجلس ينتظر الغداء.
أقبلت جواهر... إنها سعيدة جدا... لأنها رأت حسان... قالت في سعادة:
-" أنت على مواعيدك يا حسان... مواعيدك مثل الساعة... على كل... الغداء جاهز منذ فترة"
-" ممتاز... أنا أحب الغداء الجاهز... ولا أحب الغداء... إذا لم يكن جاهزا"
فكرت جواهر قليلا... ثم قالت:
-" ما رأيك يا حسان... خطرت ببالي فكرة... العمة ضاحية... إنها وحيدة... وبالطبع... ليس لديها غداء... أنا لا أشعر بطعم الغداء... إذا عرفت أنها لا تأكل مثله... ما رأيك في أن نحمل إليها غداءها... ثم نعود ونتناول غداءنا؟"
بدا على حسان شيء من التوتر... لا يُدرى ما سببه... ثم قال:
- " أوه العمة ضاحية... كم أحبها! "
- " على كل... يجب أن تأكل ضاحية أولاً... سنحمل غداءها... ونُغذيها... ثم نعود نحن"
-" أمر عجيب... ما سر هذا الاهتمام؟ "
-..........
-" ولكن... دعينا نتغدى أولا... وبعد ذلك... أذهب بالغداء أنا شخصيا"
-" لا... ألا تعرف حديث الرسول... لا تؤذِ جارك... بقتار قدرك"
- " الأمر لله"
انطلقت سيارة حسان... الصغيرة... والقديمة... نحو منزل ضاحية... مر وقت قصير... وقفت السيارة... صورة ضاحية تتمثل أمام عيني حسان... أكثر وأكثر... حملت جواهر القدر الذي يحوي الغداء بيدها... حسان جالس في السيارة... لم يتحرك... إنه يفكر في أمر ما... حملت جواهر حافظة القهوة... في يدها الأخرى... ونظرت إلى حسان مبتسمةً... في حين قالت:
-" هيا... انزل... يجب ألا نتأخر... الغداء سيبرد في المنزل"
نظر حسان إلى زوجته بعمق... وقال:
-" هيا..."
فتح حسان باب السيارة... ونزل.
مر وقت قصير... حسان لازال واقفا أمام السيارة... وجواهر تسير... وعندما وصلت بمحاذاة باب المنزل قالت:
-" هيا... أسرع"
مدت جواهر يدها... نحو حسان... ليحمل عنها الحافظة التي تحوي القهوة... تناول حسان الحافظة... في حين قالت جواهر:
-" أنا سأطعمها الغداء... وأنت بعد ذلك... تسقيها القهوة... تصدق يا حسان... أنا متفائلة... أتوقع أن ندخل على ضاحية... ونجدها جالسة... أو تتمشى في الغرفة... أو ربما وجدناها تطبخ غذاءها "
-" نعم... نعم "
-" كم أتمنى أن تعيش في منزلي!... هل ستوافق أنت؟ "
-" نعم... نعم... وعندها سنعلن السر "
-" أي سر؟ "
-" هه... لا...لا... هيا الآن... لندخل"
-" أنا متلهفة لرؤية وجهها... ولسماع صوتها... أتذكر حين قالت : )الطيبات للطيبين(؟ "
-" أذكر ذلك جيداً "
تقدمت الخطوات... لم تكن جواهر تريد أن ينقطع الحديث بينهما... إنها تود لو أن حديثها مع حسان لا ينتهي... حتى تنقضي الساعات والساعات... لقد نَسِيا نفسيهما وهما يتحدثان على الرصيف... مر وقت قصير... هاهما الآن... لقد أصبحا أمام باب بيت ضاحية... مباشرة... كانت جواهر تهيم بفكرها... فيما يمكن أن تفعله المرأة المسكينة... ذات السبعين خريفاً.
في هذه الأثناء... عمل حسان عملاً غريبا... لقد طَرَقَ الباب... ليس من عادته أن يطرق الباب... إنه يفتحه بالمفتاح ويدخل... نظرت إليه جواهر باستغراب... ثم قالت:
- " أعرف لماذا طرقت الباب... ليس من عادتك ذلك... لكن... أنت تتوقع أن ضاحية شُفيت... وقامت... وربما هي تلبس ملابسها الآن... الله... كُلِّي أمل أنها الآن تمشي... وأنها ستفتح"
طرق حسان الباب مرة أخرى... وأصبح الأمل الذي داعب قلب جواهر... صغيرا... وبدت لها خيبة الأمل كبيرة... لم تفتح ضاحية... ولم ترد أيضا... لا مشكلة... لعلها نائمة الآن... ربما من كثرة المشي... الله.
2- حدث لم يتوقع
فتح حسان الباب... ودخلت جواهر... حسان لا يزال في الخارج... تقدمت جواهر خطوتين... وبين يديها تحمل حاوية الطعام... وهناك... توقف كل شيء... فقط... كانت خطوتان... ولكنهما أصعب من سير أميال... داخل لهب النار.
لقد رأت جواهر المنظر المذهل... وألقت بالقِدْر في الحال... وتناثر كل شيء... وصرخت صرخة مدوية... وانتفضت كل عظامها... ودار بها الوجود... وأدارت وجهها لتنظر تجاه حسان... كانت تصرخ بجنون.
تقدم حسان قليلا... بدأ يطالع هنا وهناك... ورأى ما رأت جواهر... لم يتكلم بكلمة... استدار للخلف... ثم فرَّ هارباً... خارج المنزل.
دهشت جواهر لهروبه... لم تتمالك نفسها... لقد سقطت على الأرض.
3- امرأة توقف الزمن
يمشي بخطوات خاشعة... ويسير متجها نحو المسجد... إنه الشيخ جابر... ولكنه شعر بذعر شديد... رأى حسان يخرج من بيت ضاحية مرتبكا... ثم يركب سيارته... وينطلق بها بسرعة:
-" ماذا حصل؟... استر يا رب"
لم يتمالك جابر مشاعره... ولم يعد قادرا على إحسان التصرف:
-" يا رب... ماذا أفعل؟... يا ترى... ماذا حصل؟"
نظر الشيخ... هنا وهناك... وبدأ ينادي:
-" حسان... حسان... حسان"
لكنَّ حسان لم يستجب... لقد واصل سيره.
عرف جابر أن هناك كارثة من نوع ما... وعرف أيضا مصدر الكارثة... بالتأكيد... إنه منزل ضاحية:
-" يا ستار"
اتجه جابر نحو المنزل المتهالك... كان فزعة يسبقه... دخل المنزل... لحظات كالحة حزينة.
4- ماذا حصل؟
كل المفردات هنا صامتة... عدا ذلك الصوت المزعج... الذي تحدثه مفصلات الباب الصدئة... مع هبوب نسمات الريح الخفيفة.
لاشيء هنا يوحي بالأمن... كما أنه لا شيء يوحي بالخوف... صوت هادئ تحدثه خطوات جابر... وهو يسير في ضوء العصر الباهت... لم يطل الوقت... صمتت الخطوات... وتلجلج الذعر... ليأكل المكان... وانكشفت أبعاد القضية.
حدثٌ رهيب أثقلَ من الجبال... وأقسى من كتل الصخر... أغمض جابر عينيه في ذهول... إنه لا يكاد يصدق... ولكن... تلك هي ضاحية... وبجوارها يسيح دمها.
إنها مذبوحة!... ماذا؟... نعم... إنها مذبوحة!... مذبوحة!.
شيءٌ أفظعُ هناك... هاهو... إنه رأسها... وهو مقطوع... مقطوع من الرقبة... وقد تدحرج على الأرض... ودمها قد نزف بمجمله... وجسمها مسجىً على السرير.
أي بشاعة هذه؟... وأي جريمة؟.
أغمض جابر عينيه لرؤيته الحدث... ثم أعاد فتحهما... وبدأ يطالع هنا وهناك... ولكنه كان أكثر ثباتاً... لقد تقدم قليلاً في خشوع... وحمل الرأس المبتور... ورفعه في يقين... وضعه بجوار الجسد البارد.
5- المتهم
بدأ الناس يجتمعون من هنا وهناك... حول منزل ضاحية... عند سماعهم نداء جابر لحسان... إنهم ينظرون بطرفٍ خفي... ولا يكادون يفهمون شيئاً.
وبعد أن غطَّى جابر ذلك الجسد البارد... دعا أحدَ المتفرِّجين... طلب منه أن يحمل معه جواهر... المرأة المطروحة في كل استسلام.
حملاها للخارج... وطلب جابر من أحد الموجودين أن يتصل بالإسعاف والشرطة... وعاد كل شيء ليركد من جديد.
وفي الوقت ذاته... بدأت ألسنة الناس تتناقل الخبر... وتتناقل التحليلات... التي تبدو هامة لكل البسطاء... حول أبعاد الحادث... وأسبابه.
6- وبعد دقائق...
الساحة المجاورة لمنزل ضاحية... لم تعد تتسع لمن فيها... وأناس... يتوافدون لمنزل العجوز المقتولة... يتقصون الأخبار... وسيارة إسعاف واقفة في الخارج... وسيارات للشرطة... وعساكر يحملون أجهزة الاتصال... ويتحدثون بسرية... لا أحد يدري مع من يتحدثون... كل شيء يوحي بالرعب... إنها بالفعل... ساعات عصيبة.
مرت تلك الساعات الثقيلة... وبعدها... هدأت الأجواء بجوار المنزل الخرب... وأصبحت ضاحية في ثلاجة المستشفى... أما جواهر... فإنها على أحد أسِرَّةِ المستشفى... ويمتد إلى يدها المرتجفة... أنبوب التغذية بالجلوكوز.
وهناك شيء أكثر غرابة... تتناقله ألسنة الناس... بشيء من المتعة... مع قليل من الاستياء... شخص تشير أصابع الاتهام نحوه... وتوحي بأنه هو الجاني الذي يجب القبض عليه:
-" ولكن... من هو؟"
7- جهود رجال الأمن
المقدم... والنقيب... ومعهم ثلاثة ضباط برتبة ملازم... يسيرون بخطوات سريعة... في الممر الرخامي... ويتوقفون فجأة بجوار شجرة الظل المجاورة للباب المهيب... ثم يطرق المقدم الباب بهدوء.
وفي الداخل يجلس العميد... يبدو متوترا... ويقلب أوراقا في يده... وعند سماعه للطرق... يقف باهتمام... ثم يقول:
- " ادخلوا"
دخل الثلاثة... الحيرة تحفهم... وقفوا مصطفين بجوار الباب... في حين سار العميد نحوهم... وهو يمسك قبعته العسكري في يده... ثم يسحبها بيده الأخرى بكل عنف... ويقول في غضب شديد:
- " أنت... أقفل الباب... جريمة مذهلة... لا يمكن أبدا أن يسكت عليها... هناك أناس متمرسون في الإجرام... الدنيا ليست فوضى... بالطبع سمعتم بالجريمة... وعرفتم بقتل العجوز المسكينة في منزلها... شيء مروع... هناك تحريات من جهات عديدة... علينا أن نقبض على الجاني في أسرع وقت... الآن... تذهبون لمنزل العجوز... وتحضرون البصمات... وتدرسون الوضع... الشبهات... تدور حول شخص واحد... وصلنا البلاغ بأنه كان في موقع الجريمة... حين وقوعها... وأنه لاذ بالهرب... ولكن... أين يفر من يد العدالة؟... البصمات ستكشف كل شيء"
تقدم المقدم أكثر... نحو الضباط... وقال:
-" انصرفوا جميعا... عدا أنت"
أشار العميد للنقيب... وفي تلك الأثناء انصرف الجميع... واتجه العميد لمكتبه... وبعد أن جلس... قال للنقيب.:
-" تعال"
أقبل النقيب باهتمام... في حين تناول العميد ورقة صغيرة... وأخذ القلم من علبة الأقلام أمامه... وقال في حزم... مبدياً انشغاله بالكتابة:
-"صاحب هذا الاسم... هو المتهم في الجريمة... هناك تحريات سرية... تؤكد ذلك... أريد منك أن تأخذ فرقة من الجنود... وأن تحضره... من تحت الأرض... أو من فوقها... عُلم؟"
-" عُلم"
تناول النقيب الورقة... وقرأ الاسم... ثم انصرف.
لم يكن صاحب الاسم... والمتهم في قضية القتل... غريبا عنا... مطلقا... ولم يكن أحد منا ليتوقع اتهامه... إنه حسان... حسان... صاحب القلب الكبير... الرجل الطيب... وهو الآن متهم هارب... ويجب القبض عليه... بسرعة.
الفصل السادس عشر
1- ابتسام... والمتهم
الوقت يجري بسرعة... لقد مر على الجريمة خمسة أيام... ضاحية لا تزال في الثلاجة... لا أحد يدري... قد تكون الثلاجة قبرا محزنا لها... عدة سنوات قادمة... ربما حتى يُعرف سر قتلها وحيدة في منزلها الْخَرِب... الذي كان أنيسها فيه وحشتها... وحشتها فقط.
أما حسان... فقد تغير به الحال... تغير جدا... إنه الآن قابع في السجن... تحت التحقيق... الذي لا يرحم.
وابتسام المسكينة... وحيدة في بيتها... تبكي زوجها الذي ضاع من بين يديها... فجأة... إنه متهم... بالقتل... الله أعلم بحاله... كانت تبكي مع الدموع دماً... وتقول في حسرة:
-" لماذا قتلتها يا حسان؟... لماذا؟... ولماذا اخترت هذه الطريقة بالذات؟... للتخلّص من امرأة عجوز... كنت ترأف بحالها في البداية... هل وصل بك الضّجر إلى هذا الحد؟... كنت أشعر بالجهد الذي كنت تعانيه من اهتمامك بها... ولكن... لم أتوقع أن يصل بك لحد للقتل... ليتك لم تتعب معها منذ البداية... ليتك لم تقتلِ القتيلَ... ولم تُصَلِّ في جنازته".
أما جواهر... فإن لها قصة أخرى.
2- أمواج الحزن
جواهر... تقلّم أظافر قدميها دون عناية... ثم تمسك شعرة طويلة من رأسها... متدلِّية بكل عفوية... على وجهها... ثم تسحبها دون مبالاة... حتى تنقطع... ثم تعاود تقليم أظافرها... ثم تمسك بشعرة أخرى... وهكذا.
أخيراً قامت المرأة التي بدا لون وجهها أكثر شحوبا... نحو المرآة... ونظرت في وجهها المطبوع هناك... لا شيء جديد... سوى أرتال من الحزن المتزاحم... في كل خلية على حده... مدت بصرها بعمق... في تقاسيم الوجه الحزين... لقد غيَّرت رأيها في نفسها... حدثت نفسها في ألم:
-" أنتِ!... أنتِ!... كنت تطمحين في السعادة.... تعيسة... أنت تُريدين السعادة... أنت شقية... شقية... وأشقيت غيرك"
تدحرجت دمعة من عين جواهر... وعادت لشيء من رشدها... وقالت وبصوت مرتفع:
-" اللهم اغفر لي... اللهم لا تجعلني شقية أكثر من هذا... لا لنفسي... وإنما من أجل الآخرين... في الماضي... لم أكن أعرفُ أحداً... حينها... كان شقائي على نفسي... فقط... وها أنا ذي... أتعرف على شخصين... ثم أحبُّهما من كل قلبي... وما أن يمرُّ شهر واحد... على معرفتي بهما... إلا ويموت أحدهما... ذبحاً بالسكين... ويُوْدَعُ الآخر في السجن... لن أتعرف على أحدٍ... أبداً... أنا شؤم على نفسي... وعلى الآخرين "
ضاقت الدنيا الرحبة... في وجه جواهر... ودقات الساعة البطيئة تهزأ بدقات قلبها الأبطأ... مر وقت ثقيل... وأثناء ذلك... سُكب على نار أحزان الفتاة... ماءٌ باردٌ... عندما سمعت الأذان... استعاذت بالله من الشيطان الرجيم... وقامت لتتوضأ... وخطر ببالها أن تصلي في المسجد... ستكون فرصة سانحة... لتجديد شيء من نفسها.
ذهبت جواهر للمسجد... صلت ركعتين... وبدأت تقرأ في كتاب الله... بقيت تقرأ حتى أوقفتها آية عظيمة: )وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم (... بقيت تردد تلك الآية مرات ومرات... مسحت دموعها... وقامت لتصلي ركعتين أخريين.
الفصل السابع عشر
1- أوراق مبعثرة
حسان في سجنه... لقد استعاد الكثير من صحته النفسية... بعد أن تحطمت آماله بسبب القبض عليه... ولكن بسمته أبت أن ترتسم على ثغره... بسبب ظلام السجن الحالك... وتلك التهم التي يسمعها تنهال عليه... مجرم... قاتل.
حتى الآن لم يتم التحقيق مع حسان... إنه مرهون تحت التحقيق... وفي أثناء معالجة حسان لهمومٍ خاصة بماضيه... طُرق الباب... لابد أنه أحد الزبانية... مَلِيحُو الوجوه.
بالفعل... لقد كان الأمر بالضبط...كما توقعه حسان... رجلٌ تجاوز الخامسة والأربعين... وهو من أبرع السجانة... توتر حسان قليلا... وأغمض عينيه في قلق... مشهد صعب...كيف يمكنه الآن أن يقف في قفص الاتهام؟!... حسان... الرجل الطيب... متهم... في جريمة قتل... هذا صعب للغاية... ولكن السجان قال في برود :
- " حسان... قم... هيا... زيارة خاصة "
بدأت الهواجس تتنازع ذهن حسان:
-"أمر غريب... زيارة خاصة... كيف؟!... الزيارات الخاصة لا تُمنح لمن يقبع تحت ذمّة التحقيق... ما الأمر يا ترى؟"
سار حسان مع العسكري... ودخل غرفة الزيارة الخاصة... الله... كم كانت سعادته... عندما رأى الشيخ جابر!:
-" حَلاّل المشاكل... كيف جاء إلى هنا؟... هل أنا أحلم؟"
تكلم الضابط قائلاً :
-"هذا الشيخ جابر... هو رجل معروف... وكلنا يثق به... جاء إلى المركز... بطلب منا... بالطبع... نحن نحتاج إدلاء شهادته... ولكنه طلب منا السماح بمقابلتك... على كلٍ... عند دراستي للقضية... وجدت الكثير من الملابسات... وإن كنت بريئاً... فاطمئن".
2- برداً وسلاماً
تعانق حسان وجابر بحرارة... وجلسا يتحدثان... قال جابر:
-" ابتلاء يا حسان... الله يبتلي عبادة الصالحين... ليتميزوا من ذنوبهم... كما يتميز الحديد من الذهب"
نظر حسان بشرود... وقال:
-" تقصد... الذهب من الحديد... أرجو ألا يطول هذا الابتلاء يا شيخ "
-" الصبر سيحُوِّل النار إلى برد وسلام "
-" لكن... الحِرْبَاءْ... ثمة حرباء ملونة... تنفخ في النار... ولا أحد من الكائنات... يطفئ النار... أعرف... الناس كلهم يتكلمون "
-" الله سيطفئها... ولكن... ماذا عن صحتك؟... أخبرني "
-" استعنت بالله... والقرآن... في علاج نفسي... وأنا الآن أسير للأحسن... ولكن... قل لي... ما أخبار الناس في الخارج؟"
-" تقصد زوجتيك... طلبت مقابلتك من أجلهما... إني أريد أن آخذ رأيك... فيما أقوله لهما... بالطبع عن حالك... ثم... أنا سأقدم لك أي خدمة تطلبها"
-" قل لي... ما أحوالهما؟"
-" الواقع... أن حالهما يبدو بعدك سيئاً "
-" كان الله في العون... قل لي... ما رأيك يا شيخ... في موضوعٍ خطر في بالي للتو؟... ولكّني أفكر بجد... في أن أجعل جواهر تتعرف على ابتسام... وابتسام تتعرف على جواهر... أتمنى أن تشدّ كل منها أزر الأخرى... الله أعلم... قد يطول بقائي هنا... ولكن ما دام المصحف بجواري... فكل المصائب سهلة... أنا أفكر في أن أبدأ بحفظ القرآن... إنها فكرة رائعة... قد تكون فرصة سانحة لي... تصدق... كلما فكرت في ذلك... أقول في نفسي : ) عسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً(.
-" بارك الله فيك يا حسان... تصدق... بعد أن سمعت كلامك عن حفظ القرآن... أصبحت الآن أريد أن أُسْجَنَ معك "
-" سهل جداً... اقتل قتيلاً وتسجن "
-" أقتل؟... لكي أسجن!... وأحفظ القرآن... كلام ذكي !... والله عال! "
-" نعم تسجن أنت... وتثبت براءتي أنا... وأخرج... وستبقى أنت وحيداً... تتفرغ للحفظ "
-" وعندها تزورني؟ "
-" لن أزورك أبداً... أيها الشيخ القاتل هـ... هـ... هـ"
-" هـ... هـ... "
ربَّت حسان على كتف جابر وقال:
-" جزاك الله خيراً... أزلت عني بهذه اللحظات... هموماً كبيرة... تتزاحم في صدري... وكما قلت لك... حاول أن تتعرف كلٌ من ابتسام وجواهر على الأخرى"
انتهت الزيارة... وطلب الضابط من الشيخ جابر الانصراف... وتصاحب السجانُ وحسان إلى الزنزانة.
3- التقارب بين...
عندما جلس جابر...كانت دلة القهوة بجواره... وكانت عائشة... تُبْعد النواة من إحدى التمرات... لتناوله إياها جاهزة... نظر إليها نظرة طويلة... وقال:
-" يا زوجتي... هناك مهمة جديدة... علينا القيام بها "
-"مهمة جديدة؟... ألم تنتهِ المهمات؟... لم نكد نرتاح من زواج جواهر... وها هو الآن ينتهي على أسوء حال"
-" لا تقولي هذا يا عائشة... نحن نعمل الخير للخير... ثم إنَّ المهمَّة الجديدة تتعلق بالمهمة السابقة... إنها تتعلق بأبعاد جديدة للزواج"
-" أبعاد جديدة للزواج... لم أفهم؟ "
-" ستفهمين... ولكن... أريد منك المساعدة "
-" بكل سرور... إذا استطعت ذلك "
-" المهمة باختصار... يا زوجتي العزيزة... تتلخص في زيارة تقومين بها لابتسام... ثم زيارة أخرى تقومين بها لجواهر "
-" يا شيخ جابر... أرى أن تترك هؤلاء المساكين في حال سبيلهم... ربما تتدخل في أمورهم وأنت تريد الخير... ثم لا ينتج من ذلك إلا الشر "
-" الشر والخير يا زوجتي أمر نسبي... نحن نقوم بما يوحيه ضميرنا... والباقي كما يريد الله "
-" أسأل الله أن يُعيننا... قل لي... ما هي المهمة الجديدة؟ "
-" المهمة... الواقع... هي عملية تقارب... تقارب بين جواهر وابتسام... أو تطبيع للعلاقات... كما يقال... وأنت تعلمين... هما زوجتا رجل واحد... ضرتان... المشكلة أن ابتسام... لا تعلم عن علاقة جواهر بحسان... ومع الأسف... فحالهن الآن حال أسوء من سيء "
-" لم أفهم "
-" ستفهمين... ولكن... انتبهي معي...
أولا: ستزورين ابتسام... وتتعرفين عليها بدرجة أكبر... وأيضاً... ستزورين جواهر... ستجلسين معها لتهدئة أعصابها...
ثانيا: ستقنعين جواهر بزيارة ابتسام... للتعرف عليها... هذا مهم...
ثالثا: ستخبرين ابتسام بأنك أنت... وصاحبة العمارة... التي يستأجر فيها حسان مكتبه... ستأتيان لزيارتها... بهدف مواساتها...
رابعا: بعد الزيارة... حتما ستتوطد العلاقة... وستتقارب القلوب... وبعدها سنقوم بالمرحلة الثانية من التقارب... مع أنني أتوقع خروج حسان قبل هذا الوقت"
-" أوه... حسان... قل لي يا جابر... هل أنت متأكد أنه برئ ؟"
-" ماذا دهاك يا امرأة... أنا أثق فيه أكثر من ثقتي في نفسي "
4- البصمات القاطعة
حسان يسير بخطوات وئيدة... هناك حديد مؤسف يكّبل يديه... ويرتبط بسلسلة نازلة إلى حديد آخر يكبل قدميه... أمامه يسير السجان... وخطواته تلك تنقله بهدوء... نحو المحقق الشرس... ذو الشارب المعقوف... والمعروف بكل شيء... إلا الهدوء والطيبة.
لازال حسان حزيناً على نفسه... التي انتهت إلى هذه النهاية... مر الوقت بالتفكير في اللاشيء... وأخيراً... قرأ لوحة وضعت بدون عناية فوق بابٍ أبيض ملبد... وقد كتب عليها اسم المحقق.
اضطرب قلب حسان قليلاً... ولكنه اجتهد ليثبت... لقد سمع من قبل... أن التهمة تقع على الرجل المضطرب... أكثر من ثبوتها على غير المضطرب... هكذا تثبت التهم عند كثير من المحققين!... وعندما دخل حسان لغرفة التحقيق... قال:
-" أعوذ بالله... "
سمع المحقق هذه الكلمة... لذا رد في غضب:
-" أعوذ بالله؟... تعوذ بالله ممن؟... بل أنا... أعوذ بالله منك... يا قاتل "
-" السلام عليكم "
-" على كل... كانت عملية القتل التي قُمت بها بشعة... وكانت تدل على أن القاتل محترف... في قطع الرؤوس... ولكن يبدو أنك كنت في عجلة من أمرك... لقد خانتك يداك هذه المرة... وبَقِيَتْ بصماتك كي تدينك... في النهاية... تم القُبض عليك... أريد منك الاعتراف بالجرائم السابقة... أخبرني عنها بالترتيب... من فضلك"
-" بصمات ماذا؟... اسمع يا محقق... كل هذه الوسائل الاستفزازية لا تؤثر في ثقتي في نفسي... أنا لم أقتل"
-" أوه... لم أكن أتوقع ذلك... أنت إذن لا تعترف بالجريمة من الأصل... على كل... هل تظن أن كلامي هذا كلام استفزازي؟... كلا... كلا... أتدري لماذا بدأت التحقيق معك بهذه السهولة... والطيبة... مع أن من عادتي عدم السهولة في التعامل مع المجرمين... ذلك لسبب بسيط... هو أن وسيلة إدانتك ماثلة أمامي الآن... إنها بصماتك على السرير... يا شاطر... وبصماتك تحت السرير... وأيضاً بصماتك في المكان الذي سَرَقْتَ منه الشنطة... التي فيها الكنز... لا نريد براهين أكثر من هذه... ستعترف بالهدوء... وتقي نفسك الجلد... وانتزاع الاعتراف... بالقوة... وتذهب لترتاح... وتنتظر نهاية ما قدمت يداك... و إلا... سندخل معك في معركة حاسمة... سلاحنا فيها العصا... والكهرباء... وسلاحك فيها الصبر... والسلوان... هـ... هـ... هـ... إذن... بكل اختصار... هيا اعترف... وأنت بكرامتك!"
بدا الضابط محنكاً جداً في هز الأعصاب... وحسان بدأ يشك... ويشعر أنه وقع على رأسه... وأنه من الممكن جدا... ألا يستطيع إثبات براءته.
بدأ يتخيَّل نفسه... عند سماعه إصدار قرار الحكم... بالقتل... هل يمكن فعلاً... أن تكون بصماته موجودة حقاً؟... وهل سيعترف؟... أم سيتحمل الجلد... الجلد؟.
حسان ينظر عند قدميه... ويفكر... في حين قام الضابط واستدار من الخلف... لم يكن حسان يدري عما يجري.
مرت لحظات... بعدها... تفاجأ حسان... بجلدة قوية... قوية جداً... على ظهره... وتبعها ضحكات قوية... خرجت من فم المحقق... وهذه الكلمات:
- " اعترف... يا صاحي... و إلا عانيت كثيرا... "
لم يدر حسان بعدها... إلا عن عدد كبير من الجلدات... كانت تنهال على ظهره... وعدد كبير من الضحكات... المؤذية... تطرق أذنيه... وبعدها أمر المحقق بأن يُحلق رأس حسان... وشاربه... ولحيته... التي أصبح طولها بالفعل 1سم... ومن ثم إعادته للزنزانة الانفرادية .
5- وجه حسان الآخر
كانت الساعات تتلكأ في مَسْيرها... بدا وكأنها لا تريد حلول منتصف الليل... وكان حسان يريدها أن تتلكأ أكثر وأكثر... بل هو يريد من الوقت أن يتوقف مكانه... ويريد الدنيا أيضاً أن تتوقف:
في صباح اليوم التالي... وقبل الفطور... كانت حصِّة التحقيق قاسية... ويجب على حسان أن يتخطاها بنجاح... سينكر أنه صاحب البصمات... نعم... سينكر... إنه يجهل الكثير من أدوات المكر... والتلاعب بالأعصاب... سيحاول إخفاء الكذب... الذي سيكذبه لسانه... مع أنه بالفعل... يعرف أنها بصماته.
مر الوقت مضطرباً... وعندما دخل حسان على المحقق... ابتسم له المحقق... واقترب منه قليلاً... ثم ناوله لطمة قوية... على قفا رأسه... وضحك ضحكته المعهودة بالأمس.
-"ما أبشعه!... هذا الأنف المعقور... الذي تشوهه حبة خال كبيرة... والحاجب نصف المنتوف... والشفة السفلى الكبيرة... والفم الكبير... المطعم بأسنان صفراء ضخمة... والجبين الضيق... الذي يوحي باللؤم... والعينين الصغيرتين... كلها تستحق اللعنات... كم أشتهي أن أبصق عليه!... ولكن... هذا الجسم الضخم... الذي يحمله معه جيئةً ذهاباً... يعطني إشارة النذير"
-" هل ستعترف اليوم يا حسان... أم أنك تريد أن تُسلّيَنا بتعذيبك... حتى يوم غدٍ "
-" ليس لدي أي اعترافات... ذلك لأنني لم أقترف جرماً "
-"إمْــهْ..."
تحرك الضابط المحقق قليلاً... ثم ناول حسان أوراقاً فيها صور السرير... وموضع تحت السرير... مساحة مربعة صغيرة... لا يوجد فيها تراب... ويحيطها التراب من كل مكان... وأماكن أخرى... والتقرير الذي يثبت أن البصمات... هي بصمات حسان... ولكن حسان قال بجرأةٍ غير متوقعةٍ أبداً.
-" أنت محققٌ غبي... جداً غبي... لماذا لا تسألني أين كنت في وقت وقوع الجريمة؟... أنا أعرف جيدا... أن أول سؤالٍ يسأله محققٌ يحترم مهنته... ويحترم الحقيقة... هو هذا السؤال "
ابتلع المحقق ريقه في صدمة... وبدا الغضب عل جميع ملامحه... ثم قال:
-" أنا غبي... أنا؟... أنا؟... ستدفع الثمن غاليا "
-" لن أدفع شيئاً!... ولا يحزنون!... وبمجرد صدور صك براءتي... سترى ماذا سأفعل... سأطلب التحقيق معك في كل ما فعلت معي "
نظر المحقق بطرف عين... كأنه فقد شيئا... ثم تحرك قليلا... وجلس بهدوء... أسند ظهره على الكرسي... وبدأ يفكر من جديد... في كلام حسان... وضع يده على ذقنه... وبدأ قلبه يرتجف... إنه يشعر بشيء من الخوف والقلق... ولكنه أراد كتمان كل ذلك... لذا حمل جريدة كانت أمامه... لفها بعنف... ثم قذف بها جهة حسان.
6- شخص آخر
بدا وأن حسان لم يصبر على هذا الوضع... عندما وقعت الجريدة على وجهه... غريب جدا... لقد ثار جنونه... وبدا وإنه قادر على الانتقام... وقادر على فعل كل شيء... قال بعنف:
-" أنا حليم... ولكن... اتق شرَّ الحليم إذا غضب "
نظر حسان هنا وهناك... ثم رفع يده واقترب من المحقق... كمن يريد البطش به... ولكن الحديد أشد من أن يتجاوب معه... بعدها صرخ صرخة مدوية... عبّرت بطريقة جيدة عن مدى آلامه... وخفق قلب المحقق... أكثر وأكثر... إنه ولأول مرة... يشعر بالخجل... من التحقيق مع متهم... لقد بدا كأن هذا المتهم برىء... ولكن... ماذا عن كل تلك البصمات؟.
مر وقت قصير... وعاد الهدوء لأرجاء الغرفة... بعدها سأل المحقق في خجل:
-" قل لي إذن... أين كنت يوم الحادث... يوم الثلاثاء؟ "
-" أنا أسألك... أولاً... هل صدَّقتني في كونك جاهل ببدهيات التحقيق؟... ثانيا... أنا الذي أسألك... متى حصل الحادث؟... يجب أن تحدد الوقت بدقة... بالساعة والدقيقة... هذا تحقيق... وليس عبث أطفال... إما أن تكون كفواً له... أو دعه لغيرك... هنا حقوق وواجبات... الطبيب يقول... إن الحادث حصل قرابة الساعة 11 ظهراً... أنا في يوم الثلاثاء... وفي هذا الوقت بالذات... وفي جميع الأوقات... وحتى الساعة الثانية والنصف... كنت في عملي... لم أخرج ولو للحظة واحدة... بالطبع... جميع زملائي يشهدون بذلك... ويشهد به أيضاً المدير المباشر "
صمت حسان... وصمت كل شيء... وبدأ المحقق يدير عينيه هنا وهناك... إنه يبحث عن شيء ما... كي يقوله... ولكنه بالفعل... بشعر بالحرج... تنحنح... وشرب من كوب الماء أمامه... ثم قال في صلف:
-" وما قصة البصمات؟... البصمات يا حبيبي؟ "
-" البصمات؟... الواقع... أنا لا أدري... ولكن علاقتي بالعجوز يعرفها كل الجيران... كانت علاقة طيبة... أنا أعتبرها كأمي تماماً... لقد تقطع قلبي عندما رأيتها ميتة... رحمها الله... كنت أحتاج إلى من يقف بجواري... كي أنسى تلك الصدمة... أنا أحتاج إلى من يعزيني... أو يسليني... أو يقول لي: "أحسن الله عزاءك" ... ولكن الجميع يتهمني بأني قتلتها... الجميع... وحتى زوجتي وأبنائي... لا أدري ماذا يقولون عني؟... هذا ثقيل... ثقيل... لا يتحمله بشر... وأنت تحقق بهذه الطريقة الغبية.... وتريد منِّي أن لا أقف في وجهك؟!... مستحيل"
اقترب حسان من الضابط أكثر... ثم صرخ:
-" أنا أقتل!... أنا!... "
ارتبك الضابط... أكثر من ذي قبل... تبدّت له هيبة حسان... وبدا أيضا صدقه... الذي يظهر في كل ملامحه... ولا يَخْفَى إلا على البليد... صفاء وبريق... يشد الأعين بقوة... ويوحي بالبراءة... حتى ولو شهدت كل أدلة الدنيا ضده.
أطال الضابط النظر في وجه حسان... ثم قال في شيء من الوجل:
-" قل لي يا حسان... أنا سأكون واضحاً معك... دعنا نبحث القضية من جانبٍ آخر... هل أعطَتْكَ ضاحية شيئاً... أو أوصتك بشيء"
تذكر حسان السر الكبير... وتذكر الشنطة... لقد كاد يفصح عن حقيقة السر... وكاد يعلن حقيقة الشنطة... ربما كانت الشنطة هي العقدة الحقيقية في القضية... وربما كان وجود بصماته بسبب أخذه للشنطة... من تحت السرير... قال حسان :
-" هل المشكلة التي تتهموني من أجلها هي البصمات؟ "
صمت الضابط قليلا... ووضع يديه على الطاولة بعد أن شبَّك أصابعهما... ثم قال في شرود:
- " اجلس يا حسان... اجلس... الواقع... لا... هناك أسباب أخرى... ولا يمكن إيضاحها الآن... هذا الكلام سر بيني وبينك... لا تقله لأحد... ولكن البصمات سند قوي يُدينك... ووجودك في عملك... إن ثبت ذلك... هو أيضا سند قوي... يثبت براءتك... ولكن... اعذرني يا حسان... أنا أحس أنك برىء... وسأعمل جهدي لأكشف أبعاد القضية... صدقني... لقد هزتني كلماتك "
-" نعم... ذلك لأنك رجل شريف... لا ترضى بالخطأ... أنت حقا متواضع... ولكن... قل لي... وما هو السبب الذي لا تريد إخباري به؟... أنا أستطيع أن أخبرك بأسباب وجود البصمات "
-" البصمات لا تهم الآن... وما دمت تذهب للعجوز وتجئ باستمرار... بالطبع سيكون لك بصمات هناك... لقد بدا لي أمر آخر... ربما كانت القضية أبعد من ذلك بكثير... الآن عد إلى الزنزانة... وسنتصل بعملك... أنا الآن أحس أن رأسي مضطرب... لقد خطرت لي خواطر غريبة... أرجو الله أن يهديني للحق "
عاد حسان إلى الزنزانة... كانت نفسيته أحسن من أي وقت سبق.
7- التحقيق من جديد
في صباح اليوم التالي... وصلت ورقة إلى عمل حسان... كان فيها طلب بحضور المدير المباشر... وجميع زملائه... لم يطل الوقت... لقد حضروا... على دفعتين... وتم استجوابهم... كلٌ على انفراد... والجميع أدلوا بشهاداتهم... وأكدوا أن حسان لم يغادر العمل... بأي حال من الأحوال.
دُوِّنت تلك التحقيقات في دفتر التحقيق... ثم دَوَّن الضابط... وجهة نظره في حسان... لقد كتب:
-" حسان... من وجهة رأيي... بريء... ولا يوجد دليل واحد على إدانته... والبصمات... وجودها أمر طبيعي... لأنه يقوم على خدمة المجني عليها"
ارتفعت تلك الأوراق إلى مسئول قسم الشرطة... كي يصادق عليها... الغريب في الأمر... أن المسئول أعاد الأوراق... بعد أن كتب عليها:
- " يعاد التحقيق من جديد... حسان هو القاتل... الأدلة التي ناقشناها في الجلسة السرية كافية لإدانته... يجب أن تَستْخلصوا اعترافه بأي طريقة "
عادت الأوراق مرة أخرى... للمحقق... طالعها بتأمل... ثم وضع يده تحت خذه... وبدأ يحدث نفسه:
-" بالطبع... من السهل انتزاع الاعتراف من المجرم... ولكن... كيف ينتزع الاعتراف من غير المجرم... العقدة في القضية غير معروفة... وموت العجوز بهذه الطريقة أمر مذهل... ومن المستفيد يا ترى من هذه الميتة... القضية بدأت تتداخل أكثر وأكثر"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق