الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها " الجزء السابع "


الجزء السابع 

الفصل الثامن

1- لحظات بيضاء


جواهر... إنها زوجة حسان... المرأة الثرية... والزاهدة... ذات الثمانية والعشرين عاما... وهي جالسة هناك... في قصرها... جواهر... هي كما هي... على حالها... في الملحق العلوي... قد قطعت صلتها بعالم الذئاب... وبقيت تصنع من خلوتها الهادئة ... عالما مكتظا بالأنس... بما يمليه عليها قلبها الشفاف.
جواهر... قامت بخشوع من كرسيها الجلدي... المطل على الحديقة... عبر زجاج عاكس... واتجهت لغرفتها... هناك.
دخلت جواهر الغرفة... أجالت طرفها قليلا... ثم اتجهت بسكينة... نحو محرابها الخشبي البديع... كم يعدل هذا المحراب لديها!... إنه يعدل الحياة برمتها.
 وبهدوئها المعهود... جلست في المحراب... ثم سحبت حقيبتها الصغيرة... إلى جوارها... فتحتها باهتمام... وأخرجت بعض النقود.
جواهر تضع إصبعها في طرف لسانها... بطريقة تقليدية... ثم تنزعها... لتَعُدُّ أوراقاً نقدية في يدها... وفي الوقت ذاته... هي تعد آلاما وأحزانا كبيرة... ولكنها قد عزمت أن تتصدق هذا الشهر... بأكبر مَبْلَغ من المال... إنها تحتسب ذلك... وأيضاً تستمتع به.
ولكن قلبها وعقلها هناك... هناك في الظلام... وفي غياهب السجن... محبوس مع زوجها الحبيب... الذي يُمَثـِّلُ أنصع وَرَقَةِ صدقٍ وإيمانٍ... عرفتها جواهر... وعندما كان قلب جواهر في السجن... يجول ويصول... طُرق الباب... حدثت نفسها:
-"  من هو يا تَرى هذا الطارق!... وماذا يريد؟"

2- لقاء على الغيوم

 قامت جواهر من محرابها... واتجهت لسماعة الجرس... لم تكن تتنبأ أبداً... عن حقيقة الطارق... ولم تكن تعلم أبدا... أن زوجها حسان... خرج من السجن... وأنه أصبح حرا طليقا... وأنه أصبح قريبا منها... وأن بينها وبينه... أمتار فقط... لقد خرج من السجن... في الحين الذي كان قلبها فيه... يجول في الردهات الموحشة.
- «من الطارق؟»
- «أنا حسان...»
جالت الدنيا في ذهنها... أرادت ألا تستيقظ... ممَّا حسبته حلماً جميلاً... وماذا يضيرها لو بقيت حالمة في عالم زوجها الحبيب... أغمضت جواهر عينيها أكثر وأكثر... كي تتعمق في سراديب حلمها أكثر وأكثر... ولكن... عاد الطارق المزعج... ليطرق الباب ثانية... إنه لاشك... يَحْسُدها على حُلُمها الجميل.
 وفي تلك الأثناء ارتسمت صورة حسان في ذهنها... منذ أن سجن حسان...لم تره حتى في المنام... ستكون سعيدة لو بقيت حالمة في عالمه... استمر حلم جواهر الغريب... لقد رأت أنها تقوم وتسير... وأنها تفتح له الباب:
-" ياه... ما أجمله من حلم وردي!"
الطارق يطرق ويطرق... وجواهر تغمض عينيها أكثر وأكثر.
حسان في الخارج... يستغرب من ردها على السماعة... ثم صمتها... لقد بدأت هواجس ساخرة تعبث بعواطفه الهادرة.
أما جواهر... فإنها في الجهة الأخرى... تمسك السماعة بيدها... وتتكئ بظهرها على الجدار... وتسعى جاهدة للبقاء في نومها ذاك... حتى تتمكن من فتح باب حلمها... بعد أن انفتح باب حبها الوليد.
حسان يفكر في الانسحاب... حتى لا يلقى جواهر... فتتبدَّى له أشياء لم تكن بحسبانه... وجواهر تريد أن تلقى زوجها... ولو في الحلم.
انقدح شيء في ذهن حسان:
-" هل من الممكن... أن تكون جواهر... قد أصيبت بسوء؟... ومن يدري؟"

3- دقائق وردية

حسان... فكر بقلق... وبدأت الهواجس تأكل عقله... عليه أن يتصرف بسرعة... وفي غير شعور... أخرج مفتاحه الخاص... الذي أعطته جواهر من قبل... إنه لا يستخدمه... لأنه  يدخل دائما عندما تفتح الباب له... لقد اعتاد على ذلك.
 أدار حسان المفتاح في القفل... ثم فتح الباب... وولج... إنه يرمي قدميه أمامه بسرعة... صَعَدَ الدرج في الدور الأول... ثم الثاني... ثم الثالث... وأخيراً... ولج إلى حيث جواهر:
- " ولكن... ما هذا؟..."
حسان يراها واقفة أمامه... أسئلة كثيرة تدور في ذهنه... لقد دهش لحالتها تلك... إنها نائمة... وأيضا هي واقفة.
جواهر تعيش عالماً خاصاً بها... حلما سعيدا تصنعه بذهنها... ولكن... أين تراها وصلت؟... أي الصور تراها الآن؟... هل فتحت الباب في حلمها لزوجها... أم لم تفتحه؟.
 نظر إليها حسان بدهشة... براءتُها... وبَسمتها... وعيناها المغلقتان... على صورةٍ هي أحب صورة عرفتها... قال في هدوء:
- " السلام عليكم"
لم تشأ جواهر أن تخرج من حلمها الوردي... إلى واقعها الشوكي... أغمضت عينيها أكثر وأكثر... وحدثت نفسها:
-"  مَنْ هو يا ترى هذا المزعج؟... المزعج"
شعر حسان بشيء مما يجول في ذهنها... مد يده بهدوء... وأمسك بيدها... ومد يده الأخرى نحو وجهها... وبلطف... فتح عينيها... بدأت جواهر تنظر لما حولها... بقيت برهة وهي تتأمل... عادت للخلف بكل هدوء... إنها لا تكاد تصدق:
-" هل يمكن للخيال... أن يصبح حقيقة... وللحلم... أن يصبح واقعاً؟"
دوامة كبيرة تدور بذهن جواهر... هل عليها أن تصدق نفسها أم تكذبها؟... لقد بدا لها أن الأمر أقرب للحقيقة... وأن حسان المخلوق الذي مثل أمامها الآن... هو زوجها حسان... إنه واقف أمامها بلحمه وشحمه... كم ستكون سعيدة لو أدركت ذلك؟... حتما هي لحظات جميلة في حياتها... انفلتت من سنوات الهم والغم... لتكون مَرْفَأ هنائِها واستقرارها.

 

 4- أوراق السر

جلس حسان إلى جواهر... وجواهر إلى حسان... الأفواه لا تتسع للبسمات التي تطلقها القلوب... والقلوب لا تتسع لبهجةِ الحقيقة... التي لو قسمت على هموم الدنيا لأزالتها عن بكرة أبيها.
تمر اللحظات... ثم الدقائق... ثم الساعات... وهما لا يشعران بالوقت... بالتأكيد... لأنه وقت سعيد... وهكذا دائما حال الوقت السعيد... إنه لا يتحمل البقاء طويلاً في الحياة الحزينة... إنه يسري بسرعة... كما تسري الرياح.
حسان يتكلم ويتكلم... كل شيء يستطيع حسان أن يجعله موضوعا للنقاش مع جواهر... إلا موضوع واحد... بالتأكيد... هو لا يريد أن يطرقه الآن... لأنه أثقل من أن تحتمله لحظاتهم السعيدةُ... خفيفةُ الظل... بالتأكيد... إنه موضوع موت ضاحية... وأهم من ذلك... موضوع علاقة ضاحية بجواهر... إن كان ثمة علاقة من نوع ما.
في تلك الأثناء... شيء بدا غريباً بالفعل... لقد انتبه له حسان... أما جواهر... فلم تلقه بالاً... لأن نظرتها كانت مُتَّجهةً صوب وجه حسان.
 الخاتم الذي في يد جواهر... بدأ حسان يتساءل مع نفسه:
-" يا ترى... كيف وصل لها هذا الخاتم؟... إ نه ذات الخاتم الذي في يدي... إنه يشبهه تماماً... ولكن من أين لجواهر هذا الخاتم؟"
ودون شعور... التفت حسان إلى خاتمه الذي في يده... قرأ بدون تكلف اسم «عمر عيدان»... المكتوب في ظهر الخاتم...وبدا مندهشا.
في تلك اللحظات... رفعت جواهر يدها... لقد تذكرت الخاتم... ما سر الخاتم؟... رفعت خاتمها... وبدأت تقرأ «رحمة صادق»... تغيرت النظرات التي كانت تنبعث من عيني حسان... أو من عيني جواهر... لقد آن للسِّر الأزلي القديم... أن تتبعثر أوراقه... هل ستبدأ جواهر بالحديث؟... أم سيبدأ به حسان؟... هل سيتكلم حسان بكل شيء؟... أم أنه سيستخدم حيلة من حيله التي تعلمها في السجن؟... بم يجيب إذا سألته؟... وماذا ستجيب لو سألها؟... ما مصدر هذا الخاتم؟... ما بدايته؟... وما نهايته؟... من هي ضاحية؟... من هي ضاحية؟... من؟.
نظر حسان في ساعته... ثم قال بتوتر:
                      -" جواهر... أنا الآن مضطر للانصراف... هناك أمر هام... هام جدا... اعذريني يا حبيبتي... لا أستطيع التأخر أكثر"
صمتت جواهر... لم تتكلم بكلمة... لقد نكست رأسها في حين انصرف حسان.

 

الفصل التاسع

1- اعتراف العميد

السجن -مكركب- على نفسه... بسبب السجينين الجديدين... أحدهما عميد سابق... والآخر أحد الأثرياء... لا يهتم المساجين والعسكر... لشأن ذلك الثري المسجون... ولكن يهمهم كثيرا... شأن العميد.
والذي يحقق في القضية... هو اللواء حمزة... شخصيا... لابد وأنها قضية أهم مما يمكن أن يتخيله أي إنسان... التحقيقات تتوالى وتتوالى.
لقد كشَف العميد حقيقة نفسه... وبدت له الحدود الحقيقية لقيمته... صولته وجولته... أصبحت كزئير الأسد... الذي يتثاءب في حديقة الحيوان... لا شيء يدوم... في أثناء ذلك... بدأ يحدث نفسه:
- " لكن... من فعل كل هذا بي؟... مؤكد... إنه المقدم... الوقح... كيف رفع عُرْفَهُ... وكيف بدأ يفكر... مَنْ عَلَّمَهُ أن يفكر فيما حوله؟... إنه كان من قبل... يتسلم الأوامر وينفذ... أشبه بمكينة مُبَرْمَجَة... لقد قام بأدوار أسوأ من دوره في قضية حسان... لماذا سجَّل كلامي حين تكلمت معه... وحين طلبت منه انتزاع الاعتراف... من عَلَّمَهُ كل هذا الدهاء؟!... جلسة التحقيق النهائية يوم غدٍ... لا فائدة من الإنكار... صحيح أنني لم أقتل ضاحية... ولكنني تقاضيت المليون ريال... لأبرئ الجاني... ولأنزل الجريمة على حسان... عقوبتي سوف تقتلني... حتى ولم لم يصدر أمر الإعدام... قد يُحكم علي بسجن مؤبد... أو جزئي... لا أحد يدري... ولكن... المؤكد... لقد انتهى كل شيء... لن ينفع الإنكار... ذلك الجاني اعترفَ لِلِّواء بكل شيء... نعم... كل شيء... وغداً سأعترف... وأنتهي من هذه الحياة... وتنتهي كل جرائمي... التي طالما كتمتها... أنا أستحق ذلك"

 2- اعتراف الثري

في اليوم التالي... يدخل الثري مُنكِّساً رأسه... ويقف اللواء حمزة... ثم يتقدم نحوه وهو يقول:
-" ستذهب للشيخ القاضي... هذا اليوم... جميع اعترافاتك مُصدَّقة... ستعترف أمام القاضي... هل فهمت؟"
- «فهمت... نعم»
- «هل لديك أقوال أخرى؟»
- «كلا...»
يخرج الثري... ويدخل العميد... إنه مكبل من  قدمه... يبتسم اللواء حمزة... ويقول:
- «هل لازلت مصراً على تجاهل القضية؟»
نكس العميد رأسه... في حين مد اللواء حمزة يده... وأدار المسجل الذي سُجلت فيه أقوال الثري... والتي يشهد فيها على العميد بتعاونه.
طأطأ العميد رأسه... وقال:
- «إذن... انتهى كل شيء... هذا الكلام صحيح... أنا أعترف بكل شيء...»
- «جميل جداً... ريَّحت نفسك... هيا اكتب اعترافك... لكي تقابل الشيخ مع الجاني... ويثبت اعترافك»

الفصل العاشر

1- السر الكبير

جواهر في منزلها... تأكل الهواجس قلبها... يومان مرّا كعامين... منذ أن انصرف حسان عنها تلك الليلة... لقد تركها في وحدتها... ثارت آلاف الأسئلة في ذهنها... أسعدها اتصاله مساء أمس... لقد أخبرها أنه سيأتي إليها اليوم... لابد أن تعرف منه كل شيء.
الوقت يمر ويمر... دق الجرس... قامت جواهر بارتباك... وفتحت الباب... ودخل حسان... استقبلته زوجته بحب كبير... مر وقت قصير... تقدم حسان بقلق... وجلس على المقعد... جواهر تنظر إليه مبتسمة... ولكن... ترى هل تتلاشى بسمتها هذه عما قريب؟... جلست قبالته... وألقت بالسؤال الحائر نحوه... ثم عاودت إلقاءه... ولكنه صامت صمت الحجر.... زفرت زفرة طويلة... ثم قالت:
- «حسان... ارحم حيرتي... قل لي أرجوك... من هي ضاحية؟... ماذا تعني لك؟... ما علاقتك بها؟... لماذا ماتت؟... ولماذا اتُّهمتَ أنت بالذات في موتها؟... ثم ما علاقتها بي أنا؟... لماذا فوجِئَتْ عندما عَرَفَت اسمي؟... لماذا ضمتني لصدرها؟... ولماذا بكت كثيراً؟... وما هي تلك الشنطة التي ناوَلَتْكَ إياها؟... لقد رأيتها عندما كنت تحملها؟... كنت تريد إخفاءها عني... لماذا أخفيتها يا حسان؟... لماذا؟... لقد اضطربْت عندما سألتك عنها... وعندها قلت لي... إنها أعطتك نقوداً بدلا عما خسرْتَه عليها في المستشفى... ثم لماذا أنت تعرج؟... ما سبب كونك تعرج؟... ولماذا تزوجتني؟... ولماذا كل هذه المتناقضات التي رأيتها بعد أن رأيتك؟... ثم الخاتم... ما قصة الخاتم؟... قل لي أرجوك... أكاد أجن... حسان اعذرني في قسوتي عليك... ولكنها أشياء لا يمكن لعقلٍ أن يحتملها»
صمتت جواهر... وصمت كل شيء... وألقت جواهر لحسان بنظرة طويلة... ولكن الدهشة أصابتها بصدمة  قوية... عندما رأت الدمع ينهمر من عيني زوجها... ودهشت أكثر وأكثر... عندما صوب نظره نَحوها ثم قال:
- «جواهر... لن أقول لك أي معلومات عن هذه القضية... أسئلتك هذه تكاد تُحْرقني... نعم... لأنني أعرف إجاباتها... ولكنها حتماً ستحرقكِِِ... لو عرفتِ أنت إجابتها... ستُقَطِّعُ قلبك إرباً... أنا واثق من ذلك... لقد فَقَدْتُ ضاحية... لا أريد أن أفقدك أيضاً»
- «ماذا تقصد يا حسان؟... لقد أحرقتني بهذا الكلام»
- «أرجوك... لا تكلفيني مالا أطيق»
- «أقسم عليك بالله... يا حسان... أن تقول لي كل شيء»
- «يا جواهر... أنا لم آت هنا لأتناقش معك في هذا الكلام... أنا أتيت هنا لألقاك... لم آت هنا لأحزن... أو لأبْكي... أو لأنقش جراحاً لم أُصدِّق أن اندملت... بعد أن خرجت من السجن»

2- إلى الخارج

نكَّست جواهر رأسها... وأغمضت عينيها بحزن... كانت تعزم على البقاء صامته... لن تتحدث بكلمة... حتى يتكلم حسان... وَيُخرج لها كل ما في نفسه... إن قلبه الكبير يرأف بحالها... لكن حسان تجاهل كل شيء... لم يكن قلبه الحاني ليلين لكل  استعطافها.
فجأة... ودون مقدمات... قام حسان من مقعده... قام ليخرج... وليتركها وحيدة من جديد... تقاسي كل حيرتها وأحزانها... لم يخطر ببالها أن يصل زوجها لكل هذه القسوة... ولم يخطر ببال حسان أن تصل جواهر لكل هذا الإلحاح.
خرج حسان وهو خالي الوفاض... من كل شيء... آخِرُ بابٍ ظنّ أن يبقى موصداً أمام الفتنة العظيمة... طرقته جواهر... بأسئلتها الملحة... هل يتركها؟... إنه لا يريد فراقها... ولكنه لا يُحْسِنُ البقاء معها... وهي تلح في سؤاله.
وعندما فتحت جواهر عينيها... رأت حسان بعيداً عن مجلسها... قامت فزعة... ونزلت مع الدرج... لقد قررت اللحاق به... لم تكن في كامل حشمتها... لقد نزلت وهي أشبه بالمجنونة.
لتوه ركب حسان في سيارته... كان عازماً على الذهاب... الذهاب بعيداً عن قصرها المشئوم... وعندما رآها في منظرها ذاك... وهي تخرج للطريق... نزل من سيارته... وأدخلها بلطف للمنزل... فكر قليلاً... ثم أجلسها على إحدى درجات السلم... ثم صعد للأعلى... وأحضر جلبابها... ونزل ثانية... وطلب منها أن تلبسه... وقال لها:
- «هيا... اركبي يا جواهر... سنتنزه قليلاً»
- «وستقول لي كل شيء»
- «أوه... أرجوك... سنتنزه... أنا لا أريد أن أسمع منك هذا الطلب»
- «إذن لن أذهب معك... ولن أتحرك من مكاني... سأموت قهراً وغيظاً... هنا»
- «أنت وشأنك... لقد سئمت من هذه الطريقة»
خرج حسان مسرعاً... قلبه الكبير أصبحت حجراته أضيق من جُحْر النملة... وبعد أن ركب في سيارته... كانت جواهر واقفة بجوار الباب الآخر... لقد عَزَمَتْ على الركوب معه... لعلها تستطيع إقناعه... لم يشأ حسان أن يفتح لها الباب... ولكنه فَتَحَهُ.
ولجت جواهر... كان شهيقها وزفيرها يوحيان بصوت البكاء القاسي... والذي سيتحول لصراخ... حتما سيتحول لصراخ... لو عرفَت السر.

 

3- حوار حول ضاحية

سارت السيارة... واتجه حسان لإحدى الحدائق... لم يكفَّ لسان جواهر عن سؤاله بالله العظيم... أن يخبرها بكل شيء... أقسمت أيضاً أنها ستحتمل الصدمة... التي سيحويها كلامه... أقنعته أن الصبر في انتظار الحقيقة... أصعب من مواجهة الحقيقة ذاتها.
قال لها:
- «لو كانت ضاحية حية... إذن لأخبرتك بكل شيء»
- «ضاحية... ضاحية... أنت تردد هذا الاسم وكأنه مدار الوجود...  ضاحية في كل شيء... ضاحية... ضحية... سئمت هذا الاسم... وأصبحتُ أكره هذه المرأة... من كثرة ترديدك لاسمها... يكفي...»
اهتزت مشاعر حسان فجأة... ونظر لجواهر بحنق... وقال:
- «ماذا بك يا جواهر؟... ألست متدينة؟... ما هذا الكلام؟... استغفري الله»
- «بل أكرهها... وأكرهك أنت أيضاً...»
- «كفى يا وقحة»
- «أكرهها... أكرهها... وأحقد عليها...»
ازداد انفعال حسان... وقال في ثورة:
- «تكرهين أمك!... أمك!...»
هكذا نطق حسان... وهكذا انفجر بعدها بالبكاء... وهكذا صمتت جواهر... صمتاً مطبقاً.
 انقلابة مدهشة... في كفتي الزوجين... تغيُّرات مفاجئة... لحياة تلعب كل أدوار التناقض... في حياة البشر... لا شيء يبقى على حاله... ولا شيء يستمر في سيره بهدوء... لابد من الانفعال مع أحداث هي أقل عنفاً من أحداث الأيام الأخيرة... في حياة جواهر وحسان.
أدهش حسان ذلك الصمت... الذي أطبق على جواهر... عندما فجَّر كلمته تلك... لقد تفجرت كل مآسِيها... نظر إليها... إنها أشبه بميت... غيَّر طريقه متجهاً نحو المستشفى... وبسرعة انطلق.
وصلت سيارة حسان للمستشفى... نزل بسرعة... وأحظر النقالة... ساعدته إحدى الممرضات... أُدخلت جواهر غرفة الإسعاف... ووُضِعَتْ المغذية في يدها... وجهاز الأكسجين على فمها... وبقيت كذلك ثلاث ساعات... لقد تحسنت صحتها.
خرجت جواهر بعد ذلك لمنزلها... راكبة في سيارة حسان... التي عَمَّها الصمت منذ تحركت من فناء المستشفى... حتى وقفت بجوار القصر الكئيب.

4- حسان... لماذا أخبرتني؟

حسان ليس لديه استعداد للتـَّفكير فيما حوله... وجواهر أشبه بأبله سُلب منه عقله... كل منهما يحتاج إلى من يهدئ له أعصابه... لأن كلاً منهما مرَّ ويمر بظروف قاسية... كل منهما ينتظر بسمة صافية من الآخر... كي يغسل بها هموم الأيام العجاف.
ولكن... لا أحد يستطيع أن يتقدم نحو الآخر... ولو خطوة واحدة... وماذا عسى جواهر أن تقول؟... كلمة واحدة قالها حسان... كلمة واحدة... لقد كانت كشوط كهرباء... يسري قي الجسد... ويحرقه... أو أشبه بالبركان:
-" ضاحية هي أمك... ضاحية أمك..."
 كم تود جواهر أن ضاحية ليست أمها بالفعل!... وكم تمنت لو أن حسان لم يكن يقصد ما قاله!... وإنما كان يقصد... يقصد... أنها في منزلة أمك... كم تمنت لو أن أمها ماتت بالفعل؟... عندما كانت جواهر صغيرة... جواهر لا تريد أن تتأكد من الحقيقة... ليتها لم تسأل حسان... وليتها لم تلح عليه... بتلك الأسئلة... كم هي قاسية فيما طلبته منه!... بالفعل!... حسان كان معذورا... عندما أخفى هذه الحقيقة... الأشبه بالخرافة.
وهل من الممكن لجواهر أن تعيش بقية حياتها في هناء؟... وهي تتذكر تلك المرأة... التي رأتها... نائمة في سريرها... ورأتها أيضا...  ورأسها مقطوع أمامها.
هل يمكن لجواهر... أن تعيش مستقبلها في سكون... بعد أن اكتشفت... أن تلك المرأة ليست سوى... أمها؟... كم سَيُطْحن قلبها كمداً... كلما تذكرت أن أمها كانت بجوارها... تعيش عيشة الفقراء... وهي تسكن في قصر كبير؟... كم ستتحسر كلما تذكرت أنها كانت قادرة في يوم من الأيام... على الجلوس بجوار أمها... التي افتقدتها منذ الصغر... لتقبل قدمها... وتضمها إلى صدرها... وتقبل بين عينيها!.
 تذكرت جواهر أثناء ذلك... موقف ضاحية... في آخر أيام حياتها... عندما عرفت اسم جواهر... لقد قامت من سريرها... متناسية كل أمراضها... قامت لتُلْقي بنفسها على صدر جواهر... لتذرف تلك الدموع التي لم تَرَ جواهر لها أي مبرر... في تلك الساعة... وترى الآن لها كل مبرر... ولكن... بعد فوات الأوان.

5- بارقة أمل

جواهر تنظر للأسفل... عند قدمها... ولا تدرك شيئا مما حولها... إلا ما ينقدح من أفكار متضاربة في ذهنها... حدثت نفسها:
- «يجب ألا تكون ضاحية أمي... يجب»
بدت لجواهر... بادرة غريبة... تذكرت جواهر اسم ضاحية... واسم أمها... إنها بارقة أمل جميلة:
-" العجوز... المرحومة... اسمها ضاحية... أما أمي... فإن اسمها رحمة بنت صادق»
ولكن سرعان ما تلاشى أملها الوليد ومات في مهده:
- " الخاتم؟... الذي وجدته في منزل ابتسام... إنه أكبر شاهد... الخاتم الذي ألبسه الآن... إنه خاتم أمي... ضاحية... التي هي في الواقع... أمي... رحمة... «لعن الله الدنيا... لعن الله الدنيا... إلا ذكر الله... وما والاه»
انفجرت جواهر ببكائها... والسيارة وقفت للتو... بجوار المنزل الكبير... وبجوارها يجلس حسان... ويعتصر قلبه المجرِّب... آلامٌ قاسية... لم يجربها حتى داخل السجن... حدث نفسه:
- " كم كان السجن رحيماً!... لو قيس بهذه الحياة... وخاصةً هذه الجلسة الصامتة... هل خرجْتُ من السجن... لأبث جميع همومي في الأرض الفسيحة؟... أم لتدخل جميع هموم الأرض في قلبي؟... ارحموني يا ناس!»
بكاء جواهر الذي تفجر لتوه لم يعد يعني لحسان أي شيء: 
- "  حتماً إنها تتألم... وأنا أيضاً أتألم... قد تموت جواهر... وأنا أيضاً قد أموت... لا مشكلة"
 تذكر حسان ساعتها زوجته ابتسام... وطفليه... والحياة الهادئة... في الدوحة الغناء...  وقطع حبل أفكاره تلك... أذان الشيخ جابر... الذي يوحي بالصفاء والسكينة... لقد جاء في وقته... إنه السبيل الوحيد... للهروب نحو الهدوء.

 

6- خطوات للمسجد... هناك

ترك حسان السيارة... وترك من فيها... ونزل... الدنيا عنده كأتفه جرثومة... انطلق إلى المسجد... وتوضأ في المغاسل الجانبية... ثم دخل.
خطوات متناغمة... ينتقل بها حسان... داخل المسجد... اشتم هواءً معتدلا... أخرجته للتو... فتحات المكيف... ونسمات زكية... ربما كانت رائحة دهن العود... الذي عطر به الشيخ جابر... جوانب المسجد... كأن السكينة... كل السكينة... تنتظره هنا.
صلى حسان ركعتين... بمجرد دخوله... إنها الحديقة الفيحاء... التي لم يكتشف أسرارها إلا القليل من الناس... وهي المتنزَّه... وقرة العين... إنه بيت الله... المسجد... للرجال والنساء... على حدٍ سواء.
خرج حسان من المسجد بعد أداء الصلاة... كانت مشاعره أكثر هدوءً... لقد انزاحت الأزمة الثقيلة... ليته سمع الأذان من قبل هذا... أو... ليته صلى ركعتين... وهو قادم في الطريق... صلاها ولو على متن سيارته... إذن لما سمح للشيطان أن يُفطِّّر قلبه كمدا... ولكن لا مشكلة... ما فات مات.
وعندما اقترب حسان من السيارة... لم يَرَ جواهر جالسة على كرسي الراكب... كما كانت... سأل نفسه :
-" أين هي يا ترى؟"
 وصل للسيارة... نظر بتمعن... لا يوجد أحد... فكر قليلا... ثم اتجه نحو باب القصر الكبير... وصل للباب... نظر يمنة ويسرة... أدخل يده في جيبه... وأخرج المفتاح... وأداره بهدوء... ودخل للداخل... ثم صعد الدرج... قلبه يرتجف:
-" ماذا عساه يكون... ما أصاب هذه المسكينة؟!"
وأخيراً... دخل حسان مع باب الدور الثالث.

7- في كأس واحد... من عصير الليمون

 لقد سُكب على نار الخوف... التي تضطرم في قلب حسان... ماء بارد... عندما رآها هناك... في محرابها واقفة تصلى لله... ابتلع ريقه في هدوء... وألقى بنفسه المنهكة... على مقعد قريب... حتما عليه أن يُهدئ شيئا من روعه.
وبعد أن أنهت صلاتها... قامت جواهر بكل هدوء وانكسار... واتجهت نحو حسان... كم هي في حاجة لهذا الإنسان!.
قرأ حسان في وجهها كثيرا من المعاني الحزينة... وألقى في وجهها بسمته الصادقة... كم هي مؤنسة تلك البسمة... في ردهات الحياة المظلمة!... ماء طهور سكب على قلب جواهر المحروق... عندما خالطت مشاعرها صورة الشفتين المنفرجتين في وجهه... بكل معاني الصفاء والتضحية... أرادت جواهر أن تلقي بسمتها مقابل بسمة حسان... ولكنها كانت عاجزة... عاجزة عن إطلاق أي بسمة... شفتاها شاحبتان كحياتها.
أدرك حسان مدى معاناتها... لم يعد لقسوته معها أي معنى... بل حتى السر الذي لم يخبرها به حتى الآن... لم يعد لكتمانه أي معنى... عليه أن يبوح بكل شيء... وعلى المصائب إذا جاءت... أن تأتي مجتمعة.
قام مُتَّجهاً نحوها وأمسكها بيدها وقال:
- «اجلسي هنا... سأعد كأسين من عصير الليمون... وسأقص لك جميع الحكاية»
نظرت نحوه بشرود... وقالت بشفتين مرتجفتين:
- «لا حاجة... لقد عرفت كل شيء... حسان... لقد ظلمتك معي... أرجو أن أموت قريباً... لن أُحَمِّلك هموماً أكثر... أنا شقية... وأمي أيضا شقية... وأنت سعيد... وزوجتك ابتسام... أيضا سعيدة... لن تجْتمع السعادة والبؤس... في مكان واحد... ولا الماء والنار... في إناء واحد... ولكن يا حبيبي... إياك أن تطلِّقني... إياك ثم إياك... لأنني لا أريد سماع خبر كهذا... أختتم به حياتي... لا تقلق أبدا... لن تطول نكبتُك بزوجةٍ مثلي... سأرحل قريباً... للقاء ضاحية... أقصد... رحمة... ضاحية... رحمة... ضاحية... رحمة»
استمرت التمتمات حتى انقطعت... وعم الصمت من جديد... وحسان يفكر بعمق... في هذه المسكينة... الأشبه بميتة... جواهر... وتلك المسكينة... الميتة... ضاحية... ويقارن في تعجب... ثم يقول في نفسه:
- " كلاَّ لن تموت جواهر... لن تموت... سأفْديها بكل ما أملك... وبكل حياتي...»
قام حسان من مقامه... ودخل المطبخ... تغيب قليلا... وعاد... كان يحمل معه كأسين من عصير الليمون... جلس بجوار جواهر... وضع يده على رقبتها من الخلف... بدأ يدلكها في حنان... ورفع كأس الليمون... ووضعه بجوار فمها.
شربت جواهر... وشرب حسان من الكأس نفسه... مر وقت هدوء... لم يطل... ثم قال حسان:
- «أنت... أنت مؤمنة... ولكن... كلامكِ الذي قلتِه للتو... آسفني كثيرا... إنه يتعارض مع كمال إيمانك... أنت شابة يا جواهر... وجميلة... والحياة أمامك...»
نظرت جواهر لعينيه... ابتسم في وجهها... وهز رأسه... هَدَأتْ أعصاب جواهر قليلاً.

8 - الجرس يرن

 مر الوقت خلسة... حسان يشعر برياح النصر... لقد استطاع أن ينتزع من فمها العابس... ابتسامة صغيرة... جواهر... كم هي ثمينة ابتسامتها!... كانت أشبه بكنز كبير... هناك فكرة أخرى.
 رفع حسان المصحف.... وبدأ يقرأ بصوت شجيّ من سورة الطور:
- "{إن المتقين في جنات ونعيم... فاكهين بما آتاهم ربهم... ووقاهم ربهم عذاب الجحيم... كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون... متكئين على سرر مصفوفة... وزوجناهم بحورٍ عين... والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان... ألحقنا بهم ذريتهم... وما ألَتْنَاهُم من عملهم من شيء... كل امرئ بما كسب رهين... وأمددناهم بفاكهة ولحمٍ مما يشتهون... يتنازعون فيها كأساً... لا لغوٌ فيها ولا تأثيم"
رفع حسان الكأس التي في يده... عيناه تترقرقان بالدمع... نظر إلى جواهر المندهشة... وأكمل:
-" {ويطوف عليهم غلمان لهم... كأنهم لؤلؤ مكنون... وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون... قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين... فمنَّ الله علينا... ووقانا عذاب السَّموم... إنا كنا من قبل ندعوه... إنه هو البرُّ الرحيم... فذكِّر... فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون}
ألقت جواهر برأسها على صدر حسان... بقيت خاشعة تسمع... وأكمل حسان:
-" {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المَنون... قل تربصوا... فإني معكم من المتربصين... أم تأمرهم أحلامهم بهذا... أم هم قوم طاغون... أم يقولون تقوَّله... بل لا يؤمنون... فليأتوا بحديث مثله... إن كانوا صادقين}"
رفعت جواهر رأسها المنهك... وقالت مستسلمة لحسان:
- «أخبرني بكل شيء... عن أمي... أرجوك»
نظر حسان لها في عطف... ثم أغلق المصحف... وجلس في استعداد... كي يسرد الحكاية... وفي تلك اللحظات... قطع كل شيء... صوت جرس الباب... الذي رن... ثم رن.

الفصل الحادي عشر

 1- إلى المكتبة

ابتسام تداعب طفليها... لقد تأخر حسان بشكل غير عادي... هذا اليوم هو يوم الاثنين... ليس من عادة حسان أن يتأخر مع زملائه يوم الاثنين... إنه يذهب معهم يومي الأحد والثلاثاء... الأطفال يسألون:
-" أين بابا؟... أين بابا؟"
 انقدحت في ذهن ابتسام فكرة... إنها فكرة رائعة:
-" لماذا لا أذهب مُتمشِّية نحو مكتبة زوجي... وبالمرَّة... أنظف ذلك المكتب... الذي بِلا شَك... قد نال منه التراب كل منال"
قررت ابتسام اصطحاب طفليها... ولكن... ماذا لو عاد حسان وهي في الخارج... فكرت قليلاً:
- «لا مشكلة... سأكتب ورقة صغيرة... وأضعها على باب الشقة... سأكتب عليها... عزيزي حسان... أنا لست في المنزل... لقد ذهبت إلى مكتبتك... لأنظفها... وسيكون الأطفال معي... إذا أتيت مبكراً... فالحق بنا"
سارت ابتسام على قدميها... كل حركاتها تشعر بالحيوية والنشاط... مر الوقت مسرعا... وهاهي هناك... لقد وصلت بعد جهد ليس بالجهيد... إلى المكتبة... كم كانت سعادتها عندما رأت سيارة حسان بجوار المكتبة!:
-" هذا الهارب... لقد تركنا وبقي يقرأ ويتثقف... سيكون قدومي إلى هنا مفاجأة لك يا حسان"
ابتسام تملك مفتاح المكتب... ولكنها آثرت طرق الباب... ليفتح لها حسان.
طرقت ابتسام الباب... ثم طرقته... ثم طرقته... ولكن لا مجيب:
-" ربما ذهب مع أحد زملائه... في سيارة أحدهم... وترك سيارته هنا"
فتحت ابتسام الباب :
-" لا يوجد أحدٌ هنا... ولكن... أمر غريب!... هذه الغرفة... إنها مرتبة أقصى ترتيب... أنت مرتب كما عرفتك يا حسان»
خرجت ابتسام... ستعود للمنزلها... لقد قامت برياضة مفيدة... في طلعتها- هذه:
-" هذا شيء جيد... سأعود لمنزل"
في تلك الأثناء... نظرت ابتسام إلى هناك:
-" أوه... ذلك الباب... إنه  باب منزل صديقتي... الله... باب منزل جواهر... مجاور لباب البدروم تماماً"
خطرت على ذهن ابتسام فكرة... تبدو فكرة رائعة:
-" لم لا أقدم زيارة لجواهر... بالطبع... ستسعد بذلك... وستهنئني حتما بخروج زوجي من السجن"
طرقت ابتسام الجرس... لم تدر حينئذ... ما معنى أن تدق الجرس على صديقتها... إنه عمل صغير... لا يعني لها شيئاً... ولكنه يعني الكثير... والكثير جداً... لمن تجلس بالداخل... بجوار زوجها... تنتظر منه أن يخبرها بقصة ضاحية... مع كل تفاصيلها.

 

2-  وقت غير مناسب

رن الجرس مرة أخرى... اضطربت موازين حسان... واضطربت أيضا موازين جواهر... من يكون يا ترى هذا الطارق؟... لم يبدأ حسان في سرد القصة... فكر بدهاء... سيقطع الحديث... قد يكون من صالح جواهر ألاَّ تعرف القصة بطريقة مفاجأة... إنها تحتاج إلى تمهيد وتمهيد... تحتاج إلى وقت أطول... لكي يتسنى لها توقع أسوأ النتائج.
 وضع حسان يده على رأسه... وانقدحت في ذهنه أفكار كثيرة:
-" ماذا علي أن أفعل الآن؟... لقد ضقت ذرعاً بهذا الانتظار... أريد براً كي أرسو بمركبي عليه... إنني أعيش في متاهة طويلة... لها أول وليس لها آخر... تلك المتاهة التي لم تبدأ بزواجي من جواهر... كلا... ولم تبدأ أيضاً بموت ضاحية... بل ولم تبدأ بتعرفي على ضاحية العجوز... لقد بدأت من حدث أبعد من ذلك... ما هي يا ترى بداية كل هذه الأمور الغريبة؟... الأمر يحتاج إلى تفكير أكبر وأكبر"
أرادت جواهر أن تقوم... لتسأل عن الطارق... اتكأت على يديها... ثم تراجعت... لقد خارت قوتها... إنها في حال يجعلها ترغب في أن يقوم حسان بدلاً عنها... نظرت إلى حسان... وكأنها تقول له:
-"اذهب  واسأل... من بالباب؟»
قام حسان:
-" بالتأكيد... جواهر على حق... أنا من يجب أن يسأل"
 وقف حسان بجوار السماعة... رفعها... وقال:
- " من الطارق؟"
كان صوت حسان في تلك اللحظة... ينبعث إلى الخارج... ويرن في ذهن ابتسام... توقفت ابتسام عن الحركة... وعن الكلام... وماذا عساها أن تقول؟!... أدهشها هذا الصوت الذي سمعته الآن... إنه صوت ليس بالغريب عليها... ولكن... أين سمعت هذا الصوت... أين...أين؟.
تحدث حسان بثقة أكبر:
- «من بالباب؟»
قالت ابتسام وهي ترتجف:
- «هل جواهر موجودة؟»

الفصل الثاني عشر

1- الطرقات الرهيبة

حسان واقف في مكانه... بجوار سماعة الجرس... يبدو عليه شيء من الارتباك... ذهنه يدور في كل مكان... وأخيرا... وقف... هذا الصوت... إنه صوت مألوف لديه... سرى في بدن حسان... شوط الكهرباء... وحدث نفسه:
-" تماما... بالطبع... إنها ابتسام... نعم إنها ابتسام... لماذا جاءت؟... وماذا أفعل الآن؟... يال النهاية!"
عاد حسان نحو جواهر... كان مرتبكا بعض الشيء... قالت له في قلق:
- " ماذا بك؟... خير"
- " خلَّيها على الله... هذه ابتسام... لا أدري ماذا تريد؟... ولكنها  سمعت صوتي... ربما لم تعرفني... لا أدري... بالطبع أنا متأكد من صوتها"
سرى في جسد جواهر...  شوط من الكهرباء... شيء ما جعلها تهبُّ واقفة... لقد تناست أشياء كثيرة مما كانت تفكر فيه... ولكنها بالفعل... تشعر أنها قد وقعت في ورطة... ليست ورطة... وإنما هي كارثة كبيرة... لاشك أن ابتسام ستشك فيها... وربما أوصلها الشك... لتتهمها... «بـ...ال... أعوذ بالله»... وربما... ربما... علمت أن حسان... قد أصبح زوجا لها...  لقد سمعته وهو يرد على السماعة... جواهر يجب أن تفكر بأسرع وقت... وبأقصى طاقة... لتلافي أي مشكلة... إنها ليست على استعداد لتلقي المزيد من المشاكل... الحرب أهون من هذه الحياة... توصلت لفكرة:
-" حسان لديه القدرة الآن... على حل الكثير من المشاكل... لقد استفاد ذلك من تواجده في السجن... ولكن... هل تراه سينجح الآن... مع زوجته ابتسام... مع أنه نجح مع أكبر المحققين؟"

2- حل ذكي

نظرت جواهر إلى حسان باستجداء... في حين هز رأسه... ثم رفع كتفيه لأعلى... ثم عاد إلى السماعة... وقال بكل جرأة: 
- « يا أخت... هل تُريدين... جواهر!... من هي جواهر هذه؟... أوه هل تقصدين صاحبة العمارة... أظن أن اسمها جواهر فعلاً... على كل حال... هذا الجرس خاص بالبدروم... جرس صاحبة المنزل ربما يكون في جهةٍ أخرى»
تذكر حسان شيئا مهما... ابتسام ربما جاءت سابقاً لهذا المنزل... وربما طرقت نفس الجرس... وربما ردت عليها جواهر... عن طريق السماعة نفسها... هذه مشكلة... ولكن... عليه أن يتصرف... بكل سرعة... لذا قال:
 - « عفواً... ربما كان هذا الجرس يرن هنا... في البدروم... ويرن أيضا... في الدور الأعلى... لا أدري... المهم... أنا سأقفل السماعة... وأنت اطرقي مرة أخرى... إذا أجابت صاحبة العمارة... فهي حتما موجودة»
أقفل حسان السماعة... وقال لجواهر:
- «إذا طرقت الطرقة الأولى... لا تردي... وردي عند الطرقة الثانية»
- «وأنت؟»
- «أنا سأنزل إلى المكتب... عن طريق الباب المفضي له... من الدور الأول... سأكون هناك بعد لحظات»
رن الجرس... مرة... ثم مرة... ثم ردت جواهر... كان قلبها يرتجف... قالت:
- «من الطارق؟»
- «أنا ابتسام»
- «ابتسام... أهلاً وسهلاً... كم كنت أتمنى قدومك!... لقد قتلتني الوحدة... والفراغ... مجيئك نعمة كبيرة... تفضلي يا ابتسام... سأفتح لك الباب»
وفتحت جواهر الباب بالمفتاح الكهربائي... ولجت ابتسام... وداخل الفناء... تركت طفليها يرتعان... لم تشعر بشيء غريب... زوجها في مكتبه... وجواهر فوق... في منزلها... ولكن:
-" غريبة!... الجرس يرن هنا وهنا... هذا تنظيم كهربائي خاطئ... ولكن... لاشك أنه صحيح... لو كان الساكن في المنزل شخص واحد... إنه سيسمع الطارق... وسيرد عليه مباشرة... سواء أكان في الأعلى أم في الأسفل... ولكن... غريبة... أين كان حسان... عندما دخلت للمكتب؟... لم يكن له أثر... ثم ردَّ فجأة... غريب!"

3- حذاء حسان

صعدت ابتسام للدرج... كانت متهيئة لمقابلة جواهر... وعند باب شقة جواهر... في الدور الثالث... توقفت ابتسام فجأة... لقد دهشت لما رأت... بدأت شكوكها تثور من جديد... لقد وقفت تنظر إلى ذلك الشيء... في حين جاءت جواهر لتستقبلها... رأتها وهي تنظر... وتدقق النظر... في حذاء حسان... أوه... حسان... لقد نسي حذاءه هنا... ونزل.
 قرأت جواهر كل الانفعالات على وجه ابتسام... وأخفت كل قلقها... لتبدو على طبيعتها.
جواهر ابتسمت لابتسام... وعانقتها بحرارة... وأدخلتها للداخل.
جلست ابتسام في الصالة الصغيرة... وجلست جواهر بجوارها... كانت تكيل لها الترحيبات... في حين أن كلمات ابتسام... مقتضبة لأقصى الحدود... قرأت جواهر ما يدور في ذهن ابتسام... لقد انكشف السر... ماذا عليها أن تفعل؟.
قامت جواهر وكأنها ذاهبة لإحضار القهوة... ولكنها نزلت للأسفل... إلى حسان... ستخبره بما حصل... لا زال لديها ثقة في ذكائه... مع أن هذا الذكاء... لم يساعده في تذكر الحذاء... ولكن... لا حيلة.
دخلت له عن طريق الباب السري... ولكنها لم تجده... نظرت عن طريق ثقب في الباب... إلى موقع سيارته في الخارج... أيضاً لم ترَ سيارته... حدثت نفسها في حسرة:
-"  لقد وقع الفأس في الرأس... وكل خططك يا حسان ذهبت مع مهب الرياح... انتهى كل شيء... وانتهينا أيضا معه... ماذا أفعل الآن؟... لو سألتني ابتسام... حتما سأعترف بكل شيء... لن أسمح لها أن تشك في شرفي... أو تشعر بأني امرأة قليلة دين... ولن أتركها أيضاً تشك في حسان... بالتأكيد... الحلال هو الحلال... والحرام هو الحرام"
 عادت جواهر... القلق متراكم على  كيانها... هذه المرة... ولم يكن لقلقها ذاك... أن يهدأ ولو ساعة واحدة... ومنذ ولدت وحتى الآن.
دخلت جواهر... واتجهت للمطبخ... دون علم ابتسام... وأعدت القهوة في عجلة من أمرها... ثم جاءت من جديد... كانت تبتسم... لقد قدَّمت القهوة... والعصير... وفي أحاديث متفرقة... حاولت التَّلطف مع ابتسام... التي كانت أكثر قلقاً... دقائق قليلة مرت... ابتسام يأكلها القلق... لم تكن لتصبر على نار الشك... التي ثارت في قلبها... كانت تفكر في أن تسأل جواهر... عن سبب وجود حذاء حسان... وعن سبب رد حسان على الهاتف... منذ قليل... وعن سبب كون سيارته موجودة في الخارج... وهو غير موجود في المكتب... هل هو هنا؟.
 ولو سألت ابتسام تلك الأسئلة... لما كان أمام جواهر من طريق... إلا ذكر الحقيقة كاملة... ستنفجر بكل يسر... وستفضي بكل شيء... لن تكتم حرفا واحدا من حروف قصتها... إن حسان زوجها... كما هو زوج ابتسام... إنها طاهرة الذيل... كما أن حسان أطهر إنسان في الدنيا.
لكن ابتسام قامت مستأذنة... وفي كل توتر وقلق... نزلت مع الدرج... وخرجت للخارج... راقبت كل شيء باهتمام... سيارة حسان لازالت موجودة... وضعت ابتسام المفتاح في القفل... أدارته بحذر... ثم دخلت داخل المكتب... فوجئت بما لم تكن تتوقعه... حسان جالس على مكتبه... يقرأ... ويقرأ بنهم... وعندما رآها... ابتسم بسمة عريضة... وبدا مندهشا جدا... وقال:
- " أنت... يال سعادتي... ولكن... كيف جئت؟... على كلٍ... لقد جئتِ في وقتك... تصدقين...  كنت أفكر فيك"
اطمأن قلبها قليلاً... نظرت هنا وهناك... أوه... إنها ترى الحذاء... حذاء حسان:
- "  إنها موجودة هنا... ليست تلك الحذاء في الأعلى... حذاء حسان... إنها حذاء مشابهة لها... كم أنا غبية... وكأنهم لم يصنعوا إلا حذاء واحدة!... وقسموها بين جواهر وحسان... الأحذيه تتشابه»
اقتربت ابتسام من حسان... كانت تسأل نفسها:
-"  ولكن... أين كان حسان عندما دخلت للمكتب... قبل دقائق؟!"
عرف حسان... بما يجول في بالها... قال في عدم اكتراث:
- « تصدقين... أمر غريب... قبل ربع ساعة... تقريبا... كنت في دورة المياه... هنا... وأحسست أن أحدهم دخل المكتب... وجال فيه... تصدقين... أصبحت أشك في نفسي... خرجت من الحمام... فلم أجد أحداً... الأغرب من ذلك... امرأة... لقد قرعت الجرس... عند خروجي من دورة المياه... إنها تسأل عن صاحبة المنزل... أذهلني صوتها... إنه تماما مثل صوتك... فوجئت أول ما سمعت صوتها... لم أستطع مواصلة الكلام... يبدو أن هناك مشكلة... الجرس يرن هنا... ويرن أيضا عند جواهر... تعالي... تعالي... اجلسي"
انزاح الجبل الكبير... وارتاح قلب ابتسام... وانحلَّت كل أطراف اللغز بالنسبة لها... وسَعِدت هي وطفلاها لهذه الجلسة... مع حسان في مكتبه... وبعد ساعة... ذهبت الأسرة إلى منزلهم... في سيارة حسان.

الفصل الثالث عشر

1- آخر الأفكار

الوقت الآن شاحب... ومع مرور ثوانيه القادمة سيزداد شحوباً... وحسان يقدِّم خطوة ويلحقها أخرى... إنه يخرج من منزله... ويخفي تحت العباءة التي يرتديها شيئاً ما... ويستأذن من زوجته ابتسام... ويخبرها أنه قد يتأخر في المسجد قليلاً... وربما زار أحد أصدقائه.
حسان ينزل الدرج... ثم يركب سيارته... وينطلق... كل شيء يمشي من حوله بسرعة... وهو شبه واقف:
- " ولكن ما هو السبب في حدوث كل هذه المصائب؟... لقد كدت في صلاة العصر... أن أصل لحل هذا التساؤل... إلا أن الإمام... أصلحه الله... سلَّم... ولكن... ماذا عن طَرْق ابتسام للجرس؟... في بيت جواهر... لقد تغير كل شيء لدي... حتى الدهاء والمكر... وذلك الكذب... الذي أزعم أنه كذب أبيض... وألقيه هنا وهناك... على ابتسام... دون حرج... ماذا حصل داخل كياني؟... وهذه الدراسة الناقدة لكل ما حولي... والشك في كل شيء... هل تغيرت الحياة؟... هل هي فعلاً بكل هذه الصورة البشعة؟... هل كنت أمشي على أرض خصبة... ثم انتقلت إلى صحراء قاحلة؟"
الوقت الآن مناسب لحسان ليلج في أعماق عقله وقلبه... وينتزع منها جواباً شافياً:
- " ليس السبب جواهر... وليست ضاحية - رحمها الله -... ربما كان اللواء... أو المقدم... كلا... ليس هذا ولا ذاك... هل هو جابر؟... كلا... هل هو أنا؟... أنا!...  أم ابتسام؟... لا... لا أحد... لا أظنه أحداً من هؤلاء"
السؤال يزداد حيرة... شيء واحد لا يحتار حسان فيه... لقد عرفه منذ الصغر... ولم يتغير... ولم يتبدل... تذكره الآن عندما رأى مئذنة المسجد.
- "الذي لم يتغير ولن يتغير... إنه الصلاة... الصلاة... وقدرتها المعجزة على رسم الصراط المستقيم... وكلُّ كرْبٍ لا يعالجه صاحبه بالصلاة... فهو حالة مستعصية على الحل".
انقدح في ذهن حسان جواب فُجائي... من جنس تلك الإجابات التي كانت تأتيه أشبه بالإيحاء... تأتيه فَتُخْرِجُه من الإشكالات... جاءته في السجن مرات ومرات... ومؤخرا... جاءته عند قرع ابتسام لجرس جواهر... إنه الذكاء المفاجئ... الذي اكتشفه حسان كامناً في داخله.
 أوقف حسان سيارته... ونزل... سيسير مسافة أطول... على الرصيف... بجوار الحديقة.

2- جواب التساؤل

يتقدم... ويتقدم... عقل لمّاع... يعمل في رأسه... بدأ حسان يتخيل أشياء كثيرة... وأخيرا وجد بداية الجواب.
تخيل حسان شيئا ما... أحس أنه يرتفع لأعلى... لأعلى... ثم ينظر للحياة... ويتخيل جميع مُفرداتها... كل الأشياء يراها حسان في حيِّز صغير... أشبه بطاولة المذاكرة.
دهش حسان... عندما خُيِّلَت له متناقضات الحياة:
- " كل شيء في الشمال... يوجد ما يعاكسه في الجنوب... كل شيء في الشرق يوجد ما يضاده في الغرب... الناس منهم الأسود... تمام السواد... وأيضاً منهم الأبيض الناصع... وكل لا يظن أن هناك غيره... شعوب الصين... شعوب أفريقيا... النساء... الرجال... الصحراء القاحلة... والمروج الخضراء... الأنهار الزلال... والبحار الأجاج... الثلوج... وخط الاستواء... البلابل الصغيرة... والقردة البشعة... الحمل الوديع... والدب المفترس... الحوت في البحر... والثعبان في الجُحْر... كل شيء متناقض مع الآخر... متناقض في حياته... ومتعارض معه في كل تصرفاته"
بدأ الحل يتجلى في مخيلة حسان:
-" نعم... إنها الطبيعة التي جَبل الله عليها الحياة... لم تُجبل الحياة على خط سير مستقيم... إن خط سيرها متعرج... غاية التعرج... الحياة هي الليل والنهار... فيجب أن تحوي السواد... ويجب أن تعرف الضياء... لا غرابة في أن تتغير حياتي الهانئة... إلى هذه الدرجة المضطربة... لأننا نعيش في حياة كلها تعارض... كلها اختلاف"
هذا هو الحل الحقيقي... الذي أقنع حسان به نفسه... قرر بعدها أن يتقبل كل هذه التغيرات... بكل ثقة في الله:
-" لن تثور أعصابي في وجه هذه الحياة... التي عرفت خلطتها السريَّة... وعرفت العناصر الأساسية التي صَنَعَتَ مركبها... حتى الخير والشر... خُلقا في الحياة... وبقيا منذ أزلها حتى أبدها... هكذا طُبعت الحياة... وهكذا طبعت حياة الإنسان في هذه الحياة... ولمؤمن هو الذي يشكر في خيرها... ويصبر في شرها... ولا يجزع... نعم لا يجزع"
 انقدح في ذهن حسان فكرة أخرى... هي أيضاً من جنس أفكاره الإيحائية:
- "عليَّ أن أجرب... بالتأكيد... هناك حل لكل مشاكلة نواجهها... فقط عندما نعرف الوصْف الدقيق للحياة... الذي عُرض في القرآن الكريم... ولكن... جواهر... كيف أكون قادرا على حل مشكلتها؟... سأحاول... سأحاول إقناعها... بأن حياتها بهذه الطريقة هي حياة طبيعية... والحياة مع كل مشكلاتها... هي الحياة الطبيعية... لا غرابة فيها ولا شذوذ"
توقف حسان عن السير... توقف وقال لنفسه:
- " نعم... علي أن أخبرها بالسِّر... وقبل ذلك... سأعرض لها صورةً حقيقية للحياة... سأَعْرض حلوها ومرها... أبيضها وأسودها... ليلها ونهارها"
توقف حسان عن المشي... إنه مكان الوضوء... توضأ ودخل المسجد... وعاش في رحاب الله... يفيضُ على قلبه الحزين... سكينة قدسية تتنزل دائماً على قلب كل من يلج إلى بيت الله.

الفصل الرابع عشر

1- قصة الحذاء

حسان أمام الباب... أعدّ هندامه بشكل أكثر أناقة... ثم طرق الباب... جواهر فتحت الباب... ولج حسان... إنه الآن سعيد... إنه يملك المفتاح لكل المشاكل... لقد حصل على المَصْل الذي يجعله قادراً على تحمل كل المصاعب... التي ترغي بها هذه الحياة وتزبد.
استقبلته جواهر الحزينة... بدهشة بالغة... سألته:
-" ماذا فعلت معها؟... ما الذي حصل يا حسان؟"
جواهر طيلة الوقت... كانت تفكر في شأن ابتسام... ودخولها المفاجئ على حسان... في المكتب... واكتشافها بالتأكيد للقصة كاملة... وكيف أن أعمال حسان باءت بالفشل... بعد أن رأت ابتسام حذاءه عندها... وبالتأكيد... هي لم تجد حذاءه معه.
أدْهَشَ جواهر أن حسان دخل عليها وهو يضحك... إنه لا يحمل أي هم من الهموم التي تحملها هي... أعادت السؤال:
- «قل لي... ماذا فعلت يا حسان؟... هل أخبرت ابتسام بكل شيء؟»
- «ماذا تقصدين؟!... أوه عندما دَخَلَتْ عليَّ المكتب»
- «نعم... المشكلة أنها رأت حذاءك هنا»
- «أوه... نعم... لقد نسيت الحذاء عندك... كنت في عجلة من أمر الهروب... ولكني تغلبت على المشكلة... وبعد أن اكتشفت نسيان حذائي... فكرت جيدا... واتخذت القرار المناسب... لقد ركبت السيارة على الفور... وانطلقت لمحل بيع الأحذية... الذي اشتريت منه الحذاء سابقا... لحسن الحظ أنه قريب من هنا... وبكل سهولة... اشتريت حذاءً مثل الحذاء السابق... وعدت»
- «صحيح يا حسان؟!... يا الله... أنت فعلا... داهية... نعم... نعم... لذا عندما نزلتُ إليك... لم أجد السيارة... ولم أجدك في البدروم»
- «نعم... هل لازلتِ تفكرين في شأن ابتسام؟»
- «لقد خفت عليك يا حسان... وعلى نفسي... أنت أملي الوحيد في الحياة... أنت البلسم الوحيد»
جلس حسان بجوار جواهر... وقال لها مبتسماً:
- «هيا قومي... يا ستي... أحضري العشاء»
- «العشاء... هل سنتعشى سويا؟"
-" نعم... نتعشى سويا... وماذا في ذلك؟... ألست في بيتي؟"
- " حسان... أحس أنني لا أريد أن أكون سعيدة... لا أدري لماذا... ولكن... لم أعد أحب السعادة... إن السعادة شعور كاذب... سرعان ما يتلاشى بالنسبة لي... ويتحول إلى حُزْن عميق... أوكارثة كبيرة»
ابتسمت جواهر... وأشارت بيدها إلى ثَغْرِها... وقالت:
- «انظر إلى هذه الابتسامة يا حسان... إنها ابتسامة كاذبة... تماماً كما هي الحياة»
- «أقول لك قومي... هيا أحضري العشاء... تتهربين بالفلسفة... من صنع بيضتين... وإعداد شيء من الجبن... هيا... بلاش دلع بنات»
ابتسمت جواهر... وقامت... واتجهت للمطبخ... وهناك... أعدَّت الشاي... ووضعت معه رغيفين من الخبز الأسمر... وعلبة جبن... وصحناً من العسل... وأقبلت.
بسمتها تلك... لم تزل مرتسمة على ثغرها... كأنها نسيتها على شفتيها... ونسيت أن تنزعها... لتضع بدلاً عنها علامة الحزن الأبدية... في حياتها الصعبة.
كان بقاء جواهر في المطبخ مساعداً لحسان... كي يعدَّ بعض الكلمات... التي سيبدأ بها سرد سره الكبير... والعجيب... لقد كانت الشنطة بجواره... الشنطة التي تحمل جميع الأدلة... على صدق ما سيقوله.

 2- فلسفة حسان الجديدة

حضر العشاء... وبدأ الزوجان في التناول منه... أكلا ما قدر لهما... كانت لقيمات قليلة... تلك اللقيمات التي تناولاها... وقام حسان... وجلس في الجوار... ورتبت جواهر أطباق العشاء ثم حملتها للداخل... وعادت بسرعة... كانت تحمل إبريق الشاي... وضعته على الطاولة أمام حسان... ثم جلست في المقابل.... بدأ حسان يضع التمهيدات التالية:
- «جواهر... أنت تظنين أنك حزينة... وشقية... وأنا أظن أيضاً... أنني كنت سعيداً ذات يوم... وأصبحت الآن من الأشقياء»
لمعت دمعتان في عيني جواهر... وأكمل حسان كلامه:
- «صدقيني يا جواهر... لا أحد يستطيع أن يحكم على نفسه بأنه شقي... أو سعيد... لكن شعوره هو الذي يحدد مدى سعادته... ومدى شقائه... تصدقين؟... أنا الآن أشعر أنني أسعد إنسان... فقط لأنني عزمت بأن أشعر أني سعيد... السعادة هي الرضا عن النفس... والشعور الصادق بهذا الرضا... ولكي يكون الإنسان سعيداً... عليه أولاً أن يجمع عدداً كبيراً من الأشقياء... الأشقياء الأكثر شقاءً منه... ثم يدرس أسباب شقائهم... وأبعاد شقائهم... ثم يقارن نفسه بهم... ليشعر أنه حقاً أسعد منهم... السعادة صدقيني ظاهرة نسبية... فإذا قِسْتِ نفسك بالأشقياء... كنتِ سعيدة... وإذا قِسْتِ نفسك بالسعداء كنتِ شقية...»
أطرقت جواهر برأسها... في حين شعر حسان أنه قد أجاد... قال بعد ذلك:
- «أعلم... أعلم... أنت الآن تبحثين عن الأشقياء»
- «نعم... أنا الآن أعرض في ذهني أبشع صورة للشقاء»
- «جميل جداً احفظيها... اجمعي أكثر وأكثر... وابحثي عن شخصيات أخرى»
- «لا... لا يا حسان... تكفيني شخصية واحدة... شخصية لها من الشقاء... ما يكفي عن عشرات الأشقاء»
شعر حسان أن في كلام جواهر لغزا ما... لذا قال:
- «ماذا تقصدين؟»
- «الشخصية الأشد شقاء... هي رحمة صادق... إنها ضاحية المذبوحة... إنها أشقى إنسان... أمي»
بدأت جواهر بالبكاء المرير... أراد حسان كَحْلَ عينها فأعماها... انفرط العقد من يده... عليه أن يبحث عن حل سحري... يستخرجه من الإيحاءات التي يوحي بها عقله عند الضوائق... أغمض حسان عينه قليلاً... ثم... انفجر بضحكةٍ مدوية... وغير مبررة... اهتز لها حزن جواهر... حسان ضحك ضحكة أخرى... كانت مثاراً لريبة جواهر... ثم قال في تعجب:
- «ضاحية... رحمها الله... والله إنك مسكينة... مسكينة... وددت لو أنني كنت أنا ضاحية لكنت ساعتها أسعد إنسان... إنها شهيدة... نعم شهيدة... {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً... بل أحياء عند ربهم يرزقون}... نعم إنها الآن في الجنة... إن شاء الله... إن روحها طير من طيور الجنة... هـ... هـ... هـ... لا تُقارني نفسك يا جواهر... بأسعد إنسان... أنا أقول لك... قيسي نفسك بأتعس إنسان... لعلك لم تفهمي ما طلبت منك... أتعس إنسان... وليس أسعد إنسان"
قالت جواهر في دهشة... وقد توقف بكاؤها:
- «تقول إن ضاحية سعيدة... وشهيدة؟»
- «نعم... أتدرين؟... أنا أعرف السر... إنها لم تُقْتل... إلا لإيمانها بدينها... وبمبادئها... إنها ناضلت من أجل الخير والحق... وتركت ابنتها... »
مع هذه الكلمات... انفجر حسان بالبكاء المتواصل... الذي نبع من أعماق قلبه... بكل صدق... الواقع أن مشاعره الصادقة... تكفِّر بهذه الدموع... عن تلك الضحكات المصطنعة... التي قذفت بها حنجرته... منذ قليل... مرت دقائق... بكى حسان فيها كثيرا... وكثيراً... أثناء ذلك... كانت جواهر تقترب منه... وتحتضن رأسه... وتمسح عليه... وتهدئ من روعه... لكن عبراته استمرت تهتز في داخله... حتى ناولته جواهر كوباً من الماء... شربه بهدوء... وانقطع بكاؤه... واعتدل في جلسته... ثم ابتسم... ثم ضحك... في موقف أشبه بحال المعتوه... أكمل ضحكته... وقال في تأثر بدا على نبرة صوته... وإن لم يبد على ملامحه:
- " يا ليتني كنت مثلك يا ضاحية... إذاً لكنت سعيداً... الدنيا زهيدة... زهيدة"
قالت جواهر... وهي تشعر ببعض السعادة... لعودة حسان لوضعه الطبيعي:
- «أكمل يا حسان... ما قصه ضاحية؟»
- «ضاحية... لو كانت الآن حيَّة... لكانت حزينة... مثلي ومثلك... ولكنها ماتت... لتلقى الله... ولتترك الذئاب والكلاب»
جَاوَرْتُ أعدائي وجاور ربه       شتَّان بين جواره وجواري
اسمعي يا جواهر... أنت فعلاً بنت ضاحية... ضاحية التي هي رحمة... أنت سعيدة... سعيدة جدا... لأنك رأيت أمك قبل موتك... رأيتها... وبَرَرْتِ بها... أنت سعيدة... ولست شقيّة... لو كنت شقية... لكتب عليك ألاَّ تري أمّك... أو... لكتب عليك... أن تكوني عاقة لأمك... لكنّك من أسعد الناس... الجنة كانت لك... تحت أقدام ضاحية... نعم... تلك العجوز... تحت أقدامها... وأنت ذهبت بفضل الله... إلى ضاحية... لترفعي رجليها... ولتأخذي مفتاح الجنة... أنت أطعمتِ أمك... وسقيت أمك... وغسلتِ يدي ورجلي ووجه أمك... هنيئاً لك يا جواهر... أنت من أسعد الناس في هذه الحياة... أنا أحسدك على هذه السعادة... وأمك سعيدة... انظري يا جواهر...»

 3- الـقـــاتـل

الجو العام للصالة يحفه التوتر والقلق... حسان عازم على عرض الحكاية على جواهر بكل ما أوتي من براعة... عليه أن يكون لبقا وذكيا.... رفع الشنطة الصغيرة التي أحضرها معه... وأخرج منها صورةَ قديمةً لجواهر... جواهر في هذه الصورة جالسة في حضن أمها... كانت في سنوات طفولتها الأولى... وقال:
- «انظري إلى هذه... وإلى هذه... هؤلاء ليسوا أشقياء... لأنهم كانوا مؤمنين بأن الله اختارهم... ليقوموا بحمل الحق... الحق الذي لا يحمله إلا من يحبه الله... هـ... هـ... وأرجو أن أكون أيضاً ممن يحبهم الله"
انقطعت الضحكات التي أخرجها حسان للتو... وخرج بدلا منها... نحيب طويل... جواهر تتمالك نفسها قدر الإمكان... لقد ارتفعت معنوياتها بشكل مذهل... إنها الآن تهدئ من روع حسان... الذي كان يظن أنه هو الذي سيهدئ من روعها... عندما يسرد القصة... أكمل حسان:
- «اسمعي يا جواهر... هل تدرين من هو الشقي...الحقيقي؟"
- " نعم... من هو؟"
- " إنه... إنه القاتل المسكين... الذي قتل أمك»
- «ومن هو؟»
- «إيه يا جواهر... هنا ستبدو الحقيقة المذهلة... إنه... إنه... أخوك فالح... فالح... هو الذي قتل ضاحية... وهو الذي شرَّدها منذ عشرين سنة... ولكنه في النهاية... نال جزاءه... وهو بالتأكيد يستحق كل ذلك»
توقفت جواهر عند هذه الكلمات... ودارت بها الدنيا... وركزت بصرها في ثغر حسان... في حين طأطأ حسان رأسه... ليس له من كلام يقوله... حتى يرى ردة الفعل التي ترد بها جواهر على هذا الكلام المذهل... لم تنكس جواهر رأسها... ولم تغير وضع جلستها... وإنما قالت:
- «ماذا تقول؟... يا حسان... لو سمحت...  كيف عرفت ذلك؟... لا أكاد أفهم»
رفع حسان رأسه... لم يشأ أن يبتسم... لقد أكمل حديثه قائلا:
- « فالح... أخوك... لقد مَكَرَ ليدخلني السجن... وليتَّهمني بالجريمة... ولكن ألله أعانني... وانقلب السحر على الساحر»

4-  وصية

دوائر تدور في الدنيا... ثم تدور في ذهن جواهر... أحداث أشبه بالسحر... لا يمكن إدراكها... وضعت جواهر يدها على رأسها... لقد دهشت لما تسمع... ولكنها أخيرا... نكست رأسها... عليها أن تبكي قليلاً على أخيها... وأيضا... على أمها... أحست أن حسان يتكلم في ألغاز يصعب فهمها... مرت دقائق.... ثم قالت جواهر:
- «لماذا قُتلت أمي يا حسان... لماذا؟»
أخرج حسان وثيقة من الشنطة الصغيرة... كانت الوثيقة عبارة عن وصية مكتوبة... نظر لجواهر... وقال في تأثر:
- " منذ أكثر من عشرين سنة... وقفت أمُّك وأخوك فالح... وشخص آخر... إنه جَدُّ أخوكِ فالح لأمِّه... وقفوا على رأس أحد الأثرياء... كان ذلك الثريّ يحتضر... وكانت أنفاسه الأخيرة تخرج... وكانت خاتمته قد دنت... وقف الثلاثة ليسمعوا الوصية... كانت وصيته قصيرة في كلماتها... ولكنها كانت طويلة في آثارها... خذي... اقرئي يا جواهر"
حسان ناول جواهر تلك الورقة المكتوبة... وجواهر بدأت تقرأ:
«بسم الله الرحمن الرحيم... أشهد أن لا إله إلا الله... وأشهد أن محمدا رسول الله... أنا أحمد المبارك... أوصي بأموالي كالتالي:
1 ـ العمارة التي بجوار الحرم... في زقاق -المَدّة الطالع-... تكون وقفاً للحجاج العميان... سبيلاً لمن جاء لبيت الله الحرام... ويقوم عليها رجل يستفيد منها راتبه فقط... أو سكنه.
2 ـ المَزارع التي في جنوب مكة... بجوار جبل الصلائح... مع جميع أغنامها... تكون لأخي حسن... الذي فارق مكة وهاجر لجدة... وترك وِرْثَ أبيه... بسبب خلاف بيننا.
3 ـ الأموال التي في الشنطة... يكون نصيب رحمة صادق منها عشرة آلاف جنيه ذهب... جزاء معروفها... والباقي يوزع على فقراء الحرم.
4 ـ منزلي هذا... وبقيّة أملاكي... تعود لأبناء أختي... الَّذين يسكنون في المدينة... وهم أحمد وحامد وعبد الله.
5 ـ أنا أَخْرُجُ الآن من الدنيا... دون أن آخذ معي خردلة من مالي... ليس لي أولاد ولا زوجة ولا أقارب سوى الذين ذكرت أسماءهم... يشهد على ذلك :

فالح عمر عيدان
بركات علي
بصمة من إصبع أحمد

5- حسان يراوغ

في حال ذهول من جواهر... مد حسان يده... حمل إبريق الشاي... وسكب فنجانا لنفسه... وسكب فنجانا آخر لجواهر... رفع فنجانه بهدوء... ارتشف رشفة صغيرة... ثم أكمل:
ـ " هل أكملت القراءة يا جواهر... إياك أن تقلقي... من أيٍٍ مما تسمعين... أو تعرفين... كما قلت لك... الحياة الدنيا قصيرة فانية... هي كأنفاسنا المتلاحقة... الظلم لن يبقى... والغدر لن يبقى... الخير وحده هو الذي يبقى"
نظرت جواهر إلى حسان... وقالت:
- «أنا مستعدة يا حسان... لمعرفة الحقيقة... أي حقيقة... ثق في ذلك... لن تكون أيُّ كارثة أسمعها منك... بأصعب من الكارثة التي عرفتها في موت ضاحية... أو... رحمة... أمي الحبيبة»
- «أمك يا جواهر... هي في منزلة أمي... إنها المرأة الشهيدة المؤمنة... {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً... بل أحياء عند ربهم يرزقون{»
- «شهيدة؟... قل لي يا حسان...  كيف تكون أمي؟... أمك شهيدة؟ »
- «صدقيني يا جواهر... ضاحية تماماً مثل أمي... وعندما رأيتها ميتة... حزنت أكثر من حزني على أمي... رحمها الله»
- «ماذا حصل يا حسان؟... لا تطل الكلام خارج الموضوع"
وضع حسان يده على فمه... إنه يفكر في عمل شيء ما... دارت عيناه لأعلى... توصل لفكرة مناسبة فيما يبدو...  لذا قال:
- «يا حبيبتي جواهر... أنت مؤمنة... صدقيني... أنت أعظم امرأة رأيتها في الحياة... ولكن... نذرٌ عليَّ أن أقبل رأسك الآن... خمسين مرة»
رفعت جواهر حاجبيها في تعجب... ثم ابتسمت... في حين وقف حسان... وأرخت رأسها قليلاً... نزل حسان برأسه... وبدأ يقبل رأس جواهر... كانت تنهال قبلاته على رأسها برداً وسلاماً... أغمضت جواهر عينيها... إنها تشعر أن  قبلاته تغسل الآلام... وتزيل الكدر المتصلب.
أنهى حسان عمله ذاك... وضحِك في شيء من التعب... لم تستطع جواهر إخراج أي ضحكة... ولكنها على كل حال... تشعر بهدوء كبير... أكمل حسان قائلاً:
- «هل تعلمين يا جواهر... لماذا سخَّرني الله لخدمة ضاحية؟... ولماذا جئتِ أنتِ؟... لتموت ضاحية بعد أن تراك... ورؤيتها لك بالطبع... أغلى أمنية في حياتها... ولماذا أيضاً قمتِ بخدمتها؟... وجلستِ عند قدميها"
-  " لا... لا أعلم" 
- " هل تعلمين إذن؟... لماذا أُجْبِرْتُ أنا... وأُجْبرتِ أنتِ... على خدمة ضاحية... بدون أن نطلب أي مقابل؟»
- «لا... لا أدري»
- «السبب غريب جداً... يا حبيبتي... ذلك أن رحمة رحمها الله... قد سَخَّرت نفسها من قبل... لخدمة الآخرين... الشيخ الهرم... صاحب الوصية... أحمد المبارك... خدمته بدون أي مقابل... لقد خدمته فقط... لوجه الله... لقد خَدَمَتْهُ كما خدمتِها أنتِ ذات يوم... لوجه الله"
- " كيف حصل ذلك؟" 

6- قصة أحمد... ورحمة

مسح حسان كراتِ عرقٍ تكورت على جبينه... وجلس متأهبا على المقعد... وشبك أصابعه ببعضها... تم قال:
- " اسمعي جيدا... كان أحمد هذا رجلاً ثرياً... ثريا جدا... إلا أنه لم يولد له ولد... ماتت زوجته... وبقي وحيداً... مرت السنوات وراء السنوات... وهو يقاسي وحدته... ثم داهمته الشيخوخة... ولما علمت جارته رحمة... ما نزل به من الضر... وقفت نفسها لخدمته... بالطبع... لم يكن الحال سابقا كالحال في هذه الأيام... لا مستشفيات... ولا شغالات... ولا دور مسنين... لذلك... قامت ضاحية... بهذا العمل الإنساني الكبير... أنت تعلمين... أولا... فهي امرأة من أسرة متدينة... وقد حفظت القرآن صغيرة... ولا غرابة أبدا... أن تكون ابنتها جواهر مشابهة لها في الخير... وفي رحمتها ودينها... هـ...هـ... هـ... المهم... بدأت رحمة... في خدمة الشيخ الكبير.. قبل أن تولدي... لأن أمك بقيت سنوات... لم تنجب... ثم ولدت أنت...  واستمرت أمك في خدمته بعد أن ولدت... حتى مات"
- " نعم... سمعت بهذا من والدي... رحمه الله"
- " وكان لوالدك في تلك الأثناء... زوجة أخرى... اسمها منال... وابنها هو أخوك فالح... أما أبوها... فهو بركات... الذي كان عمره حينها... سبعين عاماً... وكان قلبه منفتحاً على الدنيا... وكأنه سيعمّر مثل نوح"
- " صحيح... سمعت بكل هذه الأسماء... وماذا أيضا؟"
- " في الليالي الأخيرة... لحياة أحمد... كانت صحته متردية لأبعد الحدود... أحست ضاحية بأن أجله قد اقترب... لذا ذهبت لوالدك... واستأذنته أن يسمح ببقائها لدى الشيخ... لرعاية صحته... في أيامه الأخيرة... وبالفعل... كانت تجلس لديه... طيلة الوقت... وهي في أثناء ذلك... منشغلة بخدمته... أو تقرأ وتراجع حفظها من القرآن الكريم... الأهم... أن أحمد المبارك... الرجل الثري... وفي تلك الليلة التي مات فيها... وكان عمرك حينها... ثلاث سنين... فكر في توزيع ثروته... على الطريقة التي يرتضيها... لذا طلب من ضاحية... أو رحمة... أن تدعو له شاهدين... اهتمت رحمة للموضوع... ولكن... للأسف... كان الوقت متأخراً من الليل... ولم تجد أحداً لتطلب منه الحضور... وخشيت أن يموت أحمد... دون أن تحقق له ما طلب... بحثت عن أقرب منزل لتدعو أصحابه... رأت النور مشتعلا في منزل بركات... المنزل المجاور لمنزل الرجل الثري... ذهبت مسرعة... وطرقت على باب المنزل... كان فالح أخوك... موجوداً لدى جده... وأم فالح... أيضا موجودة... لأن أم فالح تبقى كثيرا لدى والدها... بسبب الخلافات الدائمة بينها وبين أمك "
- " نعم... ثم ماذا؟"
- " لقد عرف فالح... ذو السبعة عشر خريفا... وجده العجوز... ذو السبعين سنة... أبعاد ما تريده أمك... إنها الوصية... أحسا بدافع الفضول... الذي ثار بداخلهما... أنها فرصة كبيرة... أن يحضرا وصية رجل ثري ... ليس له وريث... لذا... اتجها على الفور لمنزل أحمد... وجداه على أسوأ حال... وعندما رآهما... فتح الوصية... التي كتبها من قبل... وبدأ في قراءتها على الجميع... وبعد أن  أنهى قراءة الوصية... مد الورقة نحوهما... ومد القلم... وهو يقول:
- " الشاهدان... أرجوكما... وقعا على ما سمعتما"
وقّعا على الورقة... ثم أعادا الورقة له... وانصرفا... في حين نظر نظرته الأخيرة... نحو ضاحية... ثم مد الورقة لها... وبعد أن أمسكت الورقة... قال لها:
- " قدمي الورقة للقاضي... وخذي نصيبك... ثم... اسعي جاهدة لتطبيق... بقية تفاصيل الوصية... وفي الغرفة المجاورة... خزانة حديدية... فيها... كل... "
لم يكمل الشيخ حديثه... لقد صمت... وأغمض الرجل عينيه في سكون... وأغمضت ضاحية عينيها في حزن... وذهبت لتتوضأ... وبعد صلاة الفجر... ستخبر أهل الحي... بوفاته.

7- أمُّ فالح... أفكار مسمومة

جواهر تنظر لوجه حسان في دهشة... زفر حسان زفرة طويلة... ثم قام... واتجه للمطبخ... تغيب قليلا... ثم عاد وهو يحمل إبريق الماء... مع كأس زجاجي... جلس حسان... ووضع إبريق الماء... مع الكأس... أمامه على الطاولة... ثم أكمل حديثه:
-"عاد فالح وجده لمنزلهم... لم يكونا يلويان على شيء... هما فقط شاهدان... ولكن... حدث أمر خطير... لقد عرفت أم فالح بالخبر... أدركت فيه بعدا جديدا... وقررت أن تكون متواجدة مع هذا الحدث... بكل ما أوتيت من كيد ودهاء... لقد اعتبرت الوصية برمتها... فرصة ذهبية لها... كي تصفع ضاحية... على وجهها الطاهر... بأعنف صفعة تُمكِّنها منها نفسها الحاقدة... جلست أمام أبيها وابنها... كان الحقد يثور في قلبها بركانا... وبدأت توحي إليهم بأفكار كثيرة:
-" هذا الميت... رجل لا وارث له... وأقاربه لا يعرفون عنه شيئا... لا قليل... ولا كثير... والدليل أنهم لم يأتوا لزيارته... ورحمة هذه... امرأة مجنونة... معتوهة... سَخَّرت نفسها لخدمة الآخرين... لتنزل بذلك الفعل المشين... من قيمة العائلة... غداً سيقول الناس... كما قالوا بالأمس... فالح خالته خادمة... وأم فالح... مسكينة... ضرَّتُها خادمة... وأختك الصغيرة يا فالح... ابنة رحمة... إذا كبرت... بالطبع... ستكون كوالدتها... خادمة... وعمر عيدان... زوجته خادمة... لقد مرَّغت هذه المأفونة... بأنوفنا في التراب... بهذه الأعمال الهمجية... ولكن... اليوم... بدا كذبها جلياً... فيما كانت تزعم... من أن أعمالها هذه... أعمال خير... لقد كُشف الغطاء... وبدت أطماعها في ثروة هذا الرجل... لكنها كانت ذكية... هي تأخذ الأموال... ونحن ندفع  الثمن... من سمعتنا وكرامتنا... ولكن... لا... لن نسمح لها بذلك"
كلام ساحر... يسري كالسم... أنصت له كل من فالح وبركات... الشيخ الجشع... الذي يحمل أصله نفس أصل ابنته... وفالح الشاب المقبل على الدنيا... الذي يريد أن يعُبَّ منها حتى يشبع... أكملت أم فالح قائلة:
- «عليكم أن تكونوا أكثر ذكاء... وعليكم أن تخططوا لأخذ الورقة... من هذه المرأة الطماعة... قبل دفن هذا الميت... إياكم أن تعطوها شيئاً... لو أخذت كل تلك الأموال... ستحل علينا الكارثة... سوف تغتني... وسنكون بجوارها فقراء... سوف تهيننا عند ذلك... إن فقرها يجعلها تتبعكم مثل الكلب... كما قيل... جوّع كلبك يتبعك»
في حال ذهول تخالطه الدهشة... قال والدها:
- «ماذا نفعل بالأموال؟»
- «وهل هذا يحتاج لتفكير... تأخذونها لكم... تستفيدون منها... تبني لك بيتا كبيرا... وتتزوج بفتاة صغيرة»
أدار بركات عينيه... فكر بسرعة... ثم قال:
- «أنت جاهلة... لا تعرفين شيئا عن الحقوق... لا يمكن لنا امتلاكها... وهي مدونة في الوصية... كيف نتملكها؟»
ابتسمت أم فالح في دهاء... وقالت:
- «بسيط... ورقة مبايعة... بينكم وبينه... في كل ممتلكاته... لن تعجزوا عن الحصول على شاهدين... ولكن... الأهم من ذلك... الحصول على بصمة من إصبعه... الآن... أليس راقدا في منزله... بالتأكيد ... لقد مات»
- «نعم...»
قال فالح في إعجاب بوالدته:
                      -«جميل جداً هنا... فكرة رائعة»

8- التسلل

غير حسان جلسته... ومد يده بهدوء... لإبريق الماء... سكب كأسا.... رفعه لفمه... شرب منه جرعة واحدة... ثم أردف يقول:
- " بدأ الشيطان يلعب برأس بركات... ورأس فالح... كما يلعب الكابتن بالكرة... إنها فكرة رائعة... قام بركات وفالح... وخرجا من المنزل... اتجه لمنزل أحمد... توقف بركات في منتصف الطريق... وقال لفالح:
- " انتظرني هنا... راقب كل شيء"
 وقف الشاب فالح... في حين واصل بركات سيره... وعندما وصل للباب... توقف... وتصنع شيئا من الحزن... ثم طرق الباب... الوقت كان حينها بعد منتصف الليل... فتحت ضاحية... التي كانت جالسة تدعو الله للميت... بعد أن صلّت قيام الليل... لقد اعتادت أن تقوم الليل... كل ليلة... فاجأها أن رأت بركات... عيناه مُغْرورقتان بالدموع... قال لها:
- " يا بنتي اذهبي إلى منزلك... أعرف أنه مات... أليس كذلك؟"
-  " نعم... لقد أفضى لما قدم"
- "الآن أنا سأبقى عند الجثة... وسأدعو الله له... حتى الصباح... ثم نستدعي الناس... لندفنه"
نظرت رحمة لعيني بركات... وقدّرت موقف الحزن الذي رأته فيها... وشعرت أنها منهكة بعض الشيء... إنها في حاجة للخروج... فعلاً... شبح الموت... يشعرها بشيء من الوحشة... مع أن صلاة الليل... تطرد كل وحشة... ولكنها بالفعل... شكرت بركات على عمله الطيب... وذهبت.
دخل بركات بقلب قاس... إنه هنا صاحب الموقف... بدأ عمله بكل جرأة... وخلال وقت قصير... استطاع أن يأخذ عدة بصْمات... من إصبع أحمد... على عدة أوراق فارغة... الأوراق التي تحمل البصْمات.... أصبح لها قيمة كبيرة... بعد ذلك... عزم بركات على الخروج.

9- فكرة... إجرامية

صمت حسان قليلا عن مواصلة الحديث... لأنه مد يده... ليسكب كأسا آخر... من الماء... ولكن جواهر مدت يدها بسرعة... وحملت إبريق الماء... وبدأت تسكب... ثم ناولت حسان كوب الماء... وعندما بدأ حسان في الشرب... قالت جواهر في دهشة كبيرة:
- " كيف عرفت كل ذلك... يا حسان؟"
أكمل حسان شرب الماء... وأنزل الكوب... ثم ابتسم وهو يقول:
- "  ضاحية... يرحمها الله... عن طريقها عرفت كل هذه الأحداث... لقد أخبرتني بجزء مما حصل... بلسانها"
- " والجزء الآخر... كيف عرفته؟"
- " الجزء الآخر... هي أيضا أخبرتني به... ولكن عن طريق قلمها... لقد قرأت كل قصتها... في المذكرات التي كتبتها... لقد كتبت مذكرات كاملة عن حياتها... فيما بعد... وأعطتني تلك المذكرات... وهي معي... أنا أحتفظ بها في هذه الحقيبة الصغيرة"
- " أكمل إذن القصة"
- " المهم... قبل أن يفتح بركات الباب... ليخرج... شعر أن شيئا ما ينقصه... بدأ يطالع في المنزل من جديد... لاحت له فكرة... شعر أنها فكرة ذكية... عاد ليبحث هنا وهناك... مر وقت قصير... لقد قلب المنزل رأساً على عقب... وأخذ منه أشياء مهمة... مهمة جداً... بالنسبة لخطته المحكمة... صكوك استحكام... وثائق... وخواتم ذهبية مرصَّعة ببعض الجواهر... وشنطة... شنطة لا يعلم أحد ما فيها... حتى ضاحية"
انطلق بركات... الرجل العجوز... ذو السبعين عاماً... للخارج ومعه كل هذه المسروقات... وقبل أن يفتح الباب... سأل نفسه:
- "  هل أبقيت أي أثر يدل على ما فعلت؟... لا... لا..."
خرج المجرم... وهو يحمل كل هذه الأشياء... بعد أن تأكد من خلو الشارع من أي مراقب... وعندما وصل لفالح... الذي ينتظره... سارا سويا... وصلا لمنزلهما... دخلا... وأخفى بركات تلك الأغراض... في مكان أمين.

10- فكرة أخرى... أشد إجراما

تناول حسان علبة المناديل... سحب منديلا... ثم مسح ما يجاور فمه... قالت جواهر:
- " أكمل... ما الذي حصل بعد ذلك؟"
أغمض حسان عينيه... ثم هز رأسه... وقال:
- " بعد أن فعل بركات كل ذلك... اتجه للمطبخ... إنه يحمل فكرة... أخرى... جهنمية... فتح الخزانة... وحمل سكيناً... ثم أخفاها في ملابسه... وأمسك بيد فالح... وانطلقا نحو منزل أحمد... وعندما دخلا... تقدم بركات نحو الجنازة... ثم قال لفالح:
- " تعال... تعال إلى هنا"
تقدم فالح... لم يكن يدرك شيئا مما يدور في ذهن بركات... ولكن بركات... ناوله السكين... وقال:
- " هنا تكمن الجُزئية الأهم... علينا أن نزيل كل علاقة لنا بالعملية... هل فهمت؟... سندخل بعدها في عالم الثراء"
- " لم أفهم... ماذا تقصد؟"
- " خذ السكين... عليك أن تحتزَّ الرأس... أن تقطعه"
- " ماذا... هذا فضيع؟"
- " الفظيع أن نلقى في السجن"
- " كيف ذلك؟"
- " عليك أن تفعل ما أقول لك... نحن شركاء في كل شيء... لا بد من التضحية... ستفهم كل شيء... بعد أن نخرج"
حمل فالح السكين... ووضعها على رقبة الرجل الميت... ثم  احتز رأسه في مشهد بشع... لقد قطع الرأس... وانتهت العملية.
 وخرج الجناة للخارج... وتسلَّلا إلى منزلهما... وغسلا السكين جيدا... ثم ألقيا بها في سلة الزبالة... وتضاحكا كثيراً... وبكت الجدران والسرير... التي شهدت عليهما... في جريمتهما المرعبة... ولم تُدْلِ بشهادتها... ولكنها سَتُدْلي بها... في يوم آخر قريب"

11- المتهم

حسان قام من مقامه... وبدأ يسير في الغرفة بهدوء... ووضع يديه خلف ظهره... ثم أكمل سرد القصة:
- " وعندما أصبح الصباح... انتشر خبر وفاة أحمد... الرجل الثري... وبدأ الحديث حول نهايته يدهش السامعين... اجتمع الناس... وصدموا لما رأوه... وقام بعض المتطوعين بجمع الرأس والجسد إلى بعضهما... ثم نقلت الجنازة إلى حيث تغسل وتكفن... لم يطل الوقت... لقد حملت الجنازة إلى المقبرة... وفي الوقت ذاته... كانت الشرطة موجودة... بدا كل شيء واضحاً أمام الجميع... الجاني هو رحمة... إنها المتهم الوحيد... لذا تم القبض عليها... وحملت في سيارة الشرطة... إلى السجن... بسبب شهادة أدلى بها بركات... وشهد معه فيها فالح... حيث زعما أنهما رأيا رحمة... خارجة من منزل أحمد... وهي تحمل السكين... رحمة في تلك الأثناء... لا تعلم أي أبعاد للقضية.
اتنهت عملية الدفن... وعاد فالح وبركات للمنزل... كانا يتضاحكان... أحضرا الأوراق الموقعة... وبدآ يكتبان كل ما يريدان... على الأوراق البيضاء... التي تحوي بصمة أحمد"

12- التهمة

قامت جواهر... وهمومها تكاد تكبلها في الكرسي... وبدأت تسير بجوار حسان... الذي يسير في حركة دائرية في الصالة... وضعت يدها في يده... وبقيت تستمع لما يقول... حيث أكمل كلامه:
- " مرت أيام سوداء على ضاحية... إنها تعد همومها عدّا... داخل السجن... كل الأدلة تدور حولها... وكل شيء يثبت بأنها المرشحة الأولى لتنفيذ جريمة القتل... من أجل الاستحواذ على تركة الرجل... الذي لا يرثه أحد.
وفي أثناء ذلك... كانت الأيدي الخفية تدور... وتدور... وتُدير الضباط... لينتَزعوا الاعتراف... ويُنْجِزُوا الحُكم... وبالفعل... اعترفت ضاحية المسكينة... بأنها هي القاتلة... وهي السارقة أيضاً... واعترفت أن أعمال الخير التي قامت بها... لم تكن سوى ستارا تَسْتُر به سوء نيتها... وطمعها المستكن... في أعماق نفسها المريضة.
وبعد جمع الأدلة والبراهين... اتهمت رسميا بالجريمة... وحكم عليها بالقصاص... حداً بالسيف... جزاء جريمة لم ترتكبها"
توقفت جواهر فجأة... قالت في دهشة:
- «كيف إذن لم تمت ضاحية... أمي... حبيبتي... مع أنها اعترفت»
- «إنه حفظ الله... لها... لأنها بالفعل... امرأة سعيدة... في حين أن الأشقياء هم من أرادوا بها الشر... لقد بقيت رحمة... وعاشت... حتى ترى ابنتها... جواهر... أنت... لقد رأتك صبية يافعة... بل ورأتك سعيدة بزواجك... من رجل يحبك بكل كيانه... ويحميك بعينه قبل يده... إن سعادة ضاحية برؤيتك... هي السعادة الحقيقية... التي لن يعيشها ولم يعشها أي إنسانٍ لا يحب الخير ولا يعرفه... وكل من بحث عن السعادة... فلن يَجِدْها كما وَجَدَتْها ضاحية... برؤيتها لك... عليك الآن يا جواهر... أن تُغيّري نظرتك نحو السعادة... ونحو ضاحية... المرأة السعيدة... أمك... نعم لقد ماتت ضاحية... ولكنها ماتت سعيدة... لم تمت حزينة... لقد ماتت مؤمنة... ولم تمت مجرمة... ضاحية... ماتت شهيدة.... لم تمت غادرة... وماتت بعد أن أشبعت الدنيا بنور قلبها وطهر ذاتها... هل اقتنعت الآن بسعادتها؟... قولي»
- «ربما... ربما كان ذلك... ولكن... قل لي... كيفَ لم تقتل ضاحية في السجن يا حسان؟... أخبرني»
- «لم تمت... لأنها في اليوم التالي... وبعد اعترافها... بدأت تفكر فيمن يُحتمل أن يكون هو الجاني... فكرت بكل عمق... لم يكن أمامها من شخص تتهمه... سوى بركات... إنها لا تحب اتهام الناس... ولكنها واثقة من أنه هو الجاني... وعندما مَثُلَتْ أمام القاضي... اتهمت بركات... وبرَّأت نفسها... وعاد التحقيق في القضية جَذَعاً... ولكن... للأسف... استطاع بركات أن يبرئ نفسه... لا أدري كيف برَّأ نفسه... ولكن هكذا قالت لي ضاحية.
 ومرة أخرى... حُقق معها... واعترفت أمام المحقق... بين يدي الجلد والضرب... بأنها هي المجرمة.
 وفي اليوم التالي... ذَهبت للقاضي... واعترفت بين يديه بالجريمة... وصدر الحكم ضدها... بالقصاص... حداً بالسيف»
- " كيف نجت إذن؟"

13- النجاة

اتجه حسان للمطبخ... في حين تبعته جواهر... فتح الثلاجة... وأخرج تفاحتين... واتجه نحو الصنبور... غسلهما جيدا... وناول جواهر إحداهما... تناولتها جواهر وهي تقول:
- «إذن كيف نجت يا حسان؟»
رفع حسان التفاحة نحو فمه... وأخذ منها لقمة... وأكمل حديثه وهو يأكل:
- «كيف نجت!... نعم... كيف نجت؟... هذا هو لبُّ الموضوع... على كل... عندما عادت سيارة السجن... التي تُقل رحمة... وتقل اثنين من العسكر... كانت السيارة منطلقة بسرعة... على طريق فرعي غير مزدحم... وعندما تجاوزت أحد المنعطفات... انقلبت السيارة رأساً على عقب... وهُشِّم الزجاج... وسقط جميع من بداخل السيارة... خارجها»
في تلك الأثناء... كانت رحمة ملقاة بجوار الطريق... وكانت شبه فاقدة للوعي... أما العسكر... فحالهم أسوأ بكثير... مر بعض الوقت... وبدأ الوعي يعود لضاحية قليلاً قليلا... وبدأت تنتبه لما حولها... وعندما أدركت كل ما حدث... اتجهت بسرعة نحو العسكري... الذي يحمل مفتاح الحديد... وفتحت قدميها ويديها... وهربت... قبل أن يجتمع الناس... لحسن حظها أنه لم يمر أحد حينها من ذلك الطريق.
لقد أصبحت رحمة حينها حرة طليقة... ولكن... عليها أن تسارع في الهرب... اتخذت المرأة قرارها... وألقت بوجهها في هذه الأرض... تهيم بحثا عن الأمان... كانت جائعة... ومنهكة... قطعت القرى قرية قرية... وقطعة المدن مدينة مدينة... الخوف يعصرها... والجوع يطحنها... وأعين المخابرات تتلمح لترى أثرها... صبرت وصابرت... وانتهت بها رحلة العناء... إلى هذه الديار... في هذه المدينة... وكانت هذه المدينة... حينئذ... أشبه بقرية صغيرة... كان ذلك منذ أكثر من 25 عاماً، قرابة 1390هـ.
نزلت رحمة في إحدى الضواحي... وعزمت على الاستقرار فيها... وغيرت اسمها... وعاشت على الكفاف... كانت تعمل في صناعة التنور... وبقيت سراً غامضاً لدى كل السكان... مرت السنوات وراء السنوات...  وتحولت القرية إلى حي من أحياء المدينة... كل أهل الحي يحبها... وكلهم يقدرها... وعندما أصابها المرض... وفَّقني الله لأقوم برعايتها... كان الغموض الذي تعيشه هذه المرأة... يثير فضولي... لأنني كنت أريد مساعدتها... ولكن لم أستطع معرفة أي شيء عنها...»

14 -  سر الشاب الصغير... الذي كان يزور ضاحية

أنهى حسان أكل تفاحته... ونظر لتفاحة جواهر التي لم تأكل منها شيئا... أمسك بها في يدها... وأدناها من فمه ثم أكل منها لقمة... ثم قال:
- "  كلي... هيا كلي"
أكلت جواهر لقمة صغيرة من التفاحة... وهي تقول:
H
-  «وكيف عرفت سرَّ أمي يا حسان؟... أجبني بسرعة... أرجوك»
-  «لقد أخبرتني هي بكل شيء... بعد أن عَلِمَتْ أنكِ ابنتها... للأسف... كانت تريد أن تُمَهِّدَ لتخبرك... ولكنها ماتت قبل أن يتحقق لها ذلك»
طأطأت جواهر رأسها... وسقطت التفاحة من يدها... وجلست مكانها في المطبخ... ثم انفجرت بالبكاء.
شعر حسان بصعوبة موقفها... هز رأسه وهو يحدث نفسه:
- " كم ستكون سعيدةً لو قُدِّر لها أن تعيش بجوار أمها! "
جلس حسان بجوار جواهر... وقال ليهدئ من روعها:
- " رحمة كانت في منزلها... وكان يأتيها كل أسبوع... شاب فقير... استمر مجيئه لها طيلة مرضها... أما قبل مرضها... قفد كانت تذهب إليه هي"
نظرت جواهر بقلق... نظرات متسائلة... في حين قال حسان:
- « ضاحية... كانت تعطيه نفقة كاملة... لخمس أسر... كانت تنفق شهريا...على كل أسرة... ألف ريال... وكان الشاب... يأتيها بالأخبار... أخبار الفقراء والمساكين... وأخبار الحي... »
- «ومن أين لها تلك الأموال؟»
- «أوه... لم أقل لك ذلك!... لقد كان المرحوم أحمد... الرجل الثري... الذي خدمته رحمة... يرحمها الله... يخبئ المال الذي أوصى به لها... في مكان قريب من منزلة... ولم يكن الناس حينها يهتمون بوضع أموالهم في البنوك... المهم... أنه أخبر ضاحية بمكان ذلك المال... قبل موته بأيام... ولم تهتم رحمة بشأن الوصية كثيرا... ولا بشأن المال... لأنها دخلت في معاناتها بعد وقوع التهمة عليها... وعندما دخلت السجن... صرفت أفكارها كليا عن المال... ولكن بعد نجتها من حبسها... ووصولها إلى قريةٍ على الساحل... تعرفت على رجل موثوق به... يعتزم الذهاب للحج... وطلبت منه الذهاب إلى المكان... قرب منزل الشيخ المرحوم... وإحضار المال... وأعطته أجرةً لذلك... وأحضر لها المال... وبقيت تنفق ذلك المال... إلى أن قضت عليه في الصدقة»

15- ابتسام... في الذاكرة

صمتت جواهر بعد سماع هذا الكلام... ليتها لقيت والدتها وهي حية... بعد هذه الغيبة الطويلة... وعرفتها... قبل أن تموت... كم ستسعد لو أنْفَقَتْ من أموالها المكدسة... لعلاج والدتها!... ستسكن ضاحية عند ذلك مع ابنتها في منزل واحد.
قالت جواهر:
- «وهل انكشف السر لأحد غيرك... وغيري... يا حسان؟»
صمت حسان قليلاً... ثم دمعت عيناه... وقال في تردد:
-" هه...  لا... لا أدري"
- «أقسمت عليك إلا أجبتني بصراحة... أنا أعرف أنك تخفي علي شيئا ما... ثق فيّ يا حسان... أنا قادرة على تحمل أي خبر... لماذا تُخفي عليَّ الحقائق؟... ألا ترى تماسكي أمام هذه الأحداث؟... أنا صامدة... صامدة أمام مَا تَنْهَدُّ له الجبال»
أمسك حسان بيد جواهر... وساعدها على الوقوف... ثم سارا خارج المطبخ... وعندما جلسا على كرسيين متجاورين في الصالة... صمت حسان قليلا... إنه بالفعل... يُخفي سراً أعظم من أن تقدر جواهر على تحمله... لو انكشف هذا السر لِجواهر... فستبقى كالمجنونة... تماماً... طيلة عمرها.
نظرت جواهر لحسان باستجداء... ألحت عليه... ثم ألحت... كي يقول كل ما يخفيه عنها... ولكنه صامت... استرخى قليلا على ظهر المقعد... وبدأ يتأمل... إنه يشعر أن ابتسام أقرب له من جواهر... في كثير من الأحيان... بجوارها الهدوء والسكينة... ولكنه في بعض الأحيان الأخرى... يشعر أن جواهر أقرب... بجوارها يشعر بالكثير من المعاني الجياشة... والمشاعر المترقرقة... وهموم وأحزان... وشيء من التحدي للتغلب علىالصعوبات... بالفعل... إنه لا يستطيع أن يحكم... إلى أي منهما يميل قلبه... ولكنه الآن يعاني... إنه لا يستطيع التأخر أكثر عن ابتسام... ابتسام... التي بدأ الشك يأكل أطراف قلبها... ولكن... حالة جواهر أصعب... أصعب من أن يتركها وحيدة... عقل حسان المُلْهم توقَّف قليلا الآن... عن الإبداع في إيجاد حلول مناسبة لمأساته هذه... ولكنه قال:
- «جواهر... يا زوجتي الحبيبة... اسمحي لي بالذهاب»
لم ترد جواهر... ولم تطلب منه البقاء... بل أطرقت في ذهول... وكأنها تنتظر شيئا ما... إنه الهدوء... الذي يأتي دائما... مع  مَلَكَ الموت... كان تأثير صمتها هذا أبلغ على قلب حسان... من آلاف الدموع... أعادت النظر إليه... وقالت:
- «يا حسان... أكمل لي قصة أمي رحمة... من قتلها؟... من هو السبب الحقيقي في قتلها؟»
آثر حسان أن يسدي كذبة تهدئ الوضع الثائر... لقد عزم على دفن الحقيقة المرة... الجاثمة في قلبه... إنه متأكد من أن السبب في موت ضاحية... هي ابنتها جواهر... نعم... إنها جواهر... وكم سيكون ظلمه لجواهر... لو أخبرها بهذه الحقيقة!.
إنه يتذكر تلك اللحظات... التي وقف فيها في المستشفى... وبجواره جواهر... ومعهم العجوز ضاحية... كانت المرة الأولى التي تدخل فيها ضاحية للمستشفى... بسبب تلك الأزمة التي أدركتها... كان حسان حريصاً كل الحرصْ... على ألا يعلم أحد أي شيء عن العجوز... ولكن الطبيب سأل جواهر ذلك السؤال... الذي يُعَدُّ فعلاً بداية المعضلة:
- «ما علاقتك بهذه العجوز؟!»
كم تمنى حسان أن تكون جواهر قد لاذت بالصمت المطبق... ولكنها أباحت بالسر الثمين... وبكل سهولة... لم ينس حسان أن إحدى الكاميرات انقدح ضوؤها بعد دقائق... لتصوِّر ضاحية... ولتكون قصتها في اليوم التالي... على اللسان الطويل... لإحدى الجرائد.
إن السبب الحقيقي في موت الأم... هو تسرُّع البنت... في كشف السر الثمين... وفي الإفصاح عن النبأ الخطير... نبأ اسمها المجهول... وتاريخها... وحاضرها.
هكذا قرأ الجاني الخبر كاملاً... وَعَرَفَ ضاحية... وانطلق لقتلها.
قام حسان... كان قد عزم على الرحيل... وبجواره كانت جواهر صامتة... نزع قدميه الثقيلتين... ورحل عن زوجته... وتركها لهمومها.

هناك 4 تعليقات: