الجزء الثالث
الفصل الثاني عشر
1- بين جابر وعائشة
2- رسالة جابر
3- مستحيل
4- شيء في قلب جواهر
5- في العجلة السلامة
6- رأساً على عقب
7- اللحظات الثقيلة
8- المراسم
9- الضباب يلف العريس
10- الخطوات البطيئة
11- ذكريات
12- شيء عن الجمال
13- على ما يرام
14- وليمة
15- طقوس اجتماعية
16- فستان... الشرعة
17- جمال باهر
18- فكرة... غير مناسبة
19- المطاردة
20- لحظات لا تُنسى
21- لحظة بمئة سنة
22- موقع ابتسام
23- هنا يكمن الدهاء
24- السعادة الحقيقية
الفصل الثاني عشر
1- بين جابر وعائشة
جابر يسير بخطوات هادئة متجها نحو منزله... كان في ذهنه آلاف الأفكار والأفكار... بماذا يبدأ؟... وما هي الخطوات الأهم فالأهم؟.
وصل إلى المنزل... بَسْمَتُهُ تكاد تغطي وجهه... استقبلته زوجته بطبيعتها الساذجة... وفطرتها الصادقة... إنها لا تستغرب سعادته وسروره... إنه مبتسم دائماً... وسعيد دائماً... وجهها الحنطي يجعل جابراً لا يخفي عنها أيَّ سر... لأن ذلك الوجه يذكره دائماً بالحلوة والمرَّة... والتي شاركته فيها دائماً... ويذكره مكان ثَنيَّتها التي سقطت منذ سنوات... بابتسامتها الصادقة... أيام الصبا... وابتسامتها الأصدق... أيام الشيب... كلٌ يقول... لم يخلق جابر إلا لعائشة... ولم تخلق عائشة إلا لجابر.
الملفت حقاً... أن المطالع لوجه عائشة... يجد حبة مثل حبة الزبيب... قد ارتسمت بين عينيها... لعل ذلك من كثرة سجودها... فهي لا تحرم نفسها من أن تصلي في الليل الأسود... للقبر الأكثر سواداً.... سألت عائشة زوجها وهو ينزل بمرفقه... ليتكئ على أريكة حمراء قديمة:
-" أراك سعيداً كعادتك... ولكن... يبدو أنك حققت مكسباً من نوع ما... هل لي أن أعرف؟ "
-" فضولية يا عائشة... تماماً مثلي... أنت كعادتك... دائماً! "
-" عادتي؟... أعوذ بالله... أنا لا أتدخل فيما لا يعنيني "
-" لا يا حبيبتي "
-" حبيبتي!... ما هذه الكلمة؟... أصمت... لا يسمعنا الأولاد "
في حين جلست قبالته... اقترب جابر منها وقال هامساً:
-" لا يا حبيبتي "
بدأ الخجل يُغيّر لون وجه عائشة إلى أحمر... وقالت:
-" لا... ماذا ؟... "
-" أقصد... أما فَهِمْتِ ... أنت فضولية... أي صاحبة فضل... أو متفضلة "
-" يا شيخ؟... ما هذه المقابلة في الكلام؟... مع أَني أميّة إلا أنني أفهم "
-" ستفهمين الآن... وستعلمين... أنك ستقومين بفضل كبير "
-" إذن... هل ستخبرني بسبب سعادتك؟ "
-" وهل أخفيت عليك شيئاً طيلة حياتي؟ "
-" لا أدري "
-" لكن أنا أدري "
-" صحيح... ما هو الجواب؟ "
-" في الحقيقة لقد أخفيت عنك أشياء قليلة بحد ما "
-" مثل ماذا؟ "
-" هل رأيت أنك فضولية؟ "
هـ ... هـ... هـ...
-" أخيراً أوقعتني في الفخ"
رفَّت عائشة بحواجبها في سرعة... ومالت قليلاً إليه... وقالت:
-"ماذا تريد مني؟"
-" أريد منك خدمة "
-" تفضل "
ربَّت على كتفها في حنان وقال :
-" اذهبي... وأحضري لي قلما وورقة... هيا ... بلاش دلع بنات "
أحست عائشة بحرج جديد لسماع هذه الكلمة... كما هي عادتها... ثم انصرفت... وعادت له بالورقة والقلم.
بدأ جابر يكتب... وانصرفت عائشة نحو المطبخ... وبعد دقائق... أقبل جابر نحو زوجته وهي منشغلة في أعمال الجلي... والترتيب... وقال لها:
-" تعالي لأمر هام"
عاد جابر لمكانه السابق... وجلس متكئا... وجاءت هي في خفة... وجلست أمامه... وأثناء ذلك... سلمها رسالة... وهمس لها :
-" الآن تذهبين مع ابننا محمد... وتسلمين هذه الرسالة لجواهر... صاحبة العمارة المقابلة لتموينات البيت السعيد "
-" أعرفها جيداً... ولكن... ماذا تحوي هذه الرسالة؟ "
-" ستعلمين يا فضولية قريباً "
-" فضولية؟! "
-" نعم صاحبة فضل كبير... في إيصال هذه الرسالة... صدقيني... سنتشاطر الأجر... إن هذه الرسالة مكسب كبير لنا "
-" رسالة... ومكسب... عم تتحدث؟ "
-" لتوي كتبتها... لقد وجدنا زوجاً مناسباً لجواهر "
-" زوج... أوه... جزاك الله خيراً يا شيخ... أنت حقاً رجل عظيم "
-" شيخ ؟! ما هذه الكلمة؟... لأول مرة أعرف أن امرأة تلقب زوجها بشيخ"
-" لقد بَدَأْت تنسى كثيراً... لقد كبرت أكثر من اللازم... أنا دائماً أقول لك شيخ... ولا أقصد شيخ علم "
-" وماذا تقصدين إذن ؟"
-" أقصد شيخ سن "
ابتسم جابر وقال :
-" هزمتني هذه المرة... ولكن سيكون ردي عليك أقوى مما تتوقعين... هيا يا عجوز... اذهبي بالرسالة"
2- رسالة جابر
هاهي هناك... لتوها وصلت الرسالة برعاية الله وحفظه إلى يد جواهر... كانت أعصابها أثناء ذلك... أبرد من أي قطعة لحم... بقيت في الثلاجة أكثر من سنة... الواقع أن جواهر نسيت الموضوع المتعلق بالزواج... لا يُدرى ما السبب... ولكنها لم تعد تفكر إلا في شيء واحد... إنه الموت البطيء... الذي أصبحت تنتظره بفارغ الصبر... لم يكن لديها أدنى شك... من أن هذه الرسالة لن تعبِّر إلا عن خيبة أمل جديدة... ولن تزيد بأية حال... عن خيبات الآمال... التي تُمنى بها دائماً وأبداً... في سجل حياتها المرير.
ألقت جواهر بنظرة سريعة على القِدر الصغير الموضوع فوق النار... وحركت شربة الشوفان بداخله... وأخرجت الملعقة الخشبية من القدر... ثم تركت الشربة تغلي... واتجهت لتجلس على الكرسي الخشبي الصغير في مطبخها الصغير... تناولت الرسالة... التي وضعتها للتو على الطاولة... أمامها... وبدأت تفتحها.
في تلك الأثناء كانت جواهر تتخيل سطور الرسالة... قبل أن تقرأها... لاشك أن جابراً هذا... رجل عادي... ليس لديه الحل لكل مشكلة... ولابد أنه في رسالته هذه... سيأمرها بالصبر والاحتساب:
-" ولكن... للصبر حدود... وها هو الصبر الآن... يتضجر من صبري... الذي أعيشه"
فتحت جواهر الرسالة... وبدأت في القراءة:
-" السلام عليك... ابنتي جواهر... لا أدري ما أقول لك... ثقي إنني أشعر تجاهك بشعور الوالد تجاه ابنته... سعيت في الموضوع الذي ألقيته في عنقي... بكل استطاعتي... لقد وجدت شباباً كُثُر... قد يتقدمون للزواج... لكن... لم أجد منهم أحداً على جانب من التدين... وحسن الخلق... وأخيراً... وجدت من تقر برؤيته العين... ويهدأ بمعرفته القلب... ثقي أنه لو تقدم لخطبة ابنتي... لما تأخرت في تزويجه ساعة واحدة... أو حتى لحظة... مع العلم... أنه لم يُقْدِم على الموافقة... إلا بعد دراسةٍ للوضع الراهن... والوضع المستقبل... لك وله.
هذا الشاب متزوج... وله طفلان... وعمره...( 27 ) سنة .
لكن أمراً هاما...ً منعه في البداية... من الإقدام... والموافقة... هو أن زوجته الأولى... طَيِّبةٌ طِيبةَ الأولياء... صادقة صابرة... تقدر له كل جميل... وتتغاضى عن كل قبيح... عيشته معها أشبه بعيشتها معه... وأشبه بعيشة زوج من طيور العندليب...
الواقع أن في البداية... كان يخشى من أنَّ تقدمه للزواج... سيكون غدرا بمن أحبته... وبمن أحبها... ولكن... وعندما عرف عنك ما عرف... من الطيبة والتواضع... والتدين... لم يجد لوماً من نفسه... في أن "يجمع السمن على العسل"... كما يقال... ولكن... لكي أكون أكثر صراحة معك... فهذا الرجل تقدم وله شروطه... التي أظن... وحَسْبَ ما عرفت من رسالتك السباقة... أنك موافقة عليها... مبدئياً .
إنه لا يريد عِلْمَ زوجته الأولى... على الأقل... حتى يتم له إخبارها بطريقة أكثر لياقة... وهذا يحتَّم عليه ألا يَعْدِلَ... في بقائه عند كل منكما... قد يبقى عندك يوماً أو يومين... أو أقل... لا أستطيع الحكم... هذا أمر يتم تنسيقه بينكم... أنا أعلم... ربما كان في ذلك... إجحاف عليك... لو قدر هذا الزواج... ولكن... هكذا هي ظروفه... وهذا وضعه... ولك أيضاً دراسة الموضوع... المهم... أنه رجل طيب للغاية... وستكون لحظات قصيرة تقضينها معه... كفيلة بِمَحْو سنوات قاسية صامتة... ثقي من ذلك يا جواهر.
أرجو كتابة رد سريع... تُخوِّلينني فيه إكمال الموضوع... أو عدم ذلك... وأرجو أن يكون الرد سريعاً... أنا متفائل جداً... وأريد أتمام الموضوع... كاملاً خلال هذين اليومين... أنا أعرف أنني أستعجل هذه المسألة... ولكن في العجلة السلامة... خاصة في مثل هذا الموضوع... وعندما تأتيني ورقتك بالموافقة... سوف نحضر أنا والشاب... ليراك وترينه.
وهناك أمر أستأذنك فيه... فأنا الآن سأضع نفسي في موضع أبيك... سأكون ولي أمرك... وسأتبنى إنهاء هذه القضية التي أوكلتها إليَّ... قريباً وعاجلاً... وأرجو أيضاً أن يكون أخوك موجوداً هذه الليلة... بالطبع هو وليك الحقيقي.
التوقيع جابر بن علي
3- مستحيل
قلَّبت جواهر تلك الورقة... كان عَرَقها يتقاطر... وَرَجفات قلبها تكاد تُحدث اضطراباً رهيبا في مشاعرها الغضة... ثم كتبت في ورقة صغيرة... وهي في شبه حلم.
- " أنا غير موافقة... على هذا الزواج... لقد صرفت النظر... عن هذا الموضوع... كلياً... شكراً لك على جهودك "
لفَّت جواهر هذه الورقة... نظرت في ساعة يدها... ثم قامت.
لقد قررت فعلاً ألا تتزوج... إنها لم تعد قادرة على فهم هذه الحياة الأشبه بالحرباء... إن الحياة تبدو لها كل يوم بوجه.
وصلت جواهر إلى الباب... كان بجوار الباب مرآة مستطيلة... موضوعة كتُحْفَةٍ جميلة... بدت المرآة وكأنها تَنْتَظِر وَجْهَ جواهر... " الحزين "... لترسمه على صفحاتها الفضية... مرت جواهر... وارتسمت صورتها... وربما لو تكلمت المرآة... لقالت لجواهر:
-" انتظري قليلاً"
لكن... سرعان ما تلاشت صورة جواهر... وهل ستبقى الصورة الحزينة ترتسم على المرآة... مع كل غدوٍ... ومع كل رواح؟... عادت جواهر للمرآة... لتصلح من شكلها اليائس... عليها أن تخرج دون دموع... لفت نظرها تلك الصورة... ما أروعها وما أجملها!... إنها صورتها... بالطبع... لازالت شابة... لازالت أبواب الحياة... مفتوحة أمامها... حدثت نفسها:
-" لماذا يا جواهر تحبسين نفسك في هذا المنزل... بقى الكثير والكثير من الأيام... هل تستطيعين أن تعيشيها وحدك؟... لا يا جواهر... لا يا جواهر... إياك أن تَقْتلي نفسك... جرِّبي مرة أخرى... جربي الحياة... لا تقنطي من رحمة الله"
فتحت جواهر الورقة ثانية... وطمست كلمة واحدة... إنها كلمة " غير "... شطبتها بريشة القلم... وبقيت الرسالة كما هي... ثم حدثت نفسها بدهاء:
-" جميل جداً... إن الرسالة الآن تحمل المعنيين... ما أسهلها من كلمات!... ولكن ما أصعب نتائجها!... قد تكون حياة سعيدة بعدها... أو حياة تعيسة... لكنَّ خط الرجعة سيبقى ممهداً... إن قررت العودة"
اتجهت جواهر خارجة بعد أن ارتدت حجابها... لقد عزمت على إيصال الرسالة لمنزل الشيخ جابر.
4- شيء في قلب جواهر
جواهر لم تذهب لضاحية منذ مدة... إنها الآن قادرة على الذهاب... ولكن... ماذا عن ذلك الرجل الذي تكرهه من كل قلبها؟... ماذا لو لمحته هناك؟... إنها تشتاق لزيارة العجوز... ولكنَّ تَذَكُّرها للرَّجل... يجعلها تحجم عن تلك الزيارة... وبعد سجال طويل... قررت أن تذهب لزيارة الأم ضاحية.
انطلقت جواهر مسرعة... كان السرور يجد طريقه من جديد إلى قلبها... حدَّثت نفسها وهي في الطريق:
-" ماذا لو لقْيتُ الشاب؟... هل سأرجع؟... أم سأتقدم؟... لا... لا... بل سأتقدم حتى أصل إلى المنزل... ولكن... ربما كان بداخل منزل العجوز... ذلك السافل... هل سأقف عند الباب حتى يخرج؟... لا... لا... بل سأدخل عليه... سأطالِعَهُ بنظرات نارية... وربما... ربما سأجرح مشاعره بكلمات جارحة... إنه يستحقها... يجب أن أجعله يتضاءل أمام نفسه.
وجدت جواهر أنها تحدث نفسها بطريقة أخرى... إنها الآن أصبحت في حالة يقظة بالنسبة لحالتها الأولى:
-"ولكن... لماذا أسبُّه وأشتمه؟... لماذا أحقد عليه؟... أعوذ بالله... هل أنا أخادع نفسي... هل أنا والعياذ بالله... أحبه أقصى درجات الحب... وهل أتيت الآن رغبة في زيارة العمة ضاحية... أم لأرى بعض أثره؟... هل أدهشتني أعماله الحسنة... حتى لم أستطع فهمها إلا بطريقة سيئة... ما هو يا ترى الباعث لكل هذه المتناقضات... التي تعتلج في نفسي؟... وما حقيقة هذا الرجل؟... هل أنا أزعم أني لا أحبه؟... لا أدري!... لا أدري!... لا أدري!".
اقتربت جواهر أثناء ذلك من منزل ضاحية... أحسَّت بشبه شوط كهربائي ينفض وجدانها... لقد رأت سيارة الرجل بجوار منزل العجوز... الغريب أنها بدت سعيدة جدا لرؤية السيارة... لقد لقيت ما أتت من أجله... الشاب:
-" لا... لا... أنا حزينة... أنا لا أريد مقابلته... أنا أكرهه"
وقفت جواهر قليلاً... في أثناء ذلك... خرج الرجل... اندهشت جواهر عندما رأته... إنها لا ترى رجلاً عادياً... لقد خُيَّل لها أنها ترى مَلكاً... إن النور الذي ينبعث من بين عينيه أشبه بنور القمر:
-" لا... لا... لا... أنا أكرهه... أنا لا أريد أن أراه... ولا أريد أن أتزوج... لن أتزوج أبداً... أبداً"
وجدت جواهر في أعماق نفسها قائلاً يخترق كل الحجب الرقيقة... ويتحدى كل كلمات النفي... ويتحدى كل مشاعرها الثائرة... إنه يقول ويردد:
-" اللهم ارزقني زوجاً مثله... آمين"
تناست جواهر ما حولها... وارتفع هذا النداء في نفسها أكثر وأكثر... وانصرف ساعتها الرجل الطيب في سيارته... ووصلت هي إلى باب ضاحية... ودخلت.
5- في العجلة السلامة
قرأ الشيخ جابر تلك الورقة المرسلة من جواهر... لقد لاحظ أنها شطبت كلمة" غير " .
إنها فرصته الآن... كي يُتمَّ الزواج... الوقت ليس في صالحه... لابد وأن جواهر تعالج صراعاً مريراً... قد يودي بها في نهاية الأمر... حتما هي تعاني الخوف من المستقبل... لأنها لا تعرف شيئا عن الزوج... كل ساعة الآن... حتما ستكون مؤثِّرة... بل واللحظة أيضاً مؤثرة.
جابر الآن في طريقه إلى المسجد... جميع أفكاره منصبَّة تجاه هذين الزوجين اللذين يسعى في تقريبهما من بعضهما... مهمة صعبة للغاية... جواهر قاب قوسين أو أدنى من هدم آماله... التي علقها في زواجهما... حسَّان لم يقتنع إلا بشقّ الأنفس... وها هي جواهر الآن متذبذبة بين الموافقة أو الرفض... إنه زواج أشبه ببيت العنكبوت... ولكن لا حيلة... يجب عليه أن يواصل جهوده حتى الرَّمق الأخير... ولج الشيخ جابر من باب المسجد.
السكون يعم المكان... وقد اقترب وقت صلاة العصر... وفي إحدى زوايا المسجد... يجلس رجلٌ... لقد كان مستقبلاً القبلة... وفي يديه مصحف.
تقدم جابر عدة خطوات... لقد تأكد أن ذلك الرجل هو حسان... تقدم نحوه... حسان لا يقرأ في المصحف المفتوح... وإنما يقرأ ورقة أخرى... وضعها بين دفتي المصحف... ويبدو أيضاً أنه لا يقرأ في تلك الورقة بالمعنى الصحيح... وإنما يتأملها... حدَّق جابر في الورقة المفتوحة... لم تكن تلك الورقة سوى ورقة جواهر... إنها الورقة ذاتها التي سلمه إيَّاها من قبل.
قال جابر :
- " يا مشاغب... إلى الآن لم تُعدَّ نفسك... لليلة العمر... ماذا تفعل هنا... تقرأ القرآن... أم... تقرأ القرآن ؟؟ "
ارتبك حسان قليلاً... وأطبق المصحف.
قال جابر :
-" ما آخر أخبارك يا عريس؟ "
-" الحمد لله... ولكن إياك أن تقول هذه الكلمة مرة أخرى... فالجدران لها آذان "
-" صدقت... إلا أن جدران المساجد ليس لها آذان... وهي لا تنقل الأخبار أبداً"
- " صحيح؟"
- " نعم... ولكن... انتبه... إن لها عيونا "
تبادل الاثنان الابتسامات الصادقة .
قال حسان :
-" أصْدقُكَ القول يا عم... أنا الآن أحس بإحساس غريب... لم يُقدَّر لي أن أحْسَست بمثلهِ من قبل... إني أحس أن جواهر جزء مني... تماماً كما أن ابتسام جزءٌ مني... وأحِسُّ أني خُلقت لهما جميعاً... إني في حاجة ماسة لابتسام... زوجتي العزيزة... بل إن مكانها الآن في قلبي يكبر ويكبر... ولكن أيضاً أحس أن لشخصية جواهر مكاناً آخر في قلبي... لا يضايق مكان ابتسام... وأحس أنني في حاجة لها "
-" يا طماع... أنت... يا شيخ حسان!! "
-" أنا لست شيخاً "
أشار حسان بيده إلى لحيته القصيرة ... في حين قال جابر :
-" أنت مسلم يا حسان... يكفي الإنسان شرفاً أن يكون مسلماً... ليت جميع المسلمين يتقمَّصون شخصيتك "
-" أعدك يا شيخ... بمجرد أن أتزوج جواهر... أن أعفي لحيتي بشكل أكبر "
-" إذا كان ذلك من أجلي... فلا تفعل... العمل لغير الله رياء "
-" لا... لا... ليس من أجلك... ولكن "
-" أوه... عرفت... من أجل جواهر... يبدو أنك بدأت تخاف منها "
-" تصدق يا شيخ... اللحية هيبة ووقار... كنت أتمنى أن يكون لي لحية بهيَّة... مثل ربع لحيتك... ولكنها عندما نبتت... نبتت مشوهة قليلاً "
-" يا رجل... الأهم أن يتعهد الإنسان قلبه دائماً "
- " تصدق... أحس أن في قلبي حباً عظيماً لم يكن فيه من قبل... حب يَقْبَلُ القسمة على اثنتين... ويكون نصيب كلٍّ منهما أكثر من نصيبها لو كانت وحدها... بل... إن حبي يمكن أن ينقسم على أربع "
ضحك جابر من هذا الكلام حتى كاد يسقط على الأرض... أما حسان فبقى يتحسَّسُ ابتسامته الخَجْلَى... قال جابر:
-" أكمل يا فيلسوف زمانك "
-" الحب شيء آخر... قد يكون للإنسان زوجة واحدة... ونصيبها من حُبه بقدر الخردلة... وقد يكون له أكثر من واحدة... ومع ذلك فإن نصيب كل واحدة منهن مثل الجبال"
-" معلومات جديدة... وجديرة بالتدوين... ممتاز... ولها قيمة أيضاً... ولكن... هل يا ترى سيصدق بها النساء؟ "
-" ربما ! "
-" نعم... ربما "
-" لكن... هناك أمر هام يا شيخ جابر... وهام للغاية... ولعلي لم أخبرك به من قبل "
-" خيراً إن شاء الله ؟!"
-" زوجتي ابتسام... أرجو ألا تعلم بشيء مما حصل... وإلا ستحترق الطبخة"
-" إلى هذه الدرجة تخاف منها؟! "
-" ليس خوفاً... ولكني أعرف نفسيتها جيداً... وربما تَصَرَّفَتْ تصرفاً أهوجَ... نحن في غنىً عنه "
-" وإلى أي وقت تعزم إخفاء أمر الزواج؟ "
-" لا أدري... ولكن إلى أن أرى الوقت مناسباً... صدقني... إني أقْدِمُ على هذا الزواج وقلبي يرتجف "
- " الزواج من حقك يا حسان... وليس من حق زوجتك الأولى منعك... أنت المقرر "
-" أعلم ذلك... ولكن... النساء سيكرهنك حتما يا شيخ جاير... لو سمعنك تتحدث بهذا الكلام"
-" المتزوجات فقط"
-" ولكن يا شيخ جابر... نساء هذا الزمن... المتزوجات... يختلفن تماماً... إنهن ينظرن إلى الزواج من امرأةٍ أخرى... نظرة مستوردة... فعلا هنَّ يعتبرنها خيانة عظمى "
-" لا يا حسان... ليس إلى هذا الحد... أنا مثلا... عندي عائشة... لا تنظر بهذه النظرة "
-" ربما لأنها تفكر في الراحة منك... ولو لمدة قصيرة"
-" ماذا؟... هـ هـ هـ ... على كلٍ... ربما"
-"صدقني يا شيخ جابر... إلى هذا الحد وأكثر... تصدق... إحداهن هددت زوجها بأن تقع في الحرام... لو تزوج عليها "
-" أعوذ بالله... وماذا قال لها؟ "
-" لقد قال لها اطمئني لن أتزوج ما دام هذا ردَّك... ماذا هو الرد المناسب يا شيخ جابر... لمن تقول مثل هذا الكلام؟"
-" أوه رحم الله أيام زمان... تصدق... قالت لي زوجتي ذات يوم... منذ عشرات السنين... لماذا لا تتزوج يا جابر؟... نريد امرأة تساعدني في أعمال المنزل... والغنم والبقرة"
قلت لها حين إذن :
-" يالله بحمله يقوم... يلزم لذلك مصاريف وتكاليف "
-" رحم الله أيام زمان "
-" وأيام هذا الزمان سيرحمها الله... إذا عملنا الخير لكل الناس... ولم نظلم أحداً... أنت يا حسان تعمل الخير لجواهر... وفي نفس الوقت... ليس هناك ظلم لابتسام... أما سرُّك... فهو في بحر "
-" أخشى أن يصيد صياد سمكة... ثم يفتح بطنها... ويجد السر "
ضحك الاثنان... وقال جابر :
-" لقد نسَّقت أمر زواجك بطريقة تجعل من المستحيل حتى على الحوت الأزرق... معرفة السر "
-" تقصد الذباب الأزرق "
-" الذباب الأزرق؟... لا...لا... بل الحوت... لأن السر في البحر "
-" نسيت ذلك؟... قل لي... وما هو ذلك التنسيق ؟ "
-" لن يُطْلَبَ منك في البداية... البقاء لدى جواهر... سوى جزء من النهار "
-" يومياً .. هذا ملفت للنظر "
-" لا ليس يومياً... بل يومين في الأسبوع... فقط... لنقل مثلا... من العصر إلى العشاء... أليس هذا مدهشاً؟ "
هز حسان رأسه... وقال:
-" فكرة... جيدة"
- " جزانا الله جميعاً خير الجزاء... نحن في عمل خير "
-" أرجو ألا ينقلب إلى شر... لو علمت ابتسام "
قام جابر متجهاً نحو المحراب... وبعد لحظات رُفع صوت الآذان.
6- رأساً على عقب
دخلت جواهر إلى منزلها... وخلعت عباءتها... وألقت بها بكل قوة... إنها تريد أن تصرخ بأعلى صوتها... وتريد أن تبكي أيضاً بأعلى صوتها... بل وتريد أن تضحك بأعلى صوتها... تريد أن تنادي نفسها:
- " جواهر "
بأعلى صوتها... إنها لا تدري هل هي حزينة أم سعيدة؟... هل هي مريضة أم سليمة؟... هل هي حيَّة أم ميتة؟... لقد هدأت أعصابها عندما رأت " ضاحية " العجوز... ولكن عودتها لهذا القصر... الكبير "الضيق"... يعيد لها حياة الوحشة .
ومن بين الخيارات التي كانت جواهر تريد عملها... لم تجد بُدَّاً من الصراخ... وبقوة... كانت قاب قوسين أو أدنى من الضحك... ولكنَّ البكاء غلبها.
جلست على مقعد قريب... وبدأت في شبه جنون تدعو:
- " جواهر ... جواهر ...جواهر "
وعندما سمعت صوت الشيخ جابر يؤذن... استيقظت نفسُها شيئاً ما... وقالت :
- " لماذا يا شيخ جابر؟... لماذا وجدت الزوج؟... ليتك لم تجده... لكنت حينها يائسة من الزواج... قادرة على العودة إلى حياتي الطبيعية... ولكن... بعد أن وَجَدْتَه... لم يعد باستطاعتي رفضه... كي لا ألوم نفسي ذات يوم... على رد رزق ساقه الله إلي... ولكن... هل أنت متأكد يا جابر... من كل شيء قلته عن هذا الزوج؟... قد تتكشَّف الأيام عن أنياب ذئب في فمه... ربما كان يظهر لك يا جابر خلقاً حسناً... وتديناً... ولعل ذلك طمعاً في الثراء... أو العمارة... عضَّت جواهر على أصابعها بقوة... واتجهت نحو جهاز التلفون... ورفعت السماعة كي تتصل بالشيخ... يجب أن تلغي كل شيء.
وعندما رفعت السماعة... وبدأت في تذكر الرقم... تذكرت أن جابراً في المسجد... ألم تسمع أذانه الآن... إنها غبية حقاً... كما وصَفَت نفسها.
-" ولكن... قد لا أكون غبية... ربما قدر الله لي خيراً ".
قامت جواهر إلى المطبخ... وملأت الكوب ماءً بارداً... وألقت به في جوفها الملتهب... واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم... وبدأت أعصابها تهدأ شيئاً فشيئاً... تغيرت فجأة جميع أفكارها... ورفعت الهاتف... ودقت أرقاماً... لم يكن الخط مشغولاً... رد عليها رجل.
-"ألو... من؟"
-"ألو... فالح... أنا أختك جواهر"
- "أهلاً... أهلاً جواهر... كم تُحرجينني باتصالك... أنت دائماً تصلين الرَّحم... ولكن... تعرفين... أنا مشغول دائماً"
-"لا عليك... أنت أخي الأكبر... ولك الحق دائماً"
-"شكراً يا جواهر"
-"هل أنت مشغول بعد صلاة العشاء؟"
-"بعد صلاة العشاء؟... بعد صلاة العشاء؟... لا... لا... أنا غير مشغول... ولكن قولي... هل تريدين أي خدمة؟... في شيء ما؟"
-" سمعت أن ضيوفاً سيأتون الليلة إلى بيتي... قد يكون معهم رجال... أرجو أن تحضر لاستقبالهم"
قال فالح مستغربا من هذا الطالب:
- " هل الأمر ضروري ؟ "
- " جداً يا فالح... أعلم أني أحرجتك "
- " أبداً... وأنا سعيد لأنهم سيأتون الليلة بالذات... فأنا سأسافر غداً... وقد أتأخر في سفري هذا لعدة أسابيع... هل تريدين أي خدمات أخرى؟ "
- " شكراً "
طَرَحَتْ جواهر السماعة... ومسحت بعض قطرات العرق... التي تكورت على وجهها... قد تكون مختلطة ببعض قطرات الدموع... وقامت متثاقلة لتصلي الصلاة... وبعد الصلاة بقيت جواهر في محرابها تقرأ القرآن... مرت الساعات سريعة... وسمعت مؤذن المغرب يؤذن... وقامت ساعتها... وتوضأت وصلت.
7- اللحظات الثقيلة
لم تدر جواهر ماذا تفعل... الانتظار هو أسوأ وقت يقضيه الإنسان... والدقائق التي يقضيها الإنسان في الانتظار كفيلة بأن تأكل جميع -فتافيت السعادة-... إن وجدت... فما بالك بامرأة أكثر تعاسة؟!.
قامت جواهر متثاقلة... إنها تحدث نفسها بتبديل ملابسها... نظرت إلى الملابس التي تلف جسمها الذابل... إنها غير مناسبة... خلعتها ولبست ملابس أخرى... ليست بالطبع جديدة... وليست أيضاً غالية الثمن... ولكنها على أي حال... أفضل من ملابسها القديمة... وقفت جواهر أمام المرآة التي قاطَعَتْها منذ زمن... إنها تقف أمامها الآن... في شيء من الاهتمام... بدأت تحاول إزالة آثار المرض والحزن... عن تقاسيم وجهها .
تعمقت جواهر في قراءة تقاسيم وجهها... وتعمقت أيضاً في النظر إلى عينيها في المرآة... يبدو أنها الآن تكبر نفسها عشر سنين... ربما كانت تقاسيمها تحكم بأن عمرها أربعون سنة... ولكن لا مشكلة... إنها تتمنى لو أن عمرها تسعون أو سبعون... إذن لَمَاتتْ عمَّا قريب وانتهى كل شيء... لم تكمل جواهر أفكارها تلك... لأنها لا تريد ذلك.
بعد قليل... سمعت جواهز قرعاً على جرس الباب... لم تضطرب كما هو متوقع... وإنما سارت بخطى وئيدة... إلى جهاز " الانترفون " وردت:
-" من الطارق ؟"
-" أنا فالح "
-" فالح... أهلاً تفضل... "
وفُتح الباب عن طريق مفتاح كهربائي... دخل فالح وهو يقول باسم الله... واستقبلته جواهر في بهجة صادقة... وقبلت وجهه ويده... لقد فرحت بحضوره الآن أيما فرحة... لقد طال الزمن... ولم يُقدِّم لها زيارة في منزلها... إنها تحس أنها جزء منه... وهو جزء منها... إنها الرحم... حدثت نفسها وهي تبتسم له في حب:
-" ... الله... ما أعظم الإسلام... عندما جعل قطيعة الرحم... من الكبائر!... صحيح أن المرأة تتزوج... وتذهب مع زوجها... أو تستقلُّ بحياتها الخاصة... ولكنها أبداً لا تستغني عن أهلها... عن أولئك الذين فُتحت عيني طفولتها... ورأتهم أمامها... وبنت نفسها لبنة لبنة... وهم يساندونها... كل شيء يَبْلَى إلا هذه العلاقة المقدسة... الأخ... الأخت... الأب... الابن... العم... العمة... الخال... الخالة... والابنة... كلهم شيء واحد... ويجب أن يبقوا شيئاً واحداً... مهما تغيرت معطيات الحياة"
لقد تمنت جواهر أن يكون فالح أقرب لنفسها... وهي أقرب لنفسه... إذن لألقت بنفسها بين ذراعيه... ومَحَتْ جميع نقوش آلامها على صدره... وفتحت قلبها له... وبثته كل همومها... لكن... كل الأبواب مقفلة في وجهها دونه... إنه لازال بوقاره وهيبته... ولكن لا مشكلة... إن وجوده هنا يضفي على المنزل آيات الأنس والبهجة... حتى ولو لم يأت جابر ومن معه... يكفي أنها حققت اليوم مكسباً كبيراً... لقد زارها رَحِمُها... وهذا مكسب لا يقدَّر بثمن.
جلس فالح على مقعد في غرفة الاستقبال... في الدور الثاني... لم تُفتح تلك الغرفة منذ سكنت جواهر منزلها... كانت آثار الغبار موجودة هنا وهناك... لم تدر جواهر كيف نسيت ترتيب هذه الغرفة... ولكن لا يهم... يجب أن يبقى كل شيء على حاله... أقبلت جواهر بقدح من القهوة... ناولته أخاها... واعتذرت عن آثار البِلَى على تلك المقاعد بقولها:
-" المعذرة... منذ فترة لم أدخل هذه الغرفة... كنت أنوي تنظيفها الآن... ولكن أتيت... أهلاً وسهلاً بك "
-" لا مشكلة... ولمَ لا تنظفها الشغالة؟... والله شغالات هذا الزمن بلا فائدة"
-" الشغالة!... ليس لدى شغالة "
-" صحيح؟... هـ هـ هـ ... مستحيل! "
قامت جواهر... تغيبت قليلا... ثم جاءت وهي تسحب المكنسة الكهربائية... وبدأت تكنس الغرفة بسرعة... ومسحت ما يحتاج إلى مسح من قطع الأثاث... ثم جلست بجوار أخيها في كل هدوء... سألها:
-" كيف أحوالك... وأخبار المدرسة؟... يبدو أنك كنت مريضة... آثار وجهك تقول ذلك"
بدأت جواهر في فرح تروي أحداثاً كثيرة... واستمرت الجلسة السعيدة إلى أن قالت جواهر :
-" لقد أذن العشاء... اعذرني... سأذهب للصلاة "
-" أوه... الصلاة!... لا زلت على عادتك تحبين الصلاة!... نعم... نعم... الصلاة جيدة"
-" إنها أنيسي في وحدتي يا فالح "
-" صحيح... وأنا أيضاً سأصلي هنا... ولم لا؟... هل يوجد سجادة ؟"
- " نعم ..... "
8- المراسم
الصوت ينبعث من جرس الباب... قام فالح قائلاً :
-" لابد أنهم الضيوف "
فُتح الباب... وتمت مراسيم الاستقبال... بين فالح من جهة... والضيفين من جهة أخرى... وبعد لحظات... كان فالح وضيفاه في غرفة الاستقبال... في الدور الثاني... وكانت كلمات الترحاب تتقاذفها الألسن... والرد يبدو بطريق مُعدَّة مسبقاً.
ناول فالح ضيفيه فناجين القهوة... التي وضعت من قبل مع –الترمس-... على طاولة صغيرة... وقال جابر :
-" أنا جابر... إمام المسجد... وهذا الشاب هو حسان... ولابد أنك فالح... أخو جواهر..."
-" معروف معروف... أهلاً وسهلاً بكما "
بدأ جابر يجسُّ النبض في كون فالح يعرف سبب مجيئهما أم لا... وعندما تبين له أنه لا يعرف شيئاً... أردف قائلاً :
-" يقول الله سبحانه: ) هو الذي خلق لكم من أنفسكم أزواجاً... لتسكنوا إليها... وجعل بينكم مودة ورحمة (... يا أخ فالح... هذا الشاب صديق عزيز... وهو ممن أثق فيهم ثقة مطلقة... مُتَديِّن... وحسن الخلق... ولا نزكيه على الله... وقد أتينا الآن... لنطلب يد جواهر... له... وسلامتك "
- " أهلاً وسهلاً ومرحباً... هذا بالتأكيد مما يسعدني كثيراً... جواهر فتاة طيبة... وتستحق كل خير... والشاب هذا... يبدو فعلاً أنه طيب... )الطيبات للطيبين( "
امتعض حسان قليلاً عندما سمع هذه الآية... لكنه استغفر الله... لا لشيء... ولكنه تذكر العجوز ضاحية... وتذكر تلك المرأة... غريبة الأطوار... التي تكرهه من كل قلبها... إنه يحاول أن يتناساها:
-" لا يليق أن نتذكر من لا يحبنا... في أوقات سعادتنا...صحيح أنني شخصيا... لا أكرهها... ولكن لا شك... قلبي نَفَر منها... إنها مع رقة أخلاقها مع العجوز... إلا أنها غريبة الأطوار حقاً... الغريب أن المسكينة ضاحية... تريد أن تزوجني إياها... هـ... هـ... هـ... لو لم يكن في الدنيا إلا تلك المرأة... لما فكرت في الزواج بها"
قطع أفكار حسان تلك قول فالح:
- " هل تعلم جواهر شيئاً عن الموضوع؟ "
أجاب جابر:
- " ربما... لا أدري... ولكن... وقبل كل شيء... يجب أن تعلم يا أخ فالح... أن حسان متزوج... وله أولاد "
-" أنا لا أملك القبول أو الرفض... الرأي الأول والأخير لجواهر "
9- الضباب يلف العريس
جواهر جالسة هناك... في غرفتها في الدور الثالث... لقد ازدادت دقات قلبها... أصبحت أشبه بمضخة ماء... وهي تفرك أصابعها ويديها بشدة... وأوهامها الثقيلة عادت تصارع قلبها من جديد... وهي الآن أشد وطأة... لأن الفأس وقع في الرأس... أصبح الوهم حقيقة... لم يعد هناك أي طريق يمكن الإفلات من خلاله خارج الحلبة التي رُبِطَتْ جواهر بأكثر حبالها.
عادت الأسئلة المُملة... ذاتها... تتراقص في ذهن جواهر:
-" كيف سيكون هذا الزواج؟... ولماذا أقحمْتُ نفسي ثانية؟... ألم أكن سعيدة في وحدتي؟... هل سيظلمني؟... هل سيحتقرني؟"
وخلال مصارعتها لتلك الأفكار... استأذن عليها فالح قائلاً:
-" جواهر... تعالي أريدك "
أقبلت جواهر في تسليم تام... في حين قال لها فالح:
-" تعالي أريد أن نجلس لدقيقة "
وعندما جلسا... أكمل قائلاً وهو يبتسم:
-"هل عندك علم بالموضوع... الذي جاءا من أجله؟"
-"نعم"
جواهر لم تشأ أن تكذب... لا شيء يهمها الآن... المهم أن تكون راضية عن نفسها... قال فالح:
-"جميل... إذن... الرجل يريد أن يراك... هذه هي السنة... وتَرَيْنه أنت أيضاً... أليس كذلك؟"
مسحت جواهر دمعتين بمنديل كان في يدها... لا أحد يدري حتى الآن... هل هما دمعتا فرح... أم حزن؟... ثم قالت:
- "لا مانع... أنا جاهزة"
قام فالح منصرفا... وتغيب... في تلك الأثناء... تواردت أفكار كثيرة على ذهن جواهر... قطع حبل أفكارها تلك... صوت سمعته للتو ينبعث من أسفل الدرج... يبدو أنه صوت الزوج… تحركت جواهر في عجلة لتعدل من جلستها... ولكنها في أثناء ذلك... دخلت في حيرة:
-" ولكن... ما هذا الصوت الذي سمعته؟... غريب... هل يمكن؟... لقد سمعته من قبل... إنه صوتٌ... مدفون في ذاكرتي... ولكن... متى يا ترى سمعته؟... ومن هو صاحبه؟"
أفكار كثيرة... قَذَفَتْ بنفسها فجأة على صاحبة الفستان الأزرق... جواهر:
-"كيف يكون شكله؟... وما هو لونه؟... ما طوله؟... ما عرضه؟... ما ارتفاعه؟... ما لون ثوبه؟... وهل يلبس غترة حمراء أم بيضاء؟... وهل يلبس عقالا!... وأخيراً... ما هي أخلاقة؟... يا ترى!... ما هي أخلاقه ؟!"
10- الخطوات البطيئة
كان الصوت منبعثاً بكل هدوء:
-" السلام عليكم ... "
لقد تكرر الصوت... على أذن جواهر... أكثر من مرة... هي لا تسمعه فقط... وإنما تفكر فيما وراءه... والآن قالت :
-" وعليكم السلام... تفضل "
دخل ذلك الرجل... بدا وأن عرقه يتقاطر خجلاً.... نظرت جواهر نحوه... حدثت نفسها:
-" الله... ما أروعه! "
كادت جواهر حين رأته أن تَفْغَر فاها أكثر وأكثر... وأن تفتح عينيها أكثر وأكثر... لقد انْسكبت السكينة عليها كالمطر الغزير... والطمأنينة تسري بتدفق في جميع أوصالها... كما يسري الماء في جذع الشجرة... أو شُعيرات الورقة الخضراء.
دخل الرجل... وجلس قبالتها... ولكن:
-"هل هذا هو زوجي؟... أوه... هذا ليس زوجاً... بالطبع... إنه النعمة... عيناه الصافيتان... لهما بريق أجمل من بريق الذهب... إنه بريق الإخلاص والصدق... ونوره الملائكي يشاطر المصباح ضوءه... بل ويمنح ما حوله ضوءاً أعظم... يا الله... كل أسرار الخير كُتبت على جبهته... التي لا تخلو من أثرٍ دقيقٍ للسجود"
ازدادت مطالعة جواهر... وبدا وأن نظراتها ذات عمق ودقة... لا تدري جواهر لماذا ذهب كل حيائها وخجلها من الرجال؟... وكرهها كذلك... أحست أنها تقف أمام جزء منها... جزء لا يتجزأ أبداً... إنه جزء... فقدته من قديم... واقتربت منه الآن... فهل سيكون لها أن تندمج معه... أم أنها في حلم؟.
-" لا لا ليس حلماً"
ازداد تدقيقها في الشاب... أكثر وأكثر... وفجأة صرخت بصوت خفيف... وصكت وجهها... وقالت في دهشة:
-" أنت !! ؟؟ "
ارتعش حسان في مكانه قليلاً... وخاف... إنه منذ أن قعد على مقعده هذا... وهو مُطْرِقٌ إلى الأرض... كان يريد أن يتشجع أكثر... وينظر إليها... ولكنه لم يقدر... لقد انْتَبهَ الآن... عندما صرخت... نظر إليها... ولكن... فات الأوان... لقد غطَّت وجهها بكفيها... وبدأت تبكي... لم يستطع حسان... أن يراها.
11- ذكريات
جواهر تدكرت للتو... وعرفت من يكون هذا الرجل... لقد ارتسمت صورته في مخيلتها من قبل... تلك الصورة الملائكية... التي قَدَّستها من أول لحظة رأتها... صورة الرجل الطيب... الذي يضحِّي بالكثير... من أجل امرأة عجوز... لا تمتُّ له بصلة... يُحضر لها الطعام... ويُساعدها على الوضوء... بل حتى على الذهاب للخلاء... ذلك الرجل... الذي يفعل الخير لوجه الله وحده... لا يرجو مَديح أحد... ولا ثناء أحد... ذلك الرَّجل... الذي ابتسم لها عندما رآها في منزل العجوز... ولم ير وجهها... ولكنه ابتسم لها ابتسامة الشكر الجزيل... لأنه أحس أنها تسير معه في الطريق ذاته... طريق الخير والإحسان.
وابتسم لها مرة أخرى... فَزَجَرَتْهُ... نعم زجرته... وهي الآن تعرف لماذا زجرته؟... وتعرف أيضاً لماذا تضيق نفسها ذرعاً كلما سمعت من ضاحية قولها... ) الطيبات للطيبين(؟.
أسرار جواهر المواراة... أصبحت الآن مكتوبة على لوحة دعائية كبيرة... نعم... لقد أحبَّت هذا الرجل مع أول نظرة ألقتها على وجهه... وأحبته في كل وقت... لكنها تجاهلت مشاعرها... لأنها كانت تظن أن العبث كله سيُدركها... لو فكرت أن تتزوج رجلاً عظيماً... مثل هذا الرجل... إنَّ تجربتها في الحياة... كَتَبَتْ على جميع آمالها الشقاء... فلم تعد تحلم بأحلام جميلة... ولا مستقبل جميل.
جواهر... إنها تبكي الآن... ولكنها تضحك وتضحك... بصوت خافت... كلما طافت حول ذهنها... صورته البديعة... لم تعد تبالي بشيءٍ... بعد أن تحقق الشيء الذي ظَنَّت يوماً ما... أنه من أبعد المستحيلات... وحينها... غضَّت الطَّرْفَ عنه... وسخرت منه.
جواهر الآن تريد أن ترفع وجهها إلى السماء... وتقول:
-" اللهم لك الحمد... أيعقل!... هل الرجل... زوجٌ لي؟"
كادت جواهر أن تقوم... وتسجد لله شكراً... من حقها الآن أن تزيل غشاوة كرهه المصطنعة... وتظهر حبها المتلاطم في أرجاء صدرها... تلاطم البحر الزاخر.
وأخيراً... توقف نهر الدمع الحار... عن الجريان... وبدأت قطرات باردة من الدموع... تخرج في هدوء... وتُخرج معها آلام السنين البائدة... وتمسح كل مخلفاتها.
جواهر يشرق وجهها دون مقدمات... بابتسامة ساحرة دافئة... على أرضٍ كأرض موسى... انحسر عنها موج القلق المالح ... ولم تشرق عليها شمس من قبل... بدت مثقلة بثلوجٌ كثيفة من الحيرة... في قلب حسان اللنابض... قال يحدث نفسه:
-" لماذا تبكي هذه المرأة؟... ولماذا تضحك؟... لماذا صرخت منذ قليل؟... ولماذا صمتت الآن؟... ما السر؟"
12- شيء عن الجمال
دقق حسان النظر في ملامحها... بدا الوجه بارعاً في الجمال... جمالٌ يعشقه حسان... ويعشقه كل من يجيد التماس علامات الجمال الحقيقية... جمالٌ خلاب... لم ترسمه مَسْكَرة... ولا –روج-... ولم تَجْرِ عليه مسحة مكياج... جمال صنعه الإيمان... وأشرق فيه الطهر... وأبْدع تقاسيمه الصدق والإخلاص.
تأكد لحسان كمال جمال فاتنته النادر... الذي يعجز عن رؤيته كل خبراء الجمال... ولا يصلون أصلا للقدرة على تقييمه... حين اخترعوا فكرة ملكات الجمال.
انبهر حسان كثيراً... فغر فاه... وفتح عينيه... ودقق النظر... أكثر... وأكثر... وشعر أن من حقه أن يصرخ... كما صرخت... وأن يبكي... كما بكت... وأن يضحك كما ضحكت... إنها جميلة ورائعة.
حسان أحسَّ أنه يعرفها منذ زمن بعيد... أحس أن لها في قلبه مكاناً عظيماً... طالما غابت عنه... والآن حلَّت فيه... جواهر تنظر إلى حسان... وحسان ينظر إلى جواهر... والألسن الصامتة تُضْفي رهبة ساحرة على المكان... والأعين أخذت كامل راحتها في الحديث... الحديث الذي لا يمكن أن يكذب أبداً... لأنه صورة صادقة لما في القلب.
كل منهما يحس بالحرج من الكلام... إلا أن الخجل الذي جثم على حسان كان أشد وأنكى... جواهر أحسَّت بشجاعة كبيرة... تؤهلها فتح مغاليق الكلمات المحكمة... لذا قالت:
-" أنا سعيدة برؤيتك "
-" شكراً "
هكذا أسعفت الظروف حسان... بهذه الكلمة.
-" هل تريد أن تسألني عن شيء؟ "
قال حسان في شيء من الارتباك:
-" كلمة واحدة... سأكون صادقاً فيها... وأرجو ألا تلوميني "
-" تفضل "
-" صدقيني... لقد شعرت الآن... بأني لا أستطيع الاستغناء عنك... مطلقاً "
-" إذن أنت موافق على الزواج "
-" نعم... وأنت ؟ "
-" لقد بدا لي أنك رجل... لا يمكن لامرأة أن ترده "
13- على ما يرام
السكون الذي بدأ يعم المكان من جديد... بدده في تلك الأثناء... نحنحة فالح... الذي لم يلبث أن دخل... لقد كان دخوله ذاك... في الوقت المناسب... لقد أنقذ الموقف... الذي ستتعثر فيه جميع الكلمات.
وقام حسان ساعتها مع فالح... إلى غرفة الاستقبال... كان الشيخ جابر في الانتظار... وعند رؤيته لهما... قام مستقبلاً حسان... وقال في فرح :
-" إذن نبارك؟... ألف مبروك "
-" الحمد لله... كل شيء على ما يرام "
-" إذن تقرر الزواج "
-" إن شاء الله "
نظر جابر إلى فالح وقال :
-" خير البر عاجله... ما رأيك... في عقد القران الليلة؟ "
-" الليلة!... بكل هذه السرعة؟!"
-" هل لديك مانع؟"
-" والله... أنا موافق... وما المانع... إذا لم يكن لدى العريسين معارضة؟ "
نظر جابر إلى حسان... وابتسم... وقال :
-" نعم هما موافقان... اطمئن "
-" إذن على بركة الله "
انصرف فالح مسرعاً... ذاهب إلى أخته... وعندما وصل إليها سألها :
-" ما رأيك؟ "
-" إنه رجل كفءٌ كريم... ولا أستطيع أبداً أن أرده "
-" هل أنتِ واثقة مما تقولين؟... أخشى أن يكون مثل... "
-" كلا... كلا... لقد قرأت عينيه... ما رأيك أنت فيه ؟"
-" صراحة... لقد أحسست بالراحة تجاهه... وهو كما يبدو صادق ومتواضع... ويناسبك... ولكن... لقد تعوَّدت ألاَّ أحكم على الناس من ظواهرهم... الشك في الناس مقدم على الثقة"
-" ربما... لم تتعود من قلبك أن يَصْدُقَكَ... أما أنا... فقد حدثني قلبي عنه... ومن أول مرة رأيته فيها... اللهم لك الحمد "
-" أنتِ متفائلة... جيد... هذا يسعدني... ولكن... قولي لي... ما رأيك... هل يكون القران هذه الليلة؟ "
ابتسمت جواهر وأطرقت برأسها... قال فالح وهو يخرج:
-" السكوت علامة الرضا "
من هناك... أقبل فالح ... قال جابر بعد أن رآه:
-" يا رب لك الحمد ... أرجوك يا فالح... أحضر لي الهاتف"
ابتسم فالح... وعاد أدراجه بسرعة... ولم يلبث طويلا... وعندما أحضر الهاتف... تناوله جابر منه... ووضع السماعة على أذنه... ثم طرق الأرقام بسرعة... وبدأ الاتصال.
-" الشيخ قاسم "
-....
-" أرجو أن لا تكون مشغولاً هذه الليلة "
-....
-" حالة زواج طارئة "
-....
-" لا عليك... سأحكي لك الحكاية فيما بعد... هل تستطيع الحضور؟ "
-...
-" إذن سيأتيك ابني بعد ربع ساعة... وستأتي معه إن شاء الله "
-....
-" لا... لا ليس هناك كلفة... لأنه سيذهب للسوق... وستأتي معه بعد ذلك... شكراً لك"
14- وليمة
مر الوقت بسرعة... ثلث ساعة وطُرق الباب... وفَتَح فالح... إنه يرى المأذون... وأربعة أفراد آخرين... جلس الجميع جلسة رسمية هادئة... وتم عقد القران بحضور الشهود... مرت عشر دقائق... وطرق الباب من جديد... وفَتح فالح... إنه يرى خمسة رجال آخرين... يبدو أنهم أقارب لجابر... أو لحسان... استقبلهم فالح... وهو لا يدري -ما الحكاية بالضبط-... وبَعد خمس دقائق... أخرى... طرق الباب... وفتح فالح... إنه يرى محمد ابن الشيخ جابر... وهو نسخة مصغرة من والده... ابتسم محمد لفالح... وقال في أدب:
-" العشاء في السيارة... يا عم فالح... هل ممكن تساعدني... في إدخاله؟"
-" أي عشاء؟ "
-" لقد كلفني أبي بعد صلاة العصر شراء خروف... والذهاب به إلى المطبخ... وهو الآن موزع في ثلاثة صحون... مع الرز... هل تساعدني؟ "
ابتسم فالح... وشعر بشيء من الخجل... وتخالطه الدهشة:
-" جابر... هذا الرجل المذهل... كيف فعل هذا كله؟... ثم ... كيف فاتتني؟... صحيح... هؤلاء ضيوف... ومن هو في مكاني... كان من الواجب عليه إكرامهم... ولكن... لماذا يفعل الشيخ كل هذا؟... سبحان الله!... أناس خلقوا لفعل الخير... الله!... لو كان الناس كلهم مثل جابر... إذا... لما انهدت الأرض على رؤوس أصحابها"
قال محمد :
-" هل تساعدني يا رجل؟ "
-" نعم... نعم المعذرة... "
حُملت الصحون... ووضعت على سفرتين منفصلتين في غرفة الطعام... وأدخل محمد كرتوناً من البرتقال... وآخر من الموز... وثالث من التفاح... ورتبها بطريقة بدائية على المائدة... قال فالح في اهتمام:
-" انتظر يا محمد... علينا أن نغسل التفاح "
-" يا رجل... كُل... وتوكَّل... على الله "
-" كل وتوكل... إي والله... صدقت... كل وتوكل على الله... هـ هـ !! "
كان الوقت يقارب العاشرة والنصف ليلا... اتجه فالح للضيوف في المجلس... وقال في حديث رسمي :
-" أهلاً يا جماعة... حياكم الله... تفضلوا إلى وليمة زواج أختي جواهر... بالشاب حسان"
كان جابر بجوار حسان... مال نحوه قليلاً... وقال:
- " تفضل يا شيخ حسان "
-" انتبه... أنا الآن لست شيخا... وإنما شاب "
قال جابر بصوت خافت:
-" صدقني... أنت أعظم شيخ "
-" جزاك الله خيرا... أيها الشائب... جابر "
هـ ... هـ ... هـ ...
15- طقوس اجتماعية
خلال نصف ساعة... تم للبطون نصف الجائعة... التهام ما أمكنها التهامه من الرز واللحم والفاكهة... وبدأ الرجال يقومون من حول المائدة... وكل منهم يقول:
-" جاد الله عليكم "
اكتمل المجلس بالضيوف من جديد... وبعد تناولهم للشاي... بدؤوا في الاستئذان... واحداً بعد الآخر.
أما حسان... فهو كالمشدوه في كل تصرفاته... إنه ترك قلبه في الغرفة المجاورة... وأخذ جسده إلى هنا... وعندما قام ليأكل... لم يكن لديه أدنى شهية للأكل... كان يحس أن لذة خفيفة تدغدغ وجدانه... رأسه يعتمل بآلاف الأفكار... والمستقبل يبدو جميلاً مشرقاً... وإحساس غريب... يجعله يتخيل صورة جواهر... اللؤلؤة النادرة... أو...الجوهرة النادرة... أو... الكم الغفير من الجواهر النادرة:
-" إنها حقاً جواهر... اسم على مسمى... الجواهر جميعا تجتمع في ذلك الجسم النحيل... لقد أحس بالطمأنينة تجاه الحياة... هذه الحياة ليست غابة موحشة... بل هناك كثير وكثير من الطيبين... والطيبات... يجدهم من بحث عنهم... نعم... ابتسام منهم... وجواهر أيضاً منهم... وأيضاً... ربما تلك المرأة الشريرة... التي لقيتها عند العجوز ضاحية... لعلها منهم... ربما... أوه كم أكرهها!... وأنا أيضاً... أرجو أن أكون منهم... ولكن... لماذا أكره تلك المرأة الشرسة... الشريرة... ثم أضعها معهم؟!... ربَّما ظلمتها... ربما كنت مخطئاً عليها... ربما فهمت ما قامت به بطريقة خاطئة... قد يكون لديها العُذْر... على كل... سامحها الله... وغفر لها... آه لو عرفتُ حقيقتها... وحقيقة مشاعرها نحوي... ربما كانت ستعجبني... وربما كانت هي زوجتي الثالثة... هـ... هـ"
نظر جابر إلى حسان... الجالس بجواره... دهش عندما رآه يضحك من دون سبب... وكزه برفق... ونظر إليه بتأنيب... وقال بهمس:
-" ليس هذا المكان... مكانا للضحك... من دون......"
لقد كانت أحاسيس حسان وهو يسبح بخياله في هذه الأفكار لا توصف... لقد نسي الأكل... الذي لم يستطع أن يتذوقه كما يتذوقه الناس... عندما قام الجميع للعشاء... ونسي ما يتكلم فيه الجالسون... من قضايا ذات أبعاد متشعبة... كل منهم يتكلم فيما لا يجيد... ولا أحد منهم يُصَدِّقُ الآخر... بل ربما يقتنع بالرأي المخالف... ثقة منه في كذب الجميع... ومع ذلك... فالجميع يتلذذون بهذه المجالس .
أخيراً اختلطت أفكار حسان بأصوات بقية الحاضرين وهم يستأذنون للانصراف... وقام حسان معهم للانصراف... كان لا يفكر فيما يفعل... أصبحت حركاته مبرمجة مثل حركاتهم... لأن علقه ليس في موقعه الصحيح... وهم في الواقع يفكرون عنه... لكن الشيخ جابر أمسكه بيده وقال:
-"اجلس يا حسان"
بالفعل جلس حسان... وبعد ذهاب جميع الضيوف... قام جابر مستأذناً... وقام حسان معه مستأذناً... قال له جابر :
-" اركد... إلى أين؟ "
- " إلى منزلي "
-" منزلك؟... هل جننت؟... هذا منزلك "
-" ماذا؟...كيف؟ "
-" أليست جواهر زوجتك؟ "
-" ماذا تقصد؟... لم أفهم! "
ابتسم جابر... وابتسم فالح... وقال جابر:
-" أقصد أنك ستبيت هنا... عند زوجتك جواهر "
-"أبيت... هنا؟... ماذا تقول؟... لا...لا... لا... أرجوك يا جابر... هذا مستحيل... صعب جداً"
-" بل ستبيت... المسألة ليست على كيفك "
-" عجيب!... أنت تمزح!... وزوجتي ابتسام... هل فكرت في ذلك؟... بالطبع لم تفكر... ماذا ستقول عني؟ "
-" سهل... اتصل عليها... وأخبرها أنك ستنام في الخارج... لأمر طارئ... اطلب منها ألا تقلق من أجلك "
-" هذا أمر صعب... ثم ... أنا لم أتجهز نفسياً "
-" لا يا حسان... يجب أن تأخذ الأمور ببساطة "
-" لعلها هي لم تتجهز "
-" اطمئن لقد أخبرني فالح أنها جاهزة... ليس لديها أي مانع في أن تكون الدُّخلة هذه الليلة "
استمر حسان يفكر قليلاً... وعندها قام فالح وهو يقول:
-" أنا الآن أستأذنكم يا جماعة... البيت بيتك يا حسان... ونحن في خدمتك"
-" ماذا تقصد؟ "
-" لقد أصبحتَ ربَّ هذا المنزل... بالتأكيد... ونحن ضيوف عندك "
قال جابر وهو ينظر لحسان :
-" يا جماعة انتظروا... بقى شيء مهم... لم تفعله يا حسان "
-" أمر مهم!... وما هو؟... اعذروني... ولكن... هل هو هام في الزواج ؟"
-" جداً... جداً... إنه أحد مستلزمات الزواج "
-" وما هو ؟ "
-" المهر يا حبيبي... هل تريد الزواج بدون مهر؟ "
ضرب حسان رأسه بيده... وقال :
-" المهر... أوه... لقد نسيت... حسبي الله عليك!... أقصد... حسبي الله ونعم الوكيل... والله مشكلة... لقد أنسيتني يا شيخ كل شيء... إنك تقوم بكل التصرفات... وأنا مجرد تابع... لم أكن قادراً حتى على التفكير... ما الحل يا ترى؟ "
-" لا عليك لقد احتطت للأمر... وعندما ذهب ابني محمد ليحضر المأذون... طلبت منه أن يصرف مبلغاً من المال... من جهاز الصراف... ويشتري طقماً من الذهب... وهذه " 2000" ريال... أظنها كافية مع طقم الذهب... سلمها في يد جواهر... ما رأيك يا فالح؟... هذا عدل "
-" رأيي... والله... أنت عظيم يا عم جابر... لابد أنك سعيد جداً بعمل الخير... ليتني كنت مثلك!"
-" أستغفر الله... خذ يا حسان... هذا طقم الذهب "
ومدَّ جابر كيساً صغيراً... تناوله حسان وهو مندهش... قال جابر:
- " وأنا الآن أستأذنك... يا حسان "
وضع جابر يده في يد فالح... وانصرفا.
16- فستان... الشرعة
كل الأمور سارت على ما يرام... وبكل سهولة... والفضل في ذلك يرجع لجابر... جزاه الله خيراً... وأكثر الله من أمثاله!.
جواهر الآن جالسة في غرفتها... يدها متجهة إلى السماء... كانت تقول لنفسها:
-" الحمد لله... إن نظرة واحدة أنظرها إلى وجه حسان... كفيلة بإسعادي عاماً كاملاً... إنه رجل طاهر... عيناه تومضان ببريق الإيمان"
في تلك الأثناء... ودون مقدمات... اشتعلت في نفس جواهر... نيران مباغتة... قد ظَنَّت أنها انطفأت كلياً... إنها بعض هواجسها السابقة... هل من الممكن... أن يكون حسان... منافقاً... يلبس مُسُوح الضأن... على قلب ذئب ضارٍ؟!... لكن جواهر لم تسمح لنفسها الاستمرار في أفكارٍ مزورة... هزت رأسها بعنف... واستعاذت من الشيطان... وردَّدت:
-" سيماهم في وجوههم"
وسرعان ما تبدد ذلك الوسواس... وابتسمت جواهر ابتسامةَ الرضا من جديد .
أرخت ظهرها على ظهر المقعد قليلا... ونظرت إلى السقف... وسمحت لنفسها بالتأمل:
-" ما أكبر سعادتي!... صحيح أن ثوبي زهيد جداً... والفرح الذي أقيم في زواجي هذا... أكثر تواضعاً... ولكنني سعيدة"
جواهر تذكرت الشرعة الجميلة... التي لبستها في زواجها الأول... لقد كانت بقيمة سبعة آلاف ريال... تذكرتها بألم... ولكنها سرعان ما شعرت بسعادة بالغة... عندما تذكرت أنها أحرقت تلك الشرعة... بعد طلاقها من زوجها الأول... ابتسمت وهي تتذكر النار تُحيل الشرعة البيضاء إلى سائل من البلاستيك... لا قيمة له... وحدثت نفسها:
-" شرعتي الأولى... تماماً مثل زواجي الأول... بدون قيمة... بدون طعم... بدون ملح... مظاهر براقة... كاذبة... تلك الشرعة لم يستفد منها أحد... إلا أنا... في ليلة واحدة"
نظرت جواهر في ثوبها الذي تلبسه... مسحت بلطف على صدرها... وسحبت هواء عميقا وهي تقول:
-"إنه فستان لا يساوي مئة وخمسين ريالاً... ولكن له قيمة كبيرة... كم أحبه!... لقد استفدت منه كثيراً... لبسته مرَّات ومرات... وها أنا الآن ألبسه... بالطبع... قيمة الشيء ليست في ثمنه... وإنما في مدى فائدته لصاحبه... ها أنا أستقبل زوجي... حسان... بهذا الزِّي المتواضع... أنا متفائلة... أرجو أن يكون زواجي بحسان... كثوب فرحي هذا... يمنحني الكثير... الكثير من المعاني الحقيقية... نعم يا حسان... أنا أستقبلك الآن... لم أمنحك جمالا في الفستان... الذي أستقبلك به... ولكن... أرجو أن أمنح القيمة الحقيقية... للجمال... جمال الباطن... أنا سعيدة لأني لم أكلف نفسي شراء شرعة... أو فستان غالي الثمن... إنني أريد أن أكون جميلة في نظرك... لا بملابسي... ولكن بحبي وإخلاصي... سأجرب... وكلي أمل في أن أنجح"
17- جمال باهر
قامت جواهر إلى المرآة... وقفت أمامها... وبدأت تطالع نفسها:
-" ما هذا؟!... لقد أصبحتِ الآن... أكثر نضارة يا جواهر"
بالفعل... لقد غيرت ملامحَ جواهر تلك الساعاتُ الأربع... التي بدأت منذ رأت فيها حسان... وعَرَفَتْ أنه هو بعينه... الرجل الذي دخل أعماق قلبها دون استئذان... وتفرد بالسيطرة عليه... ولم يسمح لها أن تبدي أي مقاومة... إلا بما اصطنعته من الكراهية والبغضاء الكاذبة.
وهاهي جواهر... الآن... لقد رجعت للوراء عشر سنين... إنها الآن... ودون مجاملة... بنتٌ لخمس عشرة سنة.
جواهر... دهشت من منظرها الساحر:
-" هل صحيح... أنني أنا... جواهر... صاحبة هذا الوجه الجميل... يا سلام... الله... ما أجملني!"
تناولت جواهر بعض أدوات التجميل البسيطة... أجرتها على وجهها بكل هدوء... وفي لمحة بصر... تحولت إلى حورية صغيرة... بدأت تدور حول نفسها في دلال... أحسَّت بشيء من الغرور... وتفحَّصت فستانها باهتمام:
-" أوه... إنه يحتاج إلى القليل من الأناقة... الحقيقة... أنه لا يتناسب مع... مع... تسريحة شعري... ولا مع لون الكحل"
انطلقت جواهر إلى خزانة الملابس.... إنها تشعر بفرحة خفية... تملك عليها كلَّ دنياها... وتُشعرها أنها تحيا من جديد... دقات وجودها... وأن نبض أنوثتها بدأ يسري في شرايينها... بعد أن دخلت تلك الشرايين... في عصور مديدة من التخشب.
اختارت جواهر فستاناً أكثر أناقة... لبسته... وانطلقت للمرآة... بدأت تنظر... ثم دارت حول نفسها...قبَّلت يدها... وألقت بالقبلة على صورتها في المرآة... وكانت تتراقص خفة... قالت في نفسها:
-" لاشك أنك يا حسان محظوظ... بهذه الزوجة الجميلة... ولكن... لماذا تأخر... ولم يأتِ حتى الآن؟... هل أنتظره هنا؟... لا... لا... أمر صعب... سأنزل لاستقباله هناك... حتماً... لقد ذهب كل الضيوف... ولم يبق إلا هو... سأذهب إليه... وآخذه بيده"
وفي أثناء ذلك الحوار الخاص... طُرق الباب... ورفرف قلب جواهر.
18- فكرة... غير مناسبة
حسان... ترتجف ركبتاه... إنه يمسك في يده علبة تحوي طقماً من الذهب... وهو ذاته... الطقم الذي أحضره جابر... وبعد أن طَرَقَ بابَ الغرفة التي تجلس فيها جواهر... أحس بحرج شديد... وبدأ يفكر:
-"ما كل هذه الجرأة... التي جعلتني أتقدم... وأصل إلى هنا؟"
انقدح في ذهن حسان فكرة... إنه يشعر ببعض الجوع... بالطبع... لم يأكل من العشاء قدرا كافيا:
-" ليتني نزلت إلى التموينات المقابلة... كي أحضر منها بعض العصيرات... والفاكهة... وبعض الحلوى... إنها ضرورية... بالطبع... في مثل هذا الموقف"
وحينما لم يسمع حسان رداً من جواهر... على طرقة للباب... استقر في نفسه أنها لم تسمع بذلك الطرق... استغل الفرصة... ونزل سريعاً للأسفل... وفعلاً... وصل إلى تموينات البيت السعيد... واشترى كل ما كان يريد شراءه... وعاد نحو المنزل.
19- المطاردة
أكمل حسان طريقه في صعود الدرج... وأخيراً... دخل غرفة الاستقبال... غسل وجهة في المغسلة... المجاورة للمدخل... وعاد ليجلس على مقعدٍ في طرف الغرفة... انتظر حسان قليلاً... ثم قام... وطرق باب الغرفة التي قابل فيها جواهر سابقاً... طرقه مرة أخرى... للأسف لم يكن من مجيب... أعاد الطرق مرات ومرات... وبدرجة أقوى... لم يجبه أحد... خشي أن تكون جواهر في حال سيئة... لماذا لم تجب؟... ماذا حصل؟... عاد ثانية ليقعد على نفس المقعد.
جواهر جالسة في غرفة نومها... لقد سمعت الطرق على الباب البعيد... ولكنها تظنه على باب غرفتها... كانت تقاسي معاناة الخجل... وكانت تقول بكل رفق:
-" تفضل"
بالطبع لم يسمعها حسان... أعادت الكلمة:
-" تفضل"
ولكن لا مجيب... بدأ القلق يساورها:
-" لماذا لم يدخل؟"
الواقع أن كلا منهما ينتظر الآخر... جواهر هنا في غرفتها الخاصة... وحسان هناك في غرفة الجلوس... وأخيراً قامت جواهر... لقد عزمت على مقابلة زوجها... ستفتح له الباب... كما فتحت له قلبها من قبل... وعندما فتحت الباب... لم تجد أحداً... لقد أصيبت بخيبة أمل... أدهشها صوت تلك الطرقات... قالت:
-" لعله الوهم ... نعم أنا واهمة... لابد وأن حسان في المجلس... والضيوف لم ينصرفوا بعد... اللهم طولك يا روح"
عادت جواهر... وجلست... مرت عشر دقائق أخرى وهي تنتظر... لقد نفذ صبرها... عزمت الآن على الذهاب والاطمئنان على زوجها... وفي الوقت ذاته... قام حسان ليبحث عن زوجته... اتجه كل منهما خارج الغرفة التي كان يجلس فيها... وفي منطقة ما من المنزل... التقت النظرات العطشى... التقت في صمت جميل... وانطلقت الابتسامات الحلوة... من ثغريهما وتقدما خطوات أكثر... وقبّل كل منهما الآخر... وجلسا على مقعد قريب... هناك... وقامت جواهر في لهفة... لتحضر العصير والفاكهة... وتَفَقَّدَ حسان عصيره... وفاكهته التي اشتراها... لم تكن بجواره... لقد نسيها تماماً... إنها ولاشك في المجلس... قالت جواهر بعد أن أحضرت العصير والحلوى:
-" تعال إلى الغرفة الأخرى"
- " ولكن... هل أساعدك في حمل أي شيء؟ "
- " شكراً إنها خفيفة "
- " إذن أحملك أنت "
كان حسان جريء هذه المرة... لقد حمل جواهر بذاتها... وجواهر في الوقت ذاته... تحمل العصير والحلوى... سارا يضحكان حتى وصلا غرفة جواهر الخاصة... وجلسا هناك على مقعدين متقابلين... وبدأ الحديث الشيق... وتأكد لكل منهما... أنه الجزء المتبقي من الآخر.
20- لحظات لا تُنسى
حسان يرتشف شيئا من كوب العصير... قد أسند ظهره للمقعد... ومدَّ ساقيه للأمام... وجواهر هناك... تبدو وكأنها في حالة تأهب... إنها تقرأ كل شيء حولها... لحظات سعيدة سريعة... تقوم بعملية تنظيف لماضيها الملبد... نظرت إلى المرآة المعلقة هناك في الجدار... كادت تقوم لتهنئ نفسها على هذه اللحظات الجميلة:
-"الحمد لله... يخاف الله... وحسن الخلق"
الكلمات الجميلة تتقاذفها الأفواه الحلوة... قالت جواهر:
-" وجودنا مع بعضنا... يعتبر قمة الرومانسية "
-" أنت رائعة يا جواهر... وكلامك رائع "
بدأت السهرة بين العصفورين في القفص الذهبي .
21- لحظة بمئة سنة
جواهر تجلس على طرف السرير... وتُرَبِّتُ على كتف زوجها النائم... وتقول:
-" اصح يا نائم... اصح يا نائم... "
-" ماذا يا ابتسام؟... ماذا تريدين ؟ "
-" ابتسام!... صباح الخير... أنا جواهر ... "
-" جواهر؟... بسم الله الرحمن الرحيم... من جواهر؟.... "
حسان فتح عينيه... ونظر... لقد تذكر الآن أنه في منزل جواهر... ابتسم... وابتسمت قائلة :
-" هيا... الفطور جاهز "
مر وقتٌ قصير... وجلس الحبيبان على المائدة... الفطور يشعر بانفتاح الشهية:
-" إممممــــه"
البيض... عيون... والزيتون... والجبن... وأشياء أخرى... ولكن... الأجمل في كل ذلك... الخبز... خبز البر البلدي... المصنوع في الفرن... بالطبع كان بيد جواهر:
-" باسم الله"
بدأ الجميع... في تناول رزق الله... يد جواهر تمتد إلى فم حسان... كثيرا... ويد حسان تمتد إلى فم جواهر... بشكل أقل... ولكن...الجميع سعداء... واللحظات هنا ثمينة... إنها بمئة سنة... قليلة هي اللحظات الثمينة في حياة الإنسان... ولكن الإنسان حتما سيصادفها... وإن صادفها... فعليه ألّا يسمح لأحد أن يسلِبها منه... لأنها ملكه وحده.
وبعد الانتهاء من الفطور... قام حسان مستأذناً... كان يريد الذهاب إلى ابتسام... شَيَّعته جواهر... وقبل أن يخرج... نظر إلى المرآة القابعة بجوار الباب... تمعن نفسه... كان أكثر حيوية ونشاطاً... ونظرت جواهر أيضاً للمرآة... إنها بجواره... بدت صورتها إلى جوار صورته... ابتسم لها حسان... وقال :
-" لن أذهب إلى ابتسام "
-" ماذا... خيراً إن شاء الله... لماذا "
-" قررت أن أذهب أنا وأنت للنـزهة... سنتناول الغداء هذا اليوم سوياً "
-" ولكن... قد يُغضب ذلك... زوجتك"
-" أنت أيضا زوجتي يا جواهر... ابتسام سوف يكون لها يوم آخر للنزهة... إنها تستحق ذلك... ثم أنا بالفعل... أحب العدل"
-" مادام الأمر كذلك... سأكون سعيدة جداً... ولكن... أنت ستكون ضيفي... يا الله... سأعود للحياة... اسمع يا حسان... ستكون ضيفي... في أكبر فندق... في البلد "
-" هـ... هـ... فندق !!... فندق ماذا ؟"
-" الفندق الذي تختاره "
-" أنا لا أحب الفنادق... ولا أحب الترويح الصناعي... أنا أحب الترويح الحقيقي "
-" الحقيقي!... ماذا تقصد؟ "
-" سنخرج للطبيعة الطلقة... للهواء النقي... وأنتِ ستكونين ضيفتي... ولكن على طريقتي... الخاصة... التي تبدو أقرب إلى طبائع البدو "
" ماذا؟... هل أنت بدوي؟... هـ.... هـ... "
-" نعم أنا أعرابي... سأحضر الحطب... وأشعل النار... وأحمل قوسي... وأضع فيه سهما من كنانتي... وأصطاد غزالا... أو... أو تيساً مذبوحاً... وأشويه نصف استواء... ثم نلتهمه ... "
تراقصت السعادة في قلبيهما... ثم انطلقت جواهر مسرعة... وأعدت جميع أغراضها... ولحقت بحسان... الذي سبقها للسيارة .
22- موقع ابتسام
ركب الزوجان السيارة... وانطلقا... وبعد السير لمسافة قصيرة... بدا وأن جواهر مستعدة لتقول كلاما ما... تجهزت لذلك... ثم قالت:
- " حبيبي... ما اسم زوجتك الأولى؟"
-" أوه... لماذا هذا السؤال؟... لننسَ الآن"
-" لماذا؟... هل تخشى مني؟"
- " كلا... ولكن... أنتن معشر النساء... أسهل سهل... وأصعب صعب!"
- " صفها لي... إذن"
-" أصدقك القول... وأرجو ألاَّ يزعجك... الواقع... أنني أحبها حباً كبيراً... إنها جزء غالٍ من حياتي... هي قطعة مني "
-" هل هي متدينة مثلك؟ "
-" أنا؟... على كل... أنا لا أشعر أنني متدين... بشكل كبير... أحس بالتقصير "
-" يكفي أنك... حسن الخلق... يكفي أنك لا تحمل الحقد... ولا الحسد... ولا تتكبر "
-" صدقيني... ابتسام متدينة... متدينة بحق... إنها تقوم في بعض الليالي... وتصلي ركعتين... وتوقظني"
-" هل تقوم أنت... عندما تدعوك للصلاة؟"
-" أقوم... ربما... أقوم مجاملة في بعض الأحيان... وأما أكثر الأحيان... فأنا أفضل النوم "
-" هل هي تحبك كما تحبها؟ "
-" أظن أنها تحبني أكثر مما أحبها... إنها دائماً تكاد تطير من الفرح... كلما دخلت المنزل "
-" تصدق يا حسان... لقد أصبحت أحبها... أحبها أنا أيضاً "
-" تحبينها!... كيف... وأنت لم تريها حتى الآن؟ "
-" من وصفك لها... أحببتها... أيضاً لأنك تحبها... لقد أصبحت أحب كل شيء تحبه "
-" هل أصدقك القول يا جواهر؟ "
-" تفضل... قل وبدون حرج "
-" لم أتوقع ذات يوم... أن يقع في قلبي حب آخر... غير حبي لابتسام... الآن اكتشفت أن قلبي يتسع ويتسع... لقد فُتحت فيه أبواب واسعة... وبدت آفاق جديدة... لقد امتد قلبي كالأفق... لتَحِلّي أنت مجاورة لابتسام... صدقيني... وبدون أن تضايقيها... إن قلب الرجل يتسع لحب كبير... ومتعدد... ولا يضايق شيء منه شيئاً آخر...ولا جزءٌ منه... جزءاً آخر"
-" يا سلام... هذه نظرية عظيمة... ستُدون باسمك "
-" لن يصدقني أحد... عندما أطرح هذه النظرية "
-" أنا أُصَدِّقُكَ... عندما أسمعها منك... في أي وقت "
-" الأهم أن تصدقني ابتسام "
23- هنا يكمن الدهاء
منظر خلاب... وأشجار عملاقة... وهواء عليل... يميل للبرودة... نوعا ما... والجبال هنا شاهقة للغاية... وسيارة حسان تنساب بكل هدوء... ولكنها بين الفينة والأخرى... تحتاج ل" نمرة أقوى"... تهتز أظهرهم مع كل نمرة... ثم يستمر السير... كل شيء على ما يرام... وجواهر لم تفارقها ابتسامتها... أبداً... منذ خرجت... قالت وهي تلقي ببصرها للبعيد:
-" قل لي يا حسان... لماذا لا نعيش جميعاً... في منزل واحد... في منزلي؟... أنا أريد أن تعيش ابتسام معنا "
-" أوه يا جواهر... أنت لا تعرفينها إذا غضبت... أعوذ بالله... إنها تتحول إلى بركان "
-" صحيح!... ألم تقل إنها متدينة؟ "
-" نعم متدينة... ولكن... قد يتجاهل الإنسان مبادئه السامية... عند حصول الأزمات... أرجو ألا يحصل ذلك... أبداً "
-" لماذا أنت خائف؟ "
-" مجرد عِلمها بأني تزوجت... قد يجعلها تنسى كل المودة "
-" مستحيل!... تنساها بهذه السهولة؟ "
-" وأكثر... أنا أعرف غَيرتَها... إنها تلقائياً ستقول... غدرت بي... ألقيت بحبي في البحر... طعنتني من الخلف... يا غادر... يا لئيم... وقد تذهب لمنزل أهلها... صدقيني... كأني أنظر إليها الآن... وهي تُرغي وتُزبد "
-" غريبة... هل يعقل فعل ذلك... من امرأة متدينة؟ "
-" لو كنت مكانها... بالله ماذا كنت ستفعلين؟ "
-" لم أفكر... ولكن... أظن أنني سأعرف حدودي وحقوقي... لن أطالبك بحقوق ليست لي "
-" أنتِ تقولين هذا الكلام... لأنك لم تخوضي التجربة "
-" أنا لم أخض التجربة!... كلا يا حسان... صدقني... أنا أكبر مُجربة في هذه الدنيا... إن حياة الوحدة التي عشتها... ومن قبلها حياة البؤس مع زوج لا يخاف الله... أقسى من أن يتحملها إنسان... أنا مسلمة... وما دمت كذلك... فيجب أن يسعدني خروج امرأة مظلومة... أو مقهورة... من وحدتها... ومن قهرها... الأنانية وحدها هي التي تحول دون الإنسان وإنسانيته... صدقني... لو علمت أنك تريد الزواج من زوجة ثالثة... وكانت تلك الثالثة تعاني ولو نصف ما كنت أعانيه... لأعنتك على الزواج بكل ما أملك "
-" جواهر... أرجوك لا تقولي هذا الكلام "
-" لماذا؟ "
-" إنني أحب ابتسام... وأريد أن يزيد حبِّي لها... أنت الآن تدخلينني في مناقصة "
-" أستغفر الله... ولكن... كل ما قلته... قلته لأني لا أظن أن ابتسام ستغضب كثيراً... ومع ذلك... فقد فكرت في جميع الترتيبات اللازمة... أولاً... أنا لست طماعة بأي حال... أنا أعرف ماليَ... وما عليَّ... لن أطلب منك خلال الأسبوع سوى زيارة أو زيارتين... أتمتع فيها برؤية وجهك المضيء... وأسمع صوتك... سيكون ذلك كافياً بالنسبة لوحدتي... قد نحدد الموعد... حسب شغلك"
ابتسم حسان وقال:
-" ما رأيك... لو أتيت هنا يومي السبت والثلاثاء... بعد صلاة العصر؟"
-" نعم... ونبقى سويا... إلى الساعة العاشرة... ذلك نعمة من الله... وجميع أيام الأسبوع أنت عند ابتسام... وكذلك يوم السبت والثلاثاء... تخرج من عملك وتذهب إلى منزلك هناك... وتتغدى... وتنام... وتأني هنا عصراً... ثم تعود إلى منزلك بعد العشاء... والأهم أن تتعشى من يديَّ... في هذين اليومين... أليس حلاً جميلاً ؟"
-" الحل جميل جداً... يا سلام... أنت طيبة يا جواهر... لقد تعلَّمتِ من الحياة أخلاقاً رائعة... ولكن... ألا يكون هناك حرج من وجود سيارتي أمام المنزل... ودخولي... وخروجي أيضاً"
-" أمام المنزل؟... سيارتك؟... صدقت... ولكن لا مشكلة... سأفكر في الأمر "
-" تفكرين؟... يا حبيبي... ليس كل مشكلة لها حل "
-" أنا حلالة المشاكل... صدقني... بتفكير بسيط... ستُحل المسألة "
-" فكري "
-" أم... فكر... فكر... معي ... "
-" .................... "
-" وجدتها "
-" وجدتها... هاتها بسرعة "
-" قل لي... هل منزلك واسع؟"
-" نوعا ما... هو شقة... إنه يشكو الضيق قليلا"
-" ممتاز... ذلك ما أردت "
-" لا أفهم "
-" ستفهم الآن... قل لي يا حسان... هل رأيت الغرفة الخارجية... التي في فناء منزلنا؟"
-" لا... لم أرها"
-" إنها غرفة واسعة إلى حد ما... يفتح بابها على الشارع... وفيها دورة مياه... ولها باب سري... يفتح على فناء المنزل... إنها عند تصميم المنزل... كانت معدة للسواق... لم يكن ثمة سواق... ثم استأجرها أحدهم... على عهد والدي... وجعل منها مكتبا لبيع العقارات... ثم تركها من مدة"
-" وما ذا سنفعل بالغرفة... هل ستحل الغرفة مشكلتنا؟"
-" نعم... أنت ستستأجر الغرفة مني... بشكل صوري... وتؤثثها بأثاث مكتب راقٍ... وستقول لزوجتك... إنك ستستأجرها لتضع فيه مكتبة لك... ولكي تستقبل فيها بعض أصحابك... وربما لتجعل منها مكتبا لبيع وشراء العقارات... وربما ستكتب عليها مكتب حسان... وعندها سيكون وقوف سيارتك أمراً طبيعياً... وحتى غيابك عن المنزل... سيكون أمرا مستحسنا... أو على أقل تقدير... أمراً مقبولاً "
-" يا الله... هل كل هذا الدهاء من إنتاج رأسك؟ "
-" ولم لا... ألست أهلاً له؟ "
-" إن كيدكن عظيم... حقاً... عقل كمبيوتري... تصدقين ... لقد أصبح لدي اقتناع كبير... بأن قضايا الشرق الأوسط... ربما وجدت حلاً... لو تدخل في حلها نساء مثلك"
-" أنت إذن من المناصرين لمشاركة المرأة... في المجالس البلدية... لا تكن مبالغاً "
-" أنا مندهش... ولكن... كم سأكون سعيدا لو عشتِ أنت وهي في منزل واحد! "
" أنا لا أعارض أبداً... ولكن... أنت تخاف من هذه القضية "
24- السعادة الحقيقية
قال حسان لجواهر...وهو يقود السيارة... بسرعة 30 كلم :
-" يجب أن نعود قبل صلاة العصر "
-" لماذا ؟ "
-" هناك أمر مهم عليَّ أن أقوم به... ستعرفينه فيما بعد "
-" جميل... وأنا كذلك... لدي بعض المسؤوليات... علي أن أقوم بها... ولكن... هل تسمح لي بذلك؟"
-" أسمح لك... لا... لا... لن اسمح... أو سأسمح لكِ... إن لم أسمح لك فلمن أسمح؟"
مر الوقت سلسا سريعا... جواهر تستمتع باللحظات... وتنتشي مع كل نبضة حياة في فؤادها... استمتعت اليوم متعة لم يقدر لها أن تستمتع بمثلها طيلة سبعة وعشرين عاما... لقد كانت تراقب حسان في كل خطوة يخطوها... وفي كل بسمة يبتسمها... الله... إنه يعمل بجد ونشاط... لقد اشترى تيساً صغيراً... جداً جداً... وذبحه بسكين حاد جداً... أدوات الرحلة جميعاً موجودة في شنطة سيارته... لقد ذبح التيس... وجواهر ساعدته في ذبحه... كان دم التيس يسيل... ودموع جواهر تسيل حزناً عليه... ولكنها سعيدة... في البداية... ناولها الكرش... لتنظفه... قالت:
-" ما هذا!... ألم تجد إلا الكرش؟ "
-" أنا المعلم... وأنتِ العامل... يجب أن تطيعي وبدون أي نقاش "
-" الأمر لله... "
-" وبعدها عليك أن تعدي الفطور"
-" الفطور؟ ألم نفطر في المنزل"
-" الفطور هنا يختلف... كبدة التيس المشوية... صحيح هو الفطور الثاني... ولكن لا مشكلة "
-" وماذا بعد ذلك... يا معلم؟"
-" والغذاء... نعم... الغداء جزء من لحم التيس المشوي"
-" وبقية اللحم؟"
-" لا عليك... سأتصرف به"
لقد قرَّر حسان أن يحمل بقية اللحم للمنزل... بالطبع... منزل جواهر... ولكن عندما رأى فقيراً يسير على جانب الطريق... استدعاه... وناوله اللحم.
مر الوقت خفيفا... لقد تسلق الزوجان صخورا طويلة... كانا كطفلين بريئين... بل وتسلقت جواهر مسافة أطرل... لقد بدت أكثر شقاوة... كما وصفها حسان... وتسلقت شجرة طويلة... نشبت في أعلاها... واضطر حسان لإحضار السلم... كي يساعدها على النزول... جواهر حفرت حفرة... وحفر حسان حفرة... كانت حفرة حسان أطول بقليل... لذا قامت جواهر بسرعة... وردمتها... أشياء أخرى وأخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق