الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها "رواية " الجزء الخامس

الجزء الخامس 

الفصل الثامن عشر

1- الماء البارد

طُرق الباب... ثم طُرق... ثم طرق... لم يجب أحد... عزم الطارق على الذهاب... ولكن... سُمعت أصداء حذاءٍ قادم... لعل لابس الحذاء قد قرر فتح الباب للطارق... ولكن... للأسف لم يُفتح الباب... الطارق... عاود الطرقَ... وأخيراً... فُتح الباب.
 لا أحد يستطيع تحديد هوية الشخص الذي فتح الباب... إنها امرأة... ولكن... من هي يا ترى؟... المنزل هو منزل حسان... والطارق هي العجوز عائشة... والذي فتح الباب امرأة تأخذ الكثير من ملامح ابتسام... ولكن... من المستحيل أن تكون هذه المرأة... هي ابتسام... إنها امرأة أكل عليها الدهر وشرب... من مائدة الهموم والآلام العامرة.
-" السلام عليكم "
-" عليكم السلام... أي خدمة؟ "
-" هل ابتسام موجودة؟ "
-" أنا ابتسام تفضلي "
دخلت زوجة جابر... أذهلها أن هذه الفتاة... هي الفتاة التي كانت مضرباً للمثل... في الجمال... حدثت نفسها:
-" بكل هذه السرعة... يذهب كل شيء... ما أقبح الدنيا... إذا كشَّرت عن أنيابها... في وجه إنسان... إنها ستسخر منه كثيراً... ولن تسمح له أبداً أن ينتقم لنفسه منها"
جلست المرأتان... وعرَّفت عائشة بنفسها قائلة :
-" أنا عائشة... زوجة الشيخ جابر... إمام المسجد... أنا فقط أقوم بزيارتك... لوجه الله... ولكِ عندي مفاجأة سارة "
أُطبق الجفنان الذابلان... على العينين الحزينين... وقالت صاحبتهما... في سخرية:
-" السرور؟... ومن أين يأتي السرور؟... وعما قريب... سأسمع نبأ القصاص... بحسان... أسأل الله العون... عند سماع ذلك الخبر... أنا لا أدري كيف أسمعه... أو... كيف أفهمه... ولكني... حتماً سأحفظه للأبد... رحمك الله يا زوجي"
 وانفجرت ابتسام ساعتها... ببكاء مر.
أدركت عائشة... مدى حرج الموقف... الذي تقف فيه الآن... وأدركت أيضاً... مدى أهمية حسن التصرف... في مثل هذه اللحظات الحرجة... لذا قالت :
- " اطمئني... يا حبيبتي... ستموتين قبله "
نظرت ابتسام إلى عائشة باستغراب... في حين أدركت عائشة... أنها أساءت اختيار العلاج... الذي بدأ الآن... وكأنه سم زعاف.
أدرك الحرجُ عائشة أكثر وأكثر... وبدأت تنظر هنا وهناك... لتبحث عن كلمات أفضل... ولكنَّ ابتسام ابتسمت... ربَّ رمْيَةٍ من غير رامٍ... قالت ابتسام :
-" أنا سأموت قبله؟... ربما "
-" لا عليك... وأنا سأموت قبلك وقبله... صدقيني "
في تلك اللحظة... ضحكت ابتسام... بهدوء... ضحكة صغيرة... مع أن ضحكة كتلك... لم يُقدَّر لابتسام... أن تخرجها... منذ دخل حسان للسجن... حتى عضلات وجهها... قد نسيت الضحك... لذا خرجت الضحكة مشوهة... ولكنها على كل حال... كفيلة بمسح الكثير من الهموم... قالت ابتسام :
-" لقد أحببتك كثيراً منذ رأيتك... زوجي كان يحب العم جابراً "
-" لم تسأليني عن المفاجأة... على كل... أنا سأتطوع وأقولها"
-" تفضلي"
-" لقد أثبتت التحقيقات الأوَّلية... براءة زوجك "
نظرت ابتسام إليها باستغراب... وقالت في ذهول:
-" كيف؟! "
-" أقول لك كيف... حسان... حين وقوع الحادثة... كان في عمله... جميع زملائه شهدوا بذلك "
-" وكيف عرفت؟ "
-" لي مصادري الخاصة... لا...لا... أمزح... الحقيقة أن زوجي يعرف أحد المحققين... وهو الذي أخبره اليوم... بهذا الخبر... وأرسلني لأطمئنك "
ضمت ابتسام العمة عائشة... بحرارة... وقبلت رأسها وهي تقول:
-" وماذا أيضا ؟"
-" لا شيء... المهم أنني سأزورك كل يوم... بالطبع... إن لم يكن هذا يزعجك"

 

2- شيء من المال

الأجواء المخنوقة... تتجه لشيء من الانفراج... بسبب وجود عائشة إلى جوار ابتسام... فتحت عائشة حقيبة يدها... وأخرجت ظرفا صغيرا... ومدته نحو ابتسام وهي تقول:
- " خذي هذه... ألف ريال... اعتبريها ديناً... أعطاني إياها زوجي... وعندما يخرج حسان بالسلامة... سيعيدها... لن نطلب زيادة... الربا حرام... هـ... هـ...هـ "
لم تضحك ابتسام لهذه النكتة... الساذجة... من وجهة نظرها... ولكنها قالت:
-" شكراً... لسنا في حاجة المال... نحن في حاجة شيء واحد... إنه حسان "
- " أقسم أن تأخذيه... أتريدين أن يضربني جابر... عندما أعود وأنا أحمل الألف... هـ... هـ "
لم تضحك ابتسام من هذه النكتة أيضاً... وعلى عائشة ألّا تكثر من النكات... في مثل هذا الموقف... وضعت عائشة النقود... على الطاولة الصغيرة... أمامها... ثم أكملت:
-" اسمعي يا ابتسام... غداً سيكون لديك ضيوف... هنا في منزلك "
-" ضيوف؟... أهلاً بهم... ولكن... من يكونون؟ "
-" الضيوف يا عزيزتي... هل تعرفين تلك المرأة... التي استأجر حسان في منزلها مكتبا؟"
-" لا... لا أعرفها"
-" على كل... لقد صُدمت كثيراً لما أصاب حسان... وقررت أن تأتي لزيارتك... ومواساتك "
-" نعم... نعم... جزاها الله خيراً "
-" سأحضر أنا وهي... وسآتي معي بالقهوة والشاي... وبقية الأغراض... لا تُتْعبي نفسك بإعداد شيء "
-" المسألة بسيطة جداً"
-"لا... لا... والآن... أتركك في رعاية الله "
خرجت عائشة... تلك المرأة البسيطة الطيبة... وبقيت ابتسام جالسة تتأمل... إنها تشعر وكأنه سُكب كثير من الماء البارد داخل الفرن الحار الذي يحترق في جوفها... صحيح أن الفرن لم تنطفئ ناره... ولكنه على كل حال... أصبح أقل حرارة من ذي قبل... لقد بدأ الأمَلْ الباهت... يدغدغ آمالها من جديد... بعد أن أُغلقت جميع الأبواب في وجهها .

الفصل التاسع عشر

1- جواهر... تتنكر للحزن

على طرفٍ آخر... قرع الجرس... ثم قرع... ثم قرع... وأخيرا... فُتح الباب... جواهر... تبدو هناك... في الداخل... وعائشة تبدو هنا... في الخارج.
لم تكن جواهر حزينة كما يجب... لا لشيء... إلا لأن حزنها نضَبَ وانتهى... إنها حزينة منذ خلقت... أصبحت في أوقات الحزن... تشعر أنها تعيش حياتها الطبيعية... إنها لا تعرف كيف تعيش حياتها الطبيعية... دون حزن... ولهذا... بدت جواهر... بهذه الطريقة.
ولكن عائشة سعدت أيما سعادة... عندما رأتها بهذه الصورة... قالت جواهر:
- " تفضلي... أهلاً وسهلاً... لقد أتيتِ في وقتك... وأنا أريد منك خدمة "
دخلت المرأتان... وعندما جلستا... قالت عائشة :
_ " أنا رهن أمرك "
-" لقد قررت زيارة ابتسام... لابد وأن حالتها سيئة... وكما قال لي حسان سابقاً... هي لا تستطيع العيش بدونه... كان الله في العون... إنها تحبه كثيراً... مسكينة... أنا لا ألومها... مثل حسان... كلٌ يحبه... هيه يا دنيا... عليّ أن أقف إلى جوارها... كلنا مصابون... وفي هذه الظروف الصعبة... يجب على كلينا أن يتذكر الآخر "
-" وكيف عرفت يا جواهر؟... لقد أتيت هنا لكي أطلب منك الذهاب معي لابتسام "
-" صحيح... الحمد لله... قلوب المؤمنين تتقارب "
-" نعم... وقد أخبرتها أنني أنا وأنت... سنأتيها للزيارة... غداً بعد العصر "
-" هل عَرَفَتْ شيئا عن موضوع الزواج؟ "
-" الزواج؟... كلا لم تعرف "
-" ماذا قلت لها إذن؟ "
-" بسيط جداً... قلت لها... إن صاحبة العمارة الكبيرة... التي استأجر فيها حسان المكتب... تريد مواساتك "
-" أريد مواساتها؟... نعم... نعم... صدقيني يا عائشة... أنا أحس أن نكبتي أكبر من نكبة أي إنسان... أنا أيضا أحتاج لمواساة"
-" الله يصبّرك يا جواهر... الأجر عند الله... لا يضيع "

2- محقق... آخر

الضابط المحقق... برتبة مقدم... هناك... جالس خلف مكتبه... وفي يده كتاب أزرق... يقرأ فيه دون فهم... ويدق بإصبعه على حافة الطاولة... إنه يريد معرفة آخر أساليب استجواب المجرمين... ولكنَّ قدراته لا تسعفه كثيراً... عليه أن يلجأ لمن يشرح له هذا الكلام المعقد... إنه أشبه بألغاز... علم نفس... علم اجتماع... فسيولوجيا النمو... الميول الإجرامي... الآيديولوجيا... سكيولوجيا... ما هذا الكلام الفارغ؟.
وفي أثناء ذلك... يدخل الحارس بملف أحد المساجين:
-" سيدي... هذا هو الملف"
-" هذه مشكلة... مشكلة كبيرة... بالفعل... وما دخلي أنا؟... تغيب المحقق الذي تقع القضية تحت مسئوليته... مريض... كما وصلت الأخبار... هل يعني هذا... أن تقع الأعمال كلها على رأسي؟... يجب أن تبقى القضية في عهدته... إلى أن يعود"
-" صحيح سيدي"
تناول الضابط الملف... وبدأ يقلب فيه... ثم قال:
-" هذه القضية... مهمة!... جدا!... وعاجلة!... جدا!... ولماذا؟... هل على رأسها ريشة؟... كثير هي القضايا التي تتأخر!... المتهم... اسمه... حسان... وماذا إذا كان اسمه حسان؟... أو حسون!"
-" صحيح سيدي"
-" والمحقق... المحقق المتغيب... استلم القضية من قبل... وحقق مع المتهم... ولكنه لم يدون إجراءات التحقيق... بشكل جيد... إهمال في إهمال"
-" صحيح سيدي"
-" ثم تغيب... لأنه مريض... وما يدريني أنه مريض بالفعل؟... قد يكون كاذباً... يريد قضاء عدة أيام في نزهة ما... وسيحضر إجازة مرضية... بطريقة ملتوية"
- " نعم سيدي"
-" ثم... هنا... انظر هنا... إنها أوامر صارمة... من الجهة الأعلى... القضية يجب أن تثبت على حسان... لا مجال للخيار... أهمية الاستعجال في انتزاع الاعتراف"
تقدم العسكري لينظر... وكان يردد:
-" صحيح سيدي"
نظر الضابط للعسكري الواقف أمامه... ثم انتهره في شدة:
-" أنت!... ماذا تفعل هنا؟... انصرف"
ارتبك اعسكري... ثم انصرف... في حين استمر الضابط في قراءة أبعاد القضية... ويحدث نفسه:
-" يبدو أن هناك مشكلة... ولكن... أين تكمن العقدة؟... أين؟"
 قرع الضابط الجرس المعلق في الجدار بجوار مكتبه... مرت لحظات... بعدها دخل عسكري برتبة عريف... قال له الضابط:
- " أحضر لي هذا المتهم... المدعو حسان... الآن"
بدأ الضابط يسترخي على كرسيه... وأسلم عقله للتفكير بذكاء أكبر... كان يحدث نفسه:
-" الإهانة... بالطبع... هي أول خطوة يجب أن نتعامل بها مع المجرمين... بالفعل... إن هؤلاء المجرمين... تهتز كل أعصابهم... بمجرد تحقيرهم أمام أنفسهم "

3- تجربة مع محقق آخر

لحظات مرت بسرعة... بعدها طُرق الباب... ودخل حسان... إنه مكبل... وأحزانه تسبقه... وأيضا تتبعه... ولكن مفاجأةً كبيرةً أدركته... عندما رأى وجه المحقق الجديد:
-" هذه بالفعل... مشكلة"
لم يكن حسان يتوقع أن يحقق معه محقق آخر... إن هذا يعيده للطريق من أوله... عليه الآن أن يُعيد التجربة نفسها... ويعيد البراهين نفسها... لإقناع المحقق... بأنه ليس الجاني.
حسان قرر أن يخوض التجربة من جديد... ليس ثمة حل آخر... تقدم حسان أكثر...كان يقظا متنبها... في حين حمل الضابط كوباً من الشاي الحار... كان يشرب منه... وبكل استهتار... رمى بالشاي... على ملابس حسان... ثم ألقى نحوه بنظرة نارية... بعدها صرف وجهه للجهة الأخرى.
 تحرك حسان بسرعة... كي يتلافى الشاي الحار... وبالفعل... استطاع أن يتلافاه بصعوبة.
ولكنه في الوقت ذاته... أدرك أن عليه أن يتهيأ نفسيا... ليتلقى إهانة من نوع ما... تحدث الضابط... دون أن يلتفت نحو حسان:
-" أنت... هل أنت حسان؟"
لم ينطق حسان بكلمة... استدار الضابط بهدوء وثقة... ثم ألقى بصره بحدة... نحو حسان... ثم مد يده ليفتح علبة السجائر... أخرج سيجارة وهو لا يزال يطالع في حسان... أشعلها... ثم اتكأ من جديد على الكرسي... وقال وهو ينفث الدخان من منخريه وفمه:
-"شكلك يوحي بالإجرام "
كاد حسان يقول:
-" أما شكلك أنت... فيوحي بالبراءة؟ "
ولكنه صمت... في حين أكمل الضابط:
-" وحتى الآن... لم تُوقّع الاعتراف... ولا يحزنون... أمر مذهل... ولكنك اليوم ستوقعه"
ألقى حسان بنظرة نارية... ورد في ثقة:
-" في حالة كوني مجرماً... سأوقع... أما إذا كنتُ بريئاً... فالبريء يلزم الشرطة أن يقفوا معه... لا ضده... عليهم أن يساعدوه... من أجل العدالة... على كلٍ... أنا أستغرب جداً... القاتل المجرم... يسخر منكم الآن... ويستهزئ... لأنكم لا تعرفون عنه أي شيء... وأنتم... تسخرون من البريء... وتستهزئون به... أمركم عجيب "
تقدم الضابط ببدنه قليلا... ووضع كفيه على الطاولة أمامه... وقال في استفزاز:
-" أنت جرىء... ولسانك يلزمه القص "
شعر حسان بشيء ما... يعتلج في نفس المقدم... حدث نفسه:
-" أمر غريب... الضابط قال هذا الكلام... ولكن... بدا وأن قلبه يخفق"
في الوقت ذاته... كان الضابط يحدث نفسه:
-" ما الذي حصل... يا ترى؟!... إنه أمر مخجل... قلبي أنا... المحقق الكبير... يَخْفِقُ... وقلب المتهم... الذي أمامي... صامد... مستحيل"
صمت الجميع هنيهة... وبدأ دور حديث الأعين... نظرات حسان تجول في المكان... إنها كما هما دائما... صادقتان صارمتان... قادرتان على التحدث بقوة... ولا يمكن لأحد تجاهلهما... مهما بلغ غباؤه.
في هذه الأثناء... مسح المحقق جبينه... وبدأ يشعر أن عرقه يتفصد... أطفأ السيجارة... لقد قرر ألا يواصل التحقيق بطريقته الرعناء... شموخ حسان يزيد... قال الضباط :
-" قل لي يا ولد... بماذا تريد إثبات براءتك؟ "
-" بماذا تريدون أنتم إدانتي؟... ما هي حجتكم؟... سأختصر عليك الطريق... ستقول... البصمات... وربما ستفرح كثيرا حين تقول هذه الكلمة... وستشعر... أنك أتيت بجديد... ولكنك كمحقق خبير... مدرك لطبيعة عملك... تعلم جيداً... أن البصمات التي وجدتموها... لا تكفي أبداً لإثبات التهمة... لسبب بسيط... هو أنني دائم الزيارة لهذه العجوز... فأنا أقوم على رعايتها... على كلٍ... إن كنتم تريدون معرفة الجاني... من أجل إكمال التحقيق... فأنا أيضاً أريد معرفته... من أجل أخذ الثأر"
ابتسم الضابط... في حين أكمل حسان بحزم:
-"  أنا هنا لا أمزح... أنا جادٌ جداً... الجاني الحقيقي قتل المرأة... التي هي في منزلة أمي... أمركم حقا غريب... كيف يُحقَّقُ معي أنا... على أنني القاتل... ويترك البحث عن الجاني الحقيقي... أم أنكم تريدون إراحة أعصابكم... من البحث والتحري... لذا فأنتم تأخذون أقرب من تصادفون... هذا أبداً لا يليق... هذه إهانة للعدالة... التي استؤمنتم عليها... إنها أمانة... إما أن تكونوا على قدرها... أو اتركوها لغيركم... ثم إن التقارير واضحة... بأني حين وقوع الجريمة... كنت في عملي... ولكن... أنت... قل لي... ما حجتكم في إلقاء التهمة عليَّ؟ "
صمت الضباط... لقد أصيب بالبرود ذاته... الذي أصيب به المحقق الأول... وبالفعل... بدأ يتساءل في نفسه:
-"أمر غريب!... ولكن... لماذا جاءت الأوامر العليا؟... بحسم القضية... وبوجوب انتزاع الاعتراف... وبأسرع وقت"
أعاد الضابط النظر إلى حسان... ثم جلس باهتمام أكثر... وبدأ في تقليب ملف القضية... وبدأ يتساءل:
-" هل يعقل هذا؟... أنا محقق ذو خبرة... كبيرة... بالطبع... ولكن... كما ذكر هذا المتهم... إنها أمانة... الأمانة تبرأت منها السماوات والأرض... ولكن... هل وظيفتي تتحدد في انتزاع الاعترافات؟... أم في التحقيق وبحث الأدلة؟... بالتأكيد... هناك سرٌ كبير... والضابط الكبير... الذي يطالب بنزع الاعتراف... ربما كان على علاقة بالقضية!... هل يمكن؟... هل هناك طبخة من نوع ما؟"

الفصل العشرون

1- زيارة خاصة

وضع قدمه على كابح السيارة _ الفرامل _  وبدأ يضغط بهدوء... وفجأة... ضغط بقوة... وأحدثت الإطارات صريراً صغيراً... وتقدمت رؤوس الركاب الثلاثة للأمام قليلا... وقالت المرأة بجواره:
-" بسم الله... بسم الله"
أخيراً وصلت السيارة... التي يقودها محمد بن جابر... ويركب فيها كل من عائشة وجواهر... إنهم الآن بجوار منزل حسان... وابتسام بالطبع.
 للأسف... حسان في السجن... أما ابتسام فهي في الداخل.
جواهر تشعر بقشعريرةٍ كبيرة... تسري في جسدها... وتحس أيضاً بدمعة تجري على خدها... هناك اضطراب يخالجها... اضطراب من نوع خاص... جواهر لأول مرة... تشعر أنها تقوم بعملية خداع... لا تدري لماذا... ولكنها تشعر بذلك بالفعل:
-" ابتسام حقا مظلومة... أشعر أني سلبتها حقا من حقوقها... أنا لا أحب الظلم... كيف ينتهي بي مطاف الحياة... لأن أظلم... أنا أحب العدل... لماذا إذن تخليت عن مبادئي... هل تناسيتها؟... ولكن... التعدد في الزواج ليس ظلماً... أبداً... عندما ينظر إليه من وجهة إنسانية... يا رب... لا تؤاخذني بما فعلت"
دخلت المرأتان إلى المنزل... جواهر وعائشة... بعد أن استقبلتهما ابتسام بغير قليل من الحفاوة... والغريب أن جواهر كانت قَلِقَةً من مقابلتها لابتسام... وكانت بصراحة تخاف منها... لكنها الآن اطمأنت كثيراً... لقد رأت امرأة هادئة مؤمنة صابرة... لقد أحبتها من كل قلبها... ولكن:
-" لا غرابة... فهذه زوجة حسان... الرجل العظيم... الذي وللأسف أصبح الآن مجرماً... لا يهم... ستظهر براءته قريباً... المهم أن أمسح دمعة هذه المرأة الطيبة... وأن أدخل السعادة على قلبها... إنها تُذَكِّرني بزوجي... إن لها حقاً عليَّ... لأنها تحبه... أنا أحب زوجي... وأحب كل من يحبه... أما كلمة ضُرّة... فهي كلمة لا معنى لها... أبداً... ما دامت القلوب صافية"
ابتسام... لقد كانت قلقة جداً بشأن المرأة الزائرة:
-" إنها صاحبة عمارة كبيرة... وأملاك... وبالطبع هي ثرية... أنا لا أحب الأثرياء... لأنهم يعيشون الحياة بطريقة متكلَّفة... ولا أحب التكلف... لأنه نوع من أنواع الكذب المغلَّف... وأحب أن تسير الأمور على طبيعتها... هناك فرق كبير... بين أن ينساب الماء في الجدول بطريقة طبيعية وبين أن تدفعه المضخات... حياة المترفين هي ذاتها حياة المضخات"

2- امرأة متواضعة

في تلك الجلسة الهادئة... بدا الانسجام بين النسوة الثلاث... هناك شيء مفقود... أمَالَتْ ابتسام رأسها جهة عائشة... وقالت في همس:
- " أين هي صاحبة العمارة؟... ألم تخبريني أنها ستأتي معك؟... لماذا لم تأت معك؟... ثم من تكون هذه المرأة التي جاءت معك؟ "
هكذا سألت ابتسام... لقد كانت تتوقع أن صاحبة العمارة امرأة في غاية الأناقة...  وفي غاية التكبُّر... وفي غاية احتقار الآخرين... وفي غاية الاعتداد بالنفس... ولكن... بالنسبة لهذه المرأة... فقد انشرح قلب ابتسام لها... هذه الزائرة الجديدة... أعجبت ابتسام بتواضعها... وأدبها... وصفائها... لم تكن تتوقع بأي حال أن تكون هي ذاتها... صاحبة العمارة... المرأة الثرية... قالت عائشة:
- " لم أُعَرِّفكن على بعضكن... هذه جواهر بنت عمر... صاحبة العمارة... وهذه ابتسام... زوجة حسان الأولى "
لم تدرك عائشة مدى فظاعة الخطأ الذي قالته... لكن جواهر قالت:
-" والأخيرة إن شاء الله "
ردت ابتسام بقولها:
-" الأخيرة... الأولى... الأهم أن يعود حسان "
-" صحيح!... أقصد... لا يهم... أقصد المهم أن يعود حسان بخير "
-" نعم المهم أن يعود حسان "
قالت جواهر وهي تبتسم:
-" لقد استأجر زوجك المكتب... مني... تصدقين... لقد حلَّت البركة في المنزل كله... إنه رجل متدين... وحسن الخلق... والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً"
-" صدقيني أختي جواهر... لقد ارتحت لك منذ رأيتك "
-" وأنا كذلك... والله... أصبحت أحس أنك مثل أختي "
تَفَاءَلتْ جواهر كثيراً بهذا الاستقبال... يبدو أن ابتسام متقبلة لأمر التعدد... ولكن ماذا سينفع ذلك... إذا كان حسان في السجن... أو... لا قدَّر الله... حُكم عليه بالإعدام... أعوذ بالله.
استمرت الأجواء التي تحيط بجلسة النسوة الثلاث هادئة... وتآلفت القلوب أكثر وأكثر... وأحست كل من ابتسام وجواهر أن كثيرا من الهموم انزاحت عن قلبيهما... ووعدت ابتسام ضرتها بالزيارة... كان وجود عائشة أشبه بوجود القبس الذي يضيء طريقة القلوب لبعضها.

الفصل الحادي والعشرون

1- خطبة ثالثة لحسان

بدأ الضابط المحقق يكتب آخر ما توصل إليه... لقد قرر أن يكتب ما يمليه عليه ضميره... وما أملته عليه من قبل عيني حسان... وملامحه الصادقة... الدنيا ستزول... والظلم ظلمات.
 دون الضابط التحقيق... ثم كتب النتيجة التي توصل إليها... والتي تشير إلى أن  جميع التحقيقات تدل على براءة حسان... مئة بالمئة... ولا يوجد دليل واحد يدينه... ومن الأفضل ألا يضيَّع الوقت في التحقيق مع شخص برىء... في الوقت الذي ينعم فيه الجاني بكامل حريته... وارتفعت أوراق التحقيق.
توقع المقدم... أن يَصدر تصديق القرار... من المسئول الأعلى رتبة... وأن يكون القرار متضمنا لإخراج حسان من السجن... وهذا أمر طبيعي.
 الغريب جداً... أن خِطاباً يحوي شيئا من التوبيخ... ويفيد أمرا بوجوب انتزاع الاعتراف... من حسان... بأي ثمن... ومن ثم... توثيقه بأسرع وقت... بغض النظر عن ملابسات القضية.
ومع قراءة الضابط... لهذا الخطاب... شعر بشيء من الذهول:
-" هذا أمر مُهين... نعم... لم يعد للعدالة أي قيمة... ولم تعد كلمة الحق تحمل قداستها المعروفة"
لقد بدأ الضابط الآن يكتشف السر وراء تَغيب المحقق الأصغر منه... وادعائه المرض:
-" مؤكد... هذا شيء  يطاق"
نظر الضابط المحقق إلى الكتاب الأزرق... الذي أتْعَبَ نفسه شهوراً لفهمه... ولم يخرج بنتيجة... حمله... ثم ألقى به في سلة المهملات... ورفع مصحفاً من الخزانة المجاورة... قد تراكمت عليه الأتربة... ومرت عليه آماد وآماد... دون أن يُفتح... ولم يُقرأ منه كلمة.
 لا يدري الضابط لماذا شعر بحنين كبير... تجاه المصحف... ولكن نظرات حسان لازالت تُسيِّر كثيراً من تصرفاته... إنها بلسم جميل... إنها سحر حلال... إنها تَبُثُّ الدفء في كل قلب قاسٍ... أحس الضابط المحقق أن حسان لو رآه بهذا الشكل... وهو ممسك بالمصحف... حتما ستلمع عيناه سروراً... وربما سيبتسم.
 قلَّب الضابط بعض أوراق المصحف... وبدأ يقرأ ويهز رأسه :
) فلما رأينه أكبرنه... وقطعن أيديهن... وقلن حاش لله... ما هذا بشرا... إن هذا إلا ملك كريم(
نظر الضابط إلى السقف في تأمُّل... لم يخطر بباله سوى صورة حسان:
-" إن صورته تسْلُب اللب... إنه أشبه بِمَلَكٍ كريم... الله... ليته يتقدم لخطبة ابنتي الكبرى... إذن لزوجته فوراً... سِتُّ بناتٍ... عمر أكبرهن... ثلاثون سنة... ولم يتقدم إلى الآن من يخطب... كل الناس يزوَّجون بناتهم... هل يَكْرهني الناس؟"
 وفي أثناء تلك الآمال... رنَّ جرس الهاتف... وعندما رفع السماعة... بَدا على وجهه القلق... إنه اتصال هام... وهو من الضابط الكبير... العميد... إنه المسئول الأول عن العدالة... في قسم التحقيق... هنا... قال العميد:
-" لماذا لم تَنْتَزِع الاعتراف... كما طُلب منك؟... هل أنت في كامل قواك العقلية... ماذا أصاب فهمك؟... ألم تصلك الأوامر؟ "
-" من رأيي أن الرجل برىء "
-" أوه... هذه معلومة جيدة... وهل المسألة مسألة رأي؟... يبدو أنك تريد النقل التأديبي... لمنطقة ما... على الحدود... اسمع... الاعتراف يصلني خلال ثلاثة أيام... أتفهم؟"
-" نعم أفهم "
حبال عديدة... تتنازع لب المقدم... حبل جهلة بنظريات علم النفس الجنائي... وحبل عدم قدرته على فهم أشياء كثيرة مما يتوقع أنها سياسة... ويؤمن أنه يَحْرم التفكير فيها... وحبل السذاجة الفطرية التي جُلبت عليها نفسه... وحبل الطيبة الصادقة... التي تمثلت في معدن حسان.
الحبال جميعا تتجاذب ذهن الضابط المحقق... ولكن... أيُّها سينتصر يا ترى؟... إن مسألة النقل التأديبي تقف أمامه كالكابوس.

2- رأساً على عقب

استدعى المقدم أحد العسكر... وطلب منه إحضار حسان على الفور... وبعد لحظات... كان حسان يقف أمامه.
أدْهَشَ حسان ذلك الوجه المكفهر... الذي يربض فوق كتفي المقدم... وبدأ يحدث نفسه:
-" ماذا حصل يا ترى؟... لقد بدا المقدم من قبل... أكثر وداعة وتفهما... إنه الآن أكثر غضباً وبشاعة... والأغرب من ذلك... أن العصا أمامه الآن... خيزران... ماذا يعني كل هذا؟... هل تغيرت كل المبادئ؟... في لمح البصر!"
بدأ المحقق يهزُّ العصا... وتهتز معها كل المشاعر المتضاربة داخله... أما حسان... فهو كما هو... ثابت كالطود.. على مبادئه وهدوئه... وعلى صلابة موقفه... قام الضابط المحقق وهو يتصنَّع الإرغاء والإزباد... وبكف واهنة... رفع العصا... ثم هوى بها على ظهر حسان... بقوة متوسطة... ثم قال:
- " هيا اعترف... أنت الجاني... اعترف... واكتب اعترافك هنا "
 نظر حسان نحو الضابط نظرة نارية... هي ذاتها النظرة التي تلهب وجدانه... كلما سَددَّها حسان نحوه... لكن الضابط في هذه اللحظات... تجاهلها نهائياً... ورفع العصا مرة أخرى... وهوى بها على ظهر حسان... وهو يردد:
-" اعترف... هيا... اعترف"
قال حسان :
- " أنا أُجلد... نعم... لا مشكلة... والمجرم في الخارج يتمتع... قد يكون لكم مصلحة في بقائه في الخارج... هذا هو التفسير الوحيد لدي"
حزت هذه الكلمات قلب الضابط... ولكنه تجاهلها من جديد... مع أنها تكاد تحرق وجدانه... اقترب من حسان أكثر... إنه يشعر بثورة بركان في داخله... أمسك بتلابيب حسان... هزه قائلاً :
- " اعترف... اعترف... اعترف "
الغريب أن الضابط أثناء ثورته تلك... توقف فجأة... وتراجع للخلف قليلاً... وألقى بنفسه على مقعد قريب... وبقيت الغصة تهزأ بحنجرته... في حين قال حسان:
-" لا عليك... سيجيء الحق... وسيزهق الباطل... فهو دائماً زهوقٌ "
قال الضابط في حسرة... وهو ينظر باستسلام لعيني حسان:
-" من عرف النظام العسكري... لا يعرف الحق أبداً... وإنما يعرف الأوامر والنظام... فقط"
-" المؤمن الحقيقي تكون أوامر الله مقدمة على أي أمرٍ فيه معصية الله "
-" صدقت... ولكن... المسألة تحتاج لقوة... وأنا ضعيف "
-" معقول!... أنت!... ضعيف؟... والله... لا يبدو ذلك "
-"صحيح؟... هل أنت جاد؟... هل أنا قوي؟... هل ترى ذلك؟ "
-" نعم... وبكل وضوح... أنت تعرف الحق من الباطل... وتميزه... وهذه هي القوة الداخلية الرهيبة... إنَّ اعتراف الإنسان أمام نفسه... بأنه يسير في الطريق الخاطئ... أهم صفات القوة... ولكن... "
-" ولكن ماذا؟ "
-" ولكن... هذه القوة لا تكفي... إنها تحتاج إلى عملٍ ما... لرفع الظلم "
-" ماذا تقصد؟... يبدو كلامك كالألغاز... وأنا لا أحب الألغاز... ولا الرياضيات "
-" هل تريد أن أساعدك؟ "
-" في ماذا؟ "
-" في إحقاق الحق... الذي تبحث عنه "
-" أنت تساعدني؟! "
-" نعم... أنا سأساعدك "
اقترب المقدم من حسان ببدنه... وجلس على طرف المقعد... ووضع يديه على ركبتيه... في وضع استعداد... ثم قال :
-" أرجوك... ساعدني... كيف ذلك ؟ "
-" يجب أن تساعدني أنت... أولاً "
-" ماذا تريد؟... كيف أساعدك؟ "
-" أنا أملك مفتاح الحل... لهذه القضية المعقدة... ولكن... هناك صعوبة... صعوبة كبيرة... في إحضار المفتاح إلى هنا... أنا واثق منك... ولكن... لست أدري... لا أظنَّك تملك الجرأة على مساعدتي... أراك خائفا "
-" أنا... لا... لست خائفا... بل سأساعدك... بكل ما أملك من صلاحيات "

الفصل الثاني والعشرون

1- الحرية

قام الضابط من مقعده... سار قليلا... وقف أمام حسان... واستمر حسان مُشيحا بوجهه... ينظر إلى الخارج... عن طريق الشباك البعيد... ثم قال وهو يشير بيده:
-" الحرية... الحرية هي القوة الرهيبة... إنها تجعل الإنسان قادراً على إحقاق الحق... السجين أشبه بالحيوان... والحيوان لا يُحقُّ الحق... ولا يبطل الباطل"
-" ماذا تقصد؟... حسَّان... إياك أن تطلب المستحيل "
-" أطلب المستحيل!... كلا... أنا لا أطلب المستحيل... بل أطلب حقاً مشروعاً من حقوقي... إنه حقي في إثبات براءتي... وحقي في معرفة الجاني... الذي قتل ضاحية... ضاحية... رحمها الله... المرأة التي في منزلة أمي "
-" ولكن... إياك أن تطالبني بشيء لم تخولني به السلطات "
-" إذن!... لماذا تزعم أنك تريد الحق؟... لا...لا... أنت لا تريد إلا الأكل... الأكل من المائدة... التي تَقَدّم للأكل منها كل من سُلب إنسانيته "
-" لا تقل هذا الكلام... أنا حر... ولكني لا استطيع التضحية بنفسي "
فكر حسان قليلاً ثم قال:
-" هل تريد مساعدتي؟... دون أن تتعرض لأي مشكلة "
-" إذا كان الأمر كذلك... فأنا سعيد بإقامة الحق... وبمساعدتك... قل لي... ماذا تريد بالتحديد؟ "
-" أريد أن تطلق سراحي "
-" أطلق ماذا؟... سراحك!... هل أنت تهذي؟... ماذا تقول؟... أنت مجنون! "
-" لمدة يوم واحد... أو... حتى... ساعة واحدة... سأخرج... وسأعود... ولكني سأعود وأنا أملك البيِّنة... والبرهان... أنا واثق من أنني سأصل للحقيقة... أنا أحتاج المساعدة "
-" أنت تحلم... حقا أنت تحلم... مستقبلي مرهون بانتزاع الاعتراف منك... كيف تريد مني إطلاق سراحك؟"
-" ألا تثق فيَّ؟... أعدك... أني سأعود... وسآتي لك بالدليل... وبعدها... افعل ما تشاء"
 نظر الضابط إلى حسان بشرود... ثم قال:
-" حسان... إياك أن تحلم أكثر من ذلك... لن يكون لضابط عاقل مثلي... أن يطلق سراح متهم بالقتل... إلا إذا أراد التضحية بنفسه... الحل الوحيد... هو أن تعترف... أو..."
-" أو ماذا؟"
-" أو... سأدعي أني مريض... وسأتغيب... وتحال القضية... لمحقق آخر"
قال حسان في قلق:
-" لا... أرجوك... عندها سأعود للقصة من أولها"

2- بين النوم واليقظة

حسان في زنزانته... والوقت الآن شارف على منتصف الليل... هناك أفكار كثيرة تثور في رأسه... حتما انتهت قضيته إلى الطريق المسدود... بدأ يدور في الزنزانة الضيقة... ويهز رأسه بين الحين والآخر... ويحدث نفسه:
-" علي أن أخرج من السجن... في أسرع وقت... خروجي من السجن يعني الكثير... والوقت ليس من صالحي... وهناك احتمال اعتذار المقدم عن التحقيق معي... وهذا يعني أن فرصة النجاة قد تقل... خاصة إذا تولى التحقيق محقق له مصلحة في إدانتي"
جلس حسان في فراشه... ودخل في أفكار كثيرة... طال الوقت أم قصر... شهق فجأة... وبدا أنه وجد طرف الحل... استلقى على الفراش بهدوء... وسحب اللحاف البني على بدنه... وأكمل المخطط... وهو بين النوم واليقظة.

3- اعتراف حسان

مر الوقت سريعاً... ها هو حسان واقفٌ أمام المقدم... في غرفة التحقيق... إنه مطأطئ الرأس... ويتنفس باضطراب... قال المقدم:
-" حسان... سمعت أنك تريدني... لذلك جئت... هل من جديد في الموضوع؟"
-" نعم... كل جديد يا حضرة المقدم... الواقع... أنني أريد أن أسألك سؤالا مهما؟"
-" قل... ما هو السؤال؟... نحن أصبحنا كأخوين"
-" المتهم... بعد أن يعترف... هل تسمحون له بتطبيق الجريمة... في مكان الحادث"
-" سؤال غريب... قد نسمح له... وقد لا نسمح"
شعر حسان بخيبة أمل... ولكنه لم يفقد الأمل... لذا قال:
-" الواقع... الواقع... أن جريمة كجريمة قتل ضاحية... تحتاج إلى توثيق... خاصة لوجود ملابسات كثيرة فيها"
-"أنا أوافقك... بالتأكيد... من الضروري تطبيقها... ولكن... أين هو الجاني... حتى نطبق الجريمة؟... آه لو أقبض عليه"
- "قل لي... بعد أن تصوروا الجاني... وهو يمثل جريمته... بالطبع... سيكون للشريط قيمة كبيرة... وربما عرضت الجريمة في التلفاز... سيكون للمحقق الذي كشف الجاني سمعة حسنة"
-" الله ... كلام صحيح... الله ييسر القبض على الجاني"
بدا حسان أكثر ارتباكا... ثم قال:
-" سأقول لك كلاماً مهما الآن... ماذا لو دللتك يا حضرة العميد... على الجاني؟... هل تعدني أن تطبق أحداث الجريمة معه... هذا اليوم؟"
- " ماذا تقول؟... الجاني... وهل تعرف الجاني يا حسان؟"
- " سألتك... مجرد سؤال... وأرجو أن تجيب بصدق"
-" ولم لا؟!... لو قبضنا على الجاني... حتما سيكتب اعترافه... بعدها... ماذا سينقصنا؟... سنطبق الجريمة... في نفس اليوم الذي يدون فيه الاعتراف... طايرين بحجر!"
-" إذا قبضتم عليه في هذا اليوم... واعترف... هل تطبقون معه تمثيل الجريمه هذا اليوم؟"
-" أقول ثور... تقول حليب... هل تفهم أنت؟... أقول نعم... اليوم... ونص... ولكن... السؤال الصعب... من هو المجرم؟"
صمت حسان قليلا... ثم قال في ارتباك:
-" المجرم... المجرم... هو... أنا... أنا الجاني... نعم... نعم... أنا من فعل الجريمة... نعم... أنا أعترف... كي يرتاح ضميري... لقد فعلتها بمحض إرادتي... فعلتها مع سابق إصرار وترصد... وهناك أسباب جوهريه دعتني لقتلها... تتعلق بالتاريخ الغامض لتلك المرأة...نعم... هناك أسرار كثيرة... سأكشفها لكم فيما بعد... عند تصوير الحدث... في مكان وقوع الجريمة...  لقد قررت أن ألقى جزائي... وفي أسرع وقت ممكن... لا يمكنني تحمل العبء... أكثر من ذلك... الوقت لا يتسع... أرجوك... لقد انتهى كل شيء... بالنسبة لي... سنطبق الجريمة... اليوم... ونرتاح... وبعدها يحكم القاضي... لا أستطيع الصبر أكثر"
صمت كل شيء... وتوقفت نسمات الهواء... وبدا المحقق مندهشا... لقد تصلب على كرسيه في ذهول... بقي الحال كذلك... هنيهة... ثم أدار المقدم عينيه... لينظر لعيني حسان... وهو يشعر بحنق كبير... دمه يفور... العينان اللتان خدع فيهما من قبل... هل لا زالت تحوي البريق نفسه.
 عم الصمت المكان... برهة... حسان صامت يتنفس بعمق... ولا ينطق بكلمة... والضابط لا يُسمع سوى زفيره وشهيقه... مد المقدم يده... حمل قنينة الماء... وضع فمها في فمه... وبدأ يشرب... انتهى الماء بسرعة... أعاد المقدم القنينة لمكانها... ثم أخرج علبة السجائر من الدرج... وبدأ يدخن في ذهول... أنهى سيجارته بسرعة... حسان واقف لم يتحرك... قال الضابط:
-"انتهى كل شيء... إذن... اليوم... سيتم تمثيل الجريمة... كما وعدتك... أنا من عادتي أن أفِي بالعهد"
-"نعم اليوم... أنا في عجلة لألقى جزائي"
قال الضابط بحزم:
-" اكتب اعترافاتك هنا... ووقع عليها"
تقدم حسان في استسلام... وبدأ يكتب اعترافه بكامل الجريمة... الضابط لم يتحدث بكلمة... إنه مقطب لجبينه... ويشعر بخيبة أمل كبيرة"

4- الخطة... وتمثيل الجريمة

قبل صلاة العصر بقليل... تسير سيارة فورد بسرعة... ويتحرك بداخلها ثلاثة من العسكر... ويتبعها الجيب المشبك بالحديد الصدئ... وتتبع الجيب سيارتا فورد ولومنا... قد أضاءت إشارة الأمان فوقها... تتوقف السيارت الأربع بجوار بيت العجوز ضاحية... وثار الغبارخلفها.
 حسان داخل الجيب يتحرك بهدوء... ليقول للجندي بجواره في الجيب الضيق:
-" أنا سأموت... لا شك... بعد أن اعترفت... ولكن... المقدم... سيادة المقدم... إنه رجل ممتاز... كان له معي مواقف ممتازة... في أيام التحقيق... قد لا ألقاه بعد اليوم... أيامي اقتربت من النهاية... لقد كتبت له ورقة شكر... وعرفان... وهي مطوية في جيبي... سأعطيك إياها... أرجو أن لا تفتحها... أمانة... انتبه... الأمانة تبرأت منها السماوات والأرض... بمجرد عودتك للعمل... غدا... أعْطِه الورقة"
قال العسكري... في شيء من اللامبالاة:
-" بسيط... هات الورقة"
مد حسان يده المكبلة... وأخرج الورقة من جيبه... وتناولها الجندي... وضعها في جيبه العلوي... وفُتح باب الجيب... وأحاط الجنود بحسان... والمصورون مستعدون لأخذ الصور من كل مكان... والمقدم قادم من هناك... إنه يحمل الكثير من الحقد تجاه حسان... ويحدث نفسه:
-" كيف خدعني هذا المجرم المحترف... بكلماته المعسولة... بالفعل كادت القضية تنطلي علي... ولكن... القتل للقاتل... ولو بعد حين... كثير هي القضايا الملتبسة... التي يفرجها الله علينا بقدرة قادر... في آخر الأيام... كم وكم من القضايا تسير بهذا الإعجاز!... إنه التأييد الإلهي... لجهاز الأمن... وعما قليل... سيوثّق كل شيء... وتنتهي الدوامة"

5- هنا تكمن الخطة

فُتح الباب الخشبي المتهالك... وأُنير المصباح القديم... وبدا كل شي باهتاً... الجنود واقفون أمام الباب من الخارج... والمصور يلبس زية العسكري... ويحمل الكاميرا باحتراف... سيتم التصوير بكل هدوء.
بدا حسان مضطربا... تقدم في تصنعٍ للهدوء... اتكأ بيده على الجدار... الحديد يكبل يديه... قال في خجل:
-" سأخبركم بكل شيء... نعم... لم يعد في الحياة ما يهمني... من هنا... لقد دخلت مع هذا الباب... كنت أحمل السكين في جيب الثوب السفلي... في البداية... لم يخطر القتل ببالي... كان الهدف من اقتحامي... هو المال... المال الذي أخْبَرَتني بوجوده ضاحية... لقد كانت ضاحية عاجزة لا تتحرك... بالطبع... يسهل سرقة المال من  الإنسان عندما يكون مشلولا... المال موجود في المستودع الصغير... بالداخل... سترون باب المستودع الصغير_ الدخش _... هيا ندخل... سترون كل شيء"
دخل ثلاثة من الجنود... وتبعهم حسان... مع المصورين... وتبعهم المقدم... بدت مفردات المنزل قليلة متهالكة... نظر حسان لباب المستودع الصغير – الدخش-... إنه هناك... أشبه بالمعلق في جدار الغرفة... حسان يعرفه جيدا... ويعرف  تفاصيل الغرفة الصغيرة... التي يفضي إليها الباب... قال حسان وهو يتقدم:
-" هنا يوجد المال... أرأيتم هذا الباب؟... إنه يفضي للغرفة... التي تخبئ العجوز فيها أموالها... العجوز كانت نائمة في سريرها... وأنا تسللت... دون علمها... وعندما وصلت لهذا الباب... وتأكدت من نوم العجوز... دفعت الباب بكل هدوء "
تقدم حسان... الجميع ينظرون إليه بدهشة... وخاصة المقدم... الذي بدا مشدوها لما يسمع... أمسك حسان بالباب... ودخل... ودخل احد المصورين بعد أن أضاء مصباحا كان معه... ودخل جنديان... ووقف المقدم عند الباب... قال لحسان:
-" هنا وقفت... والشنطة التي تحوي المال كانت هنا... أما هذه السارية... التي في وسط الغرفة... فقد كان من الضروري... لمن يريد حمل الشنطة... أن يمسكها"
بدأ حسان ينظر يمنة ويسرة... ويراقب بطرف خفي... وينظر لتلك النافذة في الجدار... والتي يعرف تماما أنها هشة للغاية... وأنها تفضي للخارج... حين دخلها ذات يوم... حسان بدا متحفزا لعمل شيء ما... ولكنه حاول أن يكون أكثر هدوءاً... ثم أكمل حديثة قائلا:
-" أمسكت بالشنطة... واتكأت بقوة على السارية"
في تلك اللحظة... شعر حسان أنه في المكان المناسب... لتنفيذ خطته... التي أعدها بإحكام... طيلة الليلة الفائتة.
 وبكل قوته... دفع حسان السارية... حيث تحطمت مباشرة تحت وطأة دفعته القوية... وبدأ السقف الطيني المتهالك... ينهال فجأة.
ومع انتثار الغبار في كل مكان... استغل حسان الفرصة... واتجه بكل سرعته نحو النافذة... دفعها بقوة رهيبة... الجنود يتخبطون... والغبار المتساقط على رؤوسهم يزيد من صعوبة الرؤية... وتحطمت النافذة... قفز حسان بسرعة... وأصبح العالم مفتوحاً أمامه... لقد خرج عبر النافذة... وأرسل أول خطوة في طريق الفرار.

6- من فعل كل هذا؟

التراب الثائر يعم المكان... والسعال يسمع هنا وهناك... ويخرج الرجال غُبراً من الداخل... وكأنهم من أصحاب القبور... كلٌّ يتحسس نفسه... وبدأت الهتافات من أفواه العسكر:
-" المنزل مسكون بالجن... المنزل سقط على رؤوسنا... المنزل مسكون"
وأخيرا خرج المقدم... يكسو وجهه التراب... لا يمكن لمن يراه أن يعرفه... حتى التاج والنجمة على كتفه... لا يمكن تمييزها عن أشرطة الجنود... بدأ ينفض التراب... وينهر هنا وهناك... وسمع تمتمات السخرية... يرسلها إليه خفية بعض الجنود... تجاهل الوضع... إنه لا يدري ما الذي حصل بالضبط... ولكنه قال في شجاعة:
- " هل الجميع بخير؟... هل من إصابات؟"
قام رئيس رقباء... سعد... بتفقد العسكر... ثم قال:
-" الجميع متواجدون... الحمد لله... سيدي... لا يوجد أي إصابات"
-" ممتاز... ممتاز... الحمد لله... على كل... اكتبوا تقريراً عما حصل... وعودوا للمركز"
قال العسكري المسئول عن كتابة التقرير:
-" سيدي... كيف نأخذ توقيع حسان؟... إنه غير موجود"
سرى شوط كهربائي في بدن المقدم... وبدأ يطالع هنا وهناك... ثم قال:
- " ماذا تقول؟... حسان... غير موجود!... ماذا تقول أنت؟... اذهب بسرعة... ابحث عنه... هل هو في الداخل؟... هل طمره التراب؟... هل انهار عليه السقف؟... وأنتم تنظرون!... بسرعة... فريق كامل يدخل لإنقاذه... يا مسكين!"
بدا الرعب على وجوه العسكر... لا أحد يريد الدخول... قد ينتقم الجن ثانية منهم... ولكن المقدم سار بنفسه... واختار مجموعة من أشجع العسكر... وانتظر الغبار حتى هدأ... ثم دخلوا.
بعد بحث دقيق... خرج المقدم... وقال في خيبة:
- " حاصروا المكان... المتهم... حسبنا الله ونعم الوكيل... لاذ بالفرار... يبدو أنه خطط من قبل... لكل هذا... ليس ثمة جن ولا يحزنون"
بدا الضابط مهتما... اتصل على فرقتين أخريين... مر وقت قصير... وحضرت الفرقتين... وفي اجتماع مصغر... في مكان الحادث... كلف المقدم ضابطين برتبة نقيب... بمسح المنطقة كاملة:
-" يجب ألاَّ تغيب الشمس... اليوم... إلا وحسان ماثل أمامي... لقد قلب الطاولة علينا... بكل ما فيها... هذه خطة محكمة منه... يبدو أنه متمرس في الإجرام... لقد استطاع أن يكذب علينا... ولكن لا... لن نسمح له أبدا... أبدا... أن يتلاعب بنا... سمعتنا فوق كل شيء... لا أريد أن يصل الخبر للجهات العليا... سيقبض على المجرم... وتدفن قصة الهروب... وكأن شيئا لم يكن... عيب... عيب... والله عيب... غداً يقال.. فريق كامل... هرب من بين أيديهم مجرم مكبل... يحضر المجرم قبل المغرب... يعني يحضر... وأقسم بالله... أقسم بالله... أن أجعله عبرة للناس... وأسلخ جلده سلخاً... حقير... تافه... جبان... وغد... هيا... اذهبوا... ولو غربت الشمس... قبل أن تأتوا به... والله... والله... ستكونون جميعا مكانه... هيا"
انتشر العسكر للبحث... كان انتشارهم بأسلوب عسكري حديث... تمشيط مبدئيّ... محاولة السيطرة على أماكن مناسبة للمراقبة... ثم التقدم على شكل دفعات... القيادات تكمن في الخلف... هذه هي الخطة... كل شيء مدروس... مدروس بدقة... من المستحيل أن يفلت المجرم.
مر الوقت بسرعة... الخطة تسير على ما يرام... منطقة كبيرة ثم تمشيطها... والجنود يتقدمون بشكل منتظم... ولكن... المجرم... غير موجود... مر وقت أطول... الشمس شارفت على المغيب... والمنطقة الواقعة تحت المراقبة الدقيقة تزداد اتساعا... ولكن... المجرم غير موجود... وأخيرا... غربت الشمس... وعم  السكون. 

الفصل الثالث والعشرون

1- ساعة نقاهة

ابتسام تُعِد نفسها للخروج... بالطبع ليس لديها أي رغبة في لبس ملابس جميلة... اهتمامها بمنظرها العام كان أقل من عادي... إنها تنظر للساعة... ثم تعاود تسريح شعرها بطريقة لا شعورية... المشط يروح ويجئ في نفس الموقع... وهي تنتظر حضور العمة عائشة... إنها على موعدٍ معها.
 صحيح أن عائشة لم تتأخر عن الموعد... ولكن ابتسام تحسب الدقيقة كساعة... إنها تريد الخروج من هذا الضيق... نفسها أصبْحَت أضيق من ثقب أذنها.
 وأخيراً... دق الجرس... لقد وصلت عائشة مع ابنها محمد... محمد سيقود السيارة... التي ستقلهما في الزيارة الأولى نحو جواهر.
مرت عدة دقائق... الآن... ابتسام جالسة في السيارة... إنها تشعر أنها تمضي في زيارة ميمونة... والمعرفة بجواهر مكسب كبير:
-" تلك المرأة... لقد أحببتها من كل قلبي... أحببت فيها كل شيء... هي عملة نادرة... أخلاقها لا تمتُّ إلى أخلاق الأثرياء... ولا حتى لأخلاق أنصاف الأثرياء... بأي علاقة... إنها امرأة مؤمنة... ومتواضعة... ولا تكف أبداً عن ذكر الله... ولم أسمع منها الحديث عن إنسان... أياً كان... بالسوء... وهذه معجزة... من معجزات النساء... في هذا الزمن... يندر أن توجد إحداهن... ولا يوجد في قلبها حسد... أو في لسانها غيبة ونميمة... جواهر فعلاً عملة من ذهب"
وصلت السيارة برعاية الله... ونزلت عائشة أولاً... ونزلت ابتسام ثانياً... كان باب المنزل مفتوحاً... بُهرت ابتسام نوعاً ما... لما رأته من جمال هذا المنزل من الخارج... الواجهات الرخامية... والشرف الزجاجية... والديكورات المدعمة بأعمدة مزخرفة... كل شيء يدل على الجمال... لقد توقعت ابتسام أن المنزل من الداخل سيكون أكثر روعة وجمالا.
 مر وقت قصير... وهناك... تستقبل جواهر ضيفتيها... وتعتذر إليهن قائلة :
- " أهلاً بكن... سنكون في الدور الثالث... سكني هناك... وأنتن أهل منزل"
انطوى الدرج تحت أقدامهن سريعا... ودخلن للشقة الصغيرة... كل شيء هادئ... جلست عائشة... وجلست ابتسام... شيء من السكينة حف المكان... وذهبت جواهر لإحضار واجب الضيافة... في حين بقيت ابتسام تقلب طرفها فيما حولها... شيء ملفت للنظر... غرفة الجلوس البسيطة... غاية البساطة... والجميلة غاية الجمال... لجمال نفس صاحبتها... لا لشيء آخر... هنا يشعر الإنسان أن المباهاة والمفاخرة... ضربٌ صادق من إضراب التواضع... تعيشه هذه المؤمنة الصالحة... ازدادت مكانة جواهر في فؤاد ابتسام... لقد أحبَّتها من كل قلبها.
وقت قصير... حضرت جواهر... إنها تحمل دلة القهوة... وضعتها على المنضدة... ثم عادت للمطبخ... بقيت عدة ثوان... ثم أقبلت مرة أخرى... إنها تحمل معها صحنا فيه شيء من التمر... والحلوى... وشيء من المكسرات.
بدأت جلسة الأنس السعيدة... عائشة تُدير الحديث بين قطبي المغناطيس... بطرقة رائعة... إنها حكيمة حكمة جابر ذاته... ولكن... هل يا ترى ستصل إلى بغيتها... في تحويل القطبين... السالب والموجب... إلى قطب واحد... ينجذب في اتجاه واحد... حسان؟!.

2- زلة لسان... هل تتحول لكارثة؟

أخيراً... التقت الضُّرَّتان... كانتا على المقعدين المتقابلين... القلوب تتجاذب المحبة... والألسن تتجاذب الأحاديث... ولا يدور في مجلسهم ذاك... أيما أحاديث تستثير الضجر... أو يخالف الهدي الإيماني... ليس ثمة غيبة... أو نميمة... أو همز أو لمز... ولا حتى انتقاض لأيما بشر.
مر الوقت لذيذا... وبعد نصف ساعة... توقف الحديث... الذي دار ثم دار... حتى أعياه الدوران... وأصبح كمن أصيب بالدوار.
عائشة لا يعجبها توقف الحديث... إنها كأي بنات جنسها... تحب سماع الأخبار... ولكنها تحرص على ألاَّ تقع في إثم... قالت بعد تفكير قصير:
- " الله المستعان... جيل هذا الزمان... تغير... تغير كثيرا... الشباب العاطل عن العمل... بدل أن يكسب من عرق جبهته... أصبح يسرق... لقد ضاع الدين... وضاع الخوف من الله "
قالت عائشة هذه الكلمات بكل حسن نية... لم تحسب الحساب أبداً لمستقبل هذه الكلمات... لم تضرب أي حساب... إنها مجرد كلمات عابرة... في مجلس عابر... لكن النار... تأتي من مستصغر الشرر... والحرب التي بقيت ثلاثين سنة... في الجاهلية... بدأت بموت ناقة... قد لا تساوي قيمتها ثلاثين درهماً... وكلمات عائشة تلك... ربما تمخضت عن أحداث جسام... ولو علمت عائشة ساعتها... أن تلك الأحداث سترتبط بكلماتها... لدفنتها إذن في جوفها... ولكنَّ الغيب بيد الله .
لم تتكلم أي من المرأتين... واصلت عائشة حديثها... إنها مختصة بارعة...  في سرد القصص الاجتماعية... التي يكثر فيها الكذب... ويقل الصدق.
أسهبت عائشة... في سرد قصصها... عن أحداث السطو... واتسعت مساحة تلك القصص حتى أدركت نصف الساعة الأخرى... وانتهت الجلسة... بنهاية آخر قصة سطو... في ذلك المجلس... وذهب كلٌّ لحال سبيله.
هناك مشكلة حقيقية... لأن عائشة ذهبت إلى منزلها... لتسكن بأولادها وزوجها.. أما ابتسام وجواهر... فَسَتُسْلم كلّ واحدةٍ منهما نفسها للوحدة... وللوحشةِ الرهيبة... دونما أنيس.


الفصل الرابع والعشرون

1- مقص

شهيق وزفير خافت... ينبعث من جوف الظلام... وخطوات حذرة تتقدم... ثم تتوقف فجأة... هنا مصنع الأنابيب الإسمنتية الكبيرة... المعدة لتصريف المياه... إنها أنابيب... توضع كعبارات... لمياه السيول...  الأنابيب هنا بالمئات... إنها متراصة بجوار بعضها... وفي بعض الأحيان... تجد رصة من دورين... كل أنبوب هنا...  تجده بطول ثلاثة أمتار... وبقطر لا يقل عن متر... والعمال جميعا نائمون... وهناك شخص يتقدم... ويتقدم... ثم يدخل في إحدى الأنابيب... ثم يلبث داخلها قليلا... ثم يخرج من الجهة الأخرى.
مر الوقت... لا شيء يدعو للقلق... وقف الشخص المتسلل... نظر يمنة ويسرة... انتبه للمكان الذي يوجد فيه الحديد... ومقص الحديد... انحنى من جديد... وتقدم داخل إحدى الأنابيب... إنه ينتقل بصعوبة.
خرج المتسلل من الأنبوبة... بدأ يراقب بحذر... ركز نظره هناك... حيث يتم قص الحديد... تمهيدا لوضع الإسمنت حوله... تقدم أكثر وأكثر... وأخيرا وقف... وبدأ ينظر... انحنى من جديد... وتقدم... أكثر وأكثر... ثم توقف... وبدأ يراقب... لا شيء يدعو للقلق... مقص الحديد بجواره... إنه مقص قوي... يمكنه قص قضيب الحديد بقطر ثمانية عشر مليمتراً... حسان لا يحتاج مقصا لهذا السمك... وإنما يكفيه المقص... الذي يقص له القيد الحديدي... بسمك اثنا عشر مليمتراً.
مرت لحظات معالجة هادئة... وانكسر القيد... وحمل حسان نفسه... وعاد متسللا بين العبارات... إنه يخرج من واحدة... ويدخل في الأخرى... عمل شاق... ولكن لا مناص... عليه أن يواصل... هناك عمل شاق ينتظره... لقد بقي في أحضان ساعات خوف طويلة... وهو نائم داخل إحدى العبارات... منذ صلاة العصر... وحتى هذه الساعة المتأخرة... واصل حسان السير... حتى خرج.

2- بذلة... العسكري

يتسلل بين الأشجار... ويرمي قدميه أمامه... بكل هدوء... إنه في إحدى المزارع المجاورة للحي... ملابسه مقطعة... ولونها أقرب للون التراب... بدنه مجهد للغاية... هذا المخلوق الهارب... لا يمكن معرفته... لمن يراه للوهلة الأولى... وقف بجوار خزان الماء... داخل المزرعة... فتح الصنبور... بكل حذر... وغسل وجهه... وبدأ يشرب... ويشرب... ثم أنزل بدلته الزرقاء... وغسلها في الماء... ثم وضعها على ظهره... دون أن يلبسها... ثم أنزل ملابسة الداخلية... ولبس بدلته الزرقاء... وبدأ في غسل ملا بسه الداخلية... ثم خلع بدلته الزرقاء... ولبس ملابسه الداخلية... ثم عاد ليلبس البذلة.
حسان... لقد بدت ملامحه تظهر... بعد أن نال كل ذلك القدر من القذارة... بسبب زحفه داخل العبارات... والآن... أخد نصيبا كبيرا من النظافة... ولكن... لا زالت الشقوق مسيطرة على ملابسه... بسبب الحبو الطويل ... والزحف... عليه أن يجد طريقة ما... كي يحصل على ملابس لا تثير الشكوك حوله.
 سار حسان أكثر وأكثر... هناك منزل صغير... وبجواره تقف سيارة صغيرة... فكر حسان قليلا... ثم تقدم... لابد من وجود حل هنا أو هناك... وقف يراقب... يبدو أن السيارة... لرجل يعمل في القطاع العسكري... بدا ذلك واضحا... من البذلة المعلقة... على نافذة باب السيارة الخلفي... البذلة تبدو أنيقة... ولتوها غسلت وكويت... انقدحت في ذهن حسان فكرة... بدا ينظر هنا وهناك... ثم تقدم.

الفصل الخامس والعشرون

1- أنياب الوحش

جواهر في منزلها الكبير... تقاسي الخوف والوحشة... وتستعيد شريط القصص المخيفة... التي سمعتها من عائشة قبل ساعات... ويرتجف قلبها مع استذكار كل قصة.
لم يكن حال جواهر... بأي حال من الأحوال... أفضل من حال ابتسام... لأن جواهر متعودة على الوحدة... وسرعان ما ستنسى... أما ابتسام... فهي في منزلها... تقاسي ظلال الليل... وتقاسي ظلال الوحدة... وتقاسي فراق زوجها... وتستعيد الشريط البشع... من تلك القصص... التي ذكرتها عائشة.
 لقد بدأت تتخيل اللصوص... وهم يقتحمون المنزل... ويستولون عليه... ويسلبونها كل شيء... حتى أثمن شيء في حياتها.
 قلبها بدأ يرتجف... ويرتجف... ذهبت إلى سريرها... ونام أطفالها... وازداد الصمت... وازداد معه الخوف والرهبة... وانكمشت الظلمة... حتى تكاد تخنق الوجود... وكل من في الوجود.
 قامت ابتسام لتصلي... صلت ما وفقت له... ثم عادت للنوم.
 وفي سرير وحدتها... كانت تبحث عن النوم... النوم يرفض أن يجيء... ولكن شيئا آخر قد جاء... الرعب... والخوف... هناك عداء قديم بين الخوف والنوم... فهما لا يجتمعان أبدا.
مرت ساعات قلقة... ابتسام تتقلب... خطر في ذهنها فكرة... قد تكون تلك الفكرة... عوناً لها على هتك ستار الخوف والقلق... ولعلها الطريق الوحيد للنوم... بدأت ابتسام تحدث نفسها:
-" إنَّ حسان يملك مسدساً... لقد أخفاه في المكان السرِّي... أنا أعرف مكانه... لأن حسان أخبرني بذلك المكان... وأنا أيضاً أجيد استخدامه... لأن حسان علمني كيف أستخدمه... عند خروجنا للبر... وما يضيرني لو شحنت المسدس بالرصاص... ووضعته بجواري... إنه أمان من شرِّ اللصوص... لن أكون طُعماً عند ذلك... لأيِّ من تسوِّل له نفسه فعل الشر... سأكون أقوى منهم جميعاً... سيخضعون عند قدمي متوسلين... سيطلبون النجاة... وعندها... سأبلغ الشرطة... إنها فكرة رائعة... كيف لم أفكر فيها من أول الليل؟"
قامت ابتسام من سريرها... واتجهت نحو المخبأ الذي فيه المسدس... كان المسدس مع كرتون الرصاص... موجوداً تحت إحدى بلاطات المطبخ... هكذا خطط حسان... وهكذا عرفت ابتسام المكان... فتحت البلاطة المحددة... وحملت المسدس... وشحنته بالرصاص... واتجهت نحو غرفة النوم... ووضعت المسدس بجوار السرير... ونامت ساعتها قريرة العين... إلا أن قلبها لم يزل متيقظا.

2- اللص     

ابتسام نائمة في سريرها نصف نومة... وخوفها يكاد يوقظها مع كل نسمةِ ريح... وعندما أُدير المفتاح في قفل الباب... دق الخوف على القلب الراجف... ابتسام كانت شبه حالمة... ولكنها أحست بصوت ما... خُيّل لها أنه صوت القفل في باب الشَّقة... ولكنها تجاهلت ذلك... واستمرت نائمة على السرير... الخطوات التي تسير في بطء تكاد تخلع قلبها... إنها تتقدم في حذر... ليست أبداً هواجس... وليست أيضاً أوهام.
 وأخيراً حصل مالم يكن بالحسبان... لقد رأت الظل مع نور الصالة... إنه ظل رجل... ابتلعت ريقها في ذعر... كادت تصرخ... ولكن حلقها جفَّ كلُّ لعابه... لاذت بالصمت... كي توهم نفسها أنها في كابوس... سرعان ما تفزع منه... وتعود للحياة الأقل سوءاً على كل حال... مِنْ هذا الكابوس المرعب.
ولكنَّ ابتسام لم تنتبه من الكابوس... وإنما تقدم الرجل... إنه كما توقعت... لص... إنه مُتَلثَّم... رأته على نور الصالة... عبر انفراجةٍ صغيرة في باب غرفة النوم... إنه يلبس زيَّ عسكريٍّ:
-" لعين... مجرم... متمرس... إنه يجيد التخفي... وفي زي رجال الأمن..."حاميها حراميها"... ولكن... هل يعقل ما أعيشه الآن؟!... هل يعقل؟... لا... لا... لابد وأنني في حلم... نعم... نعم... إنه حلم... حتما سأرويه  لعائشة... عندما أقابلها... وسأرويه للناس... يجب أن أحفظ هذا الحلم... عن ظهر قلب... سيكون مسلياً... هـ... هـ... هـ"
مرت لحظات صمتٍ قاتلة... بعدها... بدأ الرجل الغريب يفتح باب الغرفة... التي تنام فيها ابتسام... وبدأ النور يدخل... بشكل أكبر... لم تقدر ابتسام على اليقظة... أو الصراخ... ولكن... يبدو أنه ليس كابوساً... ربما كان حقيقة.
اتجه اللص لخزانة الملابس... الخزانة التي تحوي ملابس حسان... زوجها الحبيب... مر وقت مرعب... بعده فتح اللص باب الدولاب:
-" لن أسكت أبداً لهذا اللص"

3- الحقيبة... أمانه زوجها

 ابتسام تعيش أوهاما كثيرة... إنها بين النوم واليقظة... ولكنها تَتَذكر شيئا مهما... المسدس... نعم... لقد وضعته قريباً منها... مرت لحظات أخرى... هي أقسى من سابقتها... والآن... أصبحت ابتسام في يقظة كاملة... واللص... في الغرفة... أمام الخزانة... إنه يُبَعْثر ويقلب... في أمتعة زوجها وأغراضه... مرت لحظات أخرى... يد ابتسام المتسللة في صمت... وقعت على قطعة المسدس المشحون... ورفعتها في هدوء بالغ:
-"لا وقت للمساومة... أو الصراخ... القضية قضية حياة أو موت"
 بدأت تُزَحْلِق يدها إلى الأمام... لكي يتجه المسدس إلى صدر اللص... يجب أن يموت قبل أن ينقلب ذئبا... عليها وعلى أولادها... واللحظة الآن... لها قيمة... وأي قيمة.
في تلك الأثناء... بدأ اللص يعبث بالحقيبة:
-" إنها الحقيبة الصغيرة... التي أحضرها زوجي حسان... حفظه الله... قبل وفاة ضاحية... بيوم أو يومين... وقال ساعتها لي:
-" إنها حقيبة مهمة... لابد أن اللص  يظن النقود فيها... لن أتركه يسرقها... إنها أمانة حسان في هذا المنزل... لن تُسرق أمانة زوجي... حتى ولو كَلَّفَتْ حمايتُها كلَّ حياتي"
مرت لحظات أخرى... حمل اللص الحقيبة... وعزم على الخروج... المسدس مصوب إليه... لو تم خروج اللص من الغرفة بخفة... لما أمكن ابتسام أن تطلق الرصاص عليه... لأنها لازالت راقدة في سريرها... ويدها ممتدة وملاصقة للسرير... إن ابتسام تريد أن ترى... هل سيذهب اللص... أم أنه سيقترب منها... إذا اقترب منها... فإن اقترابه بلا شك... هو الدليل القاطع على أنه يريد قتلها... أو على الأقل... يريد السوء بها... لن تسمح له لو نظر إليها أي نظرة... لن تسمح له أن يشم نسمة هواء جديدة... ستُرديه قتيلاً.
ابتسام تفكر في ذعر... لكنها تشعر أن تحريكها ليدها لتصويب المسدس بدقة... سيلفت نظر اللص... قد يباغتها عند ذلك... ولا تستطيع التصويب... ثم تقع في الكارثة.
مرت لحظات... أخيراً... قررت ابتسام أن تترك اللص... لو عزم على الخروج دون أن يمسها بسوء... وبعد أن يخرج... ستتصل بالشرطة على الفور من خروجه:
-" ولكن يا ويله لو اقترب مني... يا ويله... إنني سأقتله بدون تردد"

4- من... يقتل... من؟

اللص يحمل الشنطة... ثم يقف مكانه... إنه لم يهرب... وهو لا يشعر أن أحداً يراقبه... بل إنه يشعر بالأمان الكامل... وكأنه في بيته... فعلا غريب؟.
-" لصوص آخر زمن"
 ولكن... ها هي نواياه السيئة... تبدو لابتسام... لقد ألقى بصره نحوها... ثم ركَّز النظر... وأخيراً تقدم نحوها خطوات... عيناه منصبة عليها... إنها ترى عينيه اللتين تبدوان من خلف اللثام... وهو لا يرى عينيها... ولكنه فيما يبدو... ينظر إليها بِشَرَهٍ بالغ.
- "  يا مجرم... يا سافل "
لم يعد من خيار أمام ابتسام... لقد أصبح شرفها في خطر... وأصبح اللص قاب قوسين أو أدنى منها... أغمضت عينيها... ستريه الآن ما ليس في حسبانه.
صرخت ابتسام بكل قوة... ورفعت المسدس... وأطلقت العيار... وبعد أجزاء قليلة من الثانية... كانت الرصاصة المرعبة...  تخترق الجسد.

5- الجناية
في منزل ابتسام... فاجعة رهيبة قد حصلت... لم يكن اللحم الذي اخترقته الرصاصة... هو لحم لص... كلا... إنما هو لحم حسان... حسان... الذي جاء من أجل أخذ أدلة البراءة... التي ربما كانت في الشنطة الصغيرة... التي عالج فتحها منذ لحظات.
لقد ثار الدم... ولم يكن ذلك الدم... دمَ لصٍ مجرمٍ... وإنما هو دمٌ طاهر... إنه دم حسان... لاشيء هنا سيتكلم... النهاية المفزعة... في منزل ابتسام... هي وحدها من سيتكلم... لقد صرخ حسانُ من الألم.
أما ابتسام... فإنها في مهجعها سابتة... أو بدت كذلك... لكنها في الوقت ذاته... تطرب لكل ما فعلت... وتصفق لنفسها من الأعماق... لقد انتصرت على اللص... وأنْقَذَتْ شرفها.
وقف كلُّ شيءٍ ليشاهد... ويقول:
-" هكذا تبدو لنا مواقف الحياة... عندما نزعم امتلاكنا للحقيقة... وهيمنتنا عليها... نحن كثيراً ما نتصرف بأعمال لا ندرك حقيقتها... ونظن أننا أصبنا عين الحقيقة... والواقع... أننا ننظر في السراب"
سقط اللص على الأرض... أما ابتسام... فقد رفعت رأسها قليلاً... ثم ألقت بنفسها مجدداً على السرير... لقد أعيتها متابعة اللص... وأعيتها مراقبته... وأعياها إطلاق الرصاصة... حدثت نفسها:
-" ولكن... هل أتبعه لأصيبه برصاصة أخرى... لا... يبدو أنه مات... سأتخلص من إجهادي باسترخاء لمدة دقيقة... وأستعيد أنفاسي المُتَقَطِّعة... ثم أقوم... لأسحب اللص بقدمه... وأرمي به في الشارع... لا... لا... سأتصل بالشرطة... وأقول...
- "لص دخل المنزل... وأراد السوء... فقتلته"
 ولكن المسدس؟... حتماً سيحققون معي... لمن المسدس... وسأقول... لحسان... ثم يُدينون حسان... لا... لا... سأقول... المسدس لي... وعندها... سأسجن بجوار حسان... هذا جيد... وسأقتل أنا وحسان سوياً... لا... لا... لن يؤاخذاني الشرطة... لأني سأثبت أنه داهمني... وأنني في حالة دفاع عن النفس... نعم... نعم... ولكن الشنطة... نعم الشنطة"

6- كوابيس

أصيبت ابتسام بشبه صعقةٍ كهربية... عند تذكرها للشنطة... قد يفتضح أمر هذه الأمانة... لو رأتها الشرطة:
-" سآخذ الشنطة أولاً... من يد اللص المسجى... وأخفيها... ثم أتصل بالشرطة... نعم... هذا أفضل"
قامت ابتسام مذهولة... وسارت قليلاً لتفتح المصباح... ولكنها لم تجد لصاً... ولا شنطة:
-" ماذا؟... هل كان كابوساً... سخيفاً؟... هل يعقل؟"
ضحكت ابتسام من كل قلبها... لقد تأكد لها أنه كابوس.
-" هذه الكوابيس... تصوِّر الأوهام كالحقائق... هـ... هـ... هـ... "
سارت ابتسام نحو براد الماء... وأخذت كوباً من الماء البارد... وشربته:
-" سامحكِ الله يا عائشة... أنت السبب في هذه الكوابيس"
 عادت ابتسام أدراجها لتُكمل قسط الراحة الذي نَغَّصَهُ الكابوس... ولكنَّ قطرات الدم المتناثرة في الصالة لَفَتَتْ نظرها... وأعادت لها رشدها... القضية ليست كابوساً.
ابتسام سارت في قلق نحو غرفة النوم... الشنطة غير موجودة... لقد هرب اللص... هرب... خطر لابتسام خاطرة سريعة... سارت بعدها بسرعة... وأقفلت باب غرفة النوم من الداخل... وأسرعت نحو طفليها... إنهما بخير... يتنفَّسان... ويشمان الهواء:
-" ماذا حصل؟"
جزمت ابتسام أن اللص سحب نفسه ليذهب للمطبخ... ويحضر أداة كي يقتل بها من أطلق عليه الرصاص... أو يقتل أطفالها:
-" الحمد لله... الباب مقفل من الداخل... والمسدس معي... لقد تلافيت الوضع السيئ وسارعت في إقفال الباب... قبل مجيئه من المطبخ"

7- نهاية لص

خيالات تنبعث هنا وهناك... داخل ذهن ابتسام... لقد بدأت تتخيل اللص...  وهو يحمل الساطور... ويتقدم نحوهم... بدأ الرعب يسري في كيانها من جديد... تقدمت في عتمة الليل... ضمت طفليها... وقبلتهما... ثم تراجعت قليلا... وحملت المسدس... وجلست ترقب بجوار الباب.
خطر على ذهنها التلفون... ولكن... للأسف... التلفون في الغرفة الأخرى... لا يمكنها الاتصال بالشرطة... ولكن... لا مشكلة... معها سلاحها... الحمد لله... هذا يكفي... لقد كان الله في عونها.
 بقيت ابتسام  تحرس ساعة كاملة... لم يحضر اللص... ولم يطرق الباب:
-" هل يا ترى خرج اللص... وذهب... وهذا الاستعداد أمر لا داعي له... أم أنه... ربما يكون قد سحب نفسه قليلاً... ومات في الصالة... ربما... أمر محتمل... إن أي مصاب... لابد وأن يسحب نفسه قليلاً"
 استقر رأي ابتسام على ذلك... اللص ميت في المطبخ... دمائه شاهدة على اختراق الرصاصة لجسده... وصرخته توحي بأن قلبه انفجر:
- " ما أبشعها من صرخة؟!"
استعادت ابتسام صدى صرخته... ثم استعادتها مرة أخرى:
-" ولكن... غريب... إنها ليست فيما يبدو صرخة مجرم متمرس... يبدو أنه مبتدئ... وصوته يَدُلُّ على أنها أول محاولة له في الإجرام... ماذا؟... هل أنا أشعر بالإشفاق على الجاني؟!... ولكن... صدى صرخته... لا أدري لماذا... ولكنه كما يبدو... صوت مألوف لديَّ"
 لم تُلق ابتسام بالاً لذلك كله... عزمت على البقاء طيلة ليلتها تحرس نفسها وأفراخها... فإذا أصبح الصباح... ستفتح نافذة غرفة النوم... وستصرخ فى أقرب مارٍ مع الطريق... فمن حسن الحظ... أن غرفة النوم مشرفة على الطريق... علَّ ذلك المار يأتي... أو يُبَلِّغَ الشرطة عن القتيل... الذي ربما بدأ جسمه في التحلل.
تمنَّت ابتسام ساعتها لو فتحت الباب... وألقت نظرة خاطفة على الميت بجوار الباب... ولكنها تراجعت عندما تذكرت أنها لا تحب رؤية الأموات... خاصة وأنه رجل قتلته بنفسها... وربما كان معه أنصار يتربصون بها... الأفضل أن تبقى على حالها.
انتهى الجزء الأول... امرأة توقف الزمن.
ويتبع الجزء الثاني... الزمن يتوقف ساعة.
لنكن سويا... هناك
عبد الوهاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق