الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها " الجزء الثامن "

الجزء الثامن

الفصل الخامس عشر

1- إلى البسلم... ابتسام

طرق الباب... وبقي وقتا قصيرا ينتظر... ثم فتحت الباب...
 ابتسام... لقد ابتسمت في وجه حسان بسمة عريضة... بدت البسمة رائعة على ثغرها... فردت يديها لترمي بنفسها في حضن زوجها... إنها لحظات سعيدة... ابتسم حسان في وجهها... كم كان في حاجة لشيء كهذا... يزيل به عناء الهموم!.
دخل حسان... إنه يحمل في يده كيساً... الكيس الأخضر يحوي العشاء... حسان أزهد ما يكون في هذا العشاء... ولكن... لابد من تلطيف للأجواء.
تناولت ابتسام الكيس في يده... ابتسمت... وبدأت تفتش داخل الكيس... لتعرف ما هو العشاء الذي أحضره... ونسيت تأخُّره... الكيس يحوي أصنافاً متنوعة من الأطعمة... أهمها قطع من اللحم المَضْبـِي... والرز... ابتسام كأي بنات جنسها... تحب الطعام المُحْضَر من السوق... لا لشيء... إلا لأنها تشعر أنها ضيفة... وليست ربة منزل.
كانت لحظاتٌ جميلة... تلك اللحظات التي استدار فيها أفراد الأسرة... حول المائدة الصغيرة... الجميع يمدون أيديهم باهتمام... ليلتقطوا الصنف الأكثر إثارة للعابهم... لقد تناولوا أكبر قدر أمكنتهم منه معداتهم... باستثناء حسان... الذي كان يأكل... ويستمر في مضغ اللقمة... أكبر وقت ممكن... وذهنه مشحون بما ليس هنا.
وبعد انتهاء الوجبة... قام الجميع... غسلوا أيديهم... ثم عادوا... ليختار كل منهم مكانا يجلس فيه... في غرفة الجلوس الصغيرة... لم يطل الوقت... لقد جاءت ابتسام من جهة المطبخ... إنها تحل الصحن الذي يحوي إبريق الشاي... والفناجين.
 وفي جلسة أنس رائعة... اتكأ حسان... ليبدأ في عرض كمٍ كبير من القصص الحقيقية... أو الخيالية... حول أشياء كثيرة... واستمرت الأحاديث فترة من الزمن... وقام الطفلان ليناما... وبقي الزوجان...  يتجاذبان أطراف الحب... والأنس... حتى الساعة الثانية عشرة.

 2- القلب هنا... أم هناك؟

حسان في الفراش... إنه يتصنع النوم... والنوم يغالبه... ولكنه لا يريد أن ينام... لشيء ما في نفسه... وعندما تأكد من نوم ابتسام... قام بكل هدوء... ولبس ملابسه... وخرج متخفّياً تحت جنح الظلام.
 أي قلب تُرى يحمله هذا الرجل؟... بالتأكيد... إنه قلبٌ شفاف... مُفَرَّق هنا وهناك... لقد كاد يطير شعاعاً على شَعاع... ولكن... ما الحل؟... هل يفكر في الندم على زواجه من تلك المسكينة؟... هل يجوز له ذلك؟... لقد اكتشف كثيراً من خبايا نفسه... بعد زواجه هذا... أصبح شخصين في شخص واحد... مخلوقين في مخلوق واحد... لقد استفاد نفسا أخرى غير نفسه... نفسا جديدة بكل قدراتها وإمكانياتها... قوة رهيبة نفرت في وجدانه... قد يكون وجد الكثير من المعاناة... ولكنه أصبح ناضجاً بحق... قادراً على السير في دروب الحياة الموحشة... بكل ثقة وإصرار.
حسان وصل أخيراً إلى منزل جواهر... ونظر بتمعن في القصر الكبير... وهز رأسه... وحدث نفسه:
- " لكِ الله يا جواهر... قصر كبير... وكل شيء مظلم... وغرفتك اليتيمة... بالكاد... تبث النور الباهت"
أحس حسان بنشوة كبيرة... إنه الإحساس بالفخر... شيء ما يتعاظم في وجدانه... كلَّما نظر إلى تلك النافذة اليتيمة... التي ينبعث ضوؤها إلى أعماق قلبه... وهو في الوقت ذاته يتساءل:
- " هل اختارني الله... لأحمل أعباء هذه المسكينة... الوحيدة؟... نعم... أنا سعيد بذلك... المؤمن الحق... هو الذي يجد كل السعادة... في إقالة العثرات... لذلك خلقنا... السعادة حتما لا تقاس بمدى راحة الإنسان... ولا بما في يده من المعطيات المادية... وإنما تقاس بمدى تأثيره بالخير... في حياة الآخرين"
دخل حسانُ منزله لدى جواهر... وبدأ يصعد الدرج... لم يكن يتنبأ بماذا يمكن أن تكون منشغلة... قد تكون نائمة... أو تقرأ... وربما كانت حزينة... تستعيد باستسلام... حكايا الماضي التعيسة.
لم يدم الوقت... فتح حسان باب الشقة الصغيرة... ودخل مستأذناً بالسلام... تقدم قليلا ليقف في منتصف الصالة... نظر هنا وهناك... ثم دخل لغرفتها... وألقى عليها نظرته الطويلة... كانت تصلي في محرابها... محرابها هو ملاذها... والصلاة هي السكينة الحقيقة لها... قال حسان في حبور:
- " الحمد لله... الحمد لله... هذا ما يدخل الطمأنينة لقلبي... لن أخاف عليك من وحدتك... لأنك هنا لست وحيدة... أنت قادرة على صناعة أعظم اتصال في الوجود... الصلة بالله... الصلاة... الصلاة لله... هي أعظم مؤنس في الوحدة... وأعظم جالبٍ للسكينة... من الصِّلة بأي مخلوق"

 

3- الجريمة من جديد

برقت عينا جواهر... عندما رأت حسان ماثلاً أمامها... أيَّ نعمة أنعم الله بها على هذه المصلِّية؟!... أنهت صلاتها... وقامت بلهفة... وسارت نحوحسان... ووضعت يدها في يديه... وسارا سويا نحو الصالة... وعندما جلسا على المقاعد المتجاورة... رفع حسان الكيس المجاور للمقعد... إنه كيس أحضره للتو.
 يحوي الكيس عصيراً وبعض أنواع الحلوى... وجريدة... حسان اشترى تلك الحاجيات... للتو... من السوق المجاور.
هكذا بدأت الحياة تبتسم في وجه جواهر... حين ابتسم أمامها وجه حسان... لقد جلسا متقابلين... ينفضان غبار الهم والحزن... لكنَّ ذهن جواهر لازال مشغولاً... يتساءل عمن قَتل ضاحية... وكيف استدل على مكانها... ولماذا؟
استطاع حسان أن يقضي على الوقت الثقيل... الذي يمر على تلك العمارة الكئيبة... بخفة بارعة... لم يتطرَّق أبداً لأي أحداث تتعلق بالقصة والسر.
ومع مرور اللحظات... تمر بهدوء عقارب الوقت... قرأ حسان مع جواهر آيات كريمة من القرآن الكريم... وقرأ قصة قصيرة في كتيب صغير... أحضره من الرف المقابل... والذي يحوي عددا من الكتيبات... كل شيء يبدو سلسا... وفي أثناء ذلك... كانت الجريدة المجاورة تكاد تفرض نفسها على حسان وزوجته... لتساهم في إضفاء جو سعادة أكبر.
تناول حسان الجريدة... وضعها على الطاولة أمامه... وبدأ يتصفح صفحاتها... ويصطاد المواضيع الرنانة... ليقرأها... قَلَبَ صفحة من صفحات الجريدة... وبدأ يقرأ في أعلى الصفحة... بِخِفَّةِ دمٍ مصطنعة... وفي الوقت ذاته... كانت جواهر تنظر للصفحة الأخرى.
عينا جواهر تتسع... وذهولها يزداد... عندما ارتمت عيناها على تلك الصورة... في أعلى تلك الصفحة... تفجَّر في قلبها بركان من الدهشة... صورة مذهلة... حقاً... إنها صورة ضاحية العجوز... وهي على السرير... وصورة أخرى لفالح... أخو جواهر... وقد كُتب فوق الصور... بالخط العريض:
- «الدم لا يضيع... جريمة منذ خمسٍ وعشرين سنة... تتبعها جريمة لنفس القاتل... قبل خمس وعشرين ليلة  فقط... ويقع القاتل في يد العدالة...»
حسان يقرأ في المقابل... مقالا عن الدلافين:
-"(وفاة أعدادٍ هائلةٍ من الدلفين... بسبب التلوث)... أيُّ دلفين؟!... وأيُّ تخلف؟!... والله آخر زمن...  "
وفي المقابل... جواهر قد تجمدت عيناها على صورة أمِّها... وعلى صورة أخيها... لقد انكشف خيطٌ  غليظ من السر الجديد... لقد فقدت أخاها... كما فقدت أمها من قبل... انتهى كل شيء... ولكن حسان لازال بجوارها... هل ستفقده أيضاً؟... حدثت نفسها:
- " لا... لا... لن أفقده... لن أسمح لأي من كان... أن ينتزعه مني... إن روحي مرتبطة بعلاقتي به... لو نـُزِعَ حسان من بين يدي... فإن روحي سَتُنتَزَع من بين جنبي"
زفرت جواهر زفرة طويلة... توقف حسان عن القراءة... ونظر نحوها... ثم ألقى بصره على المقال الذي قرأته جواهر... قرأه بتمعن... وبدا مندهشا... لم تُصدم جواهر كما توقع بأي صدمة... لقد كانت تنظر لصورة أمها... هز رأسه في حزن... وحدث نفسه:
- " هذه المسكينة... جَلَدُها يتصلّب أمام كل كارثة... هكذا هي... جواهر... قصة المعاناة الطويلة"
وعند أذان الفجر... استأذن حسان... وذهب إلى منزله... لدى ابتسام... الأمور مستتبَّة... كما كان يريد... تماماً... ابتسام لازالت نائمة... دخل حسان ليتوضأ... وعندما خرج... طلب منها أن تستيقظ... استيقظت في تثاقل... وانطلق هو للمسجد.

 

الفصل السادس عشر

1- عامٌ وردي

عاد الهدوء لينتشر على حياة حسان... وبدأت الأذهان في نفض تراب الأيام الجافة... لتستعيد الحياة رونقها السعيد... الذي ألفهُ حسان من قبل... مع زوجته ابتسام.
صحيح أن جدول حسان اليومي... ينقصه الآن عمل مهم... كان يستمتع به في السابق...  ولكن عليه أن ينساه الآن نهائياً... انه العمل الدؤوب... في خدمة العجوز ضاحية... ياله من عمل... أشبه بالحصاد... للأجر الكبير... من بيتها الخَرِبْ... وأقرب لغسل أدران الحياة المادية المعقدة... من كل البقع النكدة.
فَقَدَ حسان هذا كله... ولكن... عليه أن يبدأ مجدداً... في البحث هنا أو هناك... عن منكوب آخر... يحتاج للمساعدة... بالتأكيد سيجد... إن الحياة دون هدفٍٍ من بَثّ الخير... ورفع الأعباء... ضرب سخيف... وحماقة طائلة.
حسان منضبط في عمله... ومنضبط في منزليه أيضاً... فهو يبقى لدى ابتسام طيلة أيام الأسبوع... ويقضي يومين فقط... لدى جواهر... من العصر إلى العشاء.
أما جواهر... فحياتها مع وجود حسان إلى جوارها... أكثر استقراراً...  إنه يساندها في رفع أقدامها المثقلة بالأحمال... وهي قادرة بفضل الله... على الاستمتاع بكل لحظة في حياتها... عادت إلى مدرستها بعد أن انقطعت عنها مُدة.
إنها لا تحرم نفسها من سماع صوت حسان كلما اشتاقت لذلك... عبر التلفون... وقد تتجرأ... وتطلب منه الحضور إليها في المنزل... لشرب الشاي... أو لإحضار أي طلباتٍ من السوق... وقد تتجرأ أكثر وأكثر... وتعزمه على العشاء... في أيامٍ غير أيامها... ربما في المنزل... وربما في أحد المطاعم العائلية... وربما طلبت منه أن يُنزلها للسوق... لشراء بعض ما يلزمها.
حسان سعيد بكل هذا... لقد كان في السابق... لا يحب الذهاب لأي «مشوار»... ذلك أن ابتسام لا تحب الخروج كثيراً... وهو تبعا لذلك... تقمص شخصيتها... أمَّا الآن... فقد تغير الوضع... لأنه كلما أراد الذهاب لأي مشوار... اتصل بحبيبته الأخرى... جواهر... ليقول لها:
-"  تجهزي... سأمُرُّ الآن لآخذكِ"
الزيارات بين جواهر وابتسام... تسير على أقدام وأجنحةٍ... وبسرعة رهيبة... والمحبَّة تتمدد في القلوب أفقياً ورأسياً... مرت سنة بريئة... لتمحو آثار السنوات المجرمة السابقة... ولكن... هل ستكون هذه السنة توطئة لسنواتٍ مجرمةٍ لاحقة؟... لا أحد يدري... ولكن الحياة عازمة على السير بطريقتها الخاصة... التي لا تتغير ولا تتبدل... إنها إن أضحكت يوماً... فحتماً ستُبكي سنين.

2- ألسن وأفواه

بدأت رائحة زواج جواهر بِحَسَّان... ننفذ في كل أنف... وبدأت الآذان تتشنف لسماع هذا الخبر... وربما تلفظت به بعض الألسن... والناس ما بين معارض... ومعارض جداً.
الجميع يتكلمون بكلام سام... ويحاولون الانتقاص من جواهر ثانياً... ومن حسان أولاً... ولم يتأكد الخبر لدى أكثرهم... وإلا لطاروا لإيقاد نار الفتنة... وتقويض الحياة على الأحياء.
 كانت اللوحة المعلقة فوق الباب الزجاجي... والتي كُتب عليها... مكتب حسان... كفيلة بإسكات بعض الألسن... ولكن:
- " من هي تلك المرأة التي تركب سيارته دائماً؟... هل هناك قرابة رحم بين جواهر وحسان؟"
 تولَّت عصبةٌ قليلةٌ من الناس... نشر إفكٍ جديدٍ... اتهموا فيه علاقة حسان بجواهر... ولكن... سرعان... ما أُلقِمت أفواهُهُم حجرَ سِجّين... لا أحد يدري من أين قذف.
بدأت جواهر تسمع الهمز واللمز... إنها أشرف من أن ترضى سماع كلمة واحدة... تمس شرفها... ولكن... ماذا عساها أن تفعل؟.
قررت جواهر أولا...عدم الركوب مع حسان في سيارته... إلا لضرورة... ثانياً... التقليل من زيارته لها... إلا في ساعات محددة... بالطبع... عليها  أن تضحي بالقليل... من أجل أن يبقى لها زوجها... إنها ليست على استعداد أبدا... لمصادمة الحياة من جديد... لم تصدِّق أن الحياة سارت في مجراها الطبيعي... فما بالها بدأت تتغير؟!.

3- الحياة من جديد

ذات مساء... بدأت جواهر تُلَمِّحُ لحسان عن أبعادِ ما سمعته... ألْسِنَة الناس تلوك وتلوك... والأخبار تسري سريَ النار في الهشيم.
قالت له:
- «يا حسان... هل ستبقى حياتنا هكذا للأبد؟»
- «اطلبي ما تريدين... ماذا تريدين أن يتغير؟»
- «لا شيء يا حسان... أنا أقَدِّر مدى تضحيتك من أجلي»
- «أنا سعيد كل السعادة بأنك زوجتي»
- «ما رأيك في كلام الناس؟»
- «وماذا يقول الناس؟»
- «إنهم يلمزون... ويهمزون»
- «اللمز والهمز... داءٌ أبديٌّ... أزلي... لن يمر يوم دون أن يهمز الناس أو يلمزوا»
- «ولكنهم يتحدثون فيما لا يمكن الصمت عليه»
- «مثل ماذا؟»
- «هل يمكنك إخبار الناس بالزواج؟... أقصد... إعلان الزواج»
- «إعلان الزواج؟... ولكن... ابتسام... ماذا تراها ستفعل؟»
- «قد تستقبل الحدث بتفهم... ربما لن تتضجر كثيرا... إنها تحبني... وتقدر الوضع الذي أعيشه»
- «أنت يا جواهر على نيتك... أنت لا تعرفين ابتسام... بل ربما لا تعرفين النساء بشكل عام... أنت تظنين الجميع مثلك»
- «هل تتوقع أن ترفض؟»
- «الله أعلم... ولكن... أخشى من شيء"
- " ما هو؟"
- " أخشى أن تحترق... وتُحرقنا معها»
- «تحترق... وتحرقنا معها... سبحان الله!... لماذا يحقد الناس على بعضهم يا حسان؟... لماذا لا يحبُّ الإنسان للآخرين... ما يحبه لنفسه؟... لماذا لا تنتشر الرحمة... حتى تعم الدنيا جميعاً؟... لماذا يريد الإنسان أن يحوِّل حياته مع الآخرين إلى حياة الوحوش؟... لماذا لا نكسب... ويكسب الآخرين؟... ألسنا بشراً يا حسان؟»
- «نحن بشر... فقط... لو تشبعنا بحقائق الإسلام الجلية... الرحمة... الحب... السلام... التضحية... الإيثار... العدل... المساواة... الصدق... الزهد... الإتقان... الصبر... الاحتساب... لو عرفنا ذلك جيدا... وطبقناه جيدا... حتما سينتشر الخير... ليعم الدنيا... ولن نكون حينها في حاجة لمنظمات الأمم»
- «لكن ابتسام مسلمة»
- «هي مسلمة... نعم... هي مسلمة... ولكنها تعيش في مجتمع اغْتـُصِبَتْ بعض أفكاره الإسلامية... وحلت محلها أفكار أخرى»
- «لماذا لا تقبل ابتسام... بأن أكون أختاً لها؟... صدقني يا حسان... سأحبها كأختي... تماماً... وسأحب أبناؤها كأبنائي... ربما كنت محرومة من الأبناء... أبناءها سيكونون أبناء لي... صدقني يا حسان... عندما تحرم المرأة من الأبناء... أفضل حل لها... أن تعيش أماً لأبناء زوجها... حتما هي قادرة على ذلك... صدقني... حين أرى أبناءك... أشعر أنهم قطعة مني... صدقني يا حسان... الله... تخيل يا حبيبي... لو سكنا في منزل واحد... لو عشنا حياة طيبة... ألسنا مسلمين؟... الإسلام نور وضياء يا حسان»
- «نور وضياء... نعم يا جواهر... ولكن... الغيرة نارٌ تلظى... الغيرة يا جواهر... أنا أعرف ابتسام... جيدا... قد تفعل الغرائب... لو علمت بأنني متزوج»
- «مستحيل... لا أكاد أصدق كلامك هذا... أنا أعرفها جيداً»
- «لكني أعرفها أكثر منك... مرة قلت لها مداعبا... ما رأيك لو تزوجت يا ابتسام... اتسعت عيناها بشكل مذهل... وقالت وهي ترتجف...
(وأنا أيضاً سأتزوج... اسمع يا حسان... لو تزوجت اليوم... فسأتزوج أنا غداً)
 صدقيني يا جواهر... كلام يصعب على الرجل أن يسمعه من زوجته... بالطبع... قلت لها... وأنا أتظاهر بالمزح...
 (ولكني لو تزوجت... فسيكون زواجي بالحلال... أما أنت... فكيف سيكون زواجك؟)... ابتسمت حينها... ثم صمت... ولم أواصل الحديث... في موضوع كهذا... لقد خرجت من الموضوع... وتناسيت كل شيء... ولكني فهمت موقفها جيدا»
- «ربما لم تكن تقصد»
- «أنا واثق من أنها لم تقصد... ولكن... هكذا كان غضبها»

 

4- السيارة القديمة

دخل حسان متأخراً على جواهر... الوقت الآن يقارب السادسة مساءً:
- «لماذا تأخَّرت يا حسان؟... الدقيقة تساوي عندي الملايين»
- «أوه يا جواهر... السيارة... هذه الكرسيدا... إنها أشبه بعجوز»
- «السيارة... أم م ه... جميل جداً... هل أنت مشغول يوم الخميس القادم؟»
                      -« ولماذا؟... سؤالٌ مفاجئ»
- «لا شيء... هل تستطيع التغيب عن منزلك من الصباح إلى المساء... لأن هناك مفاجأة لك»
- «الأمر سهل جداً... ليس لدى ابتسام دفتر لتوقيع الدوام... هـ... هـ... هـ...»
قامت جواهر وهي تفكر في أمر ما... وأحضرت الشاي والقهوة... اللذين أعدتهما من قبل... وجلست إلى جوار زوجها... وبقي اللُّب يتكسر بين أسنانهما... والأفواه البريئة تبتسم... مع كل كسرة لُب.
انتهى اليوم الجميل... الذي قضاه حسان مع جواهر... بدخول الساعة التي في يده... إلى وقتها الحادي عشر... وانصرف حسان.

5- حادث

مر يومان... كان مرورهما على حسان... أشبه بطيف... وأيضا كان الأمر كذلك... بالنسبة لجواهر.
 جواهر تشعر بالسعادة... كلما ذهبت للمدرسة... ولكنها... خلال هذين اليومين... تشعر أن لذهابها معنى بالغ الأهمية... لأنها تُعد للمفاجأة... التي وعدت حسان بها.
وفي صباح يوم الخميس... حسان أخبر زوجته ابتسام... أنه ذاهب مع بعض أصحابه... في رحلة رائعة... نحو منطقة رائعة... لم يخبرها بالتحديد... أين تقع تلك المنطقة.
وبمجرد خروجه من المنزل... ركب سيارته... واتجه لمنزل جواهر.
 سيارته القديمة تتلكأ في السَّير... وتتلكأ... وتتلكأ... ولكن حسان يحبها... وحبه لها على كل حال... أقل من حبه لزوجتيه.
أقبلت من هناك... تلتمع الشمس على الزجاجة الأمامية... الكرسيدا... ولازالت تسير بتلكؤ... ولكن حسان بداخلها يسير بخفة... إنه يشعر بشعور ما... أشبه بشعور الطائر... إنه سعيد حقاً... وفي طريقه... كان يحيي كل شجرة يراها... أو حجرة...  ويشعر أن كل ما حوله يرد التحية له... قليل من الناس يجولون في الشوارع في مثل هذا الوقت الباكر... وأغلب هؤلاء القليل من العمال... أو المتقاعدين... الذين ضاقوا ذرعاً بالنوم... وأصبحوا ينتظرون طلوع الشمس... ليذهبوا ويجيئوا بهدف... أو بدون هدف!.
يوم الخميس... إنه يوم الإجازة السعيد... الأكثرية من الناس... يقضون ساعات نهاره الأولى في النوم... انتقاماً من اليقظة الباكرة خلال بقية أيام الأسبوع.
لعل حسان... هكذا يفلسف الظاهرة التي لفتت نظره وهو يسير بسيارته... إن الناس ينامون إلى الساعة الحادية عشرة ظهراً... في يومي الخميس والجمعة... السبب في ذهن حسان هو أن مصادر أرزاق غالبية السكان من الوظائف... التي فتحت الدولة أبوابها ذات يوم... لذا فإن الأعمال المهنية لا توجد إلا في القليل... والمصانع لا توجد إلا في الأقل... وكل شيء مستورد... وكل شيء لا فضل للشعب في إيجاده.
 ولكن حسان... وبمجرد رؤيته خلو الطريق من أيما سيارة... فكر في أن يجرب مدى قدرة الكرسيدا على الانطلاق... ليطمئن على خلو مكينتها من أيما علة كبيرة... قد تحل بها في المستقبل... وتلتهم عندها نِصْفَ الرَّاتب... إن لم يكن كله... ولم يدر حسان ساعتها أن العلة ستقع حتماً... بسبب ثقل قدمه على دوَّاسة البنزين... والتي أحالت سرعة السيارة «المهترية»...  من ثمانين كلم إلى مئة وأربعين كلم.
كان حسان ينظر إلى شجرة كبيرة على الرصيف الأيمن... وكانت الشجرة تبعد خمسمئة متر عن موقعه ذاك... وكان يقارن بين سرعة السيارة... وبين المسافة المقطوعة... ثم يحسب الوقت اللازم... للوصول للشجرة.
وفجأة... وعندما أصبح حسان بمحاذاة تلك الشجرة... سمع صرير كفرات مزعج... ودويٌ قوي... وأصبح وجهاً لوجه... في مقابل سيارة فقدت مسارها... عندما انفجر أحد إطاراتها... ودخلت بدون مقدمات... في طريق سيارة حسان... الأشبه بطائرة في الحرب العالمية الأولى.
بدأت الصور أمام حسان تتزاحم.... لتبدو أكثر شبها بفلم أمريكي... لم يكن حسان سعيدا بمشاهدة ذلك الفلم... وما هي إلا لحظات... وإذا بالسيارتين تتوقفان... ولكن للأسف... بعد فوات الأوان... وبعد أن التحم الجسمان.
لم يكن الالتحام إلا بمقدار عشرين سنتمتر... بالطبع... فهذا العدد لا يعني شيئاً كبيراً... في مواضع كثيرة... أما عندما تكون الحدود... هي حدود سيارتين... فهذا الرقم يعني أحد شيئين... إما الموت أو الإعاقة... لا سمح الله... وقد يكون لطف الله أسبق... فيخرج الركاب... وهم يتفقدون أيديهم وأرجلهم... وأصابعهم... ليطمئنوا على سلامتها... وقد يسجدون عند ذلك شكراً لله... وقد لا يشكرونه... كل ذلك يرجع (لخلفياتهم الدينية) أو الدنيوية!.
لحسن الحظ... كان حسان ممن لطف الله بهم... إلا كدمات لا تحسب... في قدميه وساقيه... وربما في صدره الطيب... من آثار ذلك المقود القاسي.
 نُقل حسان وصاحب السيارة الأخرى إلى المستشفى... ليتم التأكد من سلامتهما... وقدرتهما على معاودة الحياة الطبيعية... ولإجراء ذلك التأكد... لزم حسان... أن ينام ساعاتٍ معدودة... على سرير أبيض في المستشفى... ولم يكن بياض ذلك السرير دالا على البهجة والصفاء... أكثر من دلالته على البؤس والشقاء... ولكن... وعلى كل حال... قد يكون ذلك اللون الأبيض... أكثر إيناساً لأناس هم أكثر بؤساً.
سرى خبر الحادث سريان النار في القش... وكما هي الحال دائماً... فإن الخبر يبدأ في حجم الشرارة... ويتحول مع وسائل النقل الحديث... إلى بركان.
أول من عرف بالخبر... من أقارب حسان... ابتسام وأبناؤها... وكاد القلق يلتهم قلوبهم بعد أن لاكها... ليُحيلها إلى مضغةٍ من لحمٍ ودم!.

الفصل السابع عشر

1- الزائر الجديد

ابتسام في منزلها... تَعُدُّ الساعات والدقائق... وتنتظر وصول عقارب ساعة الجدار... إلى الثالثة عصراً... وهو وقت الزيارة... مع أن عقاربها الآن... لم تصل حتى... الثانية عشرة.
الغريب... في الأمر... أن مستوى قلق ابتسام على حسان... منخفض لحد ما... والسبب في ذلك... أن خبر الحادث قد وصل لها على طبق من ذهب... حيث اتصل عليها حسان من المستشفى... قرابة الساعة العاشرة... وأخبرها أنه راقد بسبب جُرح في يده... وكان السبب في الجرح... هو قَرْنُ أحد التيوس... تيس اقتاده حسان... ليتم ذبحه في الرحلة مع زملائه... كان ذلك التيس متهوراً أكثر من المفروض... وكان حسان عندما اقتاده هادئا أكثر من المفروض.
لذا... قابل التيس الجاحد... إحسان حسَّان الطيب... بكل قسوة... وأدار رأسه دورة كاملة... وأدخل قرنه الصلب... في يد حسان الناعمة... وثار الدم... ورأى حسان... أنه من الأفضل تعقيم الجرح... لَدَى أحد الأطباء... في المستشفى.
هكذا وصل الخبر لابتسام... وعند ذلك... لم تتمالك نفسها من الضحك... على خبث التيس... واطمئن قلبها على أن بقاء حسان في المستشفى... لن يستمر أكثر مما سَيُقرر الطبيب... على أي حال!.
 في أثناء ذلك... طُرق باب المنزل... قامت ابتسام  وهي تتساءل:
-"من هو هذا الطارق؟... خير إن شاء الله"
الطرق في كثير من الأوقات يرقص له القلب... إما خوفاً أو فرحاً... وبالنسبة لابتسام... فقد رقص قلبها خوفاً.
فتحت الباب... كم كانت دهشتها عندما رأت وجهه!... ثلاث سنوات لم تره... ولم تسمع صوته إلا عبر الهاتف... إنه أخوها تمام.
تمام هو الأخ الوحيد لابتسام... كان مسافراً مغترباً... في تبوك... على أرض الحدود الشمالية... ويعمل عسكرياً... برتبة عريف... في الجيش.
والجدير معرفته هنا... أن تماماً هذا... متناقض مع ابتسام... تناقض الليل مع النهار... إنه أسوأ خلقاً... وأقل علماً... وأكثر جهلاً... ويحب لنفسه مالا يحبه للآخرين... تصرفاته في كثير من الأحيان... تصرفات حمقاء... إلى أقصى حدود الحماقة... وهذا يبرر مجيئه هذا إلى أخته... في هذا الوقت... لقد ترك عمله كلياً... والأصح... أنه فُصِل من عمله... بسبب تهاونه واستهتاره بكل ما حوله.
فرحت ابتسام عندما رأت أخاها... إنها تشعر نحوه بمشاعر الأخت الكبرى... التي تشفق على أخيها الأصغر من ناحية... وترى فيه سندا لها من الناحية الأخرى... حيث إن والديهما قد توفيا منذ مدة... وهي التي اهتمت بتربيته... وربما تدليله... حتى انتقل إلى ميدان عمله في الجيش.
ومن أجل ذلك... فهي تتناسى جميع نقائصه.
لازال تمام في الحادية والعشرين من عمره... وفي دمائه تثور علامات النشاط... استقبلته ابتسام بكل حبور...  وأدخلته إلى المنزل... وبعد أن جلسا... بقيت تسأله عن حاله... وعن حال عمله... وما سبب هذه الزيارة... ولعلها ستطول.
من عادة تمام التهرب... التهرب دوما  من الإجابات التي يُضطر للتهرب منها... أو... يرى أن من المصلحة عدم الجواب عليها... وهو لا يفكر كثيراً في أبعاد الأمور... أو ما ينتج عنها... ومَدْحُ الناس وذمهم لديه سواء... المهم ألا يتعرضوا له بالسَّب وهو موجود... عند إذن ستثور حميته الطائشة.

2- خبرٌ سيء

حان وقت الزيارة... وقررت ابتسام الذهاب لزيارة زوجها حسان... بعد قليل... والذي سيوصلها للمستشفى هو تمام.
لقد اتصلت ابتسام بحسان قرابة الساعة الثانية... وأخبرته أنها قد تحضر لزيارته عصراً... أو بعد العصر بقليل... لو بقي بالطبع... إلى وقت العصر... وعندما سألها حسان:
- «مع من يا شاطرة سوف تأتين؟»
                      -«ألم تعلم ... بآخر الأخبار؟»
- «أنا هنا في شبه عزلة عن العالم»
- «لقد وصل أخي تمام... لقد جاء لزيارتي... وسوف نزورك جميعاً هذا اليوم»
لم يكن حسان سعيداً بهذا الخبر... لأن تماماً... أبعد ما يكون... من القدرة على إدخال السعادة... على الأنفس الطيبة!

 

الفصل الثامن عشر

1- جواهر تتلقى الخبر

حال جواهر في منزلها... تماماً كما يمكن أن يتوقعه شخص يعرف مدى حبها  لحسان وحب حسان لها.
لم يُقْفِلْ حسان السماعة... بعد اتصاله بابتسام... وإنما ضغط زر الإقفال بإصبعه... ليُقفل الخط... ثم ليعاود الاتصال بجواهر... رن الهاتف في القصر الكبير... الذي تسكن فيه عصفورته الحلوة... والتي ملأَتْ عليه قسماً كبيراً من قلبه... قد لا يصل أبداً للقسم الذي ملأته ابتسام... ولكنه على كل حال... كافٍ لإضفاء جو من الشوق والمحبة العارمة.
- «السلام عليكم»
- «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته»
- «أقصد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... لقد سبقتيني بالأجر»
- «وعليكم السلام... لكي لا أزيد عليك... ونكون في الجنة... في نفس الدرجة... قل لي... لماذا هذا التأخر؟... الآن يجب أن تأتي... ستفسد المفاجأة إذا لم تسرع »
- «ألم تلاحظي التغير على صوتي؟»
- «جعلتني أشك... ما الأمر؟... خيراً إن شاء الله»
- «الأمر سهل جداً... مشكلة بسيطة... وصغيرة... جعلت السيارة تنحرف عن مسارها قليلاً... لقد قدَّر الله أن ترتبط سيارتي... بسيارة أخرى... بعلاقة اصطدام... هـ...هـ...هـ...»
- «ماذا؟... أعوذ بالله!»
- «اطمئني أنا الآن في المستشفى»
- «المستشفى؟»
- «مجرد فحوصات بسيطة... اطمئني صحتي مئة في المئة»
لم يعد حسان يسمع أيما صوت ينبعث من السماعة الأخرى... ولا حتى... «حمداً لله على السلامة»... كان يريد سماع هذه الكلمة من جواهر... ولكن للأسف.
- «هل انقطع الخط؟... هل تسمعين يا جواهر؟»
- «هه... لا...»
- «ماذا بك إذن؟...»

2- الخوف... السلطان

استطاع حسان أن يَفْهَم كل ما يدور في خلجات نفسها الخائفة... إنها تبكي بكاءً مراً... لم تستطع أن تتمالك أعصابها... هل ذلك فرحاً لسلامته... فتكون دموعها باردة... أم أنه بسبب آخر؟.
الحقيقة أن دموع جواهر كانت حارة للغاية... ومالحة للغاية... مما يؤكد أن دموعها تلك... كانت دموع حزن.
شيء ما يعتمل في خيال جواهر... وهو دائما ما ينغص عليها سعادتها... إنه الخوف... الخوف مما يحمله المستقبل... هاجس ما... يباغتها دائما... ويجعلها تتصور وقوع أسوأ الأخبار:
- "هل يمكن أن يكون قريبا... ذلك اليوم... الذي سيصلني فيه خبر فقْدَانه... درة حياتي... وأملي الوحيد؟... هل يمكن... أن يكون قريبا... ذلك الوقت... الذي تسلب فيه كل سعادتي...  وتنتهي تلك البسمة... التي ابتسمتها حياتي المكدورة... بثغرٍ مَلِيْح؟... وربما لن تعود تلك الابتسامة مرة أخرى... إلا بثغر أكثر اتساعاً... تبدو من طرفيه أنيابٌ حادة... لتنغرس في النهاية... داخل  أحشاء تلك سعادتي الوليدة.
جواهر سمعت كلام حسان عن الحادث... وتصورت كل احتمالات السوء... ولكنها لم تتوقع أبداً... أن يكون ذلك اليوم المشؤوم... هو نفس اليوم... الذي أعدت فيه المفاجأة الثمينة... لزوجها الحبيب.
ولكن عناية الله كانت أقرب... لتحول دون ذلك الحادث... ودون أن يُنـْسى حسان نفسه... ويُنـْسِي جواهر حبها العميق... وإلى الأبد... كي تَقْلب صفحة جديدة.
ذلك ما صورته نفسية جواهر الشفافة... بدا نحيبها عبر الهاتف... مراً جداً... وذلك ما حدا بحسان... أن يشاركها في صناعة نحيب مثله... لا لشيء... إلا لأن حبه لها يجعل من كل سلوك تفعله... شيئاً ثمينا... إنه يحب أن يحاكيها... في كل شيء... ويماثلها فيه.
استمر المشهد الصامت... عبر الهاتف... متقطعاً ببعض الزفرات والآهات... لمدة ثلاث دقائق... وأخيراً... استطاع حسان... قطع ذلك كله بقوله:
- «ألا يَجْدُرُ بِكِ... يا جواهر... بدل البكاء الذي لا أرى مبرراً له... أن تقولي لي... حمداً لله على سلامتك؟»
- «معذرة يا حبيبي... صدقني... كل هذا البكاء فرح بسلامتك... ولكن... أريد منك أن تقسم بالله... أنك لا تشكو من أي آلام»
- «أقسم بالله العظيم... على كتابه الكريم...  أنه لم يخدش مني جلد... ولم يكسر مني عظم»
- «أين أنت الآن يا حسان؟»
- «أنا... أنا... راقدٌ هنا»
- «هنا!؟... أين هنا؟»
- «هنا... في المستشفى... ولكني سأخرج... اليوم إن شاء الله»
- « في المستشفى؟...إذن وجب عليَّ زيارتك... أرجو ألا يكون لديك مانع»
- «لا مانع إطلاقاً... رؤيتك تأتيني بالعافية... بالتأكيد»
- «إن شاء الله»
- «إن شاء الله... رقم الغرفة (3) الدور (3) قسم العظام... سرير(2)... الموعد عصراً»
- «وهو كذلك... في أمان الله»

 

الفصل التاسع عشر

 1- الزوّار الجدد

يفتح حسان عينيه... على طرق في حافة السرير... الساعة تشير للثالثة وخمس دقائق... عصراً...  وتبدو ابتسام أمامه... وهي تفتح فمها عن بسمة ساحرة حزينة... وتندهش للمشهد الذي يجلس فيه حسان... ثم تُرْدِفُ بضحكة بريئة... وتَصُبُّ كماً هائلاً من اللَّوم... على التيس الخبيث... الذي لم يكن لديه من الذوق... ما يجعله يَصْبِرُ قليلاً حتى يفارق الحياة بسلام... وبدون أن يسبب لهم كل هذه المتاعب.
وانفرد وجه حسان بابتسامة أعمق... ليشكر لها مجيئها وتجشُّمها كل هذه الصعاب... حَنَتْ ابتسام رأسها... لتطبع قبلة صادقة... على رأس حسان... وهي تقول:
- «الحمد لله على سلامتك... لقد قلقنا عليك... ولكن... يبدو الآن أن صحتك ممتازة»
وبسرعة... تفحصت ابتسام مواضع الكدمات... وأخرجت من جيبها السري... كيساً صغيراً... يحوي بعض قطع الحلوى... وفتحت واحدة منها... وقدَّمتها لحسان... وقالت وهي تناوله:
-" كلها بسرعة... فهناك ضيف يعز عليك كثيراً... إنه في الانتظار"
- «من تقصدين؟»
- «إنه أخي تمام... جاء معي... إنه حريص على زيارتك... بالطبع... هو الذي أحضرني إلى هنا »
الحقيقة أن حسان لا يرغب كثيراً في مقابلة هذا التمام... بسبب معرفته الدقيقة بأخلاقه كمخلوق مستهتر... إنه متكبر... وسئُ الخُلق... ويتمتع بأقصى حدود الأنانية... بل وهو في الوقت ذاته... قاموس متحرك لكل ألفاظ الرذيلة... عوضاً عن أوصاف الرذيلة سابقة الذكر.
 كل ذلك ارتسم على وجه تمام... مما جعله يبدو بشعاً بدرجة يتحاشى معها حسان... النظر إليه... كلما سنحت الفرصة النكدة... اللقاء به.

2- دخول... غير مشرف

مرت لحظات... ودخل تمَّام... ونصب قامته أمام السرير... إيذاناً بقدومه الميمون... لزيارة هذا المريض... الذي لا يحتاج إلى مرض آخر.
- «سلامو عليكم»
- «وعليكم السلام»
- «سلامات يا حسان... التهور يأتي بهذا وأكثر... أنت متهور يا حسان»
توقف تمَّام قليلاً عن الحديث ثم أردف:
- «يُعَلِّمني الرماية كل صبح... فلما اشتد ساعده رماني»
تمَّام يظن من نفسه أنه قدَّم الشاهد الصحيح... في مكانه المناسب... لذا أكمل:
-«تنْصَحُنا دائماً عن السرعة... والتهور... ولكن:
 إذا كان رب البيت بالدف ضارباً... فشيمة أهل البيت كلهم الرقص»
حسان لائذٌ بالصمت... يتحمل جاهداً هذا الدم الثقيل... الذي يجري بكل ركود... في عروق تمام...  ولكنه اضطر أن يعاقب نفسه بالنظر لمدة أطول... في الوجه القبيح أمامه... في حين أكمل تمام:
- " ثم... لماذا تخترع قصة التيس؟... أنت صدمت بالسيارة... لقد أخبرتني بذلك... الممرضة... أليس كذلك؟"

3- لماذا... بين تمام وحسان؟

كلام تمّام مع حسان على مثل هذا الضرب من الصلف والكبر... دائماً... منذ كان في الثانية عشرة من عمره... وحتى التحق بالعمل العسكري... ومع ذلك... فإن حسان لا يعرف سبباً مقنعاً لكل هذا... سوى أنه كان يُقدم النصح له بترك التدخين... والبعد عن أصحاب السوء... الذين قد يجرُّون المرء... ذات يوم... إلى مستنقع آسن... وربما حثَّه على الصلاة... مع أن النصح... كان في وقت مضى... عند أول معرفة لحسان... بأسرة ابتسام... وحين كان تمام في أول سن المراهقة.
حيث قال  تمام لحسان... في أحد الأيام... بعد أن بدا غاضبا من كثرة النصح:
- " احتفظ بنصائحك لنفسك... فإن معلوماتك في أيما ساعة من عمرك... لم تكن أكثر من معلوماتي يوم ولدت... بل... حتى وأنا في بطن أمي... وحتى ذكاؤك... لا يساوي ذكائي أبداً... ولا يساوي نصفه ولا ربعه"
ولأن حسان لا يحب المهاترات... ابتسم لتمام... وانصرف ساعتها... وعزم على ترك النصح لهذا المخلوق.
 إلا أن تمَّاماً... يحب الاصطياد في الماء العكر... ويحب قلب الموازين... لذا ظن تلك الابتسامات... ضرباً من ضروب الهزيمة والضعف... بل... وظن أنَّ حسان... يَصْـلُحُ ليكون أرجوحة يركبها من شاء... ويتأرجح بها كيف شاء.

4- استمرار تمام... وصمت ابتسام

ومرت الأيام وراء الأيام... وزاد صمت حسان... على كل كلمة يقولها تمام... وأصبح الصمت سجية له... ليس احتراما لتمام... وإنما احتراما لابتسام... وزاد أيضاً طول لسان تمام... حتى أصبح كلسان الحرباء... يمتد على أيـِّما ذبابة... تقع على أيـَّما جرح... في جسم حسان... ربما... ليتسنى للناس رؤية هذا الجرح... ورؤية اللسان أيضاً.
ولكن... قد يبدو المنعطف الخطر... عندما نتساءل:
-" لماذا لا تقف ابتسام... سكيناً باترة... في طريق هذا اللسان... لتقطعه... أو على الأقل... لتحد من مدى سلاطتِهِ... هل من الممكن أن ابتسام...  تتجاهل كل هذا؟"
ربما وقفت ابتسام موقفا كهذا... ذات يوم... أو ربما لم تقف... لا أحد يدري... ولكن إن كانت بالفعل... قد وقفت في يوم من الأيام... ضد تمام... فهل ترى... قد باءت جهودها بالفشل؟... وإن كان الأمر كذلك... فلماذا لم تقاطع أخاها هذا... الأكثر بلادة... والذي لا تفيد أخوَّة مثله... إلا نقصاً في العمر؟

 

 5- حقيقة هامة... تكشف الخبايا... في شخصية ابتسام

يحق لنا الآن... أن نكتشف معادلة صعبة... وغير منطقية... نجدها واضحة جدا... عندما نقارن... بين صفات متعددة... في شخصية ابتسام.
 ابتسام تقف على كِفَّتـَيْ ميزان... ومن الصعب جدا بالنسبة للميزان... أن تقف على كلتا كفتيه... في وقت واحد... ابتسام معجبة بأخيها... أشد الإعجاب.
هناك سبب منطقي... إلى حد ما... ويمكن من خلاله... تفسير هذا الإعجاب... وكما يقال :
- " كل بنت بأبيها معجبة... وكل أخت بأخيها معجبة"
 الواقع... أن حياة ابتسام... مع أخيها تمام... في طفولتهما... كانت ذات طابع خاص...  وربما كان شيئا جديدا... أن نعرف... أن ابتسام... هي من قام على تربية تمام... لقد ولد تمام... وابتسام بنت ثماني سنين... وتوفي والداهما... في حادث مروري... وكان تمام حينها في عامه الثاني... وانتقلت ابتسام مع أخيها... إلى بيت عمها الشيخ الكبير... حيث كفلهما... وقام على بعض شؤونهما... إلا أن العم... لكبر سنه... لم يكن ليجد من الوقت ما ينفقه على منح الصغير... مزيدا من الاهتمام.
 ولم يكن من أحد ليشرف على تربية الصغير... غير أخته التي كانت طفلة أيضا... ولكن الفتاة... وجدت في حنانها علية... شيئا مما افتقدته من حنان والديها عليها... وربما وجد هو منها... الكثير من الحنان.
وفي هذا الجو الحزين... لم تكن الأخت... لتدرك أي معنى للتربية... إنها فقط تصرف كل جهدها... لتدليل أخيها... وتحقيق رغباته... إيمانا منها بأنه يتيم مسكين... ولكنه عندما كبر... بدأ يسلك سلوك التمرد والجنوح. 
وبعد زواجها من حسان... أدركت أن أخاها يسير في الطريق الخاطئ... لذا كانت تطلب من حسان تقديم النصح له... ولكن... كل ذلك لم يثمر.
وانتهى به المطاف... لأن يترك دراسته... ويلتحق بصفوف العسكريين... وهناك... تمادت حالته في طريق السوء.

6- أي منهما معدنه كالآخر؟

هناك أمر ما... هو في الواقع... أدهى وأمر... من أي أمر آخر... ذلك أن ابتسام... إضافة إلى حبها الكبير... لأخيها... إلا أنها أيضا... تحب أن تستشيره... في بعض ما يعرض لها في الحياة... إنها ترى لديه شيئا من الدهاء والذكاء... الذي تفتقده... إلى حد ما... في شخصية زوجها حسان.
وعندما يستطيع تمام... إقناع أخته فيما استشارته فيه... فإنها تأخذ برأيه... دون أن تلقي بالاً لأي رأي آخر... ومع أن أخذها  برأيه... ليس في كل الأحيان... ولكن خطر الأحيان القليلة... التي تأخذ فيها برأيه... خطر داهم... وقد يتسبب في كارثة.
حسان لا تروق له كثيرا... هذه العلاقة الحميمة... بين الأخوين... وغالباً ما يلوم نفسه... على عدم حبه لهذا الإنسان... مع أنه حريص على عدم حمل أي كمية من الأحقاد... تجاه الآخرين.
تساءل حسان في الوقت ذاته:
- «إن الواقع لِطُفُولة تمام... مقارب لواقع طفولة ابتسام... ولكن... هل من الممكن... أن يكون لتلك الطفولة... ذات الطابع المتقارب... القدرة على طبع نفسية ابتسام... بنفس الطريقة... التي طبعت بها نفسية تمام؟»
الظاهر عند حسان... يقول لا... لكل من الأخوين... طبائعه... وتوجهاته... ولكن:
-" لعل للتدين الذي ارتدت ثوبه ابتسام... أثرٌ ما... في مَحْوِ كل آثار الطباع السابقة... كي تبدو ملامح ابتسام... صادقة وشفافة"
انقدح في ذهن حسان... آنذاك... فكرة غريبة:
- " المعدن الرديء... عندما نصبغه بصبغة الذهب... فيأخذ لون الذهب ولمعانه... ولكن... وبمجرد تعرضه للمبرد تتبين حقيقته"
يرجو حسان أن تبقى ابتسام على ظاهرها الذهبي... ويرجو أيضاً... ألاَّ تتعرض لمبرد من نوع ما... إنه يريدها هكذا... دون الكشف عن حقيقة معدنها... خاصة وأن هناك مبرداً من نوع قاسٍ... قد يتسنى له ذات يوم... أن يقوم بعمل كبير... إنه مبرد... الخبر السرِّي.. في زواج حسان... بجواهر
أغمض حسان عينيه... على شعور بقلق مزعج... وفي الوقت ذاته... جلس تمام... على كرسيٍ قبالته... وقد جمع أطراف غترته الثلاثة... فوق رأسه... وشكله حينها... ينم عن قمة الكبر... وقمة الاستهتار.

الفصل العشرون

1- زائر ثالث

الداخل إلى الغرفة... التي يرقد فيها حسان... يستطيع بسهولة... رؤية الشِّقِّ الأيسر... من وجه تمام... لأن الستارة... التي تلتف حول السرير... تقسم وجه تمام... بالنسبة للداخل... إلى قسمين... قسم داخل الحيِّز الذي تحيطه الستارة... وقسم خارجه. 
دخلت امرأة مضطربة الخطوات... ويبدو أنها سارت لمسافة طويلة... وكأنها تبحث عن شيء ما... ولكنها فيما يدو... قلقة... ربما من مقابلة ذلك الشيء... أو حصول أمر آخر... ليس في الحسبان.
وعندما رأت نصف الوجه... المشار إليه سابقاً... والمنتمي لرأس تمام... دقـَّقت النظر قليلاً... ثم انقلبت فزعة.
 يبدو أنها في الثلاثين... أو دونها قليلا... ولكنّ عَوْدَتها للوراء... وبتلك الصورة... تكاد تلفت نظر جميع من ينظر إليها... وربما يوحي ارتدادها ذاك... بأن في ذهنها عملاً مريباً... وقد تُفسَّر خطواتُ رجعتها تلك... والتي ترتكز فيها على رؤوس أصابعها... بأنها خطوات سارق لتوه وَارَى شيئاً من أثاث المستشفى... أو بعض خصوصيات المرضى.
 لم تكن الدهشة التي باغتت تلك المرأة... لِتَخْفى على الشقي تمام... ذلك أن لديه حساسية كبيرة... لكل ما يرى أنه نكبة على الآخرين.
قام تمام من مكانه... عازماً على مطاردة تلك المرأة... بدأت تنتقل في ممرات المستشفى... وهو يسير خلفها... حذو الخطوة بالخطوة.
 كانت تلك المرأة ذكية كما يبدو... لذا انتبهت لتلك المطاردة... ولأنها واثقة من نفسها... لعدم ارتكابها أي ريبة تخاف من نتائجها... فقد استمرت تسير بثقة وسكينة... مما أوحى إلى ذهن تمام... أنها سعيدة بهذه المطاردة... بل وأوحى له... بأن دخولها بتلك الطريقة المثيرة إلى الغرفة... إنما هو تقديم دعوة ذكية... لحضرته... بسبب إعجابها بجلسته... وملامحه الساحرة!
استمرت المطاردة حتى انتهت المرأة إلى أحد العسكر... الواقفين بجوار أحد المداخل... التي تفضي إلى غرفة السجناء المرضى... ونظرت إلى الشرطي... وقالت:
- «أظن أنك رجل»
- «ماذا تقصدين؟»
- «الرجال دائماً يخافون على أعراض الناس... عوضاً عن كونك شرطيَّاً»
- «لم أفهم»
- «هناك رجل يطاردني... عديم ذوق وأدب... إنه سيُقْبل الآن... انظر هناك... إنه قادم»
لم يكن تمام... يرى الشرطي... لأنه متوارٍ قليلاً داخل الباب... وعندما رأى المرأة واقفة... ظنها تنتظره... لذا أسرع في الخطى...إلاَّ أن العسكري قال:
- «أهذا هو الرجل؟»
- «نعم»
- «أنا أبحث عن هذه الأشكال... دائماً»
انصرفت المرأة لحال سبيلها... وأوقف الشرطي تمَّاماً بحزم... واستدعى شرطياً آخر... كان في الداخل... ووضع القيد في يد تمام... وأصبح في وضع مخجل.


2- جواهر

السبب الكامن وراء تردد المرأة... عند دخولها لتلك الغرفة... هو أنها جواهر.
 نعم إنها جواهر... زوجة حسان... وقد جاءت لزيارته... ولكن رؤيتها لهذا الشاب... جعلها تشك في كون حسان لازال في المستشفى... وجعلها تظن أنه خرج... وحلَّ محله مريض آخر... وذلك لتأكدها... من أن أصدقاء حسان... مهما يكن سوؤهم... فلن يكونوا أبداً على هذه الشاكلة.
وبعد أن حلت جواهر مشكلتها مع الشاب الذي طاردها... وتأكدت أن يديه أدخلتا في القيد عادت إلى مكتب الاستعلامات... لتتأكد من خبر خروج حسان... ولكن الموظف أكَّد لها أنه لازال في سريره... لذا عادت إلى زوجها... كي تطمئن على صحته... وعندما وصلت إلى جوار السرير... جهزت نفسها للدخول... ووضعت أول خطوة داخل الستارة... ولكنها سمعت الصوت من الداخل... إنه صوت ابتسام... اضطرب قلبها... وعزمت على الهروب... وعندما أدارت نفسها... اصطدمت برجل أمامها... كان ينظر إليها بازدراء... ثم يقول:
- «أهلاً... أهلاً»
تأكدت من ملامحه... إنه نفس الرجل الوقح... الذي كان يطاردها... كيف استطاع أن يفلت من تلك القيود... لم تلق له أي اعتبار... تجاهلته كليا... ثم انصرفت.

 

 3- قَيْدٌ زائف

الحقيقة... أن أمثال تمام... يُفلتون من العقاب... خاصة إذا وقعوا في أيدي عسكر من نفس الشاكلة...  ولِكُلِّ لاقطة ساقطة... كما أن لكل ساقطة لاقطة.
لكل ساقطة في الحي لاقطةٌ           وكل كاسدةٍ يوما لها سوق.
بعد انصراف جواهر... للمرة الثانية... من جوار سرير حسان... دخل تمام... للمرة الثانية... وجلس جلسته الأولى ذاتها... إلا أن دمه هذه المرة... كان يغلي.
 استغربت ابتسام لموقف تمام هذا... لذا سألته عن سبب وضعه الحالي... مما دفعه إلى اختلاق قصة مناسبة... لمواقفه المتعجرفة... والمتكبرة دائماً.
لقد زعم أن إحدى الممرضات... دعته... ظن أنها سَتُسِرُّ له بأخبار هامة... عن حياة أو موت حسان... قام مهتماً... وتبعها... ولكنها وللأسف الشديد... إحدى المعجبات... الكُثر... به وبأمثاله... لقد ضاق ذرعاً بهؤلاء النسوة... في السوق... في الشارع... حتى في المستشفى... ارحمونا يا ناس.
ولكن تماماً... وبمجرد معرفته لحقيقتها السيئة... قام مشكوراً... بشتمها واحتقارها... بل لقد توعدها بإخبار أهلها... وبيَّن لها أيضا... أن أعمالها هذه... تشويه لسمعة عائلتها... الخ...
أما جواهر... فبمجرد خروجها من الغرفة التي يجلس فيها تمام... بجوار حسان وابتسام... سارت في الممر الممتد... حتى وصلت لآخره... ثم سحبت كرسياً وجلست... عليها أن تنتظر خروج هؤلاء الزوار.

4- هاجس مخيف

مرت الدقائق ثقيلة... وبعد نصف ساعة تقريباً... هاهو يخرج... ذلك الوغد... وهناك امرأة تسير خلفه... بكل حشمة... جواهر جالسة تراقب المشهد... وبعد تأمل قصير... تأكد لها... أن تلك المرأة... لم تكن سوى ابتسام... أغمضت عينيها... ورفعت شفتيها لأعلى وهي تتساءل:
- "  ما هذه المفارقة... الغريبة؟"
وفي تلك الأثناء... سرت  في جسد جواهر الناحل... قشعريرة مريرة... وبدأت تتساءل:
- " ماذا لو عرفت ابتسام... أن حسان مُتزوج مني... ماذا لو أتيت لزيارة حسان... قبل مجيء ابتسام... ثم دخلت علي وأنا بجواره... إن وجود ذلك الرجل أمام الستارة نعمة كبيرة... لقد منعي من الدخول... والوقوع في حرج كبير مع ابتسام... {وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}"
أكملت جواهر الحديث مع نفسها:
- " ولكن... ماذا لو قُدّر ذات يوم... وعَلِمَتْ ابتسام بقصة الزواج؟... ما هو شعورها؟... وما هو رد فعلها؟... وماذا لو تدخل ذلك الشاب الأحمق؟... في الموضوع... أو زعم أنه سيحل المشكلة... التي ستقع فيها أخته... بالتأكيد... ستكون حلوله حمقاء... وقد يَنْفُخُ في النار... كما يُنفخ الكير... وعندها يتطاير الشرر... وتحترق الثياب... والبيوت أيضاً... على من فيها... ولكن... هل ستقف ابتسام مع نفسها؟... عند معرفتها للخبر... وقفة العاقل... وتعيد ترتيب أوراقها... وأوراق زوجها... وأوراقي أيضا... أم أنها سترتب أوراقها فقط... وتلخبط أوراق الآخرين؟... والأنكى من ذلك... أنها قد توكل ذلك الترتيب... لهذا الشخص... الذي معها... لماذا يا ابتسام؟... لماذا لا تبتسمين للحياة؟... كما ابتسمت لك... وتَقْنَعِين بالنعمة... التي تعيشينها... وتتركين للآخرين... نعمتهم... لماذا لا تسيرين على المبدأ الجميل؟... اكسب ويكسب الناس... بدل المبدأ الغبي... الذي يقول... اكسب ويخسر الناس... وربما... اخسر ويخسر الناس... خاصة إذا تدخل المأفون... سابق الذكر"
نسيت جواهر نفسها وهي جالسة على المقعد... إنها تفكر بأفكار غريبة... ليس من حقها أن تتوغل فيها الآن... وتتناسى زوجها الراقد قريباً منها... على السرير الأبيض... ولكنها بالتأكيد... تعاني خوفاً شديداً... من أن يطير طائرها الجميل... الذي حطَّ قريباً في عشها... يطير... ويغادره... إلى غير عودة.
مدت جواهر رجليها أكثر... وهي على كرسيها الخشبي ذاته... وأرخت رأسها للخلف... وأكملت هواجسها:
- " هل لكِ الحق يا ابتسام... أن تتفضلي عليَّ بحقي... وتعطيني إياه؟... ما هذا الظلم... الذي تمارسه المرأة مع بنت جنسها... لتحرمها من حقها في الحياة... تحت ظل رجل مؤمن؟... يجب أن تتحرر النسوة... يتحررن من قيود بعضهن... ليعشن حياة أسعد... كم كنا نسمعُ عن تحرير المرأة!... وكنت أشعر قبل الزواج... أنني مقيدة فعلاً... وأنني بحاجة إلى أن أتحرر... لم يخطر ببالي أبدا... أن حرية المرأة... كامنة في زواجها... ولكن... ليس أي زواج... إنه الزواج من رجل يخاف الله... في نفسه أولاً... وفي زوجته ثانياً... ليس مهماً أن يكون متزوجاً بغيرها... أبدا... لقد فشل زواجي الأول... لا لأن زوجي متزوج بأخرى... كلا... ولكن... لأنه لا يخاف الله في نفسه... ولا في زوجته... إن المرأة... إذا كان زوجها... يخاف الله في نفسه... ويخاف الله في حقوقها... فهي تِلقائياً... ستخاف الله فيه... وفي نفسها... وتُورق عندها أغصان الحياة السعيدة... وتثمر... لقد عاملني حسان... كإنسانة... لذا وجب عليَّ أن أعامله... كِمَلَكٍ كريم... ولو لم يعاملني كإنسانة... لنظرت إليه كشيطان... تماماً... كما كنت أنظر إلى زوجي السابق... ولكن... لماذا يا ابتسام؟... تتفردين مع هذا الرجل الطاهر... ولا تسمحين لخيره... أن يعم الناس جميعاً.
أنا أثق أن حسان... سَيَعْدِلُ بيننا... تماماً كما يعدل الميزان الإلكتروني... الذي نراه دائماً... عند باعة الذهب... لا... لا... لن يعدل... بل سيميل جهتك يا ابتسام... أنا أسمح له بذلك... وقد أجد له العذر... في أن يميل لأم أبنائه... ولصاحبة العشرة الطويلة معه... حتما... سيكون لها الحب الأكبر في قلبه... الله!... إنه صاحب قلب كبير"

5- عينا حسان

سمعت جواهر صوتاً غريباً... فزعت من أحلامها تلك... وبدأت تنظر... أدهشها ما رأت بجوارها:
-"  كم أنا غبية بجلستي هذه... بل بنومتي هذه... هذا  ممر... وليس غرفة في فندق"
أدخلت جواهر يدها من تحت خمارها... ومسحت عينيها... وزفرت زفرة طويلة... وكأنها تتحسس بقايا معاناتها التي بدأت تموت... وجراحها الذي بدأت تبرأ... كل ذلك... يجعلها تسبح في أعماق ذكرياتها... وأحلامها... أكثر من واقعها... كان الله في عونك يا جواهر.
قامت بعد أن أدركت كل ما حولها... وانطلقت إلى قطعة قلبها... حسان.
وبكل هدوء... أزاحت الستار القماشي... لتصنع لنفسها بوابة صغيرة... تنفذ من خلالها... بالبدن الناحل... إلى حيث حسان.
رأت ثمة الوجه المتلألئ... يتلألأ كتلألؤ  النجوم... والعينين اللتين تبرقان بالبراءة والصدق... ثم أزاحت الخمار عن وجهها... بدت السعادة على وجهه... عند رؤيته لها... وكأنما هو أرض قاحلة... أطلّت عليها غمامة ماطرة... ثم انفرجت شفتاه  بابتسامةٍ عريضةٍ.
- «كيف حالك يا حسان؟... لقد قتلني القلق عليك... ولكن... يبدو لي أنك بخير الآن... أليس كذلك؟»
- «الحمد لله... لقد اقترب الفرج... وعما قريب... سأنطلق خارج أسوار هذا السجن الحزين»
- «أنت مجرب للسجن يا حسان... أليس كذلك؟»
- «الله لا يعيدها من أيام»
فيما كانت جواهر تقترب بوجهها من حسان... لتطبع على جبينه قبلة صادقة... تسمر نظرها في نظره... لعدة ثوانٍ... ثم انهمرت عيناها بالدموع... بعدها قالت:
- «هل ستبقى يا حسان... زوجاً لي إلى الأبد؟»
- «ما هذا السؤال الغريب؟»
- «أخشى أن تُفَرِّقنا الحياة... إحساسي يقول ذلك... إن شئتَ أن تقتلني يا حسان... فطلقني»
- «جواهر... ما هذا الهذيان؟... يبدو أنكِ مريضة... بل أنت مريضة بالتأكيد... لقد أصابتك العدوى... بعد دخولك لهذا المستشفى... هـ... هـ...»
- «لم أتحمل مشاعري... بعد أن رأيت ابتسام عندك»
- «الآن عرفت... أنت تغارين منها... أليس كذلك؟»
- «أغار منها؟... كلا... ولكن... أنا... أخاف منها... أخشى أن تعلم... ويفسد عندها كل شيء»
- «اطمئني... لن تعلم... وهذا أولا... ولو علمت... فلن يعدو الوضع عن البكاء... وربما السب والشتم... لي ولك بالطبع... والله يعين»
- «هل الرجل الذي كان عندك منذ قليل... قريب لها؟»
- «نعم... هل رأيته؟... إنه أخوها»
- «هذه هي الكارثة... يبدو أن طباعها جميعاً سَتَتَغَيَّر... بعد لقائها به... صدقني... بناءٌ كبير من الخير والصلاح... يفسده أمثال هذا الرجل في دقائق»
- «تقصدين تماماً؟... ما هذا الكلام؟... وما دخل تمام؟... وماذا تعرفين عنه؟»
- «نظرة واحدة... فقط... قالت لي كل شيء عنه»
- «استغفري الله... لا تقولي هذا يا جواهر... أنت مؤمنة»
- «ولكنني خائفة»
- «ليكن خوفك من الله... إنه وحده المستحق للخوف»
جلست جواهر... وبدأ الوضع الطبيعي يدرك أنحاء الجو المتوتر... الذي تحيطه الستارة... ووجد الضحك لنفسه طريقاً صعبا... كي يرتسم على وجه جواهر... بعد أن طمأنها حسان... بأن الطلاق الذي تتحدث نفسها به... ليس سوى كابوس مزعج... يتراءى لها... وليس له أي رصيد من الواقع.
رن جرس خفيف... ليلفت انتباه السادة الزُّوار... بأن وقت الزيارة... قد انتهى... وعلى الجميع مغادرة المستشفى.
خرجت جواهر مودِّعة زوجها... وسارت عبر ممرات المستشفى... حتى خرجت نهائياً... وامتطت قدميها... اللتين تمتطيهما دائماً... لتصل إلى قصرها الكبير... لقد كان قصرها قريباً من موقع المستشفى.

 

 6- العشاء الأول

مرَّت ساعات الليل بسرعة... لأن حسان نامها جميعاً بطريقةٍ مريحة... وعندما أصبح الصباح... كان أمرُ الخُرُوج محمولاً في يد الطبيب... وبعد قليل... تسلم حسان هذا الأمر... وغمرته الفرحة... وبعد لحظات... جمع كلَّ حاجياته... وانطلق خارجاً من أروقة المستشفى الرحبة... إلى أروقة الحياة... الأقل رحابة... لمن عرف حقيقتها.
حسان في طريق منزله... منزل ابتسام... أولاً... مهما يكن... فلها المكان الأكبر... والتقديم الأكبر... في كل أمر.
كان الاستقبال الذي استقبلت به ابتسام زوجها... حافلاً... وكما هو اللائق... بزوج تحبه زوجته... ويبادلها الحب نفسه... شيء واحد... هو الخاسر في هذا الحدث... الذي لف الأسرة... إنه التيس... المتَّهم زورا...ً بإيقاع الكارثة... بحسان... لقد عزمت ابتسام على ذبح تيس... والأولى أن يكون هو ذاته... التيس الذي نال من زوجها... لتقدّم كبده غداءً دسماً... كي تعود لحسان... صحتُةُ... وبالفعل... ذُبح التيس...ولكنه تيس آخر... غير التيس المتهم... وتناول حسان وولداه... وزوجته... طبقاً من الكبدة المقلية... بطريقة ابتسام السحرية... قال حسان لزوجته:
- «اللحم كثير... أليس كذلك؟»
- «بلى»
- «لماذا لا نعزم بعض المعازيم... في هذه الليلة الجميلة... ليشاركونا فرحتنا؟»
- «فكرة رائعة... يا حسان... تصدق... لقد راودتني هذه الفكرة... ولم لا؟... سأعد لكم كبسة خيالية... سأطبخ نصف التيس... المجرم... بعد أن أقطعه إرباً»
- «ترحَّمي عليه الآن يا ابتسام... إنه من أهل الآخرة»
- «الله لا يرحمه... إن شاء الله»
- «هـ... هـ... هـ...»
- «هـ... هـ هـ هـ هـ هـ ..."
 هكذا هي ضحكة ابتسام... دائماً... لذا قال حسان:
- «ضحكتك جميلة يا ابتسام»
- «صحيح!»
- «نعم صحيح... لو علموا عنها... لسجلوها حتما... ووضعوها بدلاً عن ضحكة نقّار الخشب... المشهورة... هـ ... هـ ... هـ...»
- «من ستعزم يا حسان؟»
- «لا أحد... فقط العم جابراً... وابنه محمداً... وأنتِ من ستعزمين ؟»
- «سأعزم... تماماً»
- «تمام؟»
- «نعم تمام... أخي... وسأعزم زوجة العم جابر... وأيضاً... سأعزم امرأة عزيزة على قلبي... إنها أحبُّ صديقة عندي»
- «من هي سعيدة الحظ هذه؟»
- «جواهر... صاحبة المنزل... الذي استأجرت مكتبته»
- «جواهر!... من جواهر؟»
- «ماذا بك؟... لماذا فوجئت؟»
- «أبداً... أبداً... لا شيء... ولكني لم أسمع بهذا الاسم من قبل... اللهم فقط في المسلسلات البدوية»
- «أوه... جواهر... إنها من أعز صديقاتي... أتَّصل بها دائماً... لم تُوفق في زواجها الأول... وتقول إنها لا ترغب في الزواج... لأنه لم يتقدم لها الكفء... سألتها ذات يوم... هل من الممكن أن تضطرك الظروف... للقبول من زوج متزوج؟... كنت بالطبع... أتوقع جوابها... توقعتها ستقول... لا... كم هي كارثة... أن تعيش المرأة مع ضرة أخرى؟!... الغريب... أنها قالت... لا أمانع... أبداً... من الزواج... من رجل متزوج... أمر غريب... أليس كذلك؟»
احمر وجه حسان... غبطة... بسبب إطراء زوجته جواهر... واحمر وجهه أيضاً... خوفاً... مما تضمنته الكلمات الأخيرة... عن الضرة... ولكنه قال:
- «أنت طيبة القلب يا ابتسام»
- «وأنت أعظم إنسان رأيته في هذه الدنيا»

7- فكرة... وزيارة

مرت الساعات متلاحقة... وحضر المعازيم في وجبة العشاء... الواحد تلو الآخر... وانتهت ابتسام من إعداد العشاء... ثم قام الضيوف... وأكلوا باسم الله.
 المائدة متنوعة الأصناف... متسعة العرض... سفرة خاصة بالرجال... وسفرة خاصة بالنساء... ولحسن الحظ... لم يحضر تمام... لحاجة في نفسه... وحضرت جواهر... لحاجة في نفسها... وابتهجت القلوب.
مر الوقت يتوكأ على لحظاته... وفي غرفة النوم... دخلت ابتسام على زوجها... الذي ألقى بنفسه مسبقاً على السرير... لتوها غسلت يديها... بعد أن أنهت غسيل بقايا الطعام... في الصحون... عرض عليها حسان منذ قليل... بعض خدماته... التي تَسعَد دائماً بها... ولكنها آثرت له الراحة... لذا أقسمت عليه أن يذهب للغرفة... ليرتاح... إنه سَعِيدٌ بابتسام... معدنها أصيل... وعليه أن يحتفي بها أكثر وأكثر... أكثر حتى من جواهر... إنها تستحق ذلك... ولكن:
-" هل هذا عدل؟... هل يجوز لي ذلك؟... ما هذا يا حسان؟... هل تريد أن يأتي شقك مائلاً يوم القيامة؟... لا... لا... عليك أن تعدل... جواهر هي ابتسام... وابتسام هي جواهر... وأنا... جواهر وابتسام... في آن واحد... وجواهر وابتسام هما حسان"
 قطعت تلك الأفكار ضحكة جميلة لابتسام:
- «هـ ... هـ هـ هـ هـ هـ »
كوب من اللبن كان في يدها... بدأ يهتز من الضحك... ولكنها أمسكت به... بكل قوة... ووضعته فوق الرف الصغير... بدأت البسمات الصادقة تنتقل عبر الأفواه... وعَرَضَتْ ابتسام كثيراً من أحاديثها... وعرض حسان ما كان في وسعه عرضه... من الأحداث... ثم قالت ابتسام:
- «متى ستذهب إلى مكتبك؟»
استغرب حسان لهذا السؤال... لقد نسي المكتب الذي لم يكن سوى ستاراً لأشياء أدق... ولكنه قال:
- «ولماذا هذا السؤال؟»
 قالها وهو يحسُّ بقلبه... يرقص طرباً للقاء جواهر... ثم أردف:
- «إذا أحسست برغبة في القراءة... سأذهب... وربما سأفكر في عدم الذهاب... مطلقاً... وأكتفي بإحضار بعض الكتب...لقراءتها هنا... لم أفكر في الأمر بدرجة كافية»
- «سأتَقَدَّم لِسَعادَتك... بطلب... وهو أن تذهب غداً للمكتبة»
- «لماذا؟»
- «لقد أخَذَتْ عليّ صديقتي جواهر... عهداً مغلظاً... طلبت مني زيارتها... وقد وعدتها أن أحضر لزيارتها... غداً... ولأنك تستأجر المكتب... في منزلها... فستذهب أنت لمكتبتك... وأنا... سأذهب لصديقتي»
- «السيارة معطلة كما تعلمين»
- «أي سيارة؟»
حك حسان رأسه... وتذكر أن القصة التي أخبرها بها... لم تكن سوى قصة التيس... وأن ابتسام... لم تصدق تماماً... حين تحدث عن شيء اسمه الحادث... لذا أكمل:
- «لقد تعطلت... ربما تحتاج إلى بعض الإصلاح»
- «متى تعطلت؟»
- «بالأمس... مجرد عطل بسيط»
- «الأمر سهل... لتأخذ سيارة تمام»
- «تمام؟... لا... لا... ربما سآخذ سيارة أحد أصدقائي»

 

8-  زيارة هادئة

استقبلت جواهر ضيفتها المهمّة... في منزلها... ثم نزلت... واستقبلت ضيفها الأهم... في المكتب... وقدمت جواهر  القهوة والشاي... لضيفتها ابتسام... ثم نزلت بسرعة... كانت تحمل القهوة والشاي أيضا... في طبق آخر... ستقدمها بالتأكيد... لحبيبها حسان... قالت له وهي تخرج بسرع:
- «المفاجأة المهمة... تنتظرك... متى ستأتي... يجب أن تأتيني في أقرب وقت»
- «المفاجأة؟.... إذن... غداً... الأحد... سوف أكون هنا عصراً »
- «أوه... سيكون وقتاً طويلاً حتى ذلك الحين... لكن... حتماً سيعيننا الله على الانتظار»
بعد دقائق... أصبحت جواهر بجوار ابتسام... تجاذبتا الكثير من الأحاديث... والأطفال في الغرفة المجاورة للصالة... إنهما يلعبان في الألعاب الجديدة... التي اشترتها جواهر خصيصا... من أجلهما... مرّ الوقت وادعاً سريعاً... إلى أن ابتسمت ابتسام... وحدثت نفسها بالانصراف... الذي ما لبث أن أصبح جملة مفيدة على لسانها:
- " لقد مضى الوقت بسرعة... كنت سعيدة بوجودي هنا... أريد أن أذهب الآن"
- «إلى أين؟... يا ابتسام... الوقت لازال مبكراً»
- «بل متأخر... ثم إني أريد الجلوس مع زوجي... في مكتبه... قد يحتاج المكتب لبعض الترتيب»
قامت الضُّرتان... وسارتا وهما يتبادلان كلمات التوديع... وعندما وصلتا للدرج... نزلت ابتسام.

9- طقم الشاي

حسان في مكتبه.. جالس بكل أريحية... قد أمال ظهره على المقعد... ورفع قدميه فوق الطاولة... وأمامه صحن يحوي دلَّة القهوة... وبرَّاد الشاي.
 الطقم الذي أمامه على الطاولة... مشابه تماماً للطقم الذي قدمت جواهر فيه القهوة والشاي... لابتسام.
أمامه صحن من المكسرات... إنه يحطم غِلافها بأسنانه في كل انسجام... كي يتسنى له أكل اللب:
-" كل شيء لا يأتي إلا بالعناء... حتى اللب"
 الجو داخل المكتب حار نوعاً ما... مما لزم حسان فتح الباب المفضي للشارع... كي يتسنى للهواء الطلق المرور... روحة وإياباً... من وإلى المكتب.. نَظَرُ حسان مصوَّبٌ نحو الثريا الصغيرة جداً في السقف... كان يردد:
-«تزوجت اثنتين... لفرط جهلي... بما يشقى به... زوج اثنتين...
 ظننت بأن أكون مثيل كبش... يدلل بين أحلى... نعجتين...
 ولكن... كنت بينهما كجدي... تنازعه مخالب... ذئبتين"
بعد أن أقفلت جواهر الباب... المفضي للدرج... مودِّعة بإقفاله آخر آثار السير... الذي تُحدثه قدمي ابتسام... تذكرت وبسرعة... الشاي... والقهوة... والمكسرات... التي في المكتب... لدى حسان... سيُكْسَرُ رأسها ورأس حسان... ويظهر شقاء زوج اثنتين واضحاً بدون شك.
 بالتأكيد... ستعلم ابتسام... عند رؤيتها للقهوة والشاي... في الطبق نفسه لدى حسان... والذي قدم لها في آخر مشابه له... أن جواهر على علاقة ما بزوجها حسان... وستكسر حينها جُمْجمته.
رن جرس الهاتف بجواره... حسان تركه يرن... ولِفتْرة... ثم رفع الهاتف... سمع صوت جواهر في لهفة:
- «حسان... يجب أن تخفي جميع أدوات الشاي... ابتسام في طريقها إليك الآن»
- «من؟... جواهر... حاضر... مع السلامة... يا ويلي!!»
بالفعل... قام حسان وبسرعة... وأخفى جميع ما قدمت يدا جواهر له... أخفاه خلف المدخل السري الذي يفضي لمنزل جواهر.
في تلك الأثناء... دخلت ابتسام ... مع المدخل الخارجي للمكتب... أجالت بصرها يمنة ويسرة:
- " غريب... حسان ليس موجوداً هنا... أين ذهب؟" 
وَلَّت ابتسام ظهرها... وانصرفت عائدة إلى جواهر... ثم طرقت الجرس... وعندما ردت جواهر... قالت ابتسام:
- «جواهر... المعذرة... افتحي... يبدو أن حسان غير موجود... سأنتظر عندك حتى يعود... ويناديني»

 

10- وجبة عشاء

ركبت جواهر في سيارة حسان المستعارة... بعد أن خرجت من المدرسة... إنها سعيدة جداً... زوجها بجوارها... قالت:
- «أنا فخورة يا حسان»
- «المعذرة... السيارة ليست على قَدْرِ المقام»
- «على أي حال... هي أفضل من سيارتك المرحومة»
- «مرحومة... لازالت الكرسيدا شابة الآن»
- «ربما لو كبرت لتحولت إلى مدرعة»
- «هـ ... هـ ... هـ »
- «هـ... هـ  هـ هـ هـ هـ»
- «أعيدي ضحكتك لو سمحت»
- «هـ... هـ هـ هـ هـ هـ »
- « غريب... تصدقين... نفس ضحكة ابتسام»
- «ما الغريب؟... هكذا ضحك كل الناس... ماذا بك يا رجل؟»
- «اسمعي:هـ... هـ  هـ هـ هـ هـ»
- «تصدق... ضحكتك يا حسان غريبة»
- «إنها الآن كضحكتك أنت وابتسام»
- «سبحان الله!... كل شيء يمكن للإنسان تغييره... إلا الضحك»
- «تدرين لماذا؟»
- «لا»
- «لأنه لا يأتي إلا نادراً... فنحن لا نهتم به»
- «لا تقل هذا... الحياة تبدو حلوة جميلة»
- «أرجو ذلك»
السيارة المستعارة... تسير بهدوء مماثل لهدوء راكبيها... قال حسان:
- «لك عندي مفاجأة... يا جواهر»
- «مفاجأة؟!... كلا... لن تكون أبداً مثل مفاجئتي لك»
- «بل هي أفضل»
- «وما هي إذن؟»
- «الغداء... سنتناوله اليوم... في مطعم عائلي... لقد حجزت لذلك»
- «هي... هي... هي... مفاجأة أقل من مفاجأتي لك... بكثير»
- «صحيح؟»
- «ليس هذا فحسب... بل وسيكون مع مفاجأتي لك... هدية مجانية... مماثلة لمفاجئتك»
- «وما هي؟»
- «العشاء الليلة على حسابي... هدية مجانية»
استمرت الأحاديث الجدية... والهزلية... تدور بين الزوجين... ما استطاعت الألسن أن تديرها... ثم وقفت السيارة القديمة... بجوار أحد المطاعم العائلية... الراقية... إلى حد ما... دخل المخلوقان... الأشبه بالعصفورين... وعندما جلسا... كانت السعادة تحف مجلسهما من كل مكان... قالت جواهر:
- «الرقي يا حسان ليس في المكان... وإنما في النفس»
- «ولكن... أجمل شيء... أن يجتمع رقي النفس ورقي المكان... تماماً مثل حالنا الآن»
- «هـ هـ... هـ هـ ... هـ هـ»
- «هـ... هـ هـ هـ هـ هـ هـ »
- «وهل تُسمي هذا المكان راقياً؟!»
- «نعم... وجودنا هنا يجعله أرقى مكان في العالم»
- «صدقت»

11- قطعة بلاستيكية

بعد ساعة... كان الزوجان يخرجان من المطعم... ركبا في السيارة... وانطلقا... وعندما وصلا قصر جواهر... كانا أشبه بعصفورين صغيرين... لم يطل الوقت... لقد دخلا عشهما الجميل.
في الأعلى... يجلس الزوجان بهدوء... في الشرفة المطلة على حديقة العمارة... ويتلاشى بسرعة أمامهما... ذلك البخار المتصاعد... من فنجاني الشاي الأخضر...إنهما يلقيان بنظرات مطمئنة... لتلك الأغصان الخضراء... التي تتمايل بتناغم... لقد بدت الأشجار وكأنها تستعيد بعض عافيتها... بعد أن اهتم بها حسان قليلاً.
رن جرس الهاتف... قامت جواهر... ورفعت السماعة... ولم تَخَفَ البهجة المرتسمة على وجهها... لم تلبث أن استدارت قليلا... ثم أصدرت أوامراً هامسة... ثم أقفلت السماعة... قال حسان:
- «ماذا بك يا جواهر؟»
- «لا تستعجل... المفاجأة... اقترب وقتها...»
انقضى الوقت بسرعة... ورنَّ جرس الباب... ونزلت جواهر... بعد أن طلبت من حسان البقاء مكانه... فتحت الباب... ثم أقفلته... بعد أن تناولت شيئا صغيرا... وعادت للداخل... ثم صعدت الدرج... وعندما دخلت على حسان... كان يجلس مكانه... وهو يغالب حيرته... قالت:
- «أغمض عينيك»
- «خيراً إن شاء الله»
- «لن ترى من جواهر... إلا كل خير»
حسان أغمض عينيه في دهشة... في حين قالت:
- «افتح يدك اليمنى... وإياك أن تفتح عينيك»
- «أرجو أن تَعْذُريني... لم أعمل من قبل... في مهنة التسول»
- «ستعمل الآن... هيا أسرع»
- «الأمر لله»
فتح حسان يده اليمنى... وضعت جواهر وبكل خفة... قطعة جلدية مستطيلة... أحسَّ حسان ببردها في يده... ثم قالت:
- «أغلق يدك... وافتح عينيك... ثم أخبرني... ماذا تتوقع أن تكون المفاجأة؟»
فتح حسان عينيه... وأقفل يده... ثم نظر  إلى جواهر... وقال وهو يتحسس يده من الداخل:
- «قطعة جلد... لماذا وضعتها في يدي؟... على كل... إن كانت هدية... فحتما... هي هدية متواضعة... ولكن... وبما أنها من يدك... فلها قيمة معنوية كبيرة عندي»
- «نعم... إنها هديتي المتواضعة»
- «فعلاً يبدو أنها متواضعة جداً... جداً»
- «خمن... ماذا يمكن أن تكون الهدية؟»
بدأ حسان يفكر في غير جدية... ثم قال:
- «وقف حصان الشيخ في العقبة»
- «افتح يدك الآن»
فتح حسان يده... بدأ يطالع... كم كانت دهشته كبيرة... عندما نظر... لقد كانت تلك القطعة من الجلد... ملتفة حول قطعة صغيرة من الحديد... ولم تكن تلك القطعة الحديدية... إلا مفتاح سيارة... مفتاحٌ لسيارة... تبدو جديدة... قالت جواهر:
- «هذه يا حسان... أقل هدية يمكن أن يقدمها إنسان لمن أحبه... وسكن سويداء قلبه... هذه مجرد سيارة... إنها عوض متواضع... عن سيارتك القديمة... لو كان الأمر بيدي... لأعطيتك عيني هدية»
اضطرب حسان قليلا... بدا على وجهه لون أحمر... ثم قال:
- «ولكن... هذه السيارة... هذه السيارة... تساوي الكثير»
- «وأنت عندي -بالدنيا-... وهذه مجرد سيارة»
كانت طيور السعادة تطير بأنس... وترفرف فوق الموقع البديع... ولو قدر لفنان مبدع... أن يرى منظر حسَّان... وهو يبتسم لجواهر... لَحُقَّ له أن يرسم لوحة ساحرة... ويكتب فوقها قصيدة خالدة... لكن... لم يكن ثَمَّ... إلا ملائكة... ابتهجت لسعادةِ رجلٍ صالح... وامرأة صالحة... يزفان لبعضهما أسمى آيات التقدير والمودة... ولم يكن أيضاً... سوى شياطين خَنَسَتْ... وتولت وهي تندب.
جلست جواهر قبالة حسان... وبدأت تسرد قصة شراء السيارة الجديدة... لتُزيل عن وجه حسان... سحابة الخجل... التي عَمَّتْهُ بِقَتامِها... وألجمت لسانه عن الحديث... أو حتى عن الشكر... قالت:
- «لقد اتصلت بإحدى زميلاتي... منذ فترة... وطلبت منها خدمة... لأن زوجها يعمل في معارض السيارات... يبيع ويشتري... المهم... طلبتُ منها أن تسأله عن أسعار السيارات الجديدة... وأفضل أنواعها... واستقر رأيي على شراء تلك السيارة... لن أخبرك بنوعها... لأني أريدك أن تراها أولا... بعينيك... بالطبع... زوج صديقتي ثقة... ليس ككثير ممن يعملون في المعارض... حسب ما أعلم.
لقد أعطيت صديقتي شيكا... بكامل المبلغ... وقام هو بشراء السيارة... وأحضرها هو وزوجته.
وبعد أن وصلا هنا... والسيارة معهما... ناولني الفواتير كاملة... وأعطيته ألف ريال... مقابل أتعابه... تصدق... لقد رفضها كلياً... كنت أعدُّ المفاجأة لك... كي تأخذها في صباح اليوم السابق... للأسف... لم تكن المفاجأة لي سوى الحادث الذي حصل لك... ربما عَلِمَتْ سيارتك القديمة... وأصابتها الغيرة... هـ...هـ هـ هـ هـ"
- «هـ... هـ... هـ»
- «المهم... أنك خرجت... وأنت بخير... وهذه هي المفاجأة الأولى... أما المفاجأة الثانية فهي...»
- «ما هي؟»
- «اقترب... سأسرُّ بها في أذنك»
اقترب حسان... ووضع أذنه قريباً من فمها... عَضَّتْ جواهر ذلك الأذن الطيب... وضحكت:
- " هـ... هـ هـ هـ هـ "
- «ما هذه المفاجأة... يا جواهر.. يالك من مشاغبة؟!»
- «مجرد مَزْحة صغيرة... المفاجأة هي... اقترب بأذنك ثانية»
اقترب حسان بأذنه وهو واضع يده عليها خوفاً من عضة مثل سابقتها... ولكن... يبدو أن جواهر بالفعل... تريد الحديث... لذا أصْغى حسان لكلامها... حيث قالت:
- «المفاجأة هي... لقد حجزت فيلا على ساحل البحر... حجزتها بالهاتف صباح اليوم... وأيضاً... سيكون العشاء هناك... أنت ضيفي الليلة»
قال حسان وهو يكتم فرحته:
- «ولكن... يا جواهر... كما تعلمين... سيارتي في الورشة للتصليح... وسيارة زميلي لن توصلنا للبحر... أمامنا أكثر من مئتي كيلومتر»
انطلق من فم جواهر ضحكة بريئة... وضحك هو أيضاً... ثم قالت:
- «ومن قال لك أننا سنذهب في سيارة زميلك... أو في سيارتك القديمة... إِصْحَ يا نائم... سنذهب في السيارة الجديدة»
غرق حسان في سعادته... إنها لقطة حلوة... من حياتهم السعيدة.

12- رحلة إلى البحر

ركب حسان سيارته الجديدة... -لاندكروزر-... متكامل المواصفات... لقد أصبح حسان أخيرا... رجلاً مرموقا... كما أحس من نفسه...
(باسم الله... الحمدلله... سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين... وإنا إلى ربنا لمنقلبون...)
 وانطلقت السيارة...  السيارات أصبحت تنزاح من أمام سيارة حسان... يمنة ويسرة... أحسَّ حسان بشيء من الكبر... والافتخار... لكنه سرعان ما عاد لرشده.
جواهر في السيارة... بجوار حسان... إنه يشعر أن كل شيء حوله... يشير إلي... هيئته تُشعره بالأبهة والسعادة... وكل شيء على ما يرام.
اخْتَرَمَتْ السيارة الجيب... أجْواءَ الهواء... منطلقة جهة البحر... لم يشعر الزوجان بطول الطريق... وحسان يشرح بإطناب... ويفَصِّل... حول كل ما يعرض في طريقهما.
ذكر حسان أشياء كثيرة... ومما ذكر... ذلك الانهيار الرهيب... الذي حصل بأسباب سيول السبت... وأشار إلى الجسور المحطمة... والكباري التي أصبحت تلعب بها المياه... كما تلعب بعلب الكبريت... وتحدث عن الموز... وزراعته الناجحة... واشترى ثلاثة كيلوجرامات... من الموز المزروع... على جنبات الطريق في أودية تهامة السحيقة... وشيئا من المانجو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق