الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها " الجزء العاشر "


الجزء العاشر 

الفصل الثالث والعشرون

1- اللحظات الأخيرة

انطلقت السيارة... الوجوم يعم جوانبها... إلاَّ من نبرات تسبيح أو تهليل... على لسان جابر... أو على لسان الصوفي الجديد... حسان.
الوقت يمضي بسرعة... مشاعر جميلة تُدغدغ كيان حسان... مع كل نسمة هواء تَنْسُم... ومع كل وردة تطل من ثغر الأرض... عادت ابتسامة صغيرة لترسم نفسها على وجهه الشاحب... وحسان يشعر أن كل شيء يَزُفُّهُ لجواهر... أشجار الطريق... والسيارات المقابلة:
- " ستعود جواهر زوجةً لي... كما كانت... وسأعلن الليلة زواجي بها... على كل الملأ... وسَأولِمُ بوليمة كبيرة... وأعزم على العشاء... كل من أحبهم... لن يعود زواجي منها مجرد خبر في السّر... سأتفاخر بزواجي من هذه المرأة العظيمة... ثم لِيَرْضَ من يرضى... وليَغْضَبْ من يغضب... وتمّام - تمام هذا-... سأدوسه بقدمي... سألُوكُهُ ثم أتفله»
اقتربت السيارة من القصر الكبير... ودق قلب حسان... وحانت ساعة العُرْس الجديد... كل شيء حوله جميل... قال جابر في نفسه:
- "حتماً ستتحسن صحة جواهر... عما قريب... لقد جاء البلسم... وجاء العلاج... وسيعود حسان وجواهر... عصفورين في قصرهما... وعندها... سَنُمَزِّق الورقة... التي كَتبْتَ فيها جواهر... تلك الكلمات الصعبة... التي شهدت عليها... لم يعد لها أي قيمة... لقد بدأت بإنشاء أول لبنة في هذا الزواج... وسيبقى الزواج إن شاء الله... ما حييت"
ابتسم ساعتها جابر بسمة الرضا... وكانت تلك اللحظات... هي ذات اللحظات... التي أطلت فيها السيارة... على منزل جواهر.

 2- الزمن يتوقف من جديد

الجو القاتم بجوار منزل جواهر... يفرض نفسه بعنف... ويبدو مقلقاً للغاية... ومع كل هذا... أصبح من حق الشيخ جابر... أن يرسم لنفسه لوحةً يتوجس فيها الشر.
 هنا سيارات كثيرة... تقف أمام المنزل... وهناك وفود تدخل... ووفود أخرى تخرج... ونساء عليهن سيما مربكة.
حسان لا زال سابحا في أوهامه... أما جابر... فقد انتبه... أوقف السيارة... ونزل بسرعة... وفي طريقه للمنزل... كان ينظر لوجوه الغادين والرائحين... وهو لا يكاد يفهم شيئاً... أوقف جابر أحدهم... وسأله:
- «ماذا حصل يا أخ؟»
- «ألا تعرف؟»
- «قل... ما الذي حصل؟»
- «صاحبة هذا المنزل... توفيت منذ لحظات... رحمها الله... إنها تُذكر بالخير... ماتت وهي شابة... اسمها جواهر... لقد اتصلت جارتي على زوجتي... وطلبت حضورها... نساء كُثُر... وَصَلن للتَّو... لعمل اللازم... إنها وحيدة»
لم يكن جابر يسمع بقية الكلام... الدنيا وقفت دقيقة... ثم عاودت حركتها بالنسبة له... كل المآسي التي تَوَقـَّع أن تحل بالدنيا... أقل من مأساةٍ كهذه... بالنسبة له:
-" هكذا... وبكل هذه البساطة... تموت جواهر... وينتهي كل شيء... إلى هذا الحد من الدناءة... وصلت الدنيا... مستحيل!... مستحيل!"
عاد لجابر رشده... عليه أن يعمل شيئا يتناسب مع الحدث... استجمع إيمانه... وذكر الله في نفسه... ودخل المنزل... شيء مؤسف...  الواقع كما قيل له.
عاد جابر إلى السيارة... عبرته ناشبة في حلقه... كيف يمكن حمل الخبر التعيس... لرجل يغالب جراح حزنه... التي برئت للتو؟.

3- وقتٌ صامت

حسان لازال في السيارة... إنه يغالب آماله غير المتوقعة... مع ذهولٍ من نوع ما... ماذا يدور يا ترى؟... ركب جابر السيارة... ولم يتكلم بكلمة.
 لقد مرت لحظات سوداء... وبعدها صار حسان يبكي بكاءً مراً... لقد توجس الخبر... وأخبره قلبه بإيحاءٍ رهيب... قال جابر في حزن:
- «أحسن الله عزاءك... يا حسان»
لم يقل حسان أي كلمة... لقد بردت قدماه... وأغمض عينيه... وسمح لقلبه أن يدق كالانفجار... شهق شهقة قوية... ثم طأطأ رأسه.
لقد آن للحزن أن يُفَجّر نفسه من جديد... وفي اللحظة ذاتها... التي كان من المتوقع... أن تنفجر فيها الأفواه بالبسمة... انطلق جابر بسيارته... حاملاً معه حسان... إلى المستشفى... مرت دقائق... وأُدخِل حسانُ للمستشفى... وهو فاقد للوعي.
إجراءات مبدئية... ويعود لحسان الوعي... الخبر القاتل أمامه كشبح... والشيخ جابر واقف أمامه كوهم... ذرفت عينا حسان بدموع ثقيلة... ولكنه قرر الخروج من المستشفى... إنه يريد إلقاء نظرته الأخيرة... على جواهر... ويريد أن يودعها وداعه الأخير... لمثواها الأخير.

4- النظرة الأخيرة

لم يطل الوقت... ها هو حسان... يدخل المنزل... ويتجه للفور... نحو الغرفة التي تكتنف الجنازة المسجاة... إنه يَحُسُّ أن يديه ملَطَّخة بالدم... ويحس أيضا... أن كل شيء يوبخه هنا... ولكنه سيقاوم.
 وَصل أخيراً إلى الجنازة... رأسه بدأ يدور بالمعاني الكبرى... حول كل شيء... ولكن عليه أن يتجلد... أكثر وأكثر.
وفي مشهد ذهول وانكسار... وقف حسان... ثم انثنى على ركبتيه... ثم مد يده بهدوء... لحظات رعب مرت... ثم كشف حسان الخمار... عن وجه جواهر... وتوغل بعينيه... في تقاسيم الوجه الصامت... كل شيء راكد.
 الذُّبول يلف تلك الشَّفة الغضة... ليُعدَّها لقمة سائغة... للدود الشره... خلال الأيام القليلة القادمة... إرادة الله فوق كل شيء... ومن يدري؟... لعل ثَمَّ بسمةً من نوع آخر... ترتسم الآن... في قلب جواهر... أو تحيط روحَها... إنها تُجاور ربَّ العالمين... ربما كان من صالحها أن تموت... صابرةً محتسبة... ومن يدري؟... لعل حياتها في الحفرة المظلمة... أكثر طمأنينة... وأسعد بالاً... قد يكون لها أهل وجيران... من نوع آخر... هناك أسرار لا يمكن لأحد أن يتكهن إجابتها... ولكن... كل من يعرف تلك المرأة الصالحة... يعرف عنها شيئاً واحداً... هو أنها مؤمنة.

5- الشعور الرهيب

حسان أغمض عينيه... وتنهد بهموم كبيرة... ثم أمال رأسه بهدوء... وقبل الجبين البارد.
 كان يسمع من حوله أصواتا هامسة... لبعض الحاضرات من الجارات:
- «مسكينة... إنها صغيرة... لازالت شابة... كانت جميلة... كانت طاهرة طهر الإحرام... لا عليها... ستعيش مع أهل الجنة»
 كل الألسن الموجودة تحدثت... سوى لسان واحد... وحق له لو تكلم... أن يُعرب بآلاف الكلمات الصادقة... ولكنه آثر الصمت... مع إنه أكثر الناس معرفة بها... حسان... لم يتكلم... ولكنه سمح لآلاف العبرات... أن تنطلق... لتُتَرْجِمَ آلاف المشاعر.
حسان في الوقت ذاته... يشعر أنه يعلق وشاحا قبيحا على صدره... إنه يجزم دون شك... أنه هو القاتل الحقيقي... لجواهر:
-" لقد قتلتها بقلمي... الذي سطَّرت به الأسطر المشئومة"
أزاح حسان عن رأس جواهر... تلك الحُلَّة الزهيدة... التي تلف الجسد البارد... إنها أكفانها البيضاء... وتلمَّس شعرها الأسود... المبتل بالماء والسدر... إنه ينسدل في جدائل خلفها... عيناها مغمضتان... ما أبشع صورة الموت... عندما يفترس الأجسام الطيبة!:
- "  آه... ثم آه"
بكى حسان... ثم بكى... هذه هي النظرة الأخيرة... التي يوجهها لحبيبته جواهر... عليها أن تُنقش في قلبه... وفي ذاكرته.
 في أثناء ذلك... دخل جابر... بعد أن استدعته زوجته... لابد له من أن يسحب حسان... كي لا يُصْرَعَ بجوار مُطَلَّقته... لكن حسان زَمْجَرَ في غضب... وعاد طويلاً ليتأمل... تذكر ضاحية... أم جواهر... تذكر أمه وأباه... ثم توغل بنظراته في ملامح جواهر... قليلاً قليلا... وخُيل إليه شيء ما... جواهر... إنها تبتسم... وخيل إليه أيضا... أنها تفتح فمها... وخُيِّل إليه أن عينيها فُتِحَتا أيضاً... إنهما تَبْرقان... بريق الحياة... خيل لحسان... أن وجهها يشع بالنور... طرأ في ذهنه هاجس غريب... شعر أن أضلاعها تتحرك... إنها تتنفس... جحظت عينا حسان... اقترب منها أكثر وأكثر... بدا له كأنها تتكلم... إنها تنادي باسمه... صاح في دهشة يخالطها البكاء:
-" إنها حيَّة... لم تزل حية... جواهر لم تزل حيّة...حية... إنها تتنفس... وتَتَحدَّث إليَّ"
 اقترب جابر أكثر... وسحبه... حتى أخرجه للخارج... وراودت الشكوك... بعض الحاضرات... في أنها لازالت حية... وبعد فحص دقيق... قامت به زوجة جابر... أخرجت دمعتين حرّاوين... وقالت:
-" لا فائدة... إنها كسائر الموتى... لن يُقدَّر لجواهر... أن تعود للدنيا... أبداً... لقد أصابت الأوهام قلب حسان الجَزْع... يجب أن تنتقل الجنازة... لمثواها الأخير"
ثم نَحَبَتْ زوجة جابر... قليلاً... ورجعت أدراجها حتى اختفت عن الأنظار.

6- آخر الحثوات

مرّت لحظات حزينة باردة... يكسبها شيئاً من الدفء... أصوات تتسلل في الصمت المطبق... بكلمات فيها ذكر لله.
وحُملت الجنازة على خشبة... وعلى أكتافٍ ستة من الرجال... واتجهت جواهر بعد قصرها الكبير... إلى المقبرة... هناك ستقضي بقية أيام الدنيا.
 وقبل أن توضع في قبرها... نظر الموجودون... هنا وهناك... بحثا عن قريب لها... ينزلها في قبرها... قال جابر:
- «أوْلى مَنْ يُنْزِلُها قبرها... حسَّان... إنه زوجها... لقد طلقها طلاق المكره... ثم ارتجعها قبل أن تموت... سمعته بأذني وهو يرتجعها»
لم يكن حسان ساعتها موجوداً... انفلت جابر... وبدأ يبحث عنه... هنا وهناك... وأخيراً وجده... كما توقع تماماً... إنه في المسجد المجاور... المسجد هو النعمة العظيمة... التي أنعم الله بها على كل مسلم... لأنه مكان الطهر والسكينة... ومكان العبادة... وهو مكان ارتباط الأرض بالسماء.
كان حسان يقرأ في القرآن... ويكرر القراءة:
- " {يا أيتها النفس المطمئنة... ارجعي إلى ربك راضية مرضية... فادخلي في عبادي... وادخلي جنتي}"
حسان يقرأ هذه الآية... بطريقة أخرى... لقد كان من قبل... يقرأها دائماً... على صفحات الجرائد... في مناسبات النعي... لقد كان يمر عليها مرور الكرام... أما الآن... فإنَّ لها وقعاً آخر... على أوتار قلبه... إنه يشعر أنها أنزلت في شأن جواهر.
 استمر حسان... يردد هذه الآية... {يا أيتها النفس المطمئنة...}.
 في أثناء ذلك... دخل جابر... وطلب منه مصاحبته للمقبرة... حسان لم يَدُرْ بباله أن جواهر... ستنزل المقبرة... بكل هذه السهولة... أصابته الدهشة... قام مذهولاً... وسار مع جابر... وبعد دقائق... كان القبر جاهزاً... لالتهام قطعة فؤاده:
-"جواهر... يرحمها الله"
أنزلت جواهر لقبرها... بعد الصلاة عليها... حسان ينظر ويتأمل... وضعت الأحجار... حسان ينظر ويتأمل... وبدأ الجميع يُهيلون التراب.
دقات قلب حسان تقول له... إن الحياة ثوان فقط... سارت حياته مع جواهر... كحلم سريع... ولم يبق منها إلا ما علق في ذاكرته... من أخلاقها الرائعة.
 امتلأت الحفرة بالتراب... ومن جديد... يثور السؤال:
- «أين جواهر؟»
كأن شيئاً لم يكن... أصبحت جواهر رهينة عملها الصالح... ومشوار حياتها النكد... لم يبق شيء يستحق البسمة... ولا حتى التنفس... من أجل العيش.
 أُذُنُ حسان... تسمع كلمات من هنا وهناك:
-  «أحسن الله عزاءك... عظم الله أجرك... أحسن الله عزاءك»
حسان... لا تهمُّه الكلمات... إنها لن تعيد له أحداً.

7- إلى هناك... من جديد

 نقلَتْ حسانَ قدماهُ... إلى منزله السابق... الذي كانت ابتسام يوماً ما... مَلِيكتَهُ المتوَّجة... إنه الملاذ الوحيد... له في هذه الأيام العصيبة... صحيح إنه يُذكِّره بابتسام... ولكن... لامناص... لقد طَرَدَ نفسه من منزل جواهر... القصر الواسع... عندما طلقها... وطرد جواهر... المسكينة... من الحياة... عندما طلقها... وستعود حياته راكدة كئيبة.
 وفي الطريق... يقول جابر لحسان... بعد أن أركبه في سيارته:
- «يجب أن تَتَصبَّر... ويجب أن تتمالك نفسك... أنت مؤمن... أنت يا حسان... دائما تُصبِّرنا... عند نزول الكوارث»
- «الله يعين»
- «هل ستعود لمنزلك الأول؟»
- «لم يبق لي سواه»
- «ستعيش إذن مع ابتسام»
- «بل وحدي... يكفيني طيف جواهر»
دخل حسان حينها في نحيب متواصل... قال جابر في حزن:
- «أرجو الله... أن يقدر خيراً... ستعود المياه لمجاريها»
- «كلا... لن تعود... لقد جفَّت كل المياه... واحترقت المجاري»
وصلت ساعتها السيارة... إلى جوار المنزل... ونزل حسان... ودخل المنزل... وأقفل الباب خلفه... كان يرجو ساعتها ومن أعماق نفسه... لو كان الباب... هو باب القبر... وتمنى لو يُغلق القبر... للأبد:
-"كم هو جميل هُدوء القبر؟... وكم يأنس به من كَرِهَ الحياة؟... بكل ما فيها... وكم هُمْ مُطْمئنُّون... أولئك الموتى!... وكم هي هادئة... رقدتهم الطويلة؟... ماذا خسروا يا ترى؟... حقاً لم يخسروا شيئاً يذكر... لقد أراحهم الموت... من نكد الحياة... ومن غمَّها... (تعبٌ كلها الحياة... وما أعجب إلا... من راغب في ازدياد)".
دخل حسان... غرفة المكتب ـ السابق ـ... في منزل ابتسام... حاول ألاَّ يتذكر شيئاً من الأحداث... التي تراقَصَت بسخرية أمامه... فزع للمصحف هناك... تناوله... وضمه إلى صدره... ثم تركه... وذهب ليتوضأ... وعاد مرة أخرى... وفتح المصحف... ثم ابتسم في سخرية... لقد وَجَدَ ورقة صغيرة... إنها القَصَصْ... الذي وَصَلَت إليه ابتسام... وهي تقرأ وردها اليومي... آخر مرة في سورة البقرة.
رفع حسان الورقة... أراد أن يتمعن فيها... ولكنه امتنع... لحاجة في نفسه... ولكنه آثر أن يقرأ... من بداية الموقع... الذي ربما وقفت عنده ابتسام:
- "{لله ما في السماوات وما في الأرض... وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه... يحاسبكم به الله... فيغفر لمن يشاء... ويعذب من يشاء... والله على كل شيء قدير... آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه... والمؤمنون... كل آمن بالله وملائكته... وكتبه ورسله... لا نفرق بين أحد من رسله... وقالوا سمعنا وأطعنا... غفرانك ربنا... وإليك المصير}.
بعدها... ترك حسان المصحف... ودخل في تأمل عميق... ثم أسلم عينيه للنوم.

الفصل الرابع والعشرون

 1- الفارس القادم

يقال أن أَسْرَعَ شيءٍ في العالم... هو الضوء... ولكن... ربما كانت الأخبار... في بعض المجتمعات... أسرع انتشاراً من الضوء!... ربما!.
أخبار الأحداث الجسام... التي تعرضت لها أسرة جواهر... وصلت إلى ابتسام... لقد كانت تلك الأحداث... حزينة بدرجةٍ ما... لابتسام... ولكنها مع ذلك... غمرتها بكثير من السعادة.
تغلق صنبور الماء... وتضع الصحن الصغير... الذي أنهت غسيله للتو... في سلة الصحون النظيفة... ثم تحمل صحنا آخر... عليه بعض آثار الطعام... وتضعه تحت الصنبور... وتفتح الصنبور... ثم تحدث نفسها:
- "صحيح أن جواهر ماتت... ولكني أنا... عشت كما أريد... لقد عشت سَيـِّدة زوجي... وهذا هو الأهم... إن ماتت جواهر... فما هي إلا امرأة من آلاف النسوة... اللواتي يَمُتْنَ يومياً... عوضاً عن أنها جَنَتْ ما زرعت يداها... لماذا تجرأت من البداية... ووضعت الشباك أمام زوجي حسان... لقد خطفته... بل سرقته... حقها أن تقطع رقبتها... نعم... رقبتها... لا يدها... لقد انتقم الله لي... لعلمه بحالي... لأنها سعت لتقويض جدران بيتي... لقد انهد البيت على رأسها... هي الجانية على نفسها... وهذا حتماً... هو جزاء كل امرأة تصطاد في الماء العكر... زوجاً طيباً من زوجته.
نعم... ليس من حق أي امرأة... أن تدخل في حدود امرأة أخرى... مهما كانت الأسباب والذرائع... مع أنه لا يوجد أي ذرائع... تستطيع جواهر... أن تتذرع بها... ومع ذلك... أقول...( رحمها الله)... ولكن... لماذا لم تتزوج رجلاً آخر؟... أيُّ رجل... رجل ماتت زوجته... أو رجل يطمع في ثروتها... هل ضاقت عليها الدنيا... وازداد بها الطمع... حتى تقاسمني في قرَّة عيني... حسان؟... أعوذ بالله... هذه أبشع صور اللؤم... التي يجب على حقوق الإنسان... في القرن العشرين... أن تحاربها.
لكنَّ الله... لهؤلاء جميعا بالمرصاد... لقد شربت من كأس السم... الذي أذابته في الماء... لتسقيه لغيرها... شربت منه... وماتت... نعم... إلى غير رجعة"

2- أسئلة

ابتسام... تحمل علبة اللبن... من داخل الثلاجة... ثم تغلق الثلاجة... وتتجه للسلة... وتأخذ منها كوبا صغيرا... وتسكب فيه شيئا من اللبن... ثم ترجع... مرة أخرى... لتفتح الثلاجة... وتضع علبة اللبن... في مكانها السابق... وتغلق الثلاجة... ثم تحمل الكوب... وتحتسي شيئا من اللبن... وفي أثناء ذلك... تنقدح في رأسها فكرة... وسرعان ما تتحول الفكرة إلى سؤال:
-"ماذا لو كنت مكانها؟... جواهر... أليس من حقي عند ذلك... أن أعيش مع زوجٍ يحميني؟... ألا أود أن يكون زوجي شابا... وأن يكون صحيح البدن... وأن يكون حسن الخلق؟... أليس من حقي أن أعيش حياة مستقرة؟... خاصة إذا لم أطلب من زوجي... ما ينقص به نصيب الزوجة الأولى؟"
لم تطل هذه الأسئلة... وضعت ابتسام الكوب جانبا... وغسلت يديها وفمها... واستعاذت بالله... من هذه الفكرة... الشيطانية... ولم تسمح لنفسها الاستمرار... في أفكار كهذه... كي لا تصل إلى نهاية الحكم.

3- أفكار... تمام

انقطعت هذه الهواجس المتضاربة... في ذهن ابتسام... عندما دخل تمام... إنه يأتي في الوقت المناسب... ليبث أفكاره القوية... في الذهن المستسلم... داخل جمجمة ابتسام... كلما حان لقلبها الطيب... أن يعود لرشده... قال تمام لها:
- «مبروك... ألف مبروك... الخطَّة نجحت»
- «هل عرفت آخر الأحداث؟»
- «نعم... لقد عاد القط الهارب... إلى وضعه الطبيعي... هل قرَّرت؟... ماذا ستفعلين؟»
- «ماذا أفعل يا تمام؟"
- «نعم... يجب أن تبقي عندي... هنا... في منزلي... حتى يأتي ويسترضيك... وعندها... تطلبين منه مبلغاً من المال... ليكن عشرة آلاف ريال... ولا تنسيني من الحلاوة... وأيضا... سنطلب منه شروطاً أخرى... نفكر فيها لاحقا»
- «أنت قاسٍ جداً يا تمام»
- «بل يستحق حسان... أكثر من ذلك... يجب أن يعرف قيمتك... أنت من البداية... سمحت له أن يتحكم فيك... لابد الآن... أن يرضخ... وأن يكون كالخاتم... في أصبعك»
هزت ابتسام رأسها... يبدو أنها قد اقتنعت بكلمات تمام... ويبدو أيضا... أنها قد قررت مواصلة السير... على وصاياه الرائعة... لقد أعادت وصاياه المذهلة... زوجها الحبيب... وخلعت ضرتها.

4- ابتسام... والانتظار

مرَّ يوم... يومان... ابتسام تنتظر بلهفة... متى يجيء حسان... عصفورها الجميل... ليطلب يدها من جديد... فتتمنع قليلا... ثم يلح في الطلب... ويلح... وأخيرا... توافق.
الواقع... أنها تريد الذهاب إلى حسان... تريد أن ترتمي بين يديه... تريد أن تقبل بين عينيه... ولكنها أيضاً... تريد أن تُحَسِّسَهُ بغضبها عليه... كي يشعر بقيمتها الحقيقية... عليه أن يدفع ثمن غلطته... لماذا جرح مشاعرها بالزواج؟... لماذا؟.
  مرَّ يوم ثالث... بدأت بعض الهواجس... تتسلل لعقل ابتسام المشتت... طرأت على ذهنها فكرة:
-" أمر غريب... لم يأت حسان... ما الذي حصل؟... لماذا لم يأت؟... نعم... لماذا لم يأت؟... هل هناك مشكلة ما؟... أو خطأ ما... في بعض الحسابات... التي حسبتها أنا وتمام... بكل دقة؟"
في اليوم الرابع... الظنون تأكل قلبها... وازدادت حيرة ابتسام ... أكثر وأكثر... وبدأت تتساءل:
- " لم يأت حتى الآن... هناك أمر ما... بالتأكيد... يجب أن أعرفه... لماذا لا أذهب بنفسي؟... إلى عشي الجميل... كي أغرد فيه... بصوت عذب... أنا وحسان... هناك... كما يحلو لنا... حسان... الله!... إنه فارس أحلامي... وسيبقى كذلك... آه... لقد تأخر كثيرا... لماذا لم يأت على جواده... ويمسكني بيمناي... وننطلق سويا؟... كم اشتقت لك يا حبيبي!... وكم حدثني نفسي بالاستسلام!... والرضا بالأمر الواقع... وببقاء جواهر!... ولكن... أخي تمام... حفظك الله يا تمام... لقد كنت عونا لي... في الأيام الصعبة... وعندما كانت الهواجس الغبية... تحيطني بالضعف... سرعان ما تتصدع... جدران الضعف... بمجرد دخولك... يا تمام... كنت دائما تقول:
(آلاف الأزواج... سيتقدمون... ويُقَبِّلون يديك وقدميك... سيتقدم لك الشُّبان... من غير المتزوجين... ستكونين سيدة زوجك... لا شريك لك فيه... بَدَل أن يكون حسان سيداً عليك... أنا أضمن ثلاثة شبان... لم يجاوزوا الخامسة والعشرين... كلهم حدثني عنك... لماذا يطول تشبثك بهذا الساذج؟)
أنا أعرف يا تمام... أنه لم يكن ثمة أزواج... ولا أحد... ولكن... كلماتك القوية.... كانت تزيد قوتي... في التشبث بموقفي... وانتهت القضية... لصالحي... الحمد لله... وقريبا... سأستأنف حياتي... من جديد"
مرَّ يوم ثقيل آخر... في الانتظار... ولكن :
                      -" هذا شيء مؤسف... لم يأت حسان"
ومرَّ يوم آخر... أكثر ثقلاً... وحسان لم يأت... مشاعر ابتسام الغضة... تُجبرها على فعل شيءٍ ما... وأخيرا اتخذت القرار:
- " فما المانع من أن أذهب إلى منزلي... لقد تنازل حسان عن شيء... وأنا... يجب أن أتنازل عن شيء... سأكون طيبة كعادتي... إني أشاركه في تحمل أعباء كل شيء... علي الآن أن أقوم بدور ما"
قدمت ابتسام هذا العرض... إلى تمام... ولكنه تلكأ كعادته... عن فعل أي عمل... فيه نبض من الخير... ولكن بعد إلحاح منها... كانت ابتسام... تجلس بجوار تمام... في السيارة المنطلقة... إلى حيث أرادت... وفي الخلف... يجلس طفلاها.

5- إلى العش الصغير

وصلت السيارة... إلى المنزل المقصود... منزل ابتسام.
ابتسام في السيارة... تعد نفسها للنزول... إن مشاعرها الملهوفة... تُشعرها بالنصر الكاسح... وبالسعادة الكبيرة... توقفت السيارة... وودعت ابتسام أخاها... ونزلت من السيارة... ومضت.
 ابتسام المنتصرة... تدق الأرض بقدمها... وتسير بكبرياء... وصلت إلى باب الشقة... بالتأكيد... حسان غير موجود.
فتحت الباب... بمفتاح معها... ثم دخلت.
 الفرصة الآن سانحة أمامها... ما أجمل عُشَّها!... أخيراً عادت إليه... ولكنه يحتاج إلى ترتيب سريع... لبعض مفرداته المتفرقة... بدأ نشاطُها يَخِفُّ بها... هنا وهناك... دارت في جميع أنحاء المنزل... وأصلحت شأنه... ثم بدأت بإعداد الغداء... لقد تذكرت سعادة حسان... كلما جاء من عمله... منهك الجسم... خالي البطن... وتزقزق عصافير بطنه... جوعاً... تذكرته وهو يلتهم الطعام... ويبتسم... ثم يقول:
- «سلمت يداك»
ما أجملها من لحظات!... انتهى إعداد كل شيء... وألقت ابتسام بنفسها على كرسيٍ قريب... كي تتمتع بسعادتها الفائقة.
أخيراً... أدير قفل الباب... ودارت السعادة في بدنها.
 الذي أدار القفل... هو حسان... والذي أدار السعادة في قلبها... هو أيضاً حسان... ولكن... ابتسام حدثت نفسها:
- "ماذا يجول في وجدان حسان؟... الآن... ربما لا يعلم أنني هنا... بل هو بالتأكيد... لا يعلم أنني جئت... حقاً ستكون مفاجأةً كبيرة له... وبالتأكيد... هي مفاجأة سعيدة... الغداء مُعَدٌّ... والمنزل مرتَّب... والطفلان على أحسن هيئة... كم هو سعيد... جدا... بكوني زوجة له!... وسيزداد سعادة في المستقبل... لأني سأزداد حباً له... حسان أثبت حبه لي... عندما طلقها... وأبقاني... وسأزداد أنا خدمة له"

6-  مشاعر مجمدة

كانت المفاجأة مدهشة... حقاً... حين دخل حسان... ولكنه هذه المرة... دخل... بطريقة أخرى... لم تكن تتوقعها زوجته ابتسام.
لقد نظر إليها... وهي واقفة تنتظره... وابتسامتها تكاد تُسْعِدُ كل شيء في الدنيا... إلا وجه حسان... الذي بدأ أكثر شحوباً.
حكَّ حسان رقبته... ثم طأطأ رأسه للأرض... ثم استدار... لقد قرر أن يعود أدراجه... إلى الخارج... لم يتلفظ حتى بالسلام... ولم يمنحها مجرد ابتسامة عابرة... كان تماماً كمن شاهد صورة شبح رهيب... أو شيطان مارد... جمدت ابتسام في مكانها... شيء لم تألفه من قبل... في وجه حسان... شعرت أن صدمتها رهيبة... وبدأت الأمور تُفهم لديها بطريقة عكسية... سألت نفسها:
«هل كنتُ على خطأ؟... هل كل أعمالي التي ظننتها ستفضي بي إلى برِّ الأمان... لم تكن في حقيقتها... سوى طريق جهنم؟... هل كانت أفعالي الخيِّرة... لأسرتي... ذنباً لا يُغتفر... بالنسبة لحسان؟... هل جَعَلت الأحداث... قلب حسان الطيب... قلباً مقطوعا من الصخر؟... هل حسان... يكرهني الآن... في الوقت الذي وهبته فيه... كل قلبي؟... ولكن... ربما كان قلبه الطيب... ذاب كمداً... على تلك المقبورة... هل يمكن ذلك؟... هل يمكن... أن يتغير قلب حسان... إلى الصلابة والعناد... كما تحولت أنا في وجهه... إلى الجمود والتكبر... عندما طلبت منه طلاق جواهر؟... هل تغير حسان... ولم يعد قادراً على منحي شيئا من المحبة؟... لا... لا... مستحيل... هل انهدم كل شيء؟... ليت المياه تعود لمجاريها!... آه... ليت حسان يعطي قلبي الولهان... شيئاً من حبه!... ليته يعطيني الآن... نصف قلبه... أو ربعه!... هل أسأت له إلى هذا الحد؟"
بدأت ذاكرة ابتسام تنفض الغبار... عن أحداث سابقة... وبدأت الأحداث التي مرّت يوما ما... وكأنها قذاة.... تمر الآن... وكأنها جبال:
-" لقد قُتِلتُ جواهر... ورقصت على الجراح الدامية... وذات يوم... شتمت حسان... بكلمات قبيحة... وألقيت بكل توسلاته... خلف ظهري... لقد تجاهلت كل عواطفه... هل بقي لي حق الآن... في أن أطالبه بحبي... أو فسح فرجة صغيرة لي في قلبه؟... هل سأجني من زراعتي للشوك... عنباً أو زيتوناً؟"

 

7- حسان لم يعد هنا

خطوات حسان تتجه بوهن... جهة الباب... انطلقت ابتسام... بكل اهتمام... خلف زوجها... وأمسكت بيده... لقد خرج حينها جميع جسمه... خارج الباب... إلا تلك اليد... التي أمسكت بها... لقد كانت تلك اليد... سبباً في عودته... للمنزل... ولكن... ليس لحبها... كانت قواه منهكة... ولا طاقة له في المقاومة... البقاء والخروج... كلاهما سيَّان... البقاء والذهاب... لا فرق بينهما... بل الحياة والموت... يعبران الآن... عن شيء واحد.
حسان... انهزم لتوسلاتها الحارة... ودخل ثانية للمنزل... ولكنه سحب يده من يدها... وجلس حزيناً على المقعد.
حسان جالس... ولكنه أشبه بأصم أبكم... صَمْتُهُ أشبه بخطبة عصماء... تُعرض فيها صورة رهيبة... للمأساة التي أنزلتها عليه... مواقف ابتسام المتطرفة... لقد فهمت ابتسام الكثير... وتبدت لها صورة تختلف تماماً... عما في ذهنها... وعمَّا قاله تمام.
انقطع الصمت بطرق على الباب... كان ذلك الطرق المتواصل... منقذاً لذهن حسان... من الغَرَق في أفكارٍ قاتلة... قام حسان متجهاً نحو الباب... وعندما فتح الباب... بدا وجه رجل من أهل الحي... قال في حب:
- «السلام عليكم ... كيف حالك يا حسان؟»
- «أهلاً وسهلاً تفضل»
- «شكراً... أنا على عجل... ولكن... هذه الرسالة وصلتني... لأوصلها لك... أعطاني أحد رجال الشرطة... لقد جاء إلى هنا... ولم يجدك»
تناول حسان الورقة... وانصرف الرجل... كاد حسان يعود للمنزل ثانية... ولكنه أقْرب للهروب من ابتسام... لذا آثر أن ينصرف خارجاً.

8- المحاكمة الظالمة

حسان الآن في الخارج... ومن حقه أن يتصفَّح الورقة... أجال عينيه على السطور بسرعة... لم يكن فيها شيئا ملفتا  لنظره... لقد توقع من قبل... أن يقرأ ورقة كهذه:
 «المكرم حسان... نرجو حضوركم للمحكمة... يوم السبت 23/12/...»
هذه الورقة... أكدت لحسان ظنونه السابقة... المحكمة تريد معرفة أبعاد قضية مطلَّقته... جواهر... وأسباب موتها.
كان حسان يمشي متجهاً نحو لا شيء... خطواته مَرَّةً تطول ومرة تقصر...ولكنه دون شك... عازم على قتل الوقت... كما قتل جواهر من قبل.
بقي هائماً على وجهه... قضى نهاره ذاك... وبقية ليلته... بطريقته الخاصة... وفي الصباح... من اليوم التالي... اتجه نحو المحكمة... حدث نفسه وهو ينزل من سيارته... بعد أن أوقفها بالمواقف الخاصة بالمحكمة:
- " سأكون قادراً على الإدلاء بأي قول يطلب القاضي مني أن أقوله... وربما أكون متهماً في قتلها... هذا وارد... لا مشكلة... سأقول إنني أحد الأسباب القوية... في موت جواهر... إنَّ طلاقي لها... دافعٌ قوي لها... كي تموت... لا يهم... قد أسجن... أو أقتل... هذا أحسن... لو قتلت... أو ربما يطلق سراحي... لا فائدة"
بدأ حسان يسير بصمت... وصل بعد وقت قصير... إلى باب المحكمة... استمر في المشي... ودخل على القاضي... يال دهشته... عندما رأى الشيخ جابراً أمامه!... بدأ يتساءل:
- " هل جابر متهم أيضاً في القضية؟... ربما... أم تراه هو القاتل الفعلي؟!... لا أحد يدري... كل شيء محتمل... في هذه الأيام... الناس يتغيرون... في لمح البصر... من الأرانب... إلى الذئاب... أو ربما هو من أقام الدعوى ضدي... ولم لا؟... ربما اتهمني بالقتل العمد... لقد كان يكن لجواهر... كل تقدير واحترام... إنه يعدها كابنته... مؤكد... هو من أقام الدعوى ضدي... يزوجني... ثم يقتلني... يالله!"
مَثُل حسان أمام القاضي... ليتلقى المصير المحتوم... عليه... أو على جابر.
تقدم جابر مُرَحِباً بحسان... استغرب حسان لابتسامة جابر... ولكنه بادلها بابتسامة أخرى... مُغتصبة من شفتيه بعنف... قام القاضي مرحباً بحسان... استغرب حسان استغراباً أكبر... لابتسامة القاضي وحفاوته...
-"هل يكرم المجرمون في محاكمنا؟... ممتاز... إلى هذا الحد!... هذا شيء جيد"
 جلس القاضي... وجلس جابر... وقال القاضي لحسان... بكل احترام:
-" تفضل... اجلس يا أستاذ حسان"

9- ورقة كئيبة

جلس حسان على الكرسي المقابل تماما لمكتب القاضي... الأمور كلها تُبشِّر بالخير... مدَّ القاضي ورقة صغيرة... جهة حسان... وابتسم جابر... لتقديم تلك الورقة... وقال متفائلاً:
- «اقرأ يا أخ حسان»
- «هل هي خاصة بي؟»
- «هي رسالة من...»
طأطأ جابر رأسه... وبدأ حسان يقرأ ويهز رأسه... ويمر على أسطر الرسالة... حرفا حرفا... بدأ يشعر... أن شعر رأسه يقف... وأن حاجبيه انتصبا لأعلى... وعيناه جحظتا... وبدأت أطرافه ترتعد... ثم قال:
- «ما المطلوب مني الآن؟»
- «يجب أن تهدئ من روعك»
- "لم أعد قادراً على تحمل كل هذا... ماذا فعلت؟... يا رب... يا رب"
- «استغفر الله... يا حسان... لا يجوز هذا»
- "استغفر الله"
أمسك حسان برأسه... ووضع الورقة أمامه... كان مهموما... لأن الورقة التي قرأها... ليست غريبة عليه... أبدا... إنها هي بعينها... ورقة الطلاق... التي كتبها من قبل... طلاق جواهر... وكتب عليها... كلماته القاتلة... قال حسان في شيء من التعجب... يخالطه شيء من اللوم... وهو يسأل القاضي:
- " ولكن... هل أتيت هنا... لأقرأ ورقة الطلاق؟"
تذكر الشيخ جابر شيئا ما... انتبه بسرعة... ثم مد يده للورقة... وقال:
- " لا... لا... أنا آسف... آسف جدا يا حسان... اقرأ الجهة الأخرى... هذه مشكلة... لم أتنبه لها "
أمسك جابر بالورقة... وقلبها... وهو يقول:
- " أنت قرأت الجهة... التي لا نريد منك قراءتها... ولكن... اقرأ هذه الجهة"
عندما قلبت حسان الورقة... رأى أسطراً أخرى... لم يكن يعلم عن أي شيء تتحدث... ولا ماذا كُتب فيها... لكن الذي  فاجأه... هو الخط... إنه يعرف الخط جيدا... إنه خط جواهر... هذه الجهة مكتوبة بخط جواهر... وبقلمها... تابعت عيناه القراءة... استمر يقرأ... ثم انتهى من القراءة... وبدا كل شيء أمامه يدور.

10- ماذا تحوي... الورقة؟

 وضع حسان الورقة أمامه... ودخل في مقارنة عميقة... بين أشياء كثيرة... لم يطل الحال كذلك... حمل حسان الورقة مرة أخرى... وبدأ يقلبها... وينظر بذهول... مرة في الوجه الأول... ومرة في الوجه الثاني.
 ويقرأ بندم... تلك الأسطر التي كتبها بخطه... ويرى فيها خنجراً حادا... طبعت على مقبضه بصماته... وعلى نصله يسيح دم جواهر... ولكنه سرعان ما يقلب الورقة... ليقرأ ما كتبته جواهر... على وجه الورقة الآخر... ثم ترتسم صورة بديعة... يرى فيها حسان... وردةً نَضِرةً... غرستها جواهر... في حياتها الصالحة... ولا زالت تسقيها حتى بعد موتها.
 كانت الكلمات المكتوبة... بخط جواهر... هي ذاتها... الكلمات... التي دوَّنتها في آخر يوم من مرضها... وشهد عليها الشيخ جابر... مع المرأتين... إنَّها بالتحديد... الوصية النهائية... التي أرادت جواهر... أن تكون آخر أثرٍ لها في الحياة.
نظر حسان إلى جابر ثم قال:
- «هل جواهر لازالت حية!... الآن؟... ولكن... أين هي؟... أين ذهبت؟... سأستعيدها... ستكون زوجة لي... لن أطلقها»
أخرج القاضي دمعة... ومد الشيخ جابر يده... وربت على كتف حسان... وقال حسان:
- «إذن... علي أن أوقن... جواهر ميّتة... حسبتها حية... لقد فقدت عقلي... الأموات لا يرجعون للدنيا... بعد أن يرحلوا منها... ولن يرجعوا... كم أنا أحمق!»
- «أنت مؤمن يا رجل»
رفع حسان الورقة... مرة أخرى وكرَّر قراءة الوصية... التي كان فيها:
« أنا جواهر عمر... أكتب لك يا حسان... يا زوجي... السابق... وصيتي هذه... أنا أشكر لك من أعماق قلبي... عملك الصادق لإسعادي... ولإعادة الهناء... على قلبي... لقد مَنَحْتَني حُباً صادقاً... في أيامٍ عصيبة... كان قلبي أحوج ما يكون... لحبٍ صادق... لقد منحت آخر أيامي... ماءً بارداً... على الظمأ الطويل... الذي بقي يحرقني... طيلة عمري.
يا حسان... أنا لم أحمل تجاهك أي حقد... بعد أن حملتُ نحوك كل حب... فالحقد لا يجتمع مع الحب... أبداً... وأنا أسامحك... من كل قلبي... وأنا راضية... عن قدري... وإن لم أرض عن فعلك.
أنا سأموت قريباً... يا حسان... لذا... فأنا أُوصي لك... عرفاناً بجميلك الكبير... أوصي لك... بثلث مالي... وهو... مليون ريال... مع العمارة... التي سَأُوَدِّعْ الحياة... وأنا راقدة فيها الآن».
أنزل حسان الورقة... وزفر زفرة طويلة... في حين قدَّم القاضي شيكا مختوما من المحكمة... ثم سَلَّم صك العمارة لحسان... بعد أن كُتبت باسمه.
 حسان خرج من المحكمة... الخزي يكسوه... والحزن يخيم على حياته الراهنة... وآلامه ينوء بحملها البشر قاطبة... لقد سارت به قدماه... إلى حيث لم يقصد... وصل أخيراً... إلى منزله... وأدار القفل... ودخل .
فزِعَتْ ابتسام لتستقبله... ألقت بنفسها على صدره... سحَّت دموعاً غزيرة... ولكنه لا يفكر فيها... أبداً... إنها غير موجودة في ذهنه... ولا حتى في قلبه... تحاشاها بجهد... ثم ألقى بنفسه المنهكة... على المقعد... ودخل في تحقيق طويل مع نفسه... ومع ماضيه.

 

11-  التحقيق الدقيق

حسان يطالع في سقف الغرفة... ثم يصوّب نظره... تارة في نتوء بارز... أو انخفاض غير واضح... عيناه نعساوان... وكأنه يريد أن ينام... ولكن الدموع تتحدَّر منهما... بشكل غزير... وعندما أحضرت ابتسام الشاي والبسكويت... وألحَّت عليه أن يتناول القليل... بحجة أنه لم يأكل شيئاً منذ الصباح... اعتذر إليها... قالت له في حسرة:
- «إلى متى هذا الوضع يا حبيبي؟»
قال بأسى:
- " إلى الموت... لم أعد أطيق دنيا الأحقاد والضغائن... لم تعد الحياة لتساوي لديَّ شعرة قصيرة في قدمي»
- «ومَن يأكل هذا كله؟»
- «أنتِ... كليه أنتِ... أنا واثق من أني سآكل الليلة في مكان آخر».
حسان يتلفظ بهذه الكلمات... وعيناه كعيني محتضر... بدأ الركود بعدها يخيّم على الجو الكئيب... الذي تجلس فيه ابتسام... ويجلس فيه حسان»
أنقذ الموقف الراكد... صوت عذب... لأذان المغرب... شعر حسان عند سماعه... أن نعمة إلهية... هبطت إليه... ليقوم ويخرج... من المنزل الضيق.
قام حسان خارجاً من المنزل... بعد أن توضأ... وضمّ طفليه إلى صدره... في حب غامر... وقبل أن يجاوز الباب... قدمت له ابتسام ثوبه الجديد... وغترةً نظيفة... لتوها كُويت... اعتذرت إليه قائلة:
- «يجب أن تأخذ زينتك عند كل مسجد»
ولكنه قال لها:
- «سأذهب بهذه الملابس... لن أكَـلِّفَ نفسي بعد اليوم... همّ الانشغال بالملابس الجديدة... أو القديمة»
- «ولكن الزينة سنة عند كل صلاة».
- «زينتي في قلبي... زينتي بالصبر والخُلق... لم تكن الزينة في يومٍ من الأيام... محصورة في الملابس... كم من رديء ملابس... يملك أعظم زينة في صدره... من الحب للناس... والوفاء لهم... والإحسان إليهم!... وكم من صاحب ملابس جذابة... زيَّنت ظاهره... ولكن باطنه مُتْرعٌ بالحقد والأنانية... وحُبِّ نزول السوء بالآخرين!... أنا أفضِّل دائماً... أن أكون من الصنف الأول... وأما أنت... فلك أن تختاري... أي الصنفين تريدين»
كانت كلمات قاسية... تلك الكلمات... التي قالها حسان... لم تَتَعوَّد ابتسام سماعها قط... من زوجها الطيب... لقد قُذف في نفسها أعمق الألم... ولكنها لَزِمَت الصمت... لقد بدأت تشعر بمدى الألم... الذي يعتصر قلب حسان... ومع كل ذلك... فقد كان أملها كبيرا... في أن تمحو آلام زوجها جميعا... بالصبر والمثابرة... ولم يكن لليأس... أن يدب في قلبها... لقد كانت تعلم أن الأيام القادمة... كفيلة بطمس كل حزن... ونسيان كل سوء... خاصة وأنها تعرف قلب حسان... الذي لم يحمل يوماً من الأيام... غلاً أو حقداً.
خرج حسان من المنزل... واتجه صوب المسجد... وبعد انقضاء الصلاة... تناول مصحفاً كان يشغل أحد الرفوف القريبة منه... وبدأ يقرأ فيه... وبعد هنيهة... سجد سجود التلاوة... ثم واصل قراءته... قرأ ما يقارب الجزء... ثم وضع المصحف في مكانه... وقام من مقامه... وخرج من المسجد... وركب سيارته... وانطلق... لا أحد يدري... إلى أين سينتهي به المطاف؟.

12- كبسة لحم من جديد

ابتسام في منزلها... لقد عزمت على إكمال خطتها... لإخراج حسان من كابوس الحزن... إنها تريد أن تجعله يعيش أكثر واقعية... وتريد أن تُلزمه نسيان الماضي... ولكن بطريقة غير مباشرة... لقد عرفت ابتسام مدى صعوبة مهمتها هذه... ولكن... لا طريق لعودة حياتهم إلى وضعها السابق... إلا الصبر.
 حسان لم يتناول طعاماً منذ الصباح... ولا بد أنه سوف يأتي من صلاة العشاء... والجوع يعتصر أحشاءه... صحيح... أنه قد يرفض الطعام... ولكن... إذا كان الطعام من نوع محبب لديه... فمن المستحيل أن يرفضه... وعند ذلك... يجتمع شملُ الأسرة... من جديد.
ابتسام بدأت تفكر في اصطناع بعض القصص المسلية... والمضحكة... كي تعرضها على حسان... عليها أن تحضى بابتسامة ولو صغيرة... من ثغر حسان... ستكون تلك الابتسامة... في حد ذاتها... النّصر المظفر... الذي ترجو ابتسام أن  تناله... في هذه الأيام.
بدأت ابتسام في إعداد العشاء... كانت ذكية جدا في اختيار أصنافه... كبسة اللحم والرز... إدام –المسقع-... مع البطاطا... وملفوف ورق العنب... وعصيدة... ومرقة اللحم... وغيرها... سفرة شهية... وحسان ستفتح نفسه... ويقع في المصيدة... ويبتسم.
ابتسام تنتظر... وعندما سمعت انتهاء الإمام من صلاة العشاء... بالتسليم... رقص قلبها نشوةً... وأحسّت أن ساعة الصفر... بدأت تقترب... نظرت في أثناء ذلك... إلى ساعتها... لم يبق سوى خمس دقائق... فقط... ويدخل حسان... وتُطرد الشياطين... للأبد... ويخيِّم الأُنس... والبهجة.
 -"حتماً... هناك شيء مهم... الاعتذار... إن اعتذاري وإلحاحي... سيُبْطلان أثر السحر... الذي يعيش فيه حسان... وذلك لما يتميز به حسان... من طيبة وسماح... يكفيه أن يؤنِّبني قليلاً... وبعد ذلك... سيصبح قلبه زجاجة بيضاء... لا يحمل أي حقد... لم يطل حزن حسان...  في يومٍ من الأيام على يومين... وإن خلق حسان هذا... كفيلٌ ببث الطمأنينة في قلبه"
 كانت ابتسام واثقة من نظر حسان إليها بعطف... أمام توسلاتها... الطالبة لصفحه.
لقد مرَّت الخمس دقائق المتوقعة... حسان لم يأت... ومرت ساعة بعدها... حسان لم يأت... ابتسام  تَدُكُّ الغرفة ذهاباً وجيئة... وتنتظر... وتكاد تنظر للساعة كل دقيقة... أو كل نصف دقيقة... وكلما راودها الحزن... داخلتها سعادة غامرة... بأنها ستنتصر في النهاية... فقط عندما يدخل حسان.
 ابتسام تتساءل بقلق:
- «لماذا تأخر حسان؟»
وفي أثناء ذلك... طُرق الباب... وتلاشت كل الظنون... وأصبح الحلم حقيقة... والمائدة هناك... في الانتظار... وليلة الأنس... حتما... ستمحو كل ما قبلها.
بإطلالة صغيرة على المرآة... تأكدت ابتسام... من حسن صف شعرها... و«بخَّتْ بخَّتين»... من عطر جميل... ومسحت زيادةً بجوار عينيها... من الكحل... وانطلقت ترقص طرباً... لتقابل حسان.

13-  الحظ النـَّكد

واقفة أمام الباب... ابتسام... قلبها يرقص طربا... ويتفجر عزيمة على الانتصار... في حرب كابوس الحزن الطويل... قالت ابتسام وهي تبتسم:
- «مَن الطارق؟..»
- «تمام»
شعور سئ خالجها... لأول مرة... تشعر بعدم ارتياحها لمجيء تمام... قالت بكل استغراب وخيبة أمل:
«تمام!... ماذا تريد؟»
- «نعم... أنا تمام... افتحي يا... ابتسام»
فتحت ابتسام الباب... وألقت نظرة سريعة في وجهه... كانت تفكر في فكرة ما... لعلها... تفكر في الاعتذار عن استقبال تمام... لأنها تعرف جيدا أن حسان لا يرتاح لتمام... مطلقا... سيكون ذهن حسان نكدا... بمجرد وجود تمام... فما بالك إذن... إذا اجتمعت هموم حسان السابقة... وأحزانه... مع وجود تمام؟!... لن تكون مهمة ابتسام حينها سهلة... في تلك الأثناء... أطرق تمام برأسه للأرض... ثم رفعه فجأة... وبَدَا مُسفراً عن منظرٍ رهيبٍ... إنه منظر تمام... الجبار... لقد كانت الدموع تترقرق في عينيه... قالت ابتسام في ذعر:
- «ماذا بك... يا تمام؟... لم أرك حزيناً من قبل... قُل... »
وضع تمام كفه على كتف أخته... خنقته العبرة... دخل للداخل... وهو يقول:
«تصبّري يا أختي... فالموت حقٌ... على كل نفسٍ»
- «ماذا تقصد؟»
- «أحسن الله عزاءك... يا أختي...  في... حسان»
توقف الزمن... هنا... لعدة ثوان... وشهقت ابتسام... شهقةً مفزعةً... وذبلت عيناها... تدريجياً... فقدت... أو كادت تفقد... كل قواها... وأحسّت بما يشبه الشماتة الساخرة... ترقص في قلبها... ورجعت أدراجها... وألقت بنفسها على الأرض... شبه جامدة... ثم صرخت صرخةً مدويةً... وأتبعتها بأخرى.
فزع الصغيران... وأفاقا من نومهما... وأتيا يركضان... وعندما رأيا أمهمها... في هذه الحالة... انفجرا بالبكاء... بدا وأنهما عرفا كل شيء... استمرت ابتسام تصرخ... وتَلْطِمُ خدّها... وتشد شعرها... وتقول:
" أنا قتلته... أنا القاتلة... يا ويلي... يا ويلي... "
بدا وأن ابتسام... فقدت صوابها... وبدأت تشتم نفسها... بأقبح الألفاظ.
تمام هناك... يدور بالدنيا... بكل اهتمام... أراد أن يكون رجل الموقف... مع أنه لم يشغل هذه المهنة... من قبل... لذا حمل الصغيرين... وحاول إقناعهما... بالعودة إلى الغرفة... كي يناما... وبعد أن ذهبا... عاد إلى أخته... وانحنى نحوها... وهو يقول:
- «لستِ أنت القاتلة... أبداً... يا ابتسام... إنما هو الأجل... أنت مؤمنة... عليك أن تحتسبي»

14- القاتل

نظرت ابتسام بعينين مستسلمتين واهنتين... ثم قالت بغصة تقطع حلقها:
- «لا... لا... بل أنا قتلته... لقد مات كمداً مني»
- «لا يا أختي... حسان لم يمت كمداً... ولا حسرة... ولو عاش بجوارك... حتما سيكون ملكا متوجا بتاج السعادة... لكن حسان... بالتأكيد... مات سعيداً... لأنه كان زوجا لك... يا أختي... حسان لم يمت من حزنٍ... أو غضبٍ... كلا... لقد مات في حادث مروري... أصيب به... بعد أن خرج من المسجد»
أمسكت ابتسام بكفي أخيها... وقالت في انكسار:
- «جواهر... هي التي قتلته... أليس كذلك؟... جواهر... قتلته... لتقتلني بقتله... نعم... المجرمة... ولكن... يال أسفي!... جميعنا... أصبحنا في عداد الموتى»
- «لا... لا... لقد كان يقود سيارته... بسرعة جنونية... سرعة لا تكاد توصف... كما يقول رجال الشرطة... وانقلبت السيارة... ولقي أجله... صحيح أن رجل الشرطة... قال لي: (أنا لا أدري... هل كان متعمداً في صناعة الحادث... أم أنه كان قَسْراً عنه؟)... لكنه مات... مات... وارتاح من الدنيا... أنا متأكد أنه في الجنة الآن صدقيني... اطمئني يا ابتسام... لا تحزني... إنه حتماً سعيد».
لم تكن ابتسام ساعتها مطرقة لهذيان تمام... لقد كانت منْطرحة تحت تأثير غيبوبة قاسية... قام تمام مهتما... وحملها إلى السيارة... ونقلها إلى المستشفى... وهناك... في المستشفى... أفاقت... واستكملت ما بقي في عينيها من بكاءٍ وألم... لم تأكل... ولم تشرب... شيءٌ واحد... كانت تتمناه... كل ساعة... إنه الموت... نعم... الموت... ولكن... لحسن حظ الطفلين... لم تتحقق أمنيتها.
 لقد بقي الطفلان... في أثناء تَمَرُّضِها في المستشفى... عند أخيها... وبعد مرور أسبوع... كانت صحتها تتحسن... وقوتها تشتد.
قال الأطباء:
- " لم يعد لبقائها في المستشفى... أي مبرر... إنها بصحة عالية"

15- الوحدة

خرجت ابتسام من المستشفى... بعد أن جاءها تمام... كانت تتهادى بين ذراعيه... حتى ركبت في السيارة... انطلقت السيارة ساعتها... للمنزل... وعندما وصلت... قال تمام:
- «تفضلي... انزلي»
نزلت ابتسام... وهي أشبه بكُتْلَة من الهموم... كانت لحظتها تقلب في أوراق ماضيها... لتتذكر موقفاً مؤثرا... حصل لها هنا... قبل أسبوعين تقريباً... إنه موقف يتناقض مع موقفها هذا... أشد التناقض... حدثت نفسها:
-" حين أتيت إلى منزلي... بعد أن تأكدت من أن حسان... قد طلَّق جواهر... لقد جئت تلك الليلة... وأنا أحمل تاج الانتصار... على رأسي... كنت أثناء ذلك... مختالة متغطرسة... وكنت أظن أني بلغت أمنيتي... ونلت قصدي... أما الآن... فأنا في حال مؤسف... إنني كسيرة الجناح... متواضعة أشد التواضع... أتجرع كأس الهزيمة المرّ... وكان حقاً على كل مَن يراني... في هذه الحال... أن يشفق عليَّ... وأن يبكي على حالي... بكاءً مؤلماً"
مر الوقت بارداً متلفعاً برداء الوحشة... ابتسام تتقدم نحو الباب... وتتقدم... ومهما يكن ألم ابتسام... عند نزولها من السيارة... فإن آلامها عند دخولها المنزل... وإقفالها الباب خلفها... يتجاوز ذلك بكثير... كانت تقول في نفسها:
- «هل صحيح... أن حسان... زوجي الحبيب... لن يدخل من هذا الباب... ثانية... أبداً... ولن يطرقه... أبداً... ولن ينام هنا... معي... أبداً؟... بل... أنا... سأنام وحدي... تنتابني المخاوف والآلام"
مرت دقائق ساعة مؤلمة... وبعدها... حضر تمام... وأحضر معه ابني ابتسام... ودخل عليها... وهو شاكر لنفسه... لقد قرر أن يعيش معهم... تلك الأيام المقبلة... ليقوم بمطالب معاشهم... فهو كما سبق... يريد أن يقف مع أخته... موقف رجل... مع أنه في الحقيقة... سيكون عالةً كبيرة... على حياتهم... باستهتاره... وأهازيجه البليدة... التي لا يسلم منها الأحياء... أو الأموات... ولكن... وعلى كل حال... فوجوده خير من عدمه... فهو على الأقل... رجل... سيقوم بإيصالهم... للأماكن التي يحتاجونها... عند الذهاب هنا أو هناك.

 


15- أيام تنقضي

مرت الأيام القادمة... على الأرملة المسكينة... ابتسام... كأثقل ما تمر الأيام... على ثاكلٍ حزين... لقد صُبغ النهار... بطلاءٍ من الحزن والغم... وانقلبت الليالي... أياماً... من الهم والإعياء... وانقلبت الأيام لياليَ كالحة.
لم يدم الحال طويلا كذلك... ومع مرور الأيام وراء الأيام... هاهي ابتسام... شيئا فشيئا تتناسى الكارثة.
 ابتسامات صغيرة... ترتسم بهدوء... علي شفتيها... لقد عادت صحتها إليها... بجهد ومشقة... وبدأ النسيان أو التناسي... يعم الأحداث المؤلمة.
 مرَّ الآن على وفاة حسان... ما يقارب الستة أشهر... وأخذت ابتسام مكان السيادة... في منزلها الصغير... وعكفت على الاهتمام بابنيها... وانتظم الولد في الصف الأول الابتدائي... وبدأ الهدوء يعم البيت... مع أنه قد افتقد شريان الحياة الرئيسي فيه.

16- لحظات عصيبة

مرت أيام أخرى... وأخرى... وذات مساء... ابتسام تراجع مع ابنها دروس اليوم المقبل... انتهت مراجعة الدروس... وخلد الأطفال للنوم... وبقيت هي على سريرها... تقرأ في لوحة الظلام... الذي يُحيط بالغرفة... أسْطراً كالحة... من الماضي والحاضر... لا تدري ابتسام... هل فَتحت عينيها أم أقفلتهما؟... ولكنها بدأت ترى خيالات غريبة.
 الأشياء حولها تتداخل... والأفكار تتضارب... وحِمْلٌ ثقيلٌ على صدرها... شعرت أنها تدخل إلى حديقة جميلة... فيها من كل زوج بهيج... وبدت تتنقَّل بين الأشجار... قطفت ثمرتين من الفاكهة... حملتهما... وجلست داخل خيمة جميلة... أشبه بياقوتة مكعبة الشكل... طولها عشرة أمتار وارتفاعها أربعون متراً... ولما عزمت على تناول أول لقمة... من تلك الفاكهة... رأت خيمة مجاورة لخيمتها... أجمل بكثير... من خيمتها... إنها خيمة أشبه بلؤلؤةٍ... خيمة لها قبة من الياقوت الأحمر... ولما دققت النظر... رأت شخصين يجلسان متقابلان... رجل وامرأة... عزمت على القيام إليهما... والجلوس معهما... ولكن شيئاً في نفسها كان يمنعها.
 أمْعَنَت النظر... أكثر وأكثر... فوجئت... عندما دققت النظر... أن ذلك الرجل... إنما هو زوجها...آه... كم كانت مشتاقة لرؤيته!... لابد أنه أيضاً مشتاق لرؤيتها... كم سيكون سعيداً وهي بجواره!... ولكن... تلك المرأة... الغريبة... مَن تكون؟... لماذا تجلس قبالة زوجي؟
أزاحت رياحٌ رطبة... ذلك الخمار الحريري... الشفاف... عن وجه المرأة... التي تجلس مع حسان... دققت ابتسام النظر... وتبينت أن تلك المرأة... ليست سوى جواهر... لكنها الآن... أكثر جمالاً ووضاءة... إنها تكاد تنير ما حولها.
تقدمت ابتسام... بخطى وئيدة... وعندما أصبحت مجاورة لهما... نظرت إليهما... بتدقيق... إنها ترى بين أيديهما... إناءً فيه عسل... تذكرت شهر العسل... هل يا ترى حسان وجواهر... الآن... في شهر العسل؟
ولكن... لقد مضى عام كامل على موته... هل يطول شهر العسل... إلى سنة... في أثناء ذلك رأتها جواهر... قطَّب جبينها قليلاً... ولكنها قالت:
- "تفضلي... يا ابتسام... تفضلي... ولكن بشرط... لكِ يوم... ولي يوم"
وفي أثناء ذلك... نظر حسان... يبدو أنه لم يلاحظ وجود ابتسام... من قبل... فوجئ بمنظرها واقفة أمامهما... كان وجهه يضيء... تمنت ابتسام لو تقبله... أو تضمه... ولكنه طمَسَ بسمةً كانت على محياه... قال لها:
- «ماذا تريدين؟».
تلعثمت ابتسام... ثم قالت:
- «لا شيء... أريد أن أراك... وأطمئن عليك»
- «بعد ماذا؟... بعد أن طردتِني؟»
- «لا تقل هذا... أنت في قلبي... وأرجو أن أبقى بجوارك... ولو ليومين في الأسبوع... ولو... من العصر إلى العشاء... ولو يوماً واحداً»
 تقدمت ابتسام... وتشبثت بطرف ثوبه الحريري... وهي تقول:
- «أرجوك... لا تطردني... ولو ساعة من نهار... ولو دقيقة... ولو دقيقة... ولو دقيقة»
قال حسان في صرامة:
- «اخرجي يا ابتسام... من هنا... أنتِ لم تسمحي لها... أن تشارككِ... هناك... وأنا... لن أسمح لكِ... أن تشاركيها... هنا... اخرجي... اخرجي... اخرجي»
قامت ابتسام من غفوتها فزعة... كانت دموعها تتناثر... وأوصالها ترتجف... ونبضات قلبها تتزايد... والاضطراب يلفّها من كل جانب... بدت شاحبة... وهي تقعد في سريرها... ودون مقدمات... تذكرت الحديث الشريف... الذي قرأته مع حسان... ذات يوم... حول المرأة... حين تكفأ إناء أختها.
 وبدأت ابتسام... في ذعر كبير... تُقلّم أظفارها... بأسنانها... وأسرعت إلى جوار ابنها وضمته... الهواجس تأكل قلبها... ولم تغمض عينيها مجددا.
 ساعات الليل تمر ثقيلة... والحياة في نظر ابتسام تزداد تعقيداً... هناك أمل وحيد... كانت تداعب نفسها به... أن تلقى حسان... في الآخرة... ولكن... هذه الهواجس... ما بالها قلبت حساباتها... رأساً على عقب... وأصبح أملها الوحيد... يتلاشى... وأملها... في أن تلقى حسان... ولو بعد أن تموت... يتضاءل؟!.
 هل حقاً... ستطرد من الرحمة... ولن تقعد مع زوجها... في الياقوتة؟... آه... إنه كابوس كريه... بمجرد تذكرها له... تصبح الحياة سوداء.
قبل السَّحرِ بقليل... قامت ابتسام... وَصَلَّت من الليل... عددا من الركعات... ومع وقت السَّحَر... تَسَحَّرَت بحبَّاتٍ من التَّمر... شربت جرعات من الماء... وصامت من اليوم التالي.
وخلال ذلك اليوم... قضت كل وقتها... في الابتهال والدعاء... وقراءة القرآن... واتصلت ببعض مَن يؤوَّلون الرؤيا... فأخبرها أحدهم مشكوراً... أن هذه الرؤيا... مجرد أضغاث أحلام... وأنها انفعالات نفسية... وأن التوبة تجبُّ ما قبلها... وسأل الله أن يغفر لها... ما دامت قد تابت.

 الفصل السادس والعشرون

1-  طيف الأعوام

بدأت الأيام... تسير سريعةً كالضباب... وتطوي في خطواتها المتلاحقة... ساعات الشهور والأعوام... ابتسام في منزلها... أشبه بِقُبَّرَةٍ ترعى صغارها... الصغار يعيشون في كنف والدتهم الدافئ... أصبح الطفلان في المدرسة... وأصبحا على قدرٍ كبيرٍ من الأدب والخلق.
 وفي نهاية العام... ظهرت نتائج النجاح... وظهرت آثار الجهد الجهيد... الذي بذلته هذه الأم الحنون... مع طفليها... البنت في الصف الثاني... والطفل في الصف الثالث.
الحياة باسمة من كل وجه... إلا الوجه القاتم... الذي تتذكر فيه ابتسام... ماضيها الطويل... مع زوجها الراحل.
سنة أخرى تمر... وأخرى... وأخرى... وليد الآن يدرس في السنة الخامسة... الابتدائية... وولاء تدرس في السنة الرابعة... الابتدائية... والوقت كله مستهلك... في المذاكرة... والأبناء يُقبلون على العلم... بنَهَمٍ شديد.
 ولكن... هناك أسئلة تثار في أذهانهم... حول أشياء كثيرة... ابتسام تتلافى الإجابة على تلك الأسئلة...  بكل لباقة وحكمة... وخبرتها في الحياة... أصبحت أكثر وأجزل... والصعوبات التي تحملتها من قبل... صبغت حياتها بجدية وحزم.
كان من أسئلة الأطفال:
" أين أبي؟... أين ذهب؟... ولماذا تركنا وحدنا؟... وهل سيعود مجدداً؟... كيف كان شكله؟... وما هي أوصافه؟... ومن أين لك المال؟... يا أمي... ولماذا نحن في هذه الشقة الضيقة؟... ولماذا يسكن زملاؤنا في منازل أكبر؟... نحن لا نملك سيارة... ككل الناس... لماذا؟..."
 أسئلة كثيرة... لها أول... وليس لها آخر.

2-  حقيقة الكنز

في اليوم التالي... وعندما كان وليد عائداً إلى المنزل على قدميه من المدرسة... ابتسم له زميله... وائل... الذي يدرس معه... في المستوى الدراسي نفسه... وقال مازحا:
-" أنتم... أغرب ناس أراهم... أصحاب ملايين... ومع ذلك... لا يبدو عليكم من أثرها شيء"
استقبل وليد هذه الكلمة بشيءٍ من السخرية... الممزوجة... ببعض الجد... وقال لزميله:
- " ماذا تقول... أنت...  ومَن قال لك... أننا أصحاب ملايين؟"
- «كلٌ يعرف ذلك... كل نساء الحي... تكلموا بذلك... عند اجتماعهن... في زواج بنت جارتنا... وقالوا... إنكم بخلاء... لا تخرجون الأموال... وإنما تكنزونها... ألا تعلم أن كنز الأموال حرام؟»
- «أي كنزٍ تتحدث عنه؟... أنت مجنون »
- «ألا تعلم ذلك يا وليد؟... أم أنك تتجاهل؟... أبوك ترك لكم ملايين... قبل أن يموت... وترك أيضا... عمارة كبيرة... جداً... وهي الآن... مؤجرة... أنا أستغرب... كيف لم تُرَ عليكم آثار نعمةِ الله؟».
قال وليد... شيء من الغضب:
- «أرجو أن تحاسب نفسك... على كل كلمة تقولها... فأنا لا أسمح لك... أن تتكلم عن أسرتي... بهذه الطريقة... وإلا... فإنك ستندم»
- «قلت لكَ الحقيقة... صدّق أو لا تصدّق»
- «ومَن قال لكَ ذلك؟»
- « كل الناس يعرفون ذلك»
صمت الطفلان... وأخذ وليد طريقه لمنزله بانفراد... إنه يسير بدهشة... ويركل علبة فارغ بقدمه... ويحدث نفسه بأشياء كثيرة:
-" هل من الممكن... أن يكون كلام وائل صحيحا؟... أم أنه يكذب علي؟... ولكن أسلوبه في الحديث... كان بعيداً كل البعد... عن المزاح"
أكمل وليد ركلاته للعلبة الفارغة.

3- وليد... والسؤال الحائر

مر وقتٌ قصير... هاهو وليد... يدخل للمنزل... شي واحد يدور في رأسه... إنه التحقق من الكلام الذي سمعه من صديقة وائل... هل يمكن أن يكون ما سمعه صحيحاً؟... عزم وليد على تقصي الحقيقة كاملةً... بالطبع... سيتقصاها من أمه.
دخل وليد غرفته... ووضع حقيبته... وبدّل ملابسه... وانطلق لأمه في المطبخ... كانت أمه قد أعدت الغداء... ووضعته في الصحن... لأنها عرفت بقدومه من المدرسة... استقبلته بسعادة... وقبلته... ثم قالت:
- " خذ السفرة... ضعها هناك... ثم اذهب وناد أختك... الغداء سيبرد"
لكن وليداً... في شيء من الإصرار... قال لأمه:
- " أمي... لن آكل لقمةً واحدةً... حتى تخبريني عن حقيقة أبي... وحقيقة الأموال التي نملكها... والتي تكنزينها... ولا تنفقين علينا منها إلا القليل... والعمارة الكبيرة... التي نملكها... لماذا تحرميننا منها... وتتركينا للفقر؟"
توقفت ابتسام فجأة... وابتلعت غصتها... وشعرت أن عينيها ستدمع... ولكنها تجلدت... ثم اتجهت لوليد... وقالت في حنان:
-" سأخبرك بكل شيء... ولكن... ليس الآن... علينا أن نأكل أولا... أنا جائعة جدا... وأختك جائعة... وأنت حتما جائع... أليس كذلك؟"

4- ماذا فعلت ابتسام... في المال؟

أموال كثيرة... انتهت إلى يد ابتسام... بعد أن توفي زوجها... ومع مرور السنوات... لم يبد على حياة ابتسام... أي تغير يذكر... ماذا تراها فعلت... بكل تلك الثروة؟.
الحقيقة... أن قناعات ابتسام... قد تغيرت كليا... بعد أن تكشفت لها الحقائق الكبيرة... التي تتصف بها الدنيا.
قد حاولت ابتسام... استغلال المال الذي في يدها... أفضل استغلال... وكانت الفكرة الأهم... التي هداها لها تفكيرها... هي الصدقة الجارية... ستكتب في سجل حياتها أحرفا من نور... تجاه زوجها ... وتجاه جواهر.
وبعد تفكير طويل... وجدت ابتسام بغيتها... عمل خيري كبير... فيه نفع للمحتاجين.
اتصلت ابتسام... بإحدى هيئات الإغاثة... التي لها مشاريع إغاثية... في أفريقيا... وعرضت عزمها على دعم أعمال الإغاثة... كانت حفاوة القائمين على الإغاثة كبيرة جدا... عرضوا عليها العديد من الأعمال  الإغاثية... ومن ذلك... حاجتهم لحفر بئر في إحدى المناطق... التي يسكنها البدو الرُّحَّلُ... وستكون كبيرة النفع لهم.
 ولكن ابتسام... أخبرتهم أن لديها القدرة... على دفع المزيد... لذا أشاروا عليها بحفر بئر... وحول البئر... يتم بناء مسجد... وفي المسجد... يتم فتح مدرسة لتعليم القرآن الكريم... والقراءة والكتابة... وبهذه الطريقة... يستقر كثير من الناس... ويرتاحون من ترحالهم الطويل... للبحث عن الماء.
 سعدت ابتسام بهذه الفكرة... وشعرت أنها بعملها ذاك... تصنع شيئا ينسيها الأيام البائسة.
لكن ابتسام... فكرت في هذا العمل... من زوايا عديدة... واتخذت القرار الأخير... واتصلت على القائمين على الأعمال الإغاثية... وأخبرتهم... أنها تريد الحديث مع مدير الهيئة... شخصيا... وعندما كلمها... قالت له:
- "أنا عازمةٌ على حفر بئرين... وبناء مسجدين... وفتح مدرستين... في منطقتين مختلفتين... أرجو أن يتم اختيار المنطقتين... بكل اهتمام... كي تكونا أعظم نفعاً... لأولئك المحتاجين"
دفعت ابتسام الأموال... واعتبرت المال المدفوع... مخصوما من حصتها في التركة... التي خلفها حسان.
أما نيتها في أجر أعمالها هذه... فقد احتسبت... أن يكون الأجر فيها مُهدىً لزوجها حسان... ولأختها الأخرى... جواهر... يرحمهما الله.
وبقي لدى ابتسام... الكثير من المال... وبقيت العمارة... أيضا... ولكنها كانت مع كل ذلك... زاهدة في هذه الدنيا... أشد ما يكون الزهد... المال الذي في يدها ليس لها... أما مال طفليها فقد حفظته لهما... حيث اشترت بجزء منه... أراض سكنية... وتركتها للزمن...  والجزء الآخر... تهتم بإخراج زكاته.
أما دخل العمارة الكبيرة... عمارة جواهر سابقا... والتي أجَّرتها ابتسام... بما يقارب الخمسين ألف ريال سنوياً... فإنها تصرف من دخلها على منزلها.
وهناك أموال أخرى... تنفقها ابتسام... في سبيل الخير... إنها تتبنى الكثير من الأسر الفقيرة... لقت أخذت على نفسها السير... في طريق المرأتين الصالحتين... ضاحية... وجواهر.
ابتسام... مع مرور الأيام... نسيت نفسها... لقد أصبحت تعيش حياةً... أشبه بحياة الصوفية... قررت ألاَّ تدّخر شيئاً من دخل العمارة السنوي... الخاص بها... إنها تنفقه... وتحتسبه... وترجو الثواب من الله... ومع مرور الأيام والليالي... كبر الأولاد... إلى حد ما... وفكرت بجدية... بإخبارهم بالحقيقة كاملة.

5- الطفلان... والمال

 بعد صلاة العصر... أقبلت ابتسام... إنها تحمل صحن الشاي... جلست بجوار طفليها... ثم سكبت الشاي الحار في الفناجين... وخلطت لطفليها قليلا من الحليب مع الشاي... كانت مستعدة لتخبرهم بكل شيء... قالت:
- " يا أبنائي... أبوكم رحمه الله... توفي... كان شابا في مقتبل عمره... توفي في حادث سيارة مروع... وقد ترك لكم عمارة كبيرة... أما الملايين... التي تتحدث عنها يا وليد... فليس خبرها صحيحا... هو مليون واحد... أبقاه بعد وفاته... وبنيت بنصيبي منه... ما أحتسبه عند الله... صدقة جارية... أجرها للمرحومين... وبقي نصيبكما... إنه محفوظ في مأمن... أما أُجرة العمارة... التي تتحدث عنها... فهو خمسون ألف ريال... وهو ما نصرفه في مأكلنا ومشربنا... ويجب أن ندعو جميعا... بالمغفرة والرحمة... لأبيك ولجواهر.
- «وكيف بنى أبي تلك العمارة... وأنت تقولين... إنه مات وهو شاب... من أين له المال؟»
- «المال... لقد ورث والدكم... كل ذلك... من إحدى أقاربه... زوجته الثانية... خالتكم... جواهر... رحمهما الله... جواهر... كانت امرأة طيبة... وصادقة... ومتواضعة... ماتت بسبب داء عضال... أصابها... ولطيبتها... وطيبة أبيك... فقد آثرته بالمال... في وصية كتبتها»
 انفجرت ابتسام حينها بالبكاء... كان كلام الأم مذبوحاً حزينا... ولكن الابن لم يأبه لها... لقد قال:
- «يا أمي أريد أن أرى العمارة»
ابتسمت الأم... وتجاهلت أحزانها... ثم قالت:
«إنها قريبة من هنا... ليست بعيدة... أنت تستطيع أن تراها... عند ذهابك للمدرسة... هي على طريق ذهابك للمدرسة... قريبة تماماً من المدرسة... لها فناء كبير... ومزروع في فنائها أشجار ضخمة... وهي من ثلاثة أدوار... وتسكن فيها أسرتان... أسرة في الدور الأول... وأسرة في الثاني... أما الملحق... فهو كما تَرَكَتْهُ جواهر... فارغ»

6- فكرة الطفل

في اليوم التالي... وبعد انتهاء اليوم الدراسي... كان وليد يدور هو وزميله... حول سور المبنى... الذي وصفته له أمه... إنه مبنى شامخ كبير... عليه سيما الأبهة والترف.
وليد يسير بخطوات متتابعة... حول البيت... ويشعر بحزن كبير... لذكرى والده الطيب... وفي الوقت ذاته...  يشعر بسعادة خفية... تعتلج في فؤاده الصغير.
 إنه يطمع في أن يسكن في هذا المنزل... كم سيكون سعيداً... وهو يلعب في الفناء الكبير... وأثناء ذلك... اتخذ قراره.
 وعندما عاد إلى أمه... عرض عليها بإلحاح... ذلك الطلب... قال لها:
- « أمي... لماذا لا ننتقل إلى العمارة الكبيرة؟»
شعرت الأم... بقشعريرة كبيرة... عند سماعها لهذا الطلب... وقالت:
« لا يا ولدي... لا يمكن ذلك... أبدا... الدخل الذي يدخل علينا من العمارة... هو المصروف الأساسي... الذي نصرف منه على شؤون حياتنا...  ومعنى كوننا ننتقل إليها... أن ينتقص المصروف... أو أن ينتهي»
 بدا وليد مصرَّاً... ولم يقتنع بحجج أمه... لذا قال:
- " أمي... لم لا نسكن في أحد الأدوار... ونؤجر الآخر؟"
- " هذا يا بني... يعني أن نخسر خمسة وعشرين ألفاً... هذا كثير"
- " إذن... هناك حل أفضل... لم لا نسكن في الملحق... ويبقى الدوران مؤجرين؟... هذا مناسب... حتماً لن ينقص من الأجرة شيء... سيبقى الإيجار... خمسون ألف ريال... وعندها نرتاح من هذه الشقة... ومن أُجرتها... وما دام الملحق مغلقاً... فالأولى أن نستفيد منه... أنت عاقلة يا أمي».
لم تكن ابتسام لتوافق على هذه الفكرة... خاصة وأن ذلك المُلْحق سيذكرها هموماً كثيرة... هي في أَمَسِّ الحاجة لنسيانها... حدثت نفسها:
-" ذلك الملحق... سيُذكرني بجواهر العظيمة... التي قُتِلَتْ أشنع قتلة... تحت خنجر عنادي وكبريائي... لقد انتقم الله لجواهر... في العاجل... بصورة بطيئة وثقيلة... أوه... جواهر... المالك الحقيقي للعمارة... والضحية الحقيقية... في الحياة النكدة... كلا... لن يكون أبداً ذلك... المنزل الكبير... هو السجن الصغير... الذي سأسجن فيه نفسي... أو... هو القبر الضيق... الذي سأدفن فيه نفسي... وأنا حية... سأبقى هنا... ملكة أسرتي... ولن أكون هناك... أسيرةً لذنبٍ اندثر... وغابت عنه الشمس»

 

7- استسلام

لم ينتهِ المشهد... عند رفض الأم لفكرة الانتقال... لأن وليداً... الولد الذكي... لديه ما يفعله.
دمعتان حارَّتان... من عينيه... جعلت ابتسام... في الموقع الحرج... أخرجهما وهو يقول:
- «لماذا هذا الحرمان؟... يا أمي... إني أريد أن أعيش... مع آثار أبي... لقد بكيت هذا اليوم... كثيراً... عندما رأيت العمارة... ولكني سعيدٌ من كل قلبي... لأني أرى فِيْها آثار أبي... أمي أرجوك... لا تحرميني»
 كانت هذه الكلمات القصيرة... بمثابة اليد الحديدية... التي جعلت الموضوع بالنسبة لابتسام... موضوعاً قابلاً للتفكير... وبعد إلحاحٍ كبير... صدرت الموافقة من الأم... على ترتيب موضوع الانتقال.
وتحول الحلم إلى حقيقة... وخلال أسبوع... أعدت ترتيبات الانتقال... وانتقلت ابتسام وابناها... إلى الملحق... وتركوا الشقة القديمة... بجميع مفروشاتها وأثاثها... حيث باعوا الأثاث لصاحب المنزل... بسعر مناسب... واستقرت الأسرة الكريمة... في السكن الجديد... وبدأت الفرحة... تغمر الجميع... عدا شخص واحد... إنها ابتسام.

8- جذع المحراب

مر يومان... على انتقال أسرة ابتسام... للمنزل الجديد... الخميس... والجمعة.
 ابتسام لم تكلف نفسها خلال هذين اليومين... التعرُّفَ على بقية مفردات القصر الجميل... فقط هي تنتقل... من المطبخ إلى غرفة النوم الصغيرة... التي تنام فيها مع الأولاد.
وفي الصباح... من يوم السبت... ودَّعت الأم طفليها... ليذهبا للمدرسة... وبقيت وحيدةً هنا.
 هل تراها ستشعر بالخوف... أو الرهبة... في هذا المكان؟.
عادت ابتسام إلى المطبخ... وجلست على كرسيٍ صغير... حدثت نفسها:
- "لاشك... هناك مقتنياتٌ ثمينة... كانت تقتنيها المرحومة... جواهر... إيه... رحمك الله يا جواهر... لماذا دخلت في حياتي؟... ثم أحلتِها إلى جحيم... ولكن!... غفر الله لي... لماذا دخلت في حياتِكِ... ثم أحلتها إلى الموت؟"
تذكرت ابتسام... تلك الزيارة الأخوية... القديمة... التي قدمتها ذات يوم... لجواهر... ولكن شعورا غريبا يخالج نفس ابتسام... عند تذكرها لتلك الزيارة... لقد أحست بشيء من الأنس... إلى ذكرى المرأة الصالحة:
-" إن نسيماً روحانياً حانياً... ينبعث في جميع أنحاء هذا المنزل... كم فعلت الخير... هنا... تلك المؤمنة!»
 المدهش... أن ابتسام بدأت تشعر بشيء من السكينة والطمأنينة... تنساب إلى قلبها... شيء غريب... منذ أعوام... لم تشعر ابتسام...  بطعم سكينة كهذه:
-" هذا المنزل مبارك... بركة صاحبته... وصاحبه... رحمهما الله"
 بدأت الحياة تظهر في لون جميل... وقامت ابتسام من مكانها... لقد قررت أن تطوف أنحاء الملحق الصغير... يجب أن تعيش حياتها... متناسية كل ما حصل... لا فائدة أبداً... في نكث جراحٍ اندفنت... واندفن أصحابها.
ابتسام تتجول... هنا وهناك... ليس ثمة غرف كثيرة... مطلقا... إنها بالتأكيد أبواب محدودة... لغرف محدودة.
 تقدمت ابتسام نحو إحدى الغرف... غرفة مثيرة للتوتر... ابتسام كانت تتهرب منها... أيما تهرُّب... إنها تعرف حتما... أنها غرفة جواهر... الخاصة... لا تريد ابتسام... أن تدخلها... أبداً:
-" سامحك الله يا وليد... ليتنا بقينا في شقتنا الصغيرة... لماذا كل هذا العذاب؟"
وأخيراً... دخلت ابتسام... للغرفة... كانت مغمضة العينين... إنها تواري دمعات حارَّة... تزاحمت على الخروج... من مقلتيها.
خرجت الدموع... وفتحت ابتسام عينيها... كم كانت رهبتها عظيمة... حين رأت تفاصيل الغرفة.
 رؤى قدسية... هنا وهناك... تبدو منقطعة النظير... وتحلُّ هذا المكان... تقدمت ابتسام... بخشوع وهيبة... وأمامها هناك... يشمخ المحراب... كآية من آيات الله:
-"هنا... كانت تسكب العبرات... وهنا... كان محراب جواهر... المرأة الطاهرة... هنا صلاتها... وهنا كان يأرِزُ إيمانها"
 لم تتمالك ابتسام نفسها... تحولت دموعها إلى جدول صغير... وطاف بها في زورق الماضي... كل الماضي:
-" أهكذا يُقْتل الأبرار؟... وتُكفَر كل صفحاتهم البيضاء... بغرابيب سود"
 تقدمت ابتسام... دون شعور... حتى وصلت إلى المحراب:
- " هنا... هنا كانت تقف... جواهر العذراء"
 ارْتَعَشَتْ في ذهن ابتسام... آيات من القرآن الكريم... وتحولت الآيات... إلى صوت قوي جهوري... يهز بقوة كيانها المنهار.
 أمسكت ابتسام بجذع النخلة الصغير... المجاورة للمحراب... وبدأت تُنصت بإشفاق... إلى الصوت الذي يتلى في عقلها:
- "{وهزي إليك بجذع النخلة... تساقط عليك رطباً جنياً... فكلي واشربي... وقرّي عينا... فإمَّا ترين من البشر أحداً... فقولي... إني نذرت للرحمن صوماً... فلن أكلم اليوم إنسيا}... فلن أكلم اليوم إنسيا... فلن أكلم اليوم إنسيا"
تلاشت قوة ابتسام... على الوقوف... سحبت يدها من الجذع... وجلست.
كان مجلسها ذاك... هو المجلس... الذي جلست فيه جواهر... منذ أعوام... هكذا قَدَرُ المحراب... لن يخلو من مريم أخرى... ستقضي فيه عمراً قد يطول.
 لم تتمالك ابتسام نفسها... لقد تقدمت قليلا... وانحنت لتسجد لله في تبتل كبير... وسجدتها تلك... كانت في ذات المكان... الذي يحوي أثراً لجبين جواهر السَّجاد:
-" سبحان ربي الأعلى وبحمده... سجد وجهي للذي صوَّره... وشق سمعه وبصره... اللهم ارفعني بها درجة... وامح عني بها خطيئة"
صوت النحيب يزداد... ويزداد... بين جوانب المحراب... ويزداد الصفاء والهدوء... في نفس ابتسام... والتحمت الدموع مع الدموع... في مكان السجود... دموعٌ سكبت هنا... منذ أعوام... ودموع تسكب الآن:
-" لا شيء يبقى في الحياة...  إلا دموع الخاضعين لله... أو ما شاءت إرادة الله بقاءه"
 بقيت ابتسام... هنا... تمرِّغ وجهها لله... أحست أن محرابها هذا... غسل همومها العميقة... كما تَغْسِلْ السحابة بمطرها... ذرَّات الهواء... هنا سُكبت العبرات... وهنا مُسحت الهموم والزفرات
طال بقاء ابتسام في مقعدها ذاك... ومر الوقت سريع... وهاهو يرتفع الآن... صوت أذان الظهر... تَفَتَّحت زهرة يتيمة... في قلب ابتسام... وبدأت تفوح سعادة وطمأنينة.
 انتشت ابتسام... وقامت واقفة... وبعد لحظات... أصبحت تتوضأ... في المكان ذاته... الذي توضأت فيه جواهر... منذ سنوات.
أحسَّت ابتسام بالبرد والسلام... وقالت في يقين:
- «أشهد أن لا إله إلا الله... اللهم اجعلني من التوابين... واجعلني من المتطهرين"

9-  من هي... تلك الواقفة؟

مرت الأيام مع الأيام... وتوطدت علاقة ابتسام... بذلك المجسم الجميل... المحراب الخشبي.
 لم يعد المحراب الخشبي... يعني لابتسام... مجرد الصلاة... كلا... إنه يعني لها الكثير والكثير... كل السكينة والطمأنينة... تجدها ابتسام... هنا... وهي متبتلة لله.
بعد أذان المغرب... قامت ابتسام... ووقفت مصلية في محرابها الجديد... لم تعد تلك الواقفة هناك... في خشوعها الطويل... هي ابتسام... لا... لقد بدا شيء آخر... يختلف تماما... إنها جواهر... أو هو طيف لجواهر... وامتداد لأعمالها الخالدة... جواهر لم تمت... إنها لا تزال حية تُرْزق... ولكنها الآن... في صورة ابتسام.
وكل من عرف جواهر... يستطيع الآن... أن ينظر هناك... ليراها بخمارها الأبيض... تصلي في خشوع.
أنْهَتْ جواهر صلاتها... في محرابها الهادئ... والتفتت يمنة... ورقص قلبها... عندما رأت المصحف بجوارها... مصحف جواهر... يرحمها الله... ذرفت عيناها في سعادة غامرة... وحملت المصحف... في خشوع كبير... وفتحته... على ذات الموقع... الذي وضعت فيه جواهر... قصصها... منذ سنوات... لم يفتح هذا المصحف... منذ ماتت جواهر... وها هي جواهر... تفتحه الآن.
-" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... {إن في خلق السماوات والأرض... واختلاف الليل والنهار... لآيات لأولي الألباب... الذين يذكرون الله... قياماً... وقعوداً... وعلى جنوبهم... ويتفكرون في خلق السماوات والأرض... ربنا ما خلقت هذا باطلاً... سبحانك... فقنا عذاب النار... ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته... وما للظالمين من أنصار... ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان... أن آمنوا بربكم... فآمنا... ربنا فاغفر لنا ذنوبنا... وكفر عنا سيئاتنا... وتوفنا مع الأبرار}

10- حياة وردتين

فكرت ابتسام... في شيء ما... قامت مسرعة... لبست عباءَتها... وخرجت خارج المنزل... اتجهت للسوق المجاور... ومن هناك... اشترت شيئاً ما... ثم عادت إلى المنزل... وأخذت كأسَيْن من زجاج... ثم نزلت للحديقة... ومَلأتْهما بالتراب... ودخلت للمنزل مرة أخرى... ماذا تراها ستفعل يا ترى؟.
الكأسان مليئان بالتراب... وضعت ابتسام أحد الكأسين عن يمينها... في المحراب... ووضعت الكأس الآخر... عن يسارها.
ابتسام... وضعت داخل كل من الكأسين... شيئاً صغيراً... دفنته في التراب... ثم أحضرت الماء... وسكبته في الكأسين... ثم انصرفت... لإعداد الغداء.
مضت حياة ابتسام سعيدةً هادئة... إنها تقضي الكثير من الوقت... وهي تُمَثِّل دور جواهر... في محرابها... دون شعور منها... وبعد أسبوع... كانت جالسة في المحراب... تنظر للكأسين... وتبتسم.
 لقد نبت في كل كأسٍ... وردة بيضاء... ابتسام... هي التي بذرتها بيدها.
حملت ابتسام الكأس الأول... تأملته باهتمام... ثم كتبت عليه... حسان... وحملت الكأس الثاني... وتأملته أيضا باهتمام... وكتبت عليه... جواهر... وأخذت على نفسها عهداً... ألا تموت هذه الورود... ما دامت حية... وأخذت العهد على نفسها... أن تدعو للوردتين... عند كل صلاة... رحم الله جواهر... ورحم الله حسان... وتقبل الدعاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق