الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها "رواية "الجزء السادس


الدكتور/ عبدالوهاب آل مرعي 
                                                               

التي أحرقت نقايها


الزمن يتوقف ساعة

الكتاب الثاني


 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزمن يتوقف ساعة  ــ









الجزء السادس



الفصل الأول

1- المقدم... والجريمة

الساعة تدق في يد المقدم... وقلبه من الداخل يُدَقُّ بمطرقة الخوف الثقيلة... قلقٌ شديد ينتابه... كلما ألقى بصره في عقارب الساعة التي تكاد تحط على العاشرة ليلا... يحدث نفسه:
-" لقد تأخر القبض على المجرم... تأخر كثيرا... مجرم... محتال"
طُرق الباب... وانتصب المقدم واقفا... أعصابه متوترة للغاية... قال في قلق:
- " ادخل"
 دخل اثنان من الضباط... برتبة نقيب... بدا على وجهيهما شيء من خيبة الأمل... تقدم المقدم نحوهما بسرعة... كاد يتعثر في السلك الأسود لسَخَّان الشاي... ولكنه تجاهل ذلك... تنحنح باحترام... وعاد ليمشي بهدوء... وضع يديه خلف ظهره... ثم سأل:
-" ماذا حصل؟... هل قبضتم على المجرم... الذي أفلت من أيدينا؟... هل قبضتم عليه؟"
 تحدث أحدهما... وقال:
-" سيدي... هذا ليس مجرماً... إنه فص ملح... ذاب في الماء... إنه سمكة سردين... هربت في البحر... إنه شعاع نجم...ضاع في الفلك"
تقدم المقدم نحوه قليلا...ثم قال في ازدراء:
-" ماذا بك؟!... هل أنت تقول قصيدةً أمامي؟!... أجب بوضوح... ماذا فعل القاتل؟!"
ابتلع النقيب الآخر ريقه... وقال في ارتباك:
-" للأسف... لم نعثر له على أثر"
بدأت الدنيا تدور أمام عيني المقدم... وضع كفيه على وجهه... وجلس على المقعد المجاور... وقال في حسرة:
- " ماذا يعني ذلك؟... هل نفقد الأمل؟... هل نأكل الهواء... أو نأكل التبن؟... لقد استطاع فعلا أن يهزمنا... شخص واحد... مكبل بالحديد... وبين أربعة جدران... ثم يتلاشى فجأة"
-" سيدي... هل أسأل سؤالاً؟... لماذا هرب؟... ألم يكن مكبلا؟... لمَ لمْ تقبضوا عليه قبل هروبه؟"
-" نقبض عليه!... أنت تمزح... أو لا تفهم... لقد كان أمامي... تعرف ما معنى أمامي؟... ولكنه ثعلب محتال... استطاع أن يهرب"
-" ولكن سيدي... لماذا أخرجتموه من السجن؟... إلى موقع الجريمة"
-" خطأ كبير... وقعنا فيه... زلة... لا تغتفر... الواقع... أنه هو من طلب ذلك... كانت القضية معقدة من بدايتها... لم يكن لدينا الأدلة الكافية لإدانته... لقد استطاع في البداية أن يقنعنا أنه بريء... وأنه لا ناقة له ولا حمار... في هذه الجريمة... كدنا نقتنع ببراءته... إنه إنسان غريب... له شخصية مذهلة... وعينان بريئتان صادقتان... _أخ_... ولكنه محترف في الإجرام... أنا شخصيا كتبت تقريرا يثبت براءته... بعد تحقيق استمر أياما... ولكن الجهات العليا رفضت التقرير... وطلبت إعادة التحقيق... بالطبع... لهم مصادرهم السرية... الغريب... أنه بعد ذلك... اعترف... مباشرة... ودون مقدمات"
- " ولكن سيدي... كيف خرج؟"
-" خرج!... خرج بسهولة... ليس في ذلك صناعة طائرة أو غواصة... المسألة باختصار... أنه بعد أن اعترف بجريمته... بمحض إرادته... طلب منا أن يطبق الجريمة... يطبقها على أرض الواقع... وقال بكل خنوع:
-"لديَّ مبررات تبرر قيامي بالجريمة... وأنا أطمح في تخفيف الحكم... بعد عرض مبرراتي"
أنا بصراحة... وجدت في تطبيقه للجريمة فرصة... على الأقل... نتصور أمام الكاميرا... بالطبع... مجرم محترف... من الصعب أن يوافق على تطبيق الجريمة... برغبته... المجرمون المحترفون يعتبرون تطبيق الجريمة... شيء من الإهانة... لكرامتهم... مجرم وله كرامه... والله آخر زمن... المهم... اعتبرناها فرصه دعائية _والسلام_... لكن جاءت على غير المتوقع"
-" هل هرب سيدي... وأنتم موجودون؟"
-" أقول ديك... تقول بيض... أقول خروف... تقول لبن... ترى أنت أوجعت راسي بأسئلتك... من الصبح تسأل... ألا يوجد لديك عقل تفهم به الأشياء؟"
-" ولكن سيدي... من المهم لنا معرفة أبعاد القضية"
-" أي مهم وأي خرابيط... المجرم هرب... لم يعد هناك شيء يهم... ربما نفصل من العمل جميعا... وبأحسن الأحوال... نقل تأديبي... على الحدود... ما أجملنا ونحن في الربع الخالي!... على كلٍ... لديك شيءٌ من الحق... من المهم أن تعرف... أحسن من أن تكون مثل الأطرش في الزفة... القصة باختصار... أننا بعد أن دخلنا المنزل... كي يتم تطبيق جريمة القتل... والسرقة... وأمام الكاميرا... أشار المجرم... ناحية باب صغير... في طرف الغرفة... التي حدثت فيها جريمة القتل... وقال :
-"هذا الباب ... يفضي إلى الغرفة... التي فيها صندوق المال... وفيها الدوافع التي دفعتني للقتل"
صدقوني يا جماعه... كان منظر الغرفة ملفت للنظر... شيء يشعرك بالسعادة والنصر... أنا وقتها شعرت بشيء من الفخر... تخيل... منزل طيني قديم... متهالك لأبعد الحدود... له سقف يكاد يسقط... ويوجد في إحدى غرفه كنز... شيء مذهل... ومن غبائي... وقفت أمام الكاميرا... كي أظهر في الصورة... ودخل المجرم للغرفة... وتبعناه... وما أدري ما الذي حدث... المهم... انهد السقف على روسنا... وهرب المجرم" 
بدا المشهد آسراً للنقيبين... ونظر كل منهما للآخر... وبدا وكأنهما ينظران لفلم بوليسي... عربي!... في تلك الأثناء طرق الباب... وقال المقدم:
-" تفضل"
 دخل عسكري برتبة جندي أول... وقف في توتر بجوار الباب... ثم تقدم خطوة أخرى... ورفع يده للتحية... وقال:
-" هل أدخل؟"
-" تدخل؟... أنت داخل الآن... ماذا تريد؟"
تقدم الجندي... بخطوات بطيئة... ورفع ورقة مطوية... وقال:
- " هذه رسالة من المجرم... الهارب... حسان... "
وقف المقدم... كمن أصيب بصدمة كهربائية... وقال:
-" رسالة؟... من المجرم؟... عظيم... عظيم... إذن تعرفتم على مكانه... هل قبضت عليه؟... الحمد لله... لا أحد يفلت من يد العدالة"
قال الجندي في خيبة أمل:
-" كلا سيدي... ولكن"
-" كلا!... ولكن! ... ماذا؟... كيف وصلتكم الرسالة؟... قل"
- " سيدي... لقد أعطاني إيَّاها المجرم... قبل أن يهرب... بقليل... عندما كنا ذاهبين لمكان تطبيق الجريمة... كنت بجواره... في سيارة الجيب... تحدث معي قليلا... وقبل أن ننزل مباشرة من السيارة... أعطاني الورقة"
-" أعطاك... قبل أن ينزل؟"
-" نعم... وقال لي:
-" سلم لي على المقدم... بكثير السلام... وأخبره... أن هذه الورقة... تحوي شكراً له"
تقدم المقدم بقلق... ومد يده... وتناول الورقة... كان يشعر بشيء من الخجل... ويشعر أن فيها كسراً لهيبته... حدث نفسه:
- " بالتأكيد... هي تحوي شماتة كبيرة... وتَشَفٍ لا مثيل له... من ذلك المجرم القذر"
 سار المقدم جهة مكتبه... وبعد أن جلس... قال برسمية:
-" نكمل الحديث لاحقا... الجميع... انصراف"

2- الرسالة
ركبتاه من تحت الطاولة... تصطكان ببعضهما... وأصابع يديه... تكاد تمزق الورقة... مع شدة ارتجافها... إنه يفتح الورقة... بكل توتر... المقدم... جالس على كرسيه... ودمه يفور... وأخيرا بدأ يقرأ:
-" بسم الله...
اللهم أرنا الحق حقا... وارزقنا اتباعه... وأرنا الباطل باطلا... وارزقنا اجتنابه.
سيدي... حضرة المقدم... أنا حسان.
أقدم لك اعتذاري... كل اعتذاري... أعلم... أنت الآن تتعذب.
لكن... هناك فكرة في رأسي... كُلِّي أملٌ أن تنجح... وبعدها... لن تجدني محبوسا في قبضتك... بالطبع... ستعرف الفكرة... عندما تصلك الورقة... لأني عندها بالفعل... لن أكون معك...
سيدي... لقد اعترفت أمامك... أنني الجاني... أعلم جيداً... لقد احتقرتني... أو خفت مني... لا أدري... ولكنك لم تعد تنظر إلي بنظراتك السابقة... كل ما أريد قوله لك الآن... هو أنني لست المجرم... أنا بريء... وأنت قد عرفت ذلك من قبل... بفراستك... ووقفت معي بكل شجاعة... ولكنك لم تساعدني على الخروج... لإحضار أدلة براءتي... لذلك... فأنا مضطر لفعل أمر ما... دون مساعدتكم... سأثبت لكم براءتي... بطريقتي الخاصة... لأني أحتاج من أجل إثبات براءتي... إلى شيئين... وقت... وحرية... بالطبع... هناك شيء يهمك... يهمك جدا... وهو... متي سنلتقي؟... أنا أؤكد لك... أننا سنلتقي... في أقرب وقت... ولكن... لو نجحت فكرتي... وسارت الأمور كما أريد... صدقني... ستجدني أمامك... غدا... قبل صلاة الفجر... أرجو أن لا يعلم أحد بهذه الرسالة... وكل الموضوع... اجعله طي الكتمان... حتى الفجر... لك تحياتي"
توقف المقدم برهة... وأخذ نفسا عميقا... ثم أسند ظهره بهدوء على المقعد:
-" ما كل هذا الذي يحصل؟... هل يعقل... أن حسان... يقول الحقيقة... أم أنه يلعب عليَّ لعبة جديدة... ليتمكن من الهروب... بعيداً؟... هل هو بكل هذا الدهاء... والجرأة؟... أم أنه بالفعل... رجل طيب... مظلوم... أغلقت الأبواب جميعا في وجهه؟... وهذه الرسالة!... يالها من رسالة ذكية... لو قرأتها قبل أن يهرب حسان... لما عرفت لها أي معنى... لو أمسكناها وهي معه... لما جال في خلدنا أنه يفكر في الهرب... ولكن... بعد أن هرب... بدا وأن كل حرف فيها... قد كتب باحتراف بالغ... هل عاد حسان من جديد ليفرض شخصيته الجذابة عليَّ... وليجعلني أقتنع به... وأحاول التعاون معه... لا... لا... لا... مستحيل"
اعتصر المقدم الوقة... بقوة وحيرة... وأحس بخمول كبير يحتل بدنه.

3- مع أذان الفجر

مرت الساعات وراء الساعات... هروب حسان لا زال طي الكتمان... لا يعرف به إلا نفر قليل... المقدم لم يغادر مكتبه... إنه يسترق النوم استراقا... والأمل يراوده بين الفينة والأخرى... أصبح الكلام الذي كتبه حسان في رسالته... يوحي له بسُترة النجاة... وبالأمل الوحيد للخروج من المشكلة... حدث المقدم نفسه:
-"لقد قال في الرسالة... إنه سيتأخر حتى الفجر... ولكنه وعدني أنه لن يتأخر بعدها أبداً... الفجر الآن ينشر غسقه هنا وهناك... وحسان لم يأتِ... ولكن... هل سيكذب من جديد في زعمه؟... وهل سيتركني هنا في السجن... وهو حر طليق؟... أعوذ بالله... لقد صدقتُه مضطراً... لقد علقني بحبل الأمل... الذي مده لي في تلك الرسالة... هل يمكن أن يكذب؟... لو فعلها حقا... فلن يكون للثقة أي معنى... ولن يكون للحق أي قيمة... ومساعدة المكروب... ستكون ضربا من ضروب السخافة... ولكن... أنا في الواقع... لم أساعده...  هل أخذ حقه بالقوة؟... ولكن... هل كنت غبياً إلى هذه الدرجة؟... ماذا؟... هل سأكون ضحيةً رخيصةً لهذا الشخص؟... وهل سَيُطَبِّقُ في حقي محاكمة عسكرية؟... قد يحكم علي فيها بالسجن... أو... الموت... لأنني تهاونت في حمل الأمانة... نعم... لقد تهاونت في حمل الأمانة... ولكن... الواقع... أنهم جميعا يتهاونون... الضابط الأعلى رتبة مني... لقد طلب منِّي التحقيق... وانتزاع الاعتراف... لحاجة في نفسه... إنه برتبة عميد... وأنا مقدم... فقط رتبة أو رتبتين... فقط... تجعله يَعْفِسُ رأسي عن الحقيقة... أين الحقيقة... أين... أين؟"
مرت دقائق ترقب... بعدها رُفع صوت الأذان... ومع أصوات الأذان... دق جرس الإنذار... في ذهن المقدم... المحقق... وأخيرا... وقع الفأس في الرأس... وأيضا... وقع الفأر في المصيدة... لقد خرج حسان... ولم يعد.
بدت الحقيقة واضحة لدى المقدم... بدأ يحدث نفسه:
-" حسان كتب الرسالة... أوهمني أنه سيأتي... وهو في الحققة عازم على ألّا يعود... أبداً... هذا واضح... ربما كان مظلوماً... أو مجرماً... لم أعد أعرف... ولكنه استطاع أن يمكر على جهاز الشرطة... وينجو بنفسه... من القتل... أوه... لقد فعلها"
مرت الدقائق... وبدأ الظن واقعاً... وأقيمت صلاة الفجر... في جميع المساجد... وحسان لم يأت.
المقدم لم يذهب للصلاة في المسجد... إن نفسيته غير قادرة على تحمل هذه النتائج الضخمة... حدث نفسه:
-" لو أنني ضربت حسان... بمطرقة من حديد... وانتزعت اعترافه انتزاعاً... ودونته... ورفعته للعميد... ولم أسمح بتطبيق الجريمة... لكنت الآن في إجازة... وربما مُنحت وساماً... ولكن... سذاجتي... هي التي أوردتني الموارد... لو انتزعت الاعتراف... لكنت سعيداً الآن... بالطبع"
مد الضابط يده بتوتر... وتناول علبة السجائر... أخرج سيجارة... أشعلها دون مبالاة... وبدأ يدخن... أفكار مجنونة تنهال عليه من هنا وهناك... كل شيء راكد... لم يستطع المقدم إكمال السيجارة... الجو مخنوق داخل الغرفة... وقلبه مخنوق في أعماقه... قام الضابط من مقعده... واتجه للنافذة... فتحها... وألقى ببصره للخارج.

4- بداية اليأس

أشجار صغيرة في الفناء... تتمايل هنا وهناك... ونسمات باردة تهب... وأنوار الشارع واهنة يخانقها ضوء الفجر... وتخنقه... ليس ثمة جديد... سوى الشك... الذي تلبَّس بمشاعر الضابط... وجعله يحدث نفسه:
-" يا الله... ماذا عن حسان؟... إنه حتما سيُقدَّم لحبل المشنقة... خطوة خطوة... لو بقي هنا... هل هو بريء؟... ربما... يكفي مشيراً لبراءته... تلك اللَّهجة التي يتكلم بها العميد معي... إنه لا يقول ابحثوا عن الحق... وإنما يقول... انتزعوا الاعتراف... بأي طريقة كانت... هناك ملابسات حقيقية... حسان لم يكن في موقع الحادث... عند حصول الجريمة... هذا ما يوحي لي بأن المسألة مبيّتة... هل هناك مؤامرة؟... ومستفيدٌ ما... من إلصاق التهمة بحسان"
مرت الدقائق الثقيلة على قلب المقدم... كانت لهواجس الموحشة... تُنهي ما بقي من السكون... في النفس الملهوفة... لم يعد في اليد حيلة... اتضح كل شيء.
استمر الوقت في دحرجة نفسه بكل ثقل... وأخيراً... طلعت الشمس... المقدم يقلب بهدوء في الملف... ويقرأ اسم حسان... مرات متتالية... وتصطك أسنانه في غضب... ثم يضع يده على رأسه في يأس... ويحدث نفسه:
-" هذا الوغد... يا إلهي... كيف سأتصرف... حسان كان يسخر مني... نعم... هذا كل شيء... لقد نجا وتركني أقاسي نتائج غبائي... لماذا يا حسان تغدر بي؟... ولكنها الغابة... الواقع... أنك لو لم تغدر بي... لغدرت أنا بك... إنها حياة السباع... إن لم تتغدَّ بخصمك... فسوف يتعشى بك... حسان كان ذكيا...  لقد تغدى بي... تبا لك يا حسان... لماذا كنت تفعل الخير مع تلك العجوز؟... لو تركتها في منزلها الطيني... لتموت من الجوع والعطش... لَما حصلت كل هذه المشاكل... ولكنك ذهبت لتطعمها... وتسقيها... ثم في النهاية... قتلتها... أو لم تقتلها... ربما كان هناك من يشاهدك... وأنت تذهب نحوها... ربما رسموا الخطة  بكل إحكام... ثم قتلوا تلك العجوز... وسرقوا نقودها... اتهموك أنت... وقبض عليك... وأنكرت الجريمة... ثم اعترفت بها... ثم هربت... ثم كتبت الرسالة... وزعمت أن لديك أدلة براءة... الواقع أنه ليس لديك أدلة براءة... ولا يحزنون... وإنما كذبت علي... لتهرب بعيدا"

5- نصف الساعة القادمة

الساعة الآن هي السابعة... هكذا تشير العقارب في أيدي كل الناس... وهذا يعني أن شيئا هاما سيحدث... وهو أن كل الناس سيذهبون إلى أعمالهم... وهذا يعني أيضاً... أن العميد سيأتي لعمله.
يدخل أحد الجنود... ومعه فنجان من القهوة... يضعه على مكتب المقدم... ثم يقول:
-" سيدي... التمر ... لا يوجد تمر... لقد انتهى... هل أذهب لشراء تمر؟"
هز المقدم رأسه موافقا... مع أنه يعلم أن التمر لم ينتهِ... ولكن... هذا العسكري الخبيث... يريد الخروج لقضاء بعض الأعمال الخاصة به... وفي الطريق يحضر شيئا من التمر.
خرج العسكري... وحمل المقدم الفنجان في توتر... ثم أدناه من فمه... وبدأ يحدث نفسه:
- " العميد... لابد أن أول عمل سيقوم به... هو الاتصال... من أجل الاطمئنان على نزع الاعتراف... من فم حسان... وعندها سينتهي كل شيء بالنسبة لي... وستفتضح الخطة... وسيتحول فعل الخير إلى شر محض... لماذا يا حسان؟... لماذا؟... تبا لك"
مر المزيد من الوقت... وعندما حطت الساعة عقاربها على الثامنة... كان جرس الهاتف يرن على مكتب المقدم... في تلك الأثناء... بدأت جميع أوصاله ترتجف... وتزداد ارتجافها مع كل دقة رنين... فكر المقدم في عدم رفع السماعة... إنه متأكد من أن المتصل هو العميد... حتما سيسأل عن نزع الاعتراف... استمر الرنين... ليس باليد حيلة... لابد من رفع السماعة... مد المقدم يده في يأس... ورفع السماعة... بالطبع... المتصل هو العميد:
- «آلو... لابد أنك انتزعت الاعتراف»
- «هه...»
- «هل انتزعت الاعتراف؟... قل...  أم ماذا؟»
- « بالطبع... قريباً»
- «قريبا؟... ألم يتجاوب معك؟»
- « الواقع... أنه... لم يتجاوب»
- «هذا القذر... يجب أن يعترف»
- «تقول يعترف... يعترف... حتى ولو لم يكن هو الجاني؟»
- «جانٍ... غير جانٍ... وما دخلك أنت؟... الموضوع لا يهمك... المهم الاعتراف... يجب أن يصل الاعتراف الليلة... إلى قسم التحقيق... ليصادق عليه القضاء... بسرعة... المسألة لا تحتمل التأجيل»
- «ولكن... سيدي... ما الحل... إن لم يعترف؟»
- «قطِّعه بالجلد... هدده بأي شيء»
- «ولكن... أخاف... أخاف أن يموت»
- «يموت... يعيش... لا مشكلة... على كل... لو مات... يكون أحسن...هدده"
بدا العميد مرتجفا... وفي حالة ثورة شديدة.... حينها قال المقدم:
-" ولكن أخشى ألا يتجاوب... كيف أهدده؟"
ازداد انفعال العميد أكثر... بدا وأنه فقد صوابه... لذا قال:
 "هدده بالسلاح... بالزفت... اشنقه... قطعه... لا يهم... أقول لك لا يهم... المهم اعترافه... أو موته... كي تموت الجريمة... معه»
- «ماذا تقول يا حضرة العميد؟... هذا الكلام خطير»
عاد العميد لرشده... ثم تساءل:
-" ماذا حصل؟... لا... لاشيء"
دخل المقدم في دوامة من التفكير:
-" بالفعل... العميد يهذي"
صمت الجميع هنيهة...  ثم قال العميد:
- «أقصد... أقصد...  أنه لجريمته... يستحق القتل... لقد قتل المرأة المسكينة»
- « ولكن... سيدي... الأدلة غير كافية... لإدانته»
- «أنا متأكد... جدا»
أقفلت سماعة العميد... ثم أقفلت سماعة المقدم... وانتهت المكالمة... حدث المقدم نفسه:
 - " مكالمة سيئة... تزيد من تعقيد القضية"
مرت ساعتان... خلالهما... كان المقدم يقاسي أشنع همومه... لقد تأكد له أن حسان هرب... لقد استغل ذكاءه بكل حرفية. 
هكذا ضاقت الدنيا... مشكلة ليس لها حل... سينتظر المقدم انقضاء الثلاثين الدقيقة القادمة... وسينتظر بعدها مصيره... المعروف... أو المجهول.
مرت الدقائق... وفي الدقيقة الثلاثين... كان جرس الهاتف يرن... ويرن... ولكن... لن يكلف المقدم نفسه الرد.
توقف الرنين... وماذا يعني الاتصال بالعالم الخارجي... أو الداخلي... لضابط سيفصل من عمله على أقل تقدير.
 مرة أخرى... بدأ الهاتف يرن... ويرن... ودخلت الدقيقة الواحدة والثلاثون... لم يتوقف الرنين... مرت عشر ثوان... وأخيرا... انقطع الرنين.
 طأطأ المقدم رأسه قليلاً... وعندما اصطك ذقنه بصدره... بدأ الهاتف يرن مجددا... رنين مزعج... لذلك العقل المكدود... وفي شيء من العبث... رفع المقدم السماعة... إنه لا يبالي بالسب والشتم... الذي سينهال عليه من العميد... عليه أن يكون جريئا... سيقول بكل وضوح... حسان... اعترف... اعترف...  أو لم يعترف... أو هرب... أو لم يهرب... لا يدري بماذا يرد... وربما سيسكت... الأمر لله.


الفصل الثاني

 1- عملية تمشيط

ابتسام... المرأة المخلصة... إنها لا تعرف شيئا عن آخر أخبار زوجها... ولا تدري أيضا... أنه هارب من السجن... وأن يد العدالة تطارده.
الشمس تشرق الآن بهدوء... والأشعة الذهبية تتسلل بلطف... لتبعث في أجواء الغرفة الكئيبة شيئا من الحياة... ولتمتد أشعتها كذلك... لبدن ابتسام المنهك... كي تكسبه شيئا من الدفء... بعد ليلتها الفائتة.
إنها هناك... جالسة بحذر... قد نصبت ركبتيها لأعلى... وأسندت ظهرها على طرف الخزانة... يدها اليسرى على قلبها... تهدئ شيئا من ثورته... ويدها اليمنى ممسكة بالمسدس.
النعاس يغالبها... مرة يصرعها... ومرة تطرده... ولكنها بالفعل... تغالب دموعها الحارة... وتذرفها بغزارة... على زوجها حسان... الرجل المسكين... المتهم بجريمة القتل.
ابتسام في وحدتها... تعيد الشريط الطويل لحياتها... وتمر على عجل... بأيامها الحلوة... مع زوجها الحبيب... حسان... قبل أن يسجن... وقبل أن يُتهم بالقتل.
وبين الفينة والأخرى... ترتجف ابتسام... وينقطع شريط الذكريات... ويدق قلبَها خوفٌ شديد... كلما تذكرت الأحداث الجسام التي مرت بها الليلة الفائتة... ويعود الشريط ليدور مرة أخرى:
 - " لقد قمت طيلة الليلة الفائتة بمهمة كبيرة... كبيرة جدا... حين دخل اللص إلى المنزل... وأنا نائمة في سريري... لقد دخل بهدوء وحذر... إلى غرفة النوم... التي أنام فيها أنا وأطفالي... ثم فتح الخزانة... التي تحوي النقود القليلة... التي هي آخر ما بقي معنا... وتحوي أيضا... تلك الحقيبة المهمة... التي أحضرها حسان... من مكان ما... ولا أحد يعرف ما بداخلها إلا هو... هو فقط... لأنها أمانة... والأمانة يجب أن تبقى أمانه.
 ولكن... ذلك اللص الخبيث... بحث في الخزانة... ثم أخذ الشنطة... وبدأ يتراجع بهدوء.
 كان الظلام حينها مخيما على الغرفة... وأنا أتظاهر بالنوم في سريري... ولم أتبين صورة اللص... ولكن... لحسن حظي أن المسدس كان قريبا مني... في درج الخزانة الصغيرة... المجاورة للسرير... لقد وضعته هنا... تحسبا لأي مشكلة... وبالفعل جاء وقته... وعندما ولى اللص خارجا... رفعت المسدس... وأطلقت الرصاص عليه... وأصابته الرصاصة في مقتل.
سار اللص متمايلا... وسقط في الصالة... وأسرعت أنا... لقفل باب الغرفة... عليَّ وعلى طفليّ"
بدأت ابتسام تتساءل:
-"الجثة الآن... مسجاة في الصَّالة... لقد وفقت في إطلاق الرصاص... الحمد لله... ولكن... ترى ما شكل صاحبها؟... ما اسمه؟... ولماذا دخل علي المنزل... متخفيا في زي عسكري؟... هل هو بالفعل يريد السرقة؟... ولكن... بيتنا لا يبدو على أهله الثراء... هل كان يتوقع... أن يجد المجوهرات؟... المنزل من الخارج لا يقول ذلك... كل شيء يوحي بأننا بسطاء... هل كان يريد أخذ أسرار ما... تخص حسان؟...  ربما... كل شيء محتمل... لقد كان متلطما... بالطبع... لم أر ملامح وجهه... ليتني رأيت شكله... ربما عرفت هويته"
تنهدت ابتسام بعمق... إنها تشعر أن خيوط الرعب تتوزع في المنزل... ذهب ذهنها نحو باب الشقة المفتوح... أو المكسور... إنه حقا يوحي بالخوف... ولكنها هنا... في غرفة النوم... وبجوارها طفلاها... وباب الغرفة مقفل... إنها حتما في مأمن... لم يعد للص طريق عليها... كم كانت نعمة الله عظيمة عليها... عندما أطلقت النار عليه... ثم سارعت في إقفال الباب خلفه!. 
قامت ابتسام... وسارت خطوات نحو النافذة... وألقت ببصرها هناك... إنها الشمس... الشمس تبسطت أشعتها في كل مكان... حتى الآن ابتسام لم تصلّ الفجر... ولكنها غير متوضئة... عليها أن تتيمم... ثم تصلي ركعتين... لقد تأخرت عن الصلاة... ولكنها تجد العذر لنفسها.
بسطت ابتسام يديها على أرضية الغرفة... ثم مسحت وجهها... وظهر يديها...  ثم وقفت لتصلي ركعتين.
 لقد شكرت الله في صلاتها كثيراً... وبعد أن أنهت صلاتها... قامت لتعاود النظر عبر النافذة... في ذهنها فكرة واحدة... إنها تنتظر مرور أي أحد عبر الشارع... كي تطلب منه المساعدة...  ولكن لا أحد.
 أخيرا... قررت ابتسام أن تفتح الباب... ستقوم بعملية تمشيط حذرة... لجميع أرجاء المنزل... إنها تملك السلاح... لا شك أن الوضع آمن.

2- شخصية اللص

فتحت ابتسام الباب بكل هدوء... الحذر والحرص يحركان كل كيانها... ومدت المسدس نحو الجثة المسجاة في الصالة... وتقدمت... ولكن الدهشة أصابتها... عندما رأت تلك الجثة... ما هذا؟...  لم تكن الجثة سوى قِطعٍ من ملابس العسكري... بدلة... وسروال مُمزَّق... ومليء بالدم:
-" ما الذي حصل بالضبط؟!... بالتأكيد... لقد نزعها اللص... وهرب... للأسف... يبدو أن ذلك اللص لم يمت... مع أني أطلقت عليه الرصاصة... ولكن...  يبدو أن الرصاصة وقعت في فخذه... كما يدل السروال"
شعرت ابتسام بقدر أكبر من الشجاعة... بدأت في تتبع الدم النازف... تتبعته بكل حذر... عليها أن تتأكد من خلو جميع غرف المنزل... من آثار اللص.
خلال عشر دقائق... دارت ابتسام على جميع الغرف:
-"الحمد لله... يبدو أن الوضع آمن... بقي باب الشقة"
اتجهت ابتسام لباب الشقة... تفقدته جيدا... قفل الباب ليس مكسوراً... هذا غريب... ابتسام توقعت أن يكون القفل مكسورا... تفقدته مرة أخرى... القفل أيضا ليس مفتوحا... إنه مقفل كما تركته ليلة البارحة... ما هذه الأسرار؟... ابتسام  بدأت تشك في نفسها:
-"  من يكون يا ترى هذا اللص... الذي قام بعملية السطو... ليلة البارحة؟"
 عادت ابتسام للبحث في كل أجزاء المنزل... أدركت أن اللص قد سرق الشنطة... وأيضا سرق بعض ملابس زوجها... ثوباً وغترة... وأيضاً فتح الصيدلية... هذا اللص جريء للغاية... لقد أخذ قطعاً من القطن... والشاش الأبيض... ثم انصرف... وأقفل الباب معه... ربما كان لديه مفتاحا... ما هذه الألغاز؟... ما حقيقة هذا المجرم؟"
بدأت ابتسام تدير عينيها هنا وهناك في رعب... وضعت يدها على صدرها وهي تقول:

-" لن أمكث وحيدة بعد اليوم في هذا المنزل... الوحدة هنا ستقتلني... سأطلب من أخي تمام... الحضور... ليعيش معي"

الفصل الثالث

1- عبقرية المقدم

سماعة الهاتف أضناها الرنين... حملها المقدم ووضعها على أذنه... إنه متأهب ليقول أي كلمة... أي كلمة تدور بباله... رداً على هذا العميد المحتال. 
- «آلو... سيدي العميد... الحقيقة...»
- «آلو... حضرة المقدم... أعتذر منك... أنا حسان»
في كل ذهول... وقف المقدم... ثم قال باستجداء:
- «من؟... تقول حسان... أين أنت يا حسان؟... أرجوك... كيف تفعل كل هذا بي؟... موقفي الآن صعب للغاية... لماذا تأخرت؟... هل هربت؟... أعرف ذلك... ولن تعود أبدا؟... قل لي»
- «لم أهرب... ولن أهرب... ولكن... لقد تعرضت البارحة لموقف غريب جداً... وأنا الآن راقد على أثره في المستشفى»
- «المستشفى؟... أي مستشفى؟»
- «المستشفى المركزي... قسم الجراحة... غرفة أربعة... أريدك أن تأتي فورا... وأيضا إياك أن يعلم أحد بهذا الاتصال»
- «الحمد لله أنك لم تهرب... على كل... أنا في طريقي إليك... سآتيك حالاً»
فُتحت الآفاق في وجه المقدم... بدأ عقله يتحرك الآن بطريقة صحيحة... نفسيته ارتفعت لأعلى الحدود... خطرت له فكرة جهنمية... رفع سماعة الهاتف وهو يحدث نفسه:
-" أوه... من أين جاءت هذه الفكرة؟... هل تراها ستنجح؟"
نظر المقدم لجهاز الهاتف... وضع يده على فمه... وبدأ يحدث نفسه:
-" جهاز تسجيل المكالمات... لقد كان يعمل طيلة الليل... وهذا يعني أن المكالمتين اللتين استقبلتهما من العميد... قد سجلتا"
فُتحت آفاق كثيرة... أمام المقدم... عقله الذي اشتكى من الركود... لسنوات مديدة... بدأ الآن يعمل... أشبه بكمبيوتر... وذكاؤه الآسن... بدأ يصفو... المقدم يشعر أن تجربته ليلة البارحة... نَفَضَتْ غباراً داكناً... رسّبه الخوف والذل.
 لحظات... بعدها رفع المقدم التلفون... واتصل:
- «آلو... حضرة العميد»
- «نعم... هل اعترف حسان؟»
- «نعم سيدي... إنه قارب على الاعتراف... بالفعل... وآراؤك كلها صائبة... إن الضغط على هؤلاء المجرمين... يجعلهم يعترفون.... في البداية... كنتُ ساذجا... وكنت أريد انتزاع الاعتراف... دون ضغط... ولكن... بعد أن طلبتَ مني... تهديده بالسلاح... قارب على الاعتراف»
- «أرأيت؟!... إنها القوة... القوة هي السَّبيل الأقصر... لاعترافهم»
- «ولكن... حدثت مشكلة صغيرة... سنحلها... حتما سنحلها"
-" مشكلة؟... مشكلة ماذا؟"
- " أنت سمحت لي... كما تذكر سيدي... أن أهدده بأي شيء... حتى باستخدام السلاح... أليس كذلك؟»
- «ماذا تقول؟... هل فعلت ذلك؟... وهل استخدمت معه السلاح؟»
- «الواقع... أنني... أنني... بعد أن توقف التقدم في التحقيق... ووصلت معه للباب المسدود... تذكرت أوامرك... بأهمية نزع الاعتراف... رفعت المسدس نحوه... لأهدده فقط... ولكن... للأسف... خرجت الرصاصة... بطريقة عفوية... أصابته في رجله... الحمد لله... لم يصب بأذى بالغ... ولكن... تصدق... بعد أن أصابته الرصاصة... اعترف... اعترف تقريباً»
- « قل لي... هل سجلت اعترافاته تلك؟»
- «بدأت في تسجيلها... ولكن... بعد أن نزف دمه... حُمل إلى المستشفى... للضماد... على كل... سألحق به لانتزاع الاعتراف»
- «أحسنت... واصل عملك»
... هكذا انتهى فصل مرير... من معاناة المقدم... وستبدأ المشكلة في دخول فترة ركود مؤقتة... ولكن... ما هي نهاية هذا الركود؟... يا ترى!.

 2- العميد والجاني

حسان... المتهم الهارب... إنه راقد في المستشفى... على السرير الأبيض... بسب إصابة تعرض لها... ليلة البارحة... رصاصة... دخلت في طرف فخذه... ثم خرجت... لم تكن  إصابة حسان بالخطرة... المهم أنه نجا... لقد كان حينها في مهمة خاصة... إنه يسعى جاهدا لجمع الأدلة المثبتة لبراءته.
لا يهم الآن... كيف ولماذا أصيب؟... المهم الآن... أن عليه أن يرتب أفكاره جيدا.
حسان يقلب في أوراقٍ معه... يقارن ويدقق... ثم يدون في ورقة صغيرة... أمامه شنطة مهمة... مهمة للغاية... فيها جميع أدلة براءته... لقد حصل عليها ليلة البارحة... بعد جهد جهيد... ومغامرة كادت تزهق معها روحه... ومع كل ذلك... فحسان يشعر بارتياح كبير... خاصة بعد دخوله لجو المستشفى الهادئ... الهادئ جداً... والمريح جداً... خاصة بالنسبة لرجل يُقَارن بين جو المستشفى من جهة... وجو السجن والتحقيق من جهة أخرى.
مرت دقائق معدودة... بعدها... وصل المقدم... إلى سرير حسان... الواقع أنه فوجئ بسوء حالته... وبالقنينات المغذية... التي تمتد إلى جسده... وبتلك الأربطة الملفوفة على قدمه... قال في حسرة:
- «سلامات يا حسان... الحمد لله على سلامتك... يال أسفي... ما هذا الحال الذي وصلت إليه؟».
- « الحمد لله... لقد كان لطف من الله... لولا هذه الطلقة... لكنتُ الآن في السجن... بالطبع... المستشفى أرحم من السجن»
- « قل لي يا حسان... ماذا حصل لك... بالضبط؟»
- «الحمد لله... الأمر سهل... لقد أصبت برصاصة... في فخذي... تحاملت على نفسي حتى وصلت المستشفى... وتم العلاج مباشرة بعد وصولي... ثم قرر الأطباء بقائي في التنويم»
- «وما سبب الرصاصة؟»
- «شيء لم يكن بالحسبان... كما تعلم... لقد كان لازماً عليّ إحضار الأدلة... لإثبات براءتي... ولكن... أين هي الأدلة؟... الواقع أنها جميعا كانت في منزلي... ذهبت للمنزل... لقد كان الهاجس الذي يراودني... يتعلق بوعدي لك... حين وعدتك في الرسالة... أن أعود... وطلبت منك ألّا يعلم أحد بخروجي من السجن... بالطبع... كانت المشكلة في زوجتي... كيف أدخل للمنزل... دون علم زوجتي؟... الواقع أنني دخلت المنزل متخفياً... ولكن... وقع ما لم أحسبه... لقد شعرت زوجتي بدخول شخص للمنزل... الغريب... أنها كانت تضع المسدس... بجوارها في السرير... لا أدري كيف حدث ذلك؟... على كل حال... لقد حسبتني لصا... لذا أطلقت النار عليّ»
- « يا الله... ولكن قل لي... متى دخلت المستشفى... يا حسان؟»
- " دخلت المستشفى مع أذان الفجر... كنت منهكاً... لقد سرت على قدمي المصابة... قرابة الثلاثة كيلومترات... ثم أسعفني صاحب سيارة... الواقع أنني كنت أفكر بك طيلة الطريق... كنتُ أشعر بكل مشاعرك... أعلم أنني أحرجتك كثيراً... ولكن ليس باليد حيلة"
- «الحمد لله على سلامتك... لا تقل هذا... المهم  أنك بخير»
- «أنا الآن جاهز لأعود للسجن... لن أسبب لك حرجاً أكثر... لقد أحرجتك بما فيه الكفاية»
- «لا تقل هذا يا رجل... لقد تَدَبَّرْتُ الأمر... تصدق... لقد اكتشفت أنني أصبحت ذكياً... جداً... إنني الآن قادر على التفكير... هل تصدق ذلك؟»
- «قل لي إذن... ما هي آخر الأفكار؟»
- «بالطبع... الفكرة الجديدة... تقول... أنني أنا الذي أصَبْتُك بالرصاصة... والذي أمرني بإطلاق الرصاص عليك... هو العميد"
- " ماذا تقصد... لم أفهم؟"
- " سأوضح لك الآن... "
سحب المقدم كرسيا من الجوار... وضعة بجوار سرير حسان... جلس عليه بهدوء.... وبدأ يقول:
-" يبدو أن العميد هو المجرم... أو على أقل الاحتمالات... أنه أحد المتعاونين في الجريمة... إنه متعاون مع الجاني الحقيقي في قتل ضاحية»
- «لا أكاد أفهم... أنت تمزح... أو... ماذا تقصد؟»
- « أنا أوضح لك... قبل ساعات... اتصل العميد بي... كان يرغي ويزبد... وكان ثائرا... لأني لم أنتزع الاعتراف منك... الواقع أن ثورته وتوتره... جعلاه يتحدث بكلام غير مسئول... لقد طلب مني انتزاع الاعتراف... ولو كان ذلك على حساب حياتك... بل قال بكل انفعال... استعمل معه التهديد... بأي شيء... حتى بالسلاح"
- " هذا أمر مذهل"
- "  المهم في الأمر... أن جميع الكلام... الذي دار بيني وبين العميد... مسجل في جهاز الهاتف"
- " مسجل... في جهاز الهاتف... كيف؟"
- " نعم... جهاز الهاتف... الذي في مكتبي... إنه جهاز متطور... تسجل عليه جميع المكالمات الواردة... وتمسح تلقائيا... بعد أربع وعشرين ساعة... لقد صُرف لضباط التحقيق... في وقت سابق... منذ مدة... مشكلته الوحيدة... أن حجمه كبير نوعا ما... وشكله تقليدي... إلى حد كبير... الكثير من الضباط لا يستخدمونه... لا يرون هناك أهمية لاستخدامه... إنهم يكتفون بالهواتف العاديه... أنا شخصيا كنت أفكر في الاستغناء عنه... ولكن... الحمد لله... كنت متكاسلا في تغيير هذا الجهاز... أبقيته ولم أعلم مدى قيمته... والبارحة... قام الجهاز بتسجيل المكالمات مع العميد... وهذا يحمي موقفنا»
- « ممتاز... ممتاز جدا... أننا فعلا وصلنا لبداية الحل... الفضل لله... ثم لجرأتك وشجاعتك... أنت مخلص... لذا... كان الله في عونك"
- " أنا واثق من ربي الآن... لقد كان معي في أحلك الظروف... لكن ... آلمتني إصابتك"
-" لا.. لا عليك من الإصابة يا حضرة المقدم... إنها لا تعدو جرحا في اللحم... وفي المستشفى هنا... لم يدُر ببالهم أنها بسبب رصاصة"
- " قل لي... ماذا قلت لهم عندما سألوك؟"
-" لا شيء... قلت لهم بكل براءة... إنه مسمار طويل... بطول شبرين... هـ...هـ... لقد كان مغروسا في جدار الفناء... لمنزلي... كنت أسير بجواره مسرعا... في حلكة الليل... ولم أنتبه له.. لقد أصابني حينها المسمار بهذا الجرح الغائر... إنه مسمار حاد"
- " بالفعل... يبدو أنه مسمار حاد... هـ... هـ... هـ...  ويبدو أن الأمور تسير على ما يرام"
- " أرجو ذلك... في تصوري... أن الجريمة أصبحت قاب قوسين أو أدنى... من هتك أستارها"
- هناك أسرار غامضة... تكتنف القضية"
- " صحيح... كلام صحيح... هناك أسرار كثيرة... الواقع أن هناك مشكلة قديمة... عاشتها العجوز... في بداية حياتها... ربما كانت تلك المشكلة هي السبب الحقيقي... وراء نهايتها تلك... قتلت وحيدة... مظلومة... في بيتها الخرب"
- " هذا بعد آخر... في القضية"
- " هناك ما هو أكبر... العقدة الرئيسية... تكمن في كون العجوز رحمها الله... قد أعطتني حقيبة صغيرة... قبل وفاتها بوقت قصير... وتلك الحقيبة... تحوي حقائق كاملة... عن ماضيها"
- " حقائق؟... عن ماضيها!... ماذا تقصد؟... هناك إذن سر كبير"
- " نعم... منذ قليل... بعد خروجي من غرفة العمليات الصغرى... وقبل أن أتَّصل بك... لقد تصفحت كل الوثائق في الحقيبة... هناك أشياء مهمة... مهمة جدا... أستطيع أن أقول... إنني عرفت كل شيء... البيِّنة الآن معنا... وطريقنا أصبح أقل وعورة»
- «هذا كلام مطمئن... يا سلام... أنا أصبحت الآن... أعشق الحقيقة»
- «أيضا... اتصال العميد... إن اتصال العميد بك... وتسجيلك الاتصال... يسهل العملية جداً... إننا نستطيع إثبات الكثير عليه... ولكن... المسألة تحتاج إلى عمل آخر... مهمة جديدة"
- " مهمة ماذا؟"
- " المراقبة المتواصلة... للعميد... هذا أولا... ثانيا... العمل الدؤوب... في تحليل مفردات الحقيبة... وربطها بالواقع »
- «هذه ألغاز... أرجوك... لا أكاد أفهم»
- «أنت؟... معقول!... أنت محقق... هل صحيح أنك لا تفهم هذه الأشياء؟!»
- «أنت تتكلم بالألغاز»
- «على كل... المطلوب الآن... هو صورة فوتوغرافية... يتم فيها... تصوير الضابط... والجاني»
- «الجاني!... ومن هو الجاني؟»
- " الجاني... انتظر "

3- صورة قديمة
مد حسان يده... قليلا... قليلا... ثم سحب الشنطة الحديدية... المغطاة بالجلد... إنها بالفعل... تبدو قديمة... قديمة جدا... وضعها بجواره... وقال في اهتمام:
-" هنا تكمن القضية... القضية كاملة... الواقع أني لم أعرف شيئا عن القضية... إلا في الأيام الأخيرة... قبل موت العجوز ضاحية... بأسبوعين تقريبا... رحمها الله... لقد خدمْتُها... ولمدة عام كامل... قمت بخدمتها... وأرجو الله أن لا يحرمني الأجر... خدمتها... لأنها... وحيدة... منقطعة... ومشلولة... أصابها الشلل... بسبب الجلطة... كان ذلك... منذ عام... وكانت قبل ذلك... في كامل صحتها... المهم... كان لزاما علي أن أقوم بذلك... لأنها جارتي... الرسول أوصى بسابع جار... ولكن... قبل قرابة الشهر... تزوجت... بالطبع... تزوجت من زوجتي الثانية "
- " أعوذ بالله... زوجة ثانية... ماذا تقول؟"
- " أوه... لم أكن أعلم أنك لا تناصر التعدد... على كلٍ... كان هناك أبعاد كثيرة... هي السبب في زواجي هذا... لا يمكنني ذكرها لك الآن... ربما لو عرفتها لتفهمت القضية... بشكل أكبر"
- " لا...لا... يبدوا أنك خطير... خطير بالفعل... ويجب الحذر منك... بدأت أشك فيك... أنت غريب يا حسان... مرة أراك مجرماً... ومرة أراك بريئاً"
- " على كل... اعتبر موضوع الزواج هذا... سراً... أنا ذكرته الآن... لأن زوجتي الثانية... واسمها جواهر... ترتبط بعلاقة غامضة مع العجوز ضاحية... والقضية كما قلت لك... ذات أبعاد متشعبة... انظر معي"
بدأ حسان يخرج مفردات الشنطة الأثرية... ويشرح العلاقات والارتباطات... بين تلك المفردات... ثم يبين أسباب وبواعث الجريمة... التي ذهبت العجوز ضاحية... ضحية لها... ويبين أسباب جرائم أخرى... لم يكن أحد ليعلم أن لها علاقة بهذه الجريمة... المقدم يعيش حالة دهشة كبيرة... ويصغي لحسان بكل اهتمام... استمر الحديث... واستمر... واستمر... ثم مد حسان يده لجيب صغير... في الغطاء العلوي للشنطة... وأخرج صورة فوتوغرافية قديمة... وغير ملونة... ويبدو فيها رجلان... أحدهما كهل... جاوز الستين... والآخر شاب في العشرين... أشار حسان إلى صاحب العشرين... وقال:
- «هذا هو الجاني... إنك تعرفه... بأثر الأشمانيا... في خده الأيسر... هذه الصورة قديمة... قديمة جدا... بالطبع... صاحب الصورة... عمره الآن... خمس وأربعون سنة... على كل... إنه الآن... لا يبدو متغيراً بشكل صارخ... عن شكله هنا في الصورة»
- « ماذا تقول؟... هذا... هو الجاني!... ماذا تقول يا حسان؟»
- «نعم... من حقِّك أن تصدق... أو لا تصدق... ولكني في حاجة لصورة حديثة... تجمع بين هذا الرجل... وبين العميد... الذي يطلب نزع الاعتراف... منّي»
- «هذا الرجل... والعميد؟!... تبدو متأكداً جداً...ولكن... ماذا إن لم يجتمعا؟»
- « لا تقلق... سيجتمعان... بينهما مصالح مشتركة... من أبرزها... محاولة إلصاق التهمة برجل مثلي»
- «قل لي... هل ينفع أن تكون الصورة... بكاميرا فيديو؟»
- «لا مانع... ممتاز... وإن استطعت الجمع بينهما... صورة فيديو... وصورة فوتوغرافية... فهو أفضل... كي لا يكون هناك اتهام بالمونتاج"
- " هل انتهى كل شيء؟"
- " كلا... بقي أن أخبرك أين يسكن الجاني... كي يتسنى لك مراقبته»
- «وهل تعرف أين يسكن؟»
- «بالطبع... ولكنك ستساعدني!»
- «اطمئن... أخبرني عن موقع المنزل... وستتم المراقبة الدقيقة... ولكن... هل أنت متأكد من نجاح الخطة؟"
- " هل تشك في كلامي؟... لو لم أكن صادقا... لهربت... ولم أتصل بك... أنا واثق مما أقول"
- " ولكن خطتك؟"
- " ماذا بها؟"
- " تبدو أعقد من خطة الخمسة عشر رجلاً والكنز... هـ...هـ...هـ...»
- « سيكون الله مع الحق... اطمئن... ولكن... أحتاج إلى نسخة من الشريط... الذي سجلت عليه صوت العميد...حين طلب منك انتزاع الاعتراف بالقوة... هذا سيسهل الطريق كثيراً»
- «لا مشكلة... قريباً سيكون الشريط لديك»

4- اللواء حمزة

في –كاونتر- الممرضات... دونت التقارير كاملة... كانت تتضمن عرضا مفصلا لحالة حسان الصحية... إلا أن المقدم طلب من الطبيب تدوين إضافات أخرى... تؤكد وجوب بقاء حسان في المستشفى... فترة أطول... خشية أن يحصل أي مضاعفات سلبية... على صحته... عند انتقاله للسجن.
وضع على باب الغرفة... التي تحوي سرير حسان... جندي للحراسة.
 المسئول الأول عن قضية حسان... هو المقدم... الواقع أنه مازال يعاود زيارته دوريا... بحجة التحقيق... واستكمال انتزاع الاعتراف.
وبعد ثلاثة أيام... من دخول حسان للمستشفى... جاء المقدم سعيداً... الساعة حينها قاربت العاشرة صباحا... قال حسان في سرور... وهو يرى السعادة على وجه المقدم:
- «خيراً إن شاء الله إلى ماذا وصلت؟»
ابتسم المقدم... ابتسامة أكبر... وصافح حسان... ثم جلس بجواره على السرير... جلوساً أخويا... بعدها قال في اعتزاز:
- «لقد أحضرت صورة فوتوغرافية... وصورة أيضاً على شريط فيديو... وأحضرت شريط الكاسيت... الذي يحوي كلام العميد... أرجو أن توفق يا حسان"
- " معقول!... بكل هذه السرعة... هذا ممتاز... ممتاز جدا...كل شيء أصبح في أيدينا"
- " أرجو أن يتم كل شيء حسب ما خططنا... أنا خائف من فشل الخطة... سيكون الذهاب بعدها... لسبعين كارثة»
- «لا تخف... إن الله معنا»
- «متى ستنتهي فصول الخطة؟»
- « لا تستعجل... قل لي أولا... من هو اللواء المسئول عنْكُم؟»
- «اللواء المسئول عنا؟... وماذا تريد من سعادة اللواء؟"
- " هنا تكمن الخطوة الأهم"
- " إنه اللواء حمزة»
- «جميل... أنا أعرف هذا... وأعرف أيضاً مدى حبَّه وإخلاصه في عمله... وهو أيضاً يحب إحقاق الحق»
- «هل تقصد؟... أن!...  أن أخبره بالموضوع... ولكن... هذا رسميا... ممنوع»
- «ما هو الممنوع؟»
- «ممنوع أن تَتَخَطَّى المرجع... بالطبع... مرجعي هو العميد»
- «المسألة سهلة جداً... عليك أن تذهب إلى حمزة... بطريقة وديّة... لا بُدَّ أن تقابله... مثلا... لماذا لا تذهب إليه في منزله... أو تقابله في المسجد؟... إنه كما أعرف... رجل يصلي»
- «هذا ممكن... أستطيع أن أقوم بهذه العملية... وحدي... إن اللواء حمزة يعرفني ويقدِّرني»
- «جميل جداً... هل تعرف ما أريد منك الآن أخي المقدم؟»
- «لو سمحت... لا تذكر كلمة مقدم... أنا أخوك... أخوك فقط... قل لي... أريد أن أعرف بالضبط»
- «أنا لا أطلب منك القيام بالمسؤولية كاملة... الواقع أن القضية تحتاج إلى إدارة للحوار... من جوانب كثيرة... لا يعرف خباياها غيري... الجريمة التي كانت ضاحية... هي ضحيتها... ليست وليدة اليوم... وإنما لها أبعاد تمتد لسنين سحيقة في الماضي»
- «وماذا تريد مني الآن؟... وبالتحديد... أنا رهن إشارتك»
- «أريد أن أقابل اللواء حمزة... وأريد أن يتحول التحقيق في القضية إليه... كل الأدلة التي أملكها دامغة»
- «هل تقصد... أن أترك الذهاب إلى حضرة اللواء... وتذهب أنت؟»
- «لا تستعجل... سنتفق على كل شيء»

 

5- عنصر الذكاء

الأمور على غير المعتاد... إنها تسير في الطريق الصحيح... والمقدم يتقدم بخطوات ثابتة... ليقدم التقرير للعميد... التقرير يحوي كلاما كثيرا... ويتلخص في أن حسان مصاب... ويرقد في المستشفى... وسبب إصابته هو تعرضه لتحقيق عنيف... وقف المقدم أمام العميد... وقال في ثقة:
- «اللواء حمزة... لقد اتصل بي... إنه يرغي ويزبد... لقد سألني عن سبب إصابة حسان... لست أدري... ماذا أقول له؟»
قال العميد في توتر:
- «اللواء... هل وصلت القضية للواء؟... وماذا قلت أنت؟... هل أدخلتني في الموضوع؟»
- «كلا.. كلا... لقد تعاملت مع القضية بكل روية... قلت للواء... إنني أحضرت المسدس... لكي أطلب من المجرم تمثيل الجريمة... لقد كان المجرم مضطربا... تعامل مع المسدس بطريقة خاطئة... الشيء المؤسف أن المسدس يحوي رصاصة... بالغلط... نسيها الجندي داخل المسدس... وسهواً... طاشت الرصاصة... ووقعت في فخذحسان»
- «جميل جداً... أحسنت... ثم ماذا؟ »
- «أوه... اللواء حمزة... لسانه قد تبرأ منه... لقد أرسل لسانه عليَّ... كلسان الحرباء... وأطول... لقد سبني وشتمني... أوه... كم أهانني كلامه!... قال لي... أنت غبي... كيف يمثل المجرم الجريمة... بمسدس فيه رصاص؟!»
- « نعم... كلامه صحيح... كيف أعطيتموه السلاح... هو مشحون بالرصاص؟»
- " ماذا يا حضرة المقدم؟...لم نعطه السلاح... كنت فقط أحاول تمرير القضية على اللواء... الواقع أنني أنا من أطلق الرصاص"
- " أوه... صدقت... على كل... هل صدق اللواء كلامك؟"
- «نعم... بالتأكيد... لقد قال لي... أنت لست أهلاً للتحقيق... ثم سألني... من الضابط المسئول عنك؟»
 - «ماذا قلت؟»
- «قلت له بكل جراءة... أنا أتحمل كل هذه النتائج... أنا المخطئ"
- " ثم ماذا؟"
- " ولكنه قال... هذه القضية أصبحت أكثر تعقيداً... ربما كان علي أن أتولى التحقيق في القضية»
- «ماذا قلت؟... اللواء يتولى التحقيق في القضية... مستحيل... هذا مستحيل... وأنا... أنا أين ذهبت... أنا الذي سأحقق في القضية»
- «أنت؟... هل بالفعل... تريد التحقيق في القضية؟»
- «نعم... رسميا أنا من يحقق... يجب ألاَّ يحقق اللواء... وإلا...  سننكشف»
- «ننكشف!... ماذا تقصد؟»
- «ننكشف؟... هل قلت ننكشف... أقصد لن ينكشف المجرم»
- «المسألة بسيطة... بسيطة جدا... لقد قال اللواء لي... إما أن يحقق العميد... أو أتولى القضية بنفسي... ولكنني كنت حريصاً على أن لا تُتْعب نفسك في هذه القضية... إنها بالفعل... قضية مقرفة... قلت لحضرة اللواء... الأولى أن تحقق أنت يا سعادة اللواء... وقال لي حسناً»
- «إذن هو واثق في قدرتي على تحقيق العدالة»
- «نعم... بالتأكيد... وأنا بكل سهولة... أستطيع أن أذهب إليه... وأخبره أنك على استعداد تام... للبحث عن الحقيقة»
- «صحيح؟»
- «الأمر سهل جداً جداً»
- «إذن أريد أن تذهب إليه بسرعة... لتقنعه... وأريدك أن تجهز لي ملف القضية... غداً»
- «سهل جداً... القضية الآن عند اللواء... وغداً سآخذ منه أمر تسليمك القضية... وسأحضر جميع الأوراق لك»
- «جميل جداً... وحسان... متى سيخرج من المستشفى؟»
- «لا أدري»
- «يجب أن يخرج... بأسرع وقت... نعم... بمجرد وصول الأوراق إليَّ... سأصدر أمراً بإخراجه من المستشفى... وإعادته للسجن... القضية لا تحتمل التأخير أكثر»
- «كما تريد... أنا الآن ذاهب»

الفصل الرابع

1- اللقاء باللواء

أنهى الناس لتوهم صلاة المغرب... المقدم ينتظر في الخارج... ويذهب ويجيء... اللواء حمزة سيخرج من المسجد بعد قليل... مرت دقائق ترقب... بعدها خرج اللواء حمزة.
حمزة يبدو سمحا ومتواضعا... استقبله المقدم بابتسامة كاذبة... اعتاد اصطناعها دائماً لمواقف كهذه... تلمَّح حمزة قليلاً... لقد عَرَفَ المقدم جيدا... رحب به ترحيبة صغيرة... وقال بلهجة الأمر:
- «خير إن شاء الله»
- «ثقتي فيك يا سيدي... تسمح لي أن أبوح لك بالسر الكبير... الذي عرفته خلال الأسبوع الماضي... أرجو أن يكون في وقتك متسعاً»
- «سر ماذا؟... هل يتعلق بالعمل؟»
- «تستطيع قول ذلك... ولكن... عَرْضُهُ يحتاج إلى وقت... هل تركب في سيارتي... نتمشى قليلاً... وأخبرك بكل شيء؟»
دغدغ الكبر نفس حمزة قليلاً... مما جعله يرفض هذا العرض المهين من وجهة نظره... لذلك قال:
- «لا...لا... بل تُقابلني في المكتب... بعد ربع ساعة»
- «هل عندك عمل في المكتب؟... أنا لا أريد إهدار وقتك... وتكليفك الذهاب إلى مقر العمل»
نظر حمزة إليه نظرة تأنيب معناها:
«هل تحقق معي يا وغد؟»
ابتسم المقدم... وهز رأسه... وانصرف.

2- في مكتب اللواء

وبعد ربع ساعة... كان المقدم يتقدم جهة الباب المهيب... طرق الباب بهدوء... وسمع حمزة وهو يقول:
-" ادخل"
حمزة الآن في مقر عمله... لم يكن يلبس زيه العسكري... ولكنه كان يعيش الهيئة نفسها... شيء من التعالي والشموخ... دخل المقدم... لقد كان يلبس الزيَّ العسكري كاملاً... بدا في ذلك شيء من الذكاء... أعطى المقدم التحية واقترب من حمزة وقال:
- «السلام عليكم»
- «أهلاً... أرجو أن يكون الموضوع مهمّاً... كما قلت... وإلا... سيكون مشواري إلى هنا ليس من صالحك»
- «اطمئن... ستعلم علم اليقين أن الموضوع أهم مما تتخيل... الموضوع بالضبط هو موضوع حسان»
- «حسان؟... حسان من؟»
- «المتَّهم في قضية القتل»
- «أي قتل؟»
- «قتل العجوز ضاحية»
- «لم أسمع عن هذه الجريمة»
استغرب المقدم من عدم معرفة اللواء بحدث مهم كهذا... أكمل اللواء قوله:
- «قل لي... ما هي أبعاد الجريمة؟... أنا أحب سماع قصص الجرائم... أين وقعت؟»
- « لقد وقعت هنا... في المنطقة»
- «وهل قبضتم على المجرم؟»
- «المجرم!... إلى الآن لم يُقبض عليه»
- «ولماذا أتيت إذاً إلى هنا؟»
- «هناك التباس في التحقيق... التباس يصعب على خبرتي القليلة أن تساعدني على الخروج منه... لذلك لم أجد بُدَّاً من اللجوء إلى صاحب الخبرة الأطول... لكي اسْتَرشد بآرائه وأفكاره... إنه بالطبع... اللواء حمزة... أستاذ الجميع»
تقدم حمزة قليلاً على مقعده... وأصبح في وضع نشوة واستعداد... ثم قال:
- «نعم... نعم... أحسنت... الخبرة... إنها العنصر الأساسي... في فك رموز الكثير من القضايا - البوليسية - »
- «لقد تم القبض على رجل... وهذا الرجل... في نظري الخاص... ليس هو الجاني الحقيقي... هناك تداخل في القضايا... وهناك خيوط متداخلة"
- " وما مبررك... في كونه ليس هو الجاني؟"
-" هناك عدة أسباب... توحي ببراءته"
- " ممتاز... قلها"
-" أولاً: لقد ثبت أن هذا الرجل... في وقت وقوع الجناية... كان متواجدا في عمله.
ثانيا: لم نجد أي دليل على جنايته»
- «إذن... أطلقوه... المسألة بسيطة»
- «لا... هناك عقدة أكبر"
- " عقدة... عقدة ماذا؟"
-" العقدة يا سيدي... تكمن في أن حسان هذا... يملك معلومات دقيقة عن الجريمة... وقد شرحها لي... ولكن... للأسف... لم يمكِّنِّي ذكائي من فهمها... لذا سألني بقوله:
- «من هو أذكى الضباط على الإطلاق؟»
قلت له:
-«إنه اللواء حمزة... هو الضابط العبقري... بحق»
قال اللواء حمزة في سعادة:
- «صحيح... هل  قلت له ذلك؟... هل قلت إنني عبقري؟»
- «نعم... بالتأكيد... وقد فرح كثيراً... وهو الآن على أحر من الجمر... ليقابلك»
- «متى يريد أن يقابلني؟»
- «إنه الآن في المستشفى»
- «سلامات... لماذا المستشفى؟»
- «للأسف... كنت حريصاً على نزع الاعتراف منه... بأي وسيلة... لقد أثقلت عليه نوعا ما في التحقيق...  لذا نقل للمستشفى»
- «ألف سلامة له... إذن سأذهب له في المستشفى... من المهم أن أرفع مَعْنَويّاته... وأيضا... عليِّ أن أتقصى أبعاد القضية... أنا فعلاً أملك الخبرة الكافية... ولدي قدرة كبيرة على تحليل الأمور... وسيثبت له ذلك بمجرد طرح أسئلته... أنا على استعداد للإجابة على أي سؤال... تصدق... ثقافتي واسعة جداً... لقد سافرت لفرنسا... وبريطانيا... وأمريكا... عدة مرات... ولديَّ كتب في المنزل... كتب كثيرة جداً... مسكين حسان هذا... الله يشفيه»
- «أظن يا سعادة اللواء... بأن ثقافتك الدينية أيضا... ما شاء الله!»
- «نعم... نعم... لقد قرأت تفسير الجلالين... وكتاب الكبائر... ورياض الصالحين»
- «فعلاً أنا لمست ثقافتك الإسلامية... والتاريخية أيضاً... حتما سينبهر حسان عند جلوسه معك... لن يصدِّق أن هناك عسكريَّاً يحمل كل هذه المواهب!!»
أعاد اللواء حمزة ظهره على الكرسي وقال:
- « إيه... صحيح... صحيح... بالضبط»
قال المقدم في تحمس:
- «ولكن يا سعادة اللواء... ماذا سأفعل بأوراق المعاملة؟... إنها الآن في مكتبي...  وحسان لا يريد أن يطلع عليها أحدٌ غيرك... حتى العميد... بالفعل... حسان يثق فيك... هذا أولاً... ثم...»
- «ثم ماذا؟»
- «ثم... هذا في صالح القضية... وفي صالحك أيضاً»
- «ماذا تعني... في صالحي أنا... كيف؟»
- «سعادة اللواء... إن اكتشافك لأسرار قضية غامضة... ومعقدة... كقضية حسان... مع أن أول شعرة فيها معروفة لديك... سيكسبك شهرة كبيرة... مع أنك أصلاً لا تحتاج للشهرة... شهرتك في كل مكان... ولكن... زيادة الخير خيرين»
- «صدقت... صدقت... زيادة الخير... الأمر كما تقول... بالضبط»

الفصل الخامس

1- البلاسم البشرية

نفسية ابتسام تتحسن... إنها أفضل من ذي قبل بكثير... أكثر شيء يسلِّيها في وحدتها... شعورها بانتصارها على ذلك اللص... لقد أنقذت ابنيها من خطرٍ داهم... وهما الآن بجوارها... إنها حقا نعمة كبيرة.
 صحيح أن ابتعاد حسان عنها... أشبه بخرم كبير في حياتها... ولكن... لا حيلة... إن نعمة الله عليها كبيرة... عندما نجت هي وطفلاها... ذلك فضل الله الكبير:
- " الله يبتلي الإنسان بالسراء والضراء... ليختبره أيشكر أم يكفر"
في هذه الأيام... ترتسم في ذهن ابتسام... بين الفينة والأخرى تلك الصورة المضيئة... إنها صورة جواهر... المرأة الطيبة... شعور جميل يخالج ابتسام... كلما انقدحت صورة جواهر... في ذهنها... إنها بلسم بشري... ووجود البلاسم البشرية... في هذه الدنيا... نعمة عظيمة:
- " ما أجمل أخلاقك يا جواهر!... لقد منحتني من علمك الفياض... ومن حبك الصافي... لقد قُذفت في قلبي السكينة... منذ أن رأيتك... وقدَّمت لي مشاركةً صادقة... في قضية حسان... أوه يا جواهر... إنك توشكين على الدخول في نوبة بكاء... كلما ذكرتُ لك حسان... كل ذلك مشاركة روحية في نكبتي الكبيرة... جواهر... إنك تتكلمين عن حسان بكل تقدير... نعم...  لقد جاورك فترة قصيرة... بالتأكيد... لقد رأيت من أخلاقه الكثير... وقدَّرت فيه نبله وصلاحه"

2- الخاتم

بعد صلاة العصر بقليل... طرق الباب... قامت ابتسام وفتحت الباب... ورأت المفاجأة السارة... لقد أشرق وجه جواهر... وأشرقت ابتسامتها الحزينة... ابتسام لا تدري لماذا كانت ابتسامتها سعيدة.
 إلا أن الموقف كان له صورة أخرى في ذهن جواهر... صورة مختلفة تماما... ألقت جواهر بصرها على أخاديد الحزن المرتسمة في وجه ابتسام... ثم على تلك الومضات السريعة التي انقدحت فجأة... مشهد مؤثر... أقصى غايات التأثير... لم تتمالك جواهر نفسها عندما رأت كل ذلك... لقد أصبح وجه ابتسام أكثر صفاء... تذكرت فيه للتـَّو... وجه حسان... مشاعرها انفجرت بشوق كبير تجاه زوجها... لم تجد جواهر باباً لتنفذ فيه مشاعرها... إلا أن ألقت بنفسها على صدر ابتسام... لقد ضمتها بحب خالص... وبدأت تمسحُ دموعاً غزيرة... اجتمعت من قبل... في محاجرها... كما اجتمعت هموم وأحزان جسام... من قبل... في قلبها الشفاف.
دُهشت ابتسام لتفاعل جواهر المحزن... مع قضيتها... قبَّلتها بين عينيها بحرارة... وقالت:
- «تعالي يا حبيبتي جواهر... اجلسي»
الجو متوتر... والسر الكامن وراء كل اندفاعات جواهر خافٍ على ابتسام... ولكن الجلسة التي استمرت لمدة تقارب ربعَ الساعة... كانت كفيلة بأن تهدئ كل الانفعالات السابقة... قامت ابتسام لتحضر الشاي... كانت مسرورة بدخول هذه المرأة في حياتها اليائسة... إن أوراقاً خضراء بدأت تنبت من جديد.
نظرت جواهر هنا وهناك... كل شيء في منزل ابتسام يذكرها بزوجها حسان... البريء... والمتهم بقتل ضاحية... منذ سُجن حسان وهي تعيد الشريط الجميل... لحياتها معه... ثم تعيده... وتعيده... لقد حفظته عن ظهر قلب.
 أرادت جواهر... أن ترى الجديد من حياة حبيبها... ولكنها لم تجد الجديد إلا عندما زارت ابتسام... هذه الزيارة... لقد رأت الجديد والجديد... بدأت تدقق النظر في كل شيء أمامها... نظرت إلى المقعد الذي تحتها... إنها تريد البحث عن أثر لزوجها السجين... قامت من مقعدها... دارت دورة صغيرة في الغرفة... وقفت قليلا أمام اللوحة الصغيرة المعلقة... تأملتها قليلا... هزت رأسها بحزن... ثم عادت لتجلس... وضعت يدها على المقعد... إنها تتحسسه... وتحدث نفسها:
                      -" هذا المقعد... لقد جلس عليه حسان... من قبل... كان الله في عونك يا حسان"
طأطأت رأسها قليلا... ألقت بصرها للجهة المجاورة للمقعد... عقلها يسبح في عالمٍ حالمٍ من الذكريات... ولكنها توقفت عن التفكير فجأة... وبدأت تدقق النظر... مدت يدها خلسة... وأمسكت بالخاتم الصغير... الملقى هناك في عفوية... بجوار المقعد... رفعته بهدوء... وبدأت تطالع فيه... دهشةٌ رهيبةٌ بدأت تتمالك بدنها... بدأت تحدث نفسها:
                      -" غريب... إنه نفس الخاتم... الذي أهديته لحسان... عندما كنَّا في مكة... كم هو خاتم عزيز على قلبي!"
 جواهر لم تشتر هذا الخاتم من عند بائع الخواتم... أبداً... إنه خاتم يساوي الكثير... لقد ورثته عن أبيها... إنه خاتم أبيها... الذي كُتب عليه اسمه من قبل... إنه أثمن عندها من كل ثمين... لذلك أهدته لِحسان... إنه الخاتم الذي لبسه أبوها من قبل... وكتب عليه «عمر عيدان»... ولبست أمها مثله... عند زواجها... لقد كتب عليه... «رحمة صادق»... أمها رحمة رحمها الله... التي ماتت ولم ترها ابنتها... ولم تعرف عن تفاصيل حياتها إلا القليل... حتى والد جواهر... عندما كان يتحدث عن أمها... كان يتحدث وفي قلبه صمت... صمت يشي بالحزن الدفين... ماتت رحمة منذ مدة طويلة... بالتأكيد... لقد فقد خاتمها معها... رحمها الله... أما خاتم والدها... فهو ما ورثته جواهر.... كأثمن ميراث... احتفظت به... لتضعه أخيراً في يد زوجها حسان... ولكن... لماذا وكيف سقط الخاتم من يد حسان؟... عن أي شيء يعبِّر هذا السقوط؟... هل هو الفراق بينه وبينها؟... أعوذ بالله... عادت جواهر لتطالع الخاتم من جديد... عيناها تدوران هنا وهناك... ولكنه خاتمها... إنه ملكها... هل يجوز لها أن تأخذه... ماذا لو رأتها ابتسام... أو عرفت أنها تأخذ شيئاً من بيتها؟... لا يهم.
أحست جواهر برغبة ملحة... في أن تقبل الخاتم... شيء ما جعلها تشعر أنها تقبل والدها وزوجها... قبلت الخاتم... ثم عادت لتطالع فيه من جديد... بصرها يتوغل في تعاريجه... ولكن:
-"  ما هذا؟... ما هذا الاسم؟"
شيء مدهش... مدهش بالفعل... لقد فوجئت جواهر... بأن الاسم الذي قبلته... ليس اسم أبيها... ولا اسم زوجها... ولكنه اسم «رحمة صادق»... إنه اسم أمها.

3- دُوار... في... دُوار

أي صعقة كهربائية سرت في جسدها... وأي مغناطيس جَذَبَ قلبها لهذه القطعة الحديدية... ولكن... أين ذهب اسم أبيها؟.... وكيف كتب اسم أمها هنا... مكان اسم أبيها؟... أو بالمعنى الأصح... أين ذهب خاتم أبيها؟... وكيف جاء خاتم أمها إلى هنا؟... أي لغز يذهل العقل... كلما فكر في حلة جواهر؟!.
أثناء دهشتها تلك... دخلت عليها ابتسام... مسحت جواهر... ما تطفل من دموعها بسرعة... وأخفقت دهشتها... ووضعت بكل هدوء خاتمها الفضي الذي أيقنت من كل قلبها أنه من حقها وحدها... وضعته في حقيبتها... وقالت :
- «أنا أستأذن»
نظرت ابتسام إليها في دهشة... وردت وهي ترفع يديها متعجبة:
- «تستأذنين!... ماذا تقولين؟... لماذا؟... ارتاحي قليلاً... أرجوك... على الأقل اشربي الشاي»
في حالة اضطراب كبيرة... ردت جواهر:
- «أحس بدوار شديد... أنا آسفة... رأسي يدور... ويدور... أرجو السماح لي بالذهاب»
- « لا...لا... حبيبتي... لن أسمح لك حتى تشربي كأسا من الشاي»
هزت جواهر رأسها موافقة... وبقيت جالسة... مر الوقت ثقيلا... ابتسام تتحدث عن أشياء هنا أو هناك... وجواهر صامتة... تجرعت بسرعة ما سكب لها في كأسها من شاي... بدا وأن عقلها لا يكاد يكون في رأسها... ثم قامت مستأذنة.
 وفي الدَّرَج الخارجي لمنزل ابتسام... لم تتمالك جواهر صبرها... لذا فتحت الشنطة وأخرجت الخاتم... وبدأت تقرأ... إنها تريد أن تطمئن على صحة ما وصلت إليه... قرأت ما أرادت... إنه بالفعل... خاتم أمها... نعم... إنه خاتم أمها... وهذه بالتأكيد... حلقة جديدة في الأسرار... التي لها أول... وليس لها آخر... في حياة امرأة مسكينة.

 

الفصل السادس

 1- حسان وحمزة

تقرر أخيراً خروج حسان من المستشفى... بالطبع لم يكن خروجه إلى مكانٍ يهواه قلبه... وإنما كان الخروج للسجن... حالة حسان الصحِّية ممتازة... اللهم عَرَجَةٌ في قدمه... إنه يحتاج كي يتغلب عليها... إلى عكاز... واللواء حمزة على أحر من الجمر... ليحقق معه... أو بمعنى أدق... ليثبت له... مدى المواهب التي قُذفت في كيانه العسكري.
لم يمض سوى يوم واحد على مقابلة حمزة للمقدم... والساعة الآن هي الحادية عشر ظهراً... وانتقال حسان للسجن... سيكون مباشرة بعد الظهر.
يدخل اللواء... وينظر هنا وهناك... ثم يسلم... وحسان يتكئ على يديه... محاولا الوقوف... تمر لحظات... ويقف حسان. 
يتقدم اللواء قليلا... ويدقق النظر في حسان... ويحدث نفسه في ثقة برأيه:
-" قسمات وجه المتهم.... لا توحي أبدا بالإجرام... إنسان من صنف نادر... شيء من الصفاء والصدق والإخلاص... إنها لا تكاد تخفى حتى على أغبى الناس... فما بالك بلواءٍ ذكي؟!"
تقدم حسان نحو خزانة صغيرة بجوار سريره... وأخرج منها حقيبة صغيرة... في حين جلس اللواء... على مقعد قريب... وبجواره يقف اثنان من العساكر.
ابتسم حسان... وأقبل من هناك... ليجلس بجوار اللواء... في حين تقدم نحوه العسكريان... وفتشاه تفتيشا دقيقا... خشية أن يكون قد أخفى في ملابسه أو شنطته... بعض قطع السلاح... التي قد يفكر في استخدامها... لقتل اللواء... والتضحية بأكبر قوة عقلية في التحقيقات.
لم يكن لدى حسان ما يريب... لذا تقدم... وعندما مَثُلَ أمام الضابط... كانت أعصابه أبرد من الثلج... ودقات قلبه أهدأ على كل حال من دقات قلب اللواء... قال اللواء:
- «سمعت أنك متهم»
- «وستعلم قريباً أنني بريء»
- «وهل تستطيع إثبات براءتك؟»
- «أنا بريء حتى تثبت إدانتي»
- «يبدو فعلاً أنك مثقف»
- «عفواً سيدي... ولكن  أسئلتك هي الأكثر ذكاءً»
تبلجت أسارير وجه اللواء... وحدث نفسه:
-" بالفعل؟... هل... تبدو... أسئلتي ذكية؟"
ثم أكمل:
- " قل لي...  ما هي الأدلة التي معك؟"

2- محامٍ... متمرس

ابتسم حسان في وجه اللواء... وبكل هدوء... فتح الشنطة التي معه... وبدأ يقلب فيها... ويخرج مفرداتها... قطعة قطعة... اللواء ينظر بتعجب... وكل شيء أمامه بدا لافتا للنظر.
بدا حسان مضطربا بعض الشيء... الخاتم... لقد أدرك حسان... أن الخاتم المهم جداً... غير موجود هنا... فوجئ لذلك... ولكنه... سيتجاهل الأمر.
 بدأ حسان عمله... إنه يتحدث لإثبات براءته... بكل مهارة واقتدار... بدا وكأنه من أكبر المحامين... إنه يعتمد على البراهين التي أمامه... الضابط مندهش لكل ما يرى ويسمع... تمنى الضابط من كل قلبه لو أنه في ذكاء حسان... أو حتى في نصف ذكائه... إذاً لكان ساعتها... إذن... عريفاً... أو بوَّاباً لإحدى العمارات!... حمدَ الله على ما معه من مواهب... وأكمل سماع التحليلات.
وبعد نهاية العرض الذي قام به حسان... أعاد اللواء ظهره على ظهر المقعد... شعر وكأنه انتهى من رؤية فلم سينمائي... إنها حقاً قضية صعبة... كل شيء يثبت براءة حسان... ولكن... التهمة المقدمة... تجاه الجاني... شيء صعب... الرجل الذي أثبت حسان أنه الجاني لا يمكن القبض عليه بسهولة... المسألة تحتاج دراسة لمدة أطول.
اللواء تناول القلم... وكتب بعض الكلمات... ثم  نظر إلى حسان مبتسماً وهو يقول:
- «ستخرج قريباً جداً... أنت بريء... لا يوجد أي حاجة لبقائك في السجن... ولكن نريدك أن تبقى قريباً منَّا... قد نحتاجك في أي وقت... وهذه الشنطة... نريد أن تكون معنا»
هز حسان رأسه... ثم رد بقوله:
- « أشكرك على تفهمك للموقف... ولكن... الشنطة... أنا أعتذر... هذه الشنطة... فيها ما هو أثمن من حياتي... لن أستطيع التخلي عنها أبداً... ولكن... تستطيع أخذ صور ونُسخ... من الأشرطة والأوراق»
- «المسألة هكذا معقولة»

الفصل السابع

1- رائحة الحرية

مرت عشر ساعات كاملة... ثم عشر ساعات أخرى... الوقت الآن يقارب السابعة صباحاً... بالأمس... مَثُلَ حسان بين يدي اللواء... والغموض لازال يلف القضية من جميع جوانبها.
شخص واحد... درس مع عدد من المحققين... جميع الأبعاد الهامة... إنه اللواء حمزة... لقد استطاع بفضل حسان أن يخرج من قوقعته... إنه يشعر بقدرة عقلية هائلة...  تثور في وجدانه... وأخيراً صدر القرار بالإفراج عن حسان... فوراً.
لحظات سعيدة هي تلك اللحظات... التي عرف فيها حسان خبر الإفراج... كأنها لحظات بيضاء... انفلتت من بين ساعات الزمان السوداء... كم هي لحظات الزمن البيضاء بالنسبة لسنواته السوداء... إنها كالخردلة... بالنسبة للصحراء... يجب على حسان أن يستغل هذه اللحظات السعيدة... ليمحو الآلام التي أطنبت بجذورها حتى وصلت أعماق قلبه... حسان لن يُضيِّعَ أبداً أي لحظة جميلة... ولكن... كيف تراه سيستغلها؟.
ويمر الوقت... حسان ابتسامته تكسو وجهه... إنه الآن يخرج من السجن... ويشم الهواء الطلق...  وعسى أن يكون ذلك إلى الأبد.
وفي الوقت ذاته... تصل سيارة السجون... وبداخلها يجلس رجلان... إنهما مكبلان بالحديد... أدهش حسان رؤيته لهما في السيارة المشبكة بالحديد... أحد الرجلين... هو الشخص الذي وجه حسان إليه التهمة... لقد دقق في ملامحه... وعرفه جيدا... إنه العميد المتعاون في الجريمة... أما الرجل الآخر فلم ير حسان وجهه ولم يتحقق من شخصيته... لقد حاول وحاول... ولكن دون فائدة.
انصرف حسان بعيداً... ودخل الرجلان السجن... لتُستكمل التحقيقات معهما... كما بدا لحسان.
تناسى حسان الرجلين... إن لحظاته السعيدة... أثمن عنده بكثير... من أن تضيع بتفكيره في هذين المـتـَّهمين... عليه أن يفكر بابتسام وابنيها... ويفكر أيضاً في جواهر:
-" الله يا جواهر... كم أنا مشتاق إليك!... لقد تغيرتُ كثيراً... بالطبع... أنا الآن لست كحسان السابق... لقد تفجَّرت في داخلي براكين لم أتوقع أن تنفجر ذات يوم... أنا في السابق... كنت طفلاً لم أبلغ سن الرشد... وأنا الآن ناضج... لقد مَرَرْتُ بتجربة السجن المريرة... ليس سجناً عادياً... وإنما هو السِجْنٌ بظلم... إنه سجن بشع... نهاية عقابه الإعدام... لم يكن بيدي حيلة... كان علي أن أُفجِّر كل طاقاتي لأنجو بنفسي البريئة... وأعود إليكم... لقد وجدت أن الإنسان في أيام الرخاء... ليس كالإنسان في أيام الشدة... أنا في السجن أصبحت... أحد الدُّهاة... أصبحت محنَّكاً بمعنى الكلمة... أصبحت أشك في كل شيء... وأهتبل كل فرصة"

2- مع ابتسام

حسان يشعر بالنشوة... إنه يركب سيارة الأجرة... الذاهبة إلى منزل ابتسام... حدث نفسه:
- " الحق... والعدل... لن يقف الباطل والزور أمامهما... مهما كان تعقيده... لذلك... فمن الواجب على المؤمن... أن يتوكل على الله"
وقفت السيارة في أثناء ذلك... ونزل حسان... كأروع نزول ينزله... واستقل قدميه مسرعاً قدر طاقته... حسان يعرج قليلا... بالطبع... كان السبب في ذلك... تلك الرصاصة التي أطلقتها عليه ابتسام من قبل... إنه يُسرع بعرجته تلك... متجها نحو ابتسام... ابتسام ذاتها... والعرجة التي سببتها له... لا تعني له شيئا... لأنه يحس بمدى إخلاصها له... ومدى حبه لها... دخل حسان لمنزله... ووضع وزره هناك... حيث استقبلته زوجته... كما تستقبل الأرض العطشى قطرات الماء... كان لقاءً تطرب له كل زهرة تستقبل نحلة... أو فراشةً بديعة الألوان.
 دموع الفرح تلاحمت... ورقصت القلوب... وبدت الجلسة بديعة حينما أقبل من هناك... طفلا حسان... وتناسى حسان الرصاصة... وتناست ابتسام اللص... هذا المكان ليس مكان دموع... وإنما هو مكان شكر لله.
قالت ابتسام... أثناء قيام حسان لاستقبال طفليه:
- «ماذا يا حسان... لماذا أنت تعرج؟»
- «أوه... هـ...هـ... هـ... إنها بالطبع...  من آثار التحقيق»
كذبة جديدة... بيضاء...- إن صح أن هناك كذباً أبيضَ-... خرجت من فم حسان... ولكن... لابد يوماً أن تكشف لها الحقيقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق