الاثنين، 14 يونيو 2010

التي أحرقت نقابها "الجزء التاسع "

الجزء التاسع


الفصل الحادي والعشرون

1- الاختراق الثقافي

طُرق الباب... وقامَت ابتسام لتفتح... أطل وجه تمام... إنه وجه محبوب لديها... فرحت كثيراً بقدومه... لقد وجد أخيراً وظيفة معقولة... لم يعد عالة على أحد... وهذا ما يزيد من ثقتها فيه... صحيح أن وظيفته على بند الأجور... ولكنها أفضل على كل حال... من الشارع... ولأن حسان لن يأتي هذه الليلة... فستكون ابتسام سعيدة جدا... بوجود أخيها.
جلس تمام... وأحضرت ابتسام القهوة... التي لا يحبها... والشاي... الذي يموت فيه... ثم سألها:
- «أين التلفزيون؟»
- «التلفزيون!... لماذا؟!... الحديث أحسن»
- «-أي حديث؟-... - وين الناس؟-... – مسا الخير!- أنا أريد مشاهدة المسلسلة»
- «المعذرة يا تمام... أنا وحسان لنا وجهة نظر خاصة تجاه التلفزيون»
- «عجيب!... وجهة نظر... وخاصة... ما شاء الله!... إياك أن تقولي إنه حرام... هل لديكم تلفزيون... بالعربي؟»
- «ولكن... أرى أن لكثير من برامجه... آثاراً سلبية كثيرة... خاصة على مجتمع محافظ... مثل مجتمعنا»
- «مثل ماذا؟»
- «آثار اجتماعية... وثقافية... التلفزيون يا تمام... اختراق للثقافة... بثقافات رديئة... خاصة مع عدم استعداد مجتمعاتنا... لإبراز النَّقْد البناء»
- «يا ولد!!... اختراق الثقافة... مرة واحدة!... هيا بلاش فلسفة»
- «أنا أقول ما أعتقده يا تمام... صدقني... أنا أعيش مع زوجي بكل سعادة... نحن لا نسمح للتلفزيون... أن يلتهم أوقاتنا... نحن نعيش أوقاتنا كما نريد... لا يشاركنا في وقتنا أحد دخيل»
- «تقولين... اختراق الثقافة... سأَسأَلُكِ سؤالاً محرجاً... ما هو اختراق الثقافة؟... أم أنك ترددين كلام حسان فقط؟»
- «أنا أحب حسان... وأقتنع بكلامه... لا لأن حسان هو الذي قاله... ولكن... لأني أعتقد أن كلامه أقرب للصواب»
- «لم تجيبي... ما هو الاختراق الثقافي؟»
- «هناك يا تمام... اختراق ثقافي... وهناك اختراق اجتماعي... وهناك اختراق أسري»
- « يا ولد!... يا ولد!... وهناك فلسفة... وهناك كلام فاضٍ...»
- «اسمعني يا تمام... صدقني ستستفيد كثيراً»
- «أنا مستغنٍ عن الفائدة... ولكن ما هو الاختراق الثقافي؟... فقط أريد معرفته... لأختبر فلسفتك»
- «نحن يا تمام... نعيش في مجتمع متماسك... له عقائده... وله مبادئه... وله أخلاقه»
- «وله فلسفته الزائدة... لم أفهم شيئاً...»
- «ألسنا مسلمين يا تمام؟»
- «يقولون!»
- «المهم أن ثقافتنا هذه... تجعلنا واثقين من ملكيتنا لشيء ذي أهمية كبيرة»
- «ماذا... ماذا... ماذا؟»
- «أقصد أننا مقتنعون بديننا... وبوضعنا الأسري... وبطريقة حياتنا... الرجل قانع بزوجته... والزوجة قانعة بزوجها... المرأة تنظر لمنزلها... فتشعر أنه أجمل منزل... وتنظر إلى زينتها... فتشعر أنها أجمل زينة»
- «وماذا في ذلك؟»
- «في ذلك الكثير... يا تمام... ألم تسمع... أن القناعة كنز لا يفنى"
-" وماذا يعني ذلك؟"
-" يعني أن سعادة الإنسان في قناعته... وعندما تشاهد أمامك كل ما يملكه العالم... وأنت لا تستطيع أن تعيش كما يعيشون... فإنك حتماً لن تشعر بالسعادة»
- «يعني التلفزيون حرام... قولي... قولي ذلك»
- «أنا لم أقل شيئاً عن التلفزيون... ربما يكون فيه المفيد... ولكن... أتحدث عن انفتاح الإنسان على حياة الآخرين... وإحساسه بقلِّة ذات يده... إنه حتماً سَيَمُدُّ عينه إلى ملك غيره... ويتمنى ما ليس عنده...  ولن يكون في مقدور يده أن تصل إلى ما وصلت إليه عينه... إنَّهُ حينها سيعيش حسيراً...{لا تَمدَّن عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم... زهرة الحياة الدنيا}
- «دعيني أرتح قليلا... الآن... الواقع... أنني لم أفهم كلامك العاميّ... فكيف تريدينني أن أفهم كل هذه التعقيدات»
- «أستغفر الله يا تمام... وهل قلتُ خطأ؟»
- «ما هو الاختراق الأسري؟... ربما كان أسهل من الاختراق الثقافي... وربما استطعت فهمه»
- «الاختراق الأسري... ذو أبعاد كثيرة»
- «يا ولد!... يا أبعاد!... هـ هـ... -أبعآد-... -أبعآد-»
- «المهم أن كثيراً من المسلسلات... لا تهتم بمدى تأثيرها على عواطف الناس... ولا على مدى تأثيرها على مشاعرهم... ولا تهتم بمدى التأثير على علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل... الأسرة الآن في مجتمعنا منقسمة على نفسها... وتوجُّهاتها تختلف بحسب معرفة الفرد فيها بحياة الغير»
- «كفى كفى... ما هذا يا ابتسام؟... أقول نريد المسلسلة... وتقولين اختراق... ما اختراق... هاتي التلفزيون»
- «يبدو أنه لا حيلة فيك... على كل... هو هناك... في غرفة الطعام... سيكون للحديث معك بقية»
- «تعالي... تعالي شاهدي معي المسلسلة... وسيتغيَّر رأيك»

2- تغير... في الموقف

تمام متكئ في وسط الغرفة... قد ولى وجهه جهة التلفاز... وأخرج علبة السجائر... وسحب منها سيجارة... وبدأ يدخنها... وصوت التلفاز مرتفع لأقصى الحدود... مر وقت قصير... وأقبلت من جهة المطبخ ابتسام... إنها تحمل صحنا يحوي كوبين من عصير المانجو... وصحن صغير يحوي المكسرات... وضعت صحن العصير... وجلست وهي تقول:
-«لن تترك هذا الدخان يا تمام؟... لا أدري... ما هي الفائدة التي تجنيها منه؟... غير الخسارة؟!"
تمام لم يرد... ولن يرد على هذا الكلام المكرر.
مر الوقت... تمام وأخته جالسان أمام الشاشة... كانت ابتسام تلوم نفسها على جلسة كهذه... ولكنها تشعر بأهمية بقائها بجوار ضيفها... عله يجد كلمة تنفعه... فيقلع عن عاداته السيئة... ولكن مع مرور الدقائق... بدأت ابتسام تلقي بطرفها إلى التلفاز... من بعيد... إنها لا تحب رؤية تلك النسوة المتبذلات... اللواتي يعرضن أجسادهن كعارضات أزياء محترفات... وكأنما هن يأكلن من عَرضِهن لأجسادهن... إهانة كبيرة لإنسانية المرأة... أن تأكل من عرضها لجسدها... ابتسام تحتقرهن... وربما كانت تلك الرؤية... راجعة لثقافتها الدينية... أو للطابع المحافظ... الذي يعيشه مجتمعها... إنها لا تستطيع أن تفهم أبدا... كيف يمكن لامرأة... أن تتبذَّل في ملابسها... وتعابث الرجال... أو تنام معهم على سرير واحد... وتحبهم... وتهيم بهم... وتُبَادلهم كلمات العشق والغرام... أين زوجها منها... وأين أبوها وأهلها؟.
ولكن المسلسلة المعروضة... كانت متميزة باللبس المحافظ... نوعاً ما... لتلك الممثلات... لذا... أكملت ابتسام... مشاهدة المسلسل... مع أخيها.
 كانت المسلسلة في حلقاتها الأخيرة... لذا لم تفهم ابتسام كثيرا من أحداثها... ولكن... يبدو أنها قصة تدور حول رجل تزوج من امرأتين... ويبدو أن مشكلةً ما... قد حدثت بين هاتين الزوجتين... سألت ابتسام أخاها:
- «ما قصَّتهم؟»
- «هـ... هـ... هـ... والله صحيح... الكلام شيء... والواقع شيء آخر... الآن اقتنعتِ... نعم هكذا أريدك... عيشي حياتك بهدوء... إياك والتعصب»
- «لا يا تمام... لا تفهمني بطريقة خاطئة... ولكني أريد أن أعرف فقط... ماذا حصل؟... لمجرد العلم بالشيء»
«لا... لا... حرام... قد يحصل اختراق ثقافي... لأسرتك... هـ هـ هـ هـ هـ»
- «أنا أسألك بجد يا تمام... »
- «لا... لا... أسرتك محافظة... وأنت سعيدة... مع المأفون حسان... ولو عَلِمتِ ما يحصل... في هذه المسلسلة... قد تشكين في حسان... وربما كرهتِه»
- «لا اطمئن... لن تكون المسلسلة سببا في كرهي لزوجي»
- «على كل... كي لا تكوني كالأطرش في الزفة... القصة باختصار... أن هذا الرجل... الذي يبدو راكباً على جواده... قد تخرَّج من كلية الهندسة مهندساً... وعاد إلى أهله... كان أبوه رجلا ذا مكانة... وهو من أهل البادية... هذا الشاب... يبدو محافظا... جداً... وأراد أبوه وأمه أن يزوجاه بابنة عمه... ولكنه أراد الزواج من فتاة... أخرى أحبها وأحبته... وبعد أخْذٍ وَرَدٍ... اقتنع والداه بتزويجه ممن أحبها.
 ولكن ابنة عمه... راعها ذلك... خاصة أن أم الشاب قد خطبتها له... لذا... قامت بنت العم... بصناعة سحر للزوجين... بحيث لا تحمل زوجته... المهم... أن زوجته لم تحمل... واضطر الشاب إلى الزواج من ابنة عمه... ثم زعمت ابنة عمه... أنها حملت... وهي لم تحمل... وغضبت زوجته الأولى... غضبت لأنه تزوَّج بأُخرى... وذهبت إلى أهلها.... ولم تكن تعلم أنها حامل... وبعد مدة ولدت... وبان كذب ابنة عمه في حملها... المهم أن الرجل طلب من زوجته الأولى العودة... إلى بيتها ولكنها... رفضت... مع أنها تحبه... وتثني عليه... ولا ندري هل ستعود أم لا»
كان سرد تمام... للحكاية... ركيكاً... ولكن... لم يمنع ذلك... من أن تنشدَّ ابتسام للقصة... وتحرص على معرفة نهايتها.

الفصل الثاني والعشرون

 1- رياض الصالحين

في المساء... وقبل غروب الشمس بقليل... أقبل حسان بسيارته الجديدة... وبجواره جواهر... سعادته لا تكاد توصف... شيء واحد يُنَغِّص عليه أفكاره:
- " ماذا سأقول لابتسام غداً؟... عندما ترى هذه السيارة... لقد بدأت حياتي تتغير... السيارة كافية لكشف عن كل ما حاولت كتمانه"
انتهى الطريق الطويل... ووصلت الأسرة بسلام... ونزلت جواهر بجوار منزلها... وبقي حسان يَرْمُقُها... حتى توارت خلف الباب... ثم نزل من السيارة... وتأكد من إقفالها... وسار إلى السيارة القديمة... سيارة زميله... وركبها... وقادها إلى منزله... إنه لا يريد الدخول في... س و جـ... ومن أين لك السيارة؟... ومن أين لك قيمتها؟... ستبقى السيارة بجوار منزل جواهر... حتى يستجد جديد في الأمر.
بعد أن أوقف حسان السيارة بحوار منزله... نزل منها... كان شوقه يكاد يفتت وجدانه... وكان يسرع في الخطوات... حتى دخل للمنزل... وما أن طرق الباب... حتى كلمته ابتسام... ثم فتحت له... إنها حقاً سعيدة... بقدومه الميمون.
 الشاي جاهز... والحديث العذب أيضاً جاهز... والقصص المختلفة... يجب على حسان أن يجيد روايتها... حيث إنه كان مع أصحابه... في رحلة نزهة للبحر... وقد صادوا الكثير من السمك... ونصبوا الخيام... وذبحوا التيوس... انتقاماً من التيس غير المرحوم.
حسان الآن يشعر بإشكالية وضعه الأسري... لا هو راسٍٍ على بر... ولا راسٍٍ على بحر... ويجب أن يرسو... الله!... ما أجمل أسرته لو اجتمعت على قلب امرأة واحدة!... أمنية جميلة... ولكن... لا تعدو كونها أمنية... الأنس سيقول:
- «من أين أجيء؟»
والواقع أنه يجيء من كل مكان... ويلتف حول الجلسة العامرة... زوجة طيبة... ورب غفور... ولكن... هل سَيُرسِل خبرُ زواجه من جواهر... سيلاً عرماً... وتتبدل جَنَّات الأمن... بجحيم الخوف؟.
وقبل أن ينام الزوجان... فكرت ابتسام في عملٍٍ قديمٍٍ... تركه الزوجان منذ فترة... إنها القراءة... في كتاب... رياض الصالحين... ولكن... مشاهدتها لتلك المسلسلة... ولمرة واحدة... غيَّرت الكثير من مشاعرها... لقد أحسَّت بِقَسْوَةٍ غريبة في قلبها... أعصابها الآن متوترة... ولكنها مع كل ذلك... أحضرت الكتاب... وابتسمت لحسان... وقالت:
- «رياض الصالحين... صديقنا القديم »
- «رياض الصالحين... الله؟... كتاب يذكرني دائماً بالسعادة... والهناء»
- «نعم... السعادة... السعادة يا حبيبي... في أن يرضى الله عنك... إنك عندها تحسُّ أن كل الكون راضٍ عنك... وإنك راضٍ عن نفسك»
- «هل تعرفين آخر تعريف للسعادة يا ابتسام؟»
- «لا أدري»
- «أظن أن السعيد... هو الإنسان... الذي وصل إلى حدِّ الرضا عن نفسه... وعما حوله»
- «أليست هذه هي القناعة؟»
- «نعم... صحيح... سأغير التعريف... السعادة باختصار... أن يقتنع الإنسان... أنه ليس بالإمكان... أفضل مما كان»
- «تبدو شاعراً يا حسان»
- «هيا اقرئي من كلام رسول الله»
بدأت ابتسام في القراءة... كانت تقرأ بطريقة مرتَّبة... وصوتها العذب... يكاد يجسِّد الأحداث والأحكام... وحسان يستمع... ويستفيد... ويحمد الله على هذه الزوجة الصالحة... لم يعد هناك ما يعكر صفوه... سوى القضية الهامة... المتعلقة بالطريقة الأمثل... لمعرفة ابتسام بالخبر السري... وكيف ستتعامل معه.
 كانت هواجسه تدور هنا وهناك... ولفت نظره أن ابتسام قلبت إحدى الصفحات... من الكتاب... دون أن تقرأ ما فيها... اندهش لهذه الحركة الغريبة... وحاول عبثاً أن ينظر إلى الأحاديث التي تجاهلتها ابتسام... مد يده... وأعاد الصفحة... وقرأ العنوان... كان من المدهش حقاً... أن يكون العنوان هو... باب في العدل بين الزوجات... قال حسان:
- «لماذا لم تقرئي يا ابتسام؟... نحن هنا نستفيد»
- «ليس كل ما يعرف يقال»
- «ولكن هذه أحاديث رسول الله»
استسلمت ابتسام... وبدأت تقرأ...
- «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها)... الحديث واضح»
في تلك الأثناء... وجد حسان المدخل... نعم... هنا ستكون البداية... لذا قال:
- «أرجوك يا ابتسام... اشرحي هذا الحديث... أنا لم أفهمه»
- «وأنا أيضاً لم أفهمه»
- «إياك أن تكتمي العلم يا ابتسام»
- «صدقت... من كتم علماً علمه الله ألجمه يوم القيامة بلجام من نار... إذن... الحديث كما يبدو لي... يدل على مدى اهتمام الإسلام برسم طريق عادل واضح... يسير فيه الزوج المعُدِّد مع زوجاته... إنه يحفظ لهن حقوقهن... بحيث تعيش كل منهن حياتها الكريمة... المستقلَّة... الإسلام يحرص أيضاً على إبقاء العلاقة... بين هاتيك الضرائر... علاقة حب واحترام... ويحرِّم على إحداهن... أن تتعدى حقوقها... لتنال من حقوق غيرها... وفي آخر الحديث... وصف جميل... ومثل مناسب... ضربه رسول الله... صلى الله عليه وسلم... ليبين حال المرأة... التي تطلب طلاق ضرتها... وصفها رسول الله... بصورة مناسبة... وصفها... بقلب الإناء الذي تملكه ضرَّتها... أي... سكب ما فيه... أي أنها بطلب طلاق ضرتها... تحرمها من الرزق الذي أحله الله لها»
- «الله... الله... أنت شيخ الأزهر في زمانك»
- «ماذا تقصد؟»
- «أقصد أن الإسلام عظيم... يقدم مصلحة الجماعة على أنانية الأفراد... الإسلام قد يَحْرِِمُ المرأة جزءاً من الخير الزائد عندها... في سبيل إعطاء امرأة محرومة... تماماً كما لو كان لدى رجلٍ في صحراء... خزَّان من الماء... ورجل بجواره... لا يملك قطرة... فإنه يجب عليه إعطاء الهالك... من الماء... ما يسد ظمأه»
- «ماذا تقصد؟»
- «أقصد ما قال الشاعر»
- «وماذا قال الشاعر؟»
- «كم ظالمٍ يروى... ويستولي على نبعٍ... وكم من ظامئ... لا يشرب!»
- «لم أفهم شيئاً»
- «ما رأيك في إباحة الإسلام للتعدد؟»
- «أنا كأنثى... لا أستطيع إجابتك»
- «وأنت كمسلمة متدينة؟»
- «لا أدري... ولكن للضرورة أحكام»
توقف حسان عند هذا الحد... وبدأ يُمنِّي نفسه بأن النتائج حتى الآن... نتائج ممتازة... وابتسام يبدو أنها... أصبحت قابلة... ولو جزئياً... بسماع خبر زواج حسان... من جواهر... ولكن... عليه ألاَّ يتسرَّع... الحِلْمُ والأناة... هما أقصر الطرق... للوصول للمُراد.

2- نهاية المسلسل

مرت خمسة أيام... المياه تسير في مجاريها... لا جديد يذكر... اللهم ملاحظة واحدة... لاحظها حسان... على زوجته ابتسام... إنها تتسمر يومياً... بعد صلاة المغرب... أمام التلفزيون... وبالتحديد أمام المسلسل.
الدهشة تبدو على محياها... والقلق يروح ويجيء على نظراتها... لقد دمعت عينا ابتسام في آخر حلقة من حلقات المسلسل... إنها الحلقة الخامسة التي رأتها...  دمعت عيناها كثيراً... عندما ماتت المرأة الأولى...  من نساء الممثل الزوج... بكت ابتسام بكاءً مُرَّاً.
لقد ماتت وهي عند أهلها... رافضة العودة لزوجها... الذي أصبح ثرياً... لقد تركت القصر له... ولزوجته الثانية... وبقيت مع أهلها... تقاسي حبها الكبير... وتقاسي أيضاً... أنفتها وعزَّتها.
ارتسمت في ذهن ابتسام صورةٌ كالحة... عن الزوجة الثانية... وأنها لا تعدو سارقة أزواج... إنها قبيحة... تماماً كقبح زوجة الممثل الثانية... التي استعانت بالسحر... لتخريب البيوت... لقد صفّقت من قلبها للزوجة الأولى... التي صبرت وصابرت... وتحدت كل عواطفها... لتُثبت للناس... أن كرامة المرأة... في أن تموت قهراً... دون أن ترجع لزوجها المعدد... لقد تناست كل ثقافتها السابقة... وبقي في ذهنها صورة المرحومة... المرأة الأولى... إنها مثل رائع... للمرأة الأبيَّة.
هكذا أصبحت قناعة ابتسام... في اليوم الخامس... من مشاهدة المسلسل... وأيضا... من قراءتها مع زوجها... في كتاب رياض الصالحين... لحديث العدل بين الزوجات... جميع أفكارها تغيرت.
لم يطرأ على ذهن حسان أبدا... أن كل هذا التغير حصل لذهن ابتسام... وإلا... لأعد خطة أكثر مناسبة... لإخراج زوجته من مغبة تجربتها الجديدة... مع التلفزيون.
 كان حسان يراها وهي تشاهد... ولكنه لم يكن ليُدخل نفسه في معمعة النقاش... إنه كان يَكِلها لإيمانها... ويعلم أنها لن تشاهد إلا النافع... أو المباح على الأقل.
إنه يعرفها جيداً... فهي تُحارب التفسخ... أياً كان.
 وفي تلك الليلة... التي شاهدت ابتسام فيها... آخر حلقة من المسلسلة... قرر حسان... إخبارها بكل شيء... إن كلماتها منذ أيام... توحي له... بأنها لن تغضب... وإن غضبت... فلن تثور... وإن ثارت... فلن تنفجر.
حُلمه الجميل قد يتحقق... وتجتمع زوجتاه... تحت سقف واحدٍ... من الإيمان والحب والصفاء... وسيصنعون جميعاً... جنة لهم في الدنيا... والله سبحانه... لن يضيع أجر من أحسن عملا... بدأ حسان يحدث نفسه:
- " المؤمن الصادق... هو المؤمن الصابر... خاصة عند نزول البلاء... ابْتُلِيَتْ جواهر... فصبرت... وصابرت... وطال بلاؤها... وطال معه صبرها... ثم عوَّضها الله بزوج يحبها... سعدت معه أكبر سعادة... وابتليت أنا... بموت ضاحية... ثم بالتهمة بقتلها... ولحقتني الويلات داخل السجن... وأظلمت الدنيا في وجهي... ولكنني صبرت... وصابرت... وازددت صبراً... حتى فرَّج الله الكربة... وعوضني حنكة ودهاءً... وعلماً أعمق بهذه الحياة.
وها هي ابتسام... ستٌبـْتـَلى... بمعرفتها بزواج زوجها... الذي يحبها وتحبه... ستبتلى وَسَتبيْنُ لها حين ذاك... صورةٌ قبيحة للحياة... كما بانَت لمن قبلها... ولكنَّها حتماً... ستصبر... وستصابر... وستزداد صبراً... كي يُعوّضها الله خيراً... الله... رحمك الله يا ضاحية... حتى أنتِ... كنتِ أكثر بلاءً... وكنتِ أكثر صبراً... ولكن هل عوضكِ الله؟... لا أعلم... لا... لا... بل أعلم... لقد عوضك الله... برؤيتك لابنتك... قبل أن تموتي مظلومة... وعوضك الله... بأن تموتي مظلومة... أنت يا ضاحية... أعظم ابتلاءً وأعظم صبراً... وأعظم جزاءً وأجراً.
إذن عليك أن تصبري يا ابتسام... سأخبرك الخبر هذا اليوم... وحتماً ستكوني عند حسن الظن"

 

3- انفجار الكلمة

جلس حسان... يشكو القليل من التوتر... زوجته ابتسام أمامه... ورياض الصالحين هناك... على رف صغير... بجوار تسريحة الشعر... كل شيء مناسب... لتفجير الخبر... حمل حسان الكتاب... وفتح على الحديث ذاته... إنه في ثقة تامة... من أن قدراته الكلامية... ستعينه على عرض المشكلة... وحلها... في آن واحد... الله... لحظات ويصبح الحلم حقيقة... وتجتمع الأسرة... وتعم السعادة.
- «يا ابتسام... يا حبيبتي»
- «نعم يا حسان قل ما تريد»
- «هناك سر...»
- «تفضل... أنا أم أسرارك... وبئر أسرارك»
- «ولكن... لابد أن تعديني وعداً»
- «أنا أعدك بكل ما أملك»
- «لا تغضبي أو تـنـزعجي»
- «لا يوجد حبيب يغضب على حبيبه»
- «أكيد؟»
- «أكيد يا حسان... تكلم بأي شيء تريده»
- «أنا لازلت أتذكر... كلامك الجميل... وشرحك للحديث... الذي قرأناه قبل خمس ليال... هل تذكرينه؟»
- «نعم... هل أعجبك الشرح؟»
- «أنت عالمة جليلة»
- «شكراً... وأي حديث آخر تريد أن أشرحه لك... فأنا على استعداد»
- «هـ هـ .. هـ هـ .. هـ هـ»
- «هـ .. هـ  هـ هـ هـ»
بدأت الراحة والطمأنينة تجد طريقها لقلب حسان الراجف... لا داعي لكل هذا الخوف... الذي كان يخافه... ليس أول من يتزوج بأخرى... ولا آخر من يتزوج... وابتسام أعقل من غيرها... لقد كنت غبياً حين أعطيت الموضوع أكبر من حقه... سأقول لها وينتهي كل شيء.
- «تفضل يا حسان... قل السر... لقد أقلقتني... وأنا أحب الأسرار... وأكره الانتظار»
- «السر... السر...»
- «السر ماذا؟...»
- «السر... أنا متزوج يا ابتسام...»
- ............
- «ماذا بك؟... يا حبيبتي... هل انزعجت؟... أنا متزوج... من جواهر... إنها امرأة طيبة»
- .........
- «ماذا بك... هل هذا يغضبك؟... لقد وعدتني أنك لن تغضبي»
كانت عينا ابتسام تدور هنا وهناك... أشبه بمن يبحث عن شيء مذهل... إنها تفكر في نفسها... وتتذكر أحداث المسلسل... الذي شاهَدَته في التلفاز... الدنيا لم تعد تسعها... تضاءلت الحياة أمامها... وكرهت كل شيء... واحتقرت زوجها... وبدأت تكرههه... كرهت جواهر... احتقرتها... كادت تضحك... وتصبح مجنونة... ولكنها لم تفعل ذلك... شيء واحد فعلته... لقد قامَت من مقامها... وقالت:
- «إن كان كلامك هذا صحيحاً... فستدفع الثمن غالياً»
- «قام حسان ليسترضيها... ولكنها انصرفت... ذهبت وتركته... لحق حسان بها... ولكنها أسرعت... أسرع خلفها... ولكنها دخلت لغرفة النوم... وأغلقت على نفسها بالمفتاح.
 انقلب كل شيء... وانهد السقف على رأس حسان... بدل أن يُظلَّهُ... ويظل أسرته... الحياة تبدو باهتة في عينيه... ابتسام ليست ابتسام... شيء ما غيَّرها... كان يظنُّها ستقول:
- «لقد توقعت هذا منك... سامحك الله ... هكذا الرجال... ليس لهم أمان...»
أو تقول:
- «ولماذا يا حسان؟... هل ينقصك شيء؟...»
أو ربما قالت:
- «هذا من حقك... وفقك الله»
ولكنَّ ردَّها هذا نذير شؤم... ماذا عساها تفعل الآن؟... طرق حسان الباب عليها... ولكنها قالت:
- «يا كلب... يا حيوان... إياك أن أراك مرة أخرى...»
أغمض حسان عينيه... وابتلع غصته... وحدث نفسه:
-"ما هذه الإهانة غير المتوقعة؟... لماذا كل هذا؟... لم أتقدم لها ذات يوم... بأي إساءة... أو إي إهانة... هل فَعَلتْ كلَّ هذا بي؟... لأني كنت طيباً معها... لا... لا... الأعمال الطيبة... لا تقود أصحابها إلى السوء... رحم الله آباءنا وأمهاتنا... كانوا ينظرون للحياة بنظرة أكثر واقعية من نظرتنا... إن حياتنا كئيبة... لأننا نحَمِّلُ الأمور أكثر مما تحتمل... ونحمل أنفسنا كل أعباء الحياة... ونصنع من الحبة حُجْرة كبيرة... ثم نهدمها على رؤوسنا... ورؤوس الآخرين"
لم يجد حسان بداً من الخروج من المنزل... هناك حديقة قريبة في الحي... لا يمنع مانع من النزهة فيها.

 4- المأساة من جديد

خرج حسان من منزله... بعد أن ضاقت عليه الدنيا... وضاقت عليه نفسه... سار على رصيف الشارع... خطواته كانت ثقيلة باردة... وصل أخيرا للحديقة... نظر إلى السماء... وإلى النجوم:
-" الحياة كما هي... لم يتغير فيها شيء... إنها واسعة ورحبة... ولكن... الإنسان... هو الذي يُجْبر نفسه دائماً... على السجن داخل غرفة... لماذا يا ابتسام... لماذا؟"
من كشك صغير داخل الحديقة... اشترى حسان عُلبةً من عصير العنب... كانت باردة... شربها جرعة واحدة... أو ربما جرعتين... إنها كفيلة بإطفاء حرارة الإهانة... التي وُجِّهَتْ إليه من قِبَلِ أحب إنسانة في حياته... انقدح في ذهنه فكرة متفائلة... ربما يعود للمنزل... ويجد ابتسام قد خرجت من الغرفة المقفلة... -الأبالسة- قد خرجوا من رأسها... وسيقدم لها علبة عصير باردة... ويَسْتَسْمِحُها:
-" حتماً سيحصل هذا... هي امرأة عاقلة... وكل ما قالته من شتيمة... إنما هي مجرد نزوة سريعة... وردة فعل غاضبة"
مرت الدقائق مسرعة... عاد حسان للمنزل... وبعد أن دخل... نظر للعصير في يده... واتجه للغرفة التي حبست ابتسام فيها نفسها... وَجَد باب الغرفة مفتوحاً:
-" الحمد لله... حتما...  إنها نائمة... أو جالسة... بلا شك "
خطوات متفائلة... أدخلته الغرفة... نظر هنا وهناك... لا أحد... سوى الفراغ القاتل... ينتشر في الزوايا المعتمة... تقدم قليلا... رأى ورقة صغيرة... وُضعت بشكل ملفت... على كتاب رياض الصالحين... أفْلَتَتْ منه علبة العصير... أمسك الورقة بكل قلق... رفعها... وبدأ يقرأ:
- «إلى الغادر... النَّذل... حسان... إنّ طيبة المرأة... تتحول إلى جنون... وإن ظلها الظليل... يتحول إلى بركان... عندما تمطر عليها... سحابة الظلم... شيء واحد... أريد أن تعرفه... شيء واحد... فقط... هو... إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال... أن تبقى الجرثومة جواهر... شريكةً في حياتي... أو زوجي... مهما كانت النتائج... أو التبعات... الخيار واضح... جداً... إما جواهر... وإما ابتسام وابْنَيها... وأنت حر... وثق أيها النذل... أنه لن يكون لك زوجة اسمها ابتسام... ولا أبناء... بمجرد مكوثك متشبثاً بمن تسميها... زوجة أخرى... أمامك فرصة نهائية... لن يطول انتظاري لردك أكثر من أسبوع... من هذا التأريخ... الحد الفاصل بينك وبيني... هو أسبوع واحد فقط... سَنَخْتفي من حياتك... إلى الأبد... عليك أن تقرر... بإشارة منك... تستطيع أن تختار... إما زوجتك وأولادك... أو جواهر... وملايينها... المظلومة ابتسام» دارت الدنيا برأس حسان... تماماً كما يدور الحمار برحاه... وبدت له حقائق جديدة... لم تكن بحسبانه... ولم يتعلم مثيلا لها من قبل... في الدورة المكثفة... التي تلقاها في السجن... وبدت له ابتسام... نسخة مكررة من تمام...  إنها تفكر بنفس منطقه... وتسير على نفس أسلوبه... للنيل من خُصومها... ولكن... هل سَتُطَبـَّق ابتسام كل ما قالته؟... وهل هي مقتنعة به؟... اعتصر حسان الورقة بكل قوته... وقذف بها بعيداً... وخرج من منزله... هائماً لا يدري أين سيتوجه.

 5- إلى جواهر

ركب حسان سيارته... وانطلق... عيناه تنظران يمنة ويسرة... وقلبه لا يرى شيئاً... لقد بدا له الحرمان الكبير... والفشل الذريع... في تحقيق حلم السعادة... التي منَّا بها نفسه... الحلم بدأ يتلاشى أمامه... إنه الآن منطلق إلى جواهر... إنها الملاك الطاهر... الذي يستطيع تنقية آلامه.
حسان... يفكر بعمق... ويفكر بقلق... والموضوع الذي يفكر فيه... هو بالتحديد... موضوع الطلاق... الذي تطلبه ابتسام... ربما يقع الطلاق... بالفعل... عندما تتصلب ابتسام... في موقفها... ولكن... من هي التي ستقع في أشراك الطلاق... من زوجتيه؟... أهي جواهر... المسكينة... أم ابتسام؟... هل هي المرأة المسكينة... الوحيدة... التي قُتلت أمها شر قتلة... أم المرأة... التي بدأت معه مشوار حياته... وكانت ولازالت... أم أبنائه؟... حدث حسان نفسه:
- "لماذا يُطلب مني... حل هذه المعادلة الصعبة؟... ولماذا هذا الاختيار المر؟... لماذا لا تبقى جواهر وابتسام؟... تسيران في طريق واحد... وتنتهي المشاكل برُمَّتها... إنها كلمة واحدة... من ابتسام... كلمة واحدة... كفيلة بإزالة العقدة كاملة... ولكن... لابد أن يشاركني إنسان ما... في تحمل هذه القضية... لا أستطيع علاجها بمفردي... أنا أضعف بكثير... من  تحمل أعباء تنوء بها الجبال"
لم يطل تفكير حسان... هز رأسه بعد أن اتخذ القرار:
- "لا أحد سوى جواهر... جواهر يجب أن تعلم... بكل شيء"
قليل من الوقت... ويصل حسان إلى منزل جواهر... نزل وهو يَتَعثَّر في قدميه... لا يدري هل يَرْثي لحاله... أم لحال جواهر؟... أمْرين أحلاهما علقم... والآخر أشبه بقطعة من زقوم.

6- حكم... صاعق

سمعت جواهر صوت السيارة وهي تقف... وسمعت الجرس وهو يُطرق... وسمعت المفتاح وهو يدور... فرحتها لا تكاد توصف... إنه بالتأكيد... حبيب قلبها... حتما سيبقى معها هذه الليلة... لم تكن جواهر لتعلم ما تُخفيه لها الحقيقة.
دخل حسان مثقلا بكل ما هو مثقل به... من حصيلة الخوف والذل والهوان... استقبلته جواهر مبتسمة... فرحتها تكاد تطير بها... ولكن... طعنها بعنف...  لون حسان الشاحب... وصوته المتهدج... إنه بالتأكيد... نذير كارثة... كانت جواهر تحدّث نفسها:
-  «لماذا كل هذا الحزن؟... ويلك يا جواهر... هل يمكن؟... أن تكون عصا الفأس... قد ضربت الرأس... لا...لا... أرجو أن لا يكون حزيناً... بسبب كلمة قالها لابتسام... عن زواجه مني... هل يمكن؟... أن يكون متهورا لهذا الحد؟»
أمسكت برأسها وهي تقول :
- «هل أخبرتها بالزواج؟»
- «نعم»
- «هل تَرَكت ابتسام المنزل وخَرَجت؟»
- «نعم»
تقدمت جواهر نحوه... وهي تصرخ... ثم قالت... وهي تمسك بتلابيبه:
- «هل طلبت طلاقي؟»
- «نعم»
جلست جواهر بهدوء... وهي تمسك برأسها... وتردد:
- «لماذا قتلتني؟... لماذا قتلتني يا حسان؟... يا حبيبي... لماذا أخبرتها؟... حرام عليك... حرام»
اشتدَّ نحيب جواهر... أكثر وأكثر... وتركت حسان وقامت... ثم عادت للوراء... وألقت بنفسها على مقعد قريب... وأطرقت برأسها... شعرها الحريري ينسدل على وجهها... نظرت إليه مستجدية وهي تقول:
- «لقد انتهى كل شيء... أليس كذلك؟... قل لي... قل لي... سوف تطلقني... أليس كذلك؟... لماذا هذا الظلم؟... لماذا هذا الجور؟... لماذا تميل كل الميل؟... ماذا جنيت لك... أو لها؟»
اقترب حسان من جواهر... لقد نسي الكثير من الهم... الذي ينبعث في وجدانه... عند رؤيته للهم الرهيب...  الذي انهال على هذه المسكينة... ثم مسح على رأسها بلطف... وبدا يتحدث وهو غير واثق  مما يقول:
- «اطمئني يا حبيبتي... لن أطلقك»
- «هل ستطلقها؟»
- «لا»
هزت جواهر رأسها... ثم غمرت رأسها بين كفيها... وواصلت النحيب... لقد انقلعت شجرة العنب... التي نبتت في قلب جواهر... من جذورها... لن يطلع العنب من جديد... حتماً سينبت الحنظل... أو الموت.

 

 7- الزعيم تمَّام

أصبحت الأسرة الوادعة... تعيش اضطراباً لا يوصف... وتحوَّل الهدوء تلقائياً... إلى عاصفة مخيفة... وبدأت أركان البيت الآمن... تتزعزع... كل ذلك بسبب كلمة واحدة... ألقاها حسان... في حالة أمل كبير... كان يظن أن تلك الكلمة... ستزيد من مستوى الأمان النفسي... بالنسبة له... وستقوِّي ترابط أسرته... المنفصلة... ولكن... الأمر بدأ الآن لحسان... وهو مختلف تماما.... إنه أصبح على مفترق الطرق... وعليه أن يختار... وعليه أن يحدد موقفاً جاداً... من كل ما حوله.
حسان جالس في مكتبه... رأسه يدور بالدنيا والدنيا تدور برأسه... رن جرس الهاتف... ثم رنَّ... ثم رن...  رفع حسان السماعة... شيء مؤسف... الصوت المسموع هو صوت تمام:
- «آلو... حسان... هـ... هـ... هـ... تلبس مسوح الضأن... يا ثعلب... لقد بدا لنا جلدك الأغبر»
- «أهلاً يا تمام»
- «لا أهلاً ولا سهلاً»
- «أنتم لم تفهموني»
- «نعم... لم نفهمك من قبل... ولكن فهمناك الآن... اسمع يا حسان... يا تعبان... تطلِّق أختي الآن... أتَفْهم؟... أو تطلق تلك المرأة... جواهر...لا خيار»
- «أريد أن أكلم ابتسام»
- «لن تكلمها أبداً... أنا المفاوض الرئيسي عنها... أنا بدأت وأنا سأكمل الموضوع... الطلاق يجب أن يتم خلال ثلاثة أيام... إما أن تطلق أختي... أو الأخرى... ولا رجعة... عن هذا الكلام... وإن لم تطلقها بالطيب... فسيكون هناك محامٍ... يقدم ادعاء للمحكمة... ويطلقها غصباً عنك»
أُقفِلت السماعةُ... من طرف تمام... ثم أُقفِلت من طرف حسان... لم يبق أمام حسان أي باب مفتوح... عليه أن يقرر الآن... لقد كان يعيش من قبل... ولديه احتمال قليل... في عودة ابتسام... إلى رشدها... ولكن اتصاله هذا مع تمام... أطفأ كل أمل له... اتصال واضح... وجميع معانيه واضحة... إنه يحمل كل معاني التوبيخ والتهديد... وقد انتهى على قرار نهائي... إما طلاق ابتسام... أو طلاق جواهر.

8- أبو المشاكل

 حسان لا يستطيع التفكير أكثر... انقدح في ذهنه فجأة... الشيخ جابر... حلال المشاكل... أو بمعنى أصح... أبو المشاكل... لا مشكلة... أحسَّ حسان براحةٍ شديدة... بمجرد تذكر صورة جابر.
قام من كرسيه... واتجه لكنبة طويلة... وألقى ببدنه عليها... دون غطاء... عليه أن ينام حتى الصباح.
 نام حسان تلك الليلة... كان مَهموماً كئيباً... وبعد صلاة الفجر... كان حسان يجلس بجوار الشيخ جابر... قرأ الشيخ جابر... كل آيات الأسى... في وجه حسان... وبادره السؤال:
- «ماذا بك؟... هل أصابك مكروه؟... كيف حال أسرتك؟»
- «لقد اشتعلت النار»
- «النار... أعوذ بالله... سلامات... كيف ذلك؟... هل أطفأتها؟»
- «نارٌ من نوع لا يمكن أن ينطفئ... لقد علمت ابتسام بنبأ زواجي من جواهر... ثارت عند ذلك... وذهبت إلى منزل أخيها... أنت لا تدري... ابتسام لها أخ غريب الأطوار... هو أكثر حمقاً من الحمق نفسه"
- " كن متفائلا... حتما ستعود"
- " كلا... المشكلة أكبر... ابتسام طلبت مني أن أطلق جواهر... ما الحل؟»
- «الطلاق... أعوذ بالله... انتبه يا حسان... إياك أن تفعل ذلك»
- «إن لم أفعل ذلك... وأطلق جواهر... فإنها ستطلق نفسها... عن طريق محامٍ... عند القاضي»
- «لا يمكنها ذلك بهذه السهولة»
- «أخوها تمام... له علاقة بمحامٍ قانوني... حتماً سيطلقها»
- «اعترض على الحكم»
- «لا فائدة... إنها الآن تسمع مشورة أخيها الأحمق»
فكر جابر قليلاً... ثم قال:
- «وما العمل من وجهة نظرك؟»
- «لا أدري... لو كنت أدري لما أتيت»
- «ما رأيك؟... لو... أقنعنا تماماً هذا... قد يلين قلبه... ويُقنع أخته»
- «أرجو ذلك»
ربت جابر على كتف حسان... وأخرج من جيبه قلما وورقة... وكتب رقم منزل تمام... ووعد حسان بأن تكون الأمور على ما يرام... ثم ابتسم في وجهه... وانصرف.
قبل أذان الظهر بوقت قصير... اتصل جابر بتمام... كان متفائلا بدرجة كبيرة... ولكن... للأسف... كان الاتصال عديم الجدوى... لأن تماماً كان من قلة الذوق... بحيث لم يستطع جابر مواصلة الحديث معه... وانتهى الاتصال بتهديد بليغ من تمام... بأنه... سيُدير الشلة من أصحابه... لضرب حسان... ضربا مبرحا... لا ينساه أبدا... لو لم يُنْهِ الموضوع... خلال يومين لاحقين... فقط.

 9 - ميزان العدالة

قرر حسان في اليوم التالي... أن يذهب إلى قُرَّة عينه جواهر... كان له عينان مثيلتان لعيني رأسه... كانت ابتسام عينه اليمنى... وجواهر عينه اليسرى... الآن أصبحت عينه اليمنى أشبه بعينٍ عمياء... وعليه الآن أن يتدارك عينه اليسرى... كي يرى عن طريقها الأشياء.
 وصل حسان إلى جواهر... كان أشبه بكتلة ثقيلة من الحزن... جلس قبالتها... ولم ينطق أيُّ منهما بكلمة... العيون وحدها تتكلم... والعيون وحدها تفهم... والاستجداء والالتماس... يبدوان واضحين في عيني جواهر... والانهزام والانكسار...  يبدوان واضحين في عيني حسان.
مر يومان آخران... لا جديد فيهما... سوى اتصالات تمام... التي تحمل كل حين طابعاً جديداً... من التهديد المرير.
جواهر تحاول تناسي مأساتها... وتحاول أيضاً إقناع نفسها بأن هذه المشكلة ستنقضي على خير... لذا فهي تذهب لمدرستها... وتعلق آمالها بالوعود الهزيلة... التي يُقدِّمها حسان كل حين... أما حسان... فهو في المكتب... يندب الحظ العاثر... ويترقب آخر الأنباء... التي قد تجعله قادراً على تصوُّر مستقبله... بطريقة أفضل.
ولكنه في صباح اليوم الرابع... من هروب ابتسام من المنزل... فوجئ بمكالمة هاتفية... بدا له على الخط الآخر... الشاب تمام.
- «آلو... من؟»
- «أنا تمام... بدون تطويل كلام... الآن تحضر للمحكمة... فقط أريد منك توقيعاً صغيراً... على ورقة الطلاق... أنا وأختي في انتظارك... عند بوَّابة المحكمة... إياك أن تتأخر... وإن تأخرت... فلا مشكلة... الطلاق سيتم بكل سهولة... ولكن... حضورك قد يكون أفضل... بالنسبة لك... لأنك... ربما... قد تستطيع  إقناع ابتسام... أو ربما دافعْتَ عن نفسك... على كل... رأي ابتسام... يتلخص في أنها لا  تستطيع البقاء معك... تحت سقف واحد... لظروف لعلها تريد الاحتفاظ بها»
قام حسان من مكانه... إنه متوتر أشد التوتر... وهو فيما يشبه الدوامة... إنه يتخيل آثار أملٍٍ صغير... قد يستطيع عن طريقه إقناع ابتسام... ربما.

10-  ورقة الحكم

وصل حسان للمحكمة... كانت المدة التي قضاها للوصول إلى هنا قصيرة... ولكنها كانت أشبه بسنين مديدة... إنها تمرُّ بثقل ثقيل... أشبه بثقل الجبال أو الحديد... نظر حسان إلى تمام... الواقف هناك... أمام بوابة المحكمة.
 كانت البسمة العريضة... تمتد بين شدقيه... وكأنه قد تقاضى مبلغاً طائلاً من المال... لقاء موقفه هذا.
وبعد دقائق... دخل حسان على القاضي... كان تمام بجواره... أمّا ابتسام فهي في المكان الخاص بالنساء... يبدو القاضي متحاملاً جداً على حسان... لقد سمع من تمام... وربما أيضا من ابتسام... الكثير والكثير... قبل مجيء حسان.
 طلب حسان من القاضي مهلة... كي تهدأ الأمور... أو يتم تحسين الوضع... لكن تماماً قاطع ذلك الطلب... بعرض قصةٍ كاذبة... عن معاناة ابتسام... لو بقي هذا الوضع:
-" يجب أن يطلقها الآن... وإلا... ربما فَقَدَتْ أعصابها... أنت المسئول يا فضيلة الشيخ... بين يدي الله... عن أي أمر يحصل لابتسام... نفسيَّتها منهارة... قد تصاب بصرعٍ أو جنون"
القلق والتوتر يبدوان على حسان... إنها اللحظة الصفر... لسانه مكبل داخل فمه... لشدة وطأة الضغوط التي مر بها... حتى تفكيره... لم يعد يعمل بالشكل المناسب...  قدرات حسان العقلية في التفكير... بدأت البلادة تدركها... إن قدراته كإنسان أقل بكثير من القدرة على الاختيار في موقف صعب كهذا... والوقت يمضي بسرعة... والقاضي يدق على المنضدة أمامه... بطرف إصبعه... ويُبَحْلِقُ في حسان... أغمض حسان عينيه... في شيء من الاستسلام... عليه أن يختار... بسرعة... إمّا ابتسام وطفليها... وإما جواهر... قال الشيخ القاضي:
- «عليك أن تتخذ قرارك»
تمام يبتسم ابتسامة التمساح... ويَسْتَحثُ آخر الأحداث... وأخيراً تناول حسان الورقة... وبدأ يكتب فيها كلمات... حسان وقت كتابته...لم يكن يدري ماذا يكتب... أو ربما كان يدري... المهم أنه يكتب ورقة طلاق... والسلام.
 انتهى حسان من الكتابة... ثم مد الورقة... وتناولها القاضي... ثم خاطب تماماً قائلاً:
- «هل اسم أختك جواهر؟»
- «كلا»
ترك حسان المجلس... وخرج... لقد عمل ما أوحاه له عقله... وقلبه... في تلك اللحظة... بغض النظر... عن المستقبل... والماضي... لقد ضحى بكل شيء... وانتهى الأمر... لا فائدة من الندامة... كل شيءٍ فانٍ... الدنيا عمَّا قريب ستفنى... بالنسبة له... وبالنسبة لجلاَّده الظالم... وأيضا بالنسبة للمظلوم... الجميع سَيَجِدُون النهاية نفسها... ذلك بالنسبة لقانون الدنيا... وكلهم سيخسرونها... إن عاجلاً أو آجلاً... المهم... أن الظالم يخسر عوضاً عن خسارة الدنيا... خسارة أخرى... تُدَّخر له بعد الموت... وهي بالفعل الخسارة الحقيقية...  أما المظلوم... فقد يكون له حظ أفضل... في الحياة ما بعد الدنيا.
عند ما فكر حسان في الموضوع ... من هذا المنطلق... اتخذ قراره وأصدر حكمه.

 

 11- الورقة... أصدق أنباءً من السيف

لقد خرج من المحكمة... وانطلق لمنزل جواهر... جواهر ساعتها في المدرسة... وقبل أن ينزل من سيارته الجيب... أخرج ورقة من جيبه... كتب فيها كلمات مختصرة... ثم نزل من السيارة... وترجل قليلا... ثم فتح باب المنزل... وصعد الدرج... لم يطل وقت بقاء حسان في الداخل... يبدو أنه الوقت الكافي لوضع الورقة المكتوبة... في مكان ما داخل المنزل... خرج حسان... وركب سيارته... وانصرف.
مَرَّ الوقت الكئيب... كئيباً على العمارة الكبيرة... كما هي عادته... وتَقدَّمت الساعات الباهتة... وهي باهتة كالعادة... ولكن جواهر نزلت من الباص... بعد وقوفه بجوار منزلها... شيء مدهش... السعادة مرتسمة على وجهها... لأول مرة تحس جواهر بالسعادة... إنها لا تدري لماذا هي سعيدة... ولكنها بالفعل... سعيدة... لا أحد يدري... لعل تلك اللحظات... هي آخر موعدٍ لها مع السعادة... إنها سعيدة بدون سبب.
دخلت جواهر لمنزلها... كعصفورة برية حرة... إنها تلهو بالقفز هنا وهناك... وتفكر بمرح وحب... في زوجها حسان... وحدثت نفسها:
- "  لقد أصبح حظي سعيدا بشكل أكبر... لأن حسان  يقضي معي وقتاً أطول... بعد أن ذهبت ابتسام... لمنزل أخيها... ستعود الحياة لوضعها الطبيعي... وستعود ابتسام لبيتها... قريبا... إن شاء الله... وعند ذلك... لن يطول بقاء حسان عندي بهذا القدر... علي أن أستغل الوقت... هذه فرصتي... حتى عودة ابتسام لبيتها... بالطبع... لن يكون هناك طلاق... أعوذ بالله... طلاق... لا...لا... لقد وَعَدني حسان... أنه لن يطلق أحدا"
  لعل سبب سعادة جواهر... في هذه اللحظات... هو إيمانها الجازم... بأن شيئا اسمه الطلاق... لن يكون طرحا واردا... في سياق هذه المشكلة.
وهي الآن... تفكر بجدِّية... في الغداء الذي ستُعدُّه اليوم... لحسان... لابد أنه سيأتي وهو جائع... ستعمل معروفاً فيه... وستطبخ الأكلة المفضلة له... كموظف سعودي على كادر الدرجات... الرز مع اللحم.
 الساعة الآن الواحدة... ربما يحضر حسان للمنزل... قرابة الساعة الثانية... ساعة واحدة كافية لصنع هذه الوجبة.
خلعت جواهر ملابس المدرسة... وارتدت ملابس الطبخ... واتجهت للمطبخ... وبكل نشاط... بدأت في تقطيع البصل... والطماطم... شيء جميل هي الحياة... عندما تحب المرأة أسرتها وزوجها... وتسعى جاهدة لبناء الحياة... لبنة لبنة... إنها تقدم من أجل... ذلك كل حياتها... وكل ما في وسعها... وفي ذات الوقت... تصنع بإتقانٍٍ سعادتها... إنها قد تُحِسُّ بالتعب... ولكن... السعادة حتماً لا تولد إلا من رحم التعب... ولكي نكون سعداء أكثر... فإن علينا أن نتعب أكثر... وعلينا أيضاً أن نتذكر كل من نُحبُّه... كلما أحسسنا بالتعب... وعلى الذين لا يجيدون تذكر من يحبونه... أن يقنطوا من السعادة... وأن يموتوا بغيظهم.
وضعت جواهر اللحم... ووضعت معه الرز... إنها الكبسة... ثم أقفلت القدر... وغسلت يديها... ومسحتهما... بهدوء.

12- النار هنا... أم هناك؟

 النار في الموقد تشتعل تحت القدر... ونار الشوق تشتعل في قلب جواهر... إنها متلهفة لمجيء زوجها... عليها أن تُلقي بنفسها على السرير... وتنتظر.
جواهر دخلت غرفة نومها... كل شيء على ما يرام... بدا ذلك في تصورها... ولكن... لفت نظرها فجأة... تلك الورقة الموضوعة... بعناية بجوار المرآة... كانت الورقة أشبه بشوط كهربائي قوي... سرى في الوجدان المتهالك.
  شيء غير معروف... جعل جواهر تذكر لياليها السوداء... وأيامها الأكثر سوداً... في أحضان وحدتها الرهيبة... تُرى... هل يمكن أن يكون في هذه الورقة... خبر ما... عن كارثة ما؟... لعله أسوأ خبر سيتم لها معرفته... على مدار سنوات حياتها... تُرى... هل تحمل هذه الورقة... شيئا ما... عن الحكم النهائي... عليها... للأبد؟.
جواهر أخذت الورقة... وفتحتها بقلق... وبدأت تدير عينيها بذهول... وتمر على الأسطر المكتوبة بقلم حسان... بدأت مع حركة عينيها... تجربةٌ مريرة... من تجارب الحياة الصعبة... على امرأة مسكينة.
لحظات قاسية سوداء... وبدأت عينا جواهر في التَّوقف... وبدأ الدوار يعمل بطريقته الخاصة... في الرأس المهموم.
وأخيرا... سقطت جواهر... في حالة فقدان للوعي... قد يكون لخروجها هذا... من دوامة الحياة... راحة كبيرة من همومها... ذلك أن النوم... عند كثير من الناس... هو أجمل ما في الحياة... لسبب بسيط... هو أنه خروج منها.

 

13- امرأة المواقف

مكثت جواهر خارج مظاهر الحياة... ما قُدِّر لها... وعاد لها شعورها فجأة... بعد أن باغَتَها سُعالٌ مفاجئ... بدت جواهر ترى كل شيء... كالضباب... ثم عادت لغيبتها.
مر الوقت... ورنَّ الجرس... ورن... ورن... ولكن جواهر أثناء رنينه... لم تكن تدرك ما حولها... لقد استمرت غيبتها تلك... قرابة الساعة... تلك الساعة... بدت أطول من عمر نوح... ومع آخر رنات الهاتف... أفاقت جواهر من غيبوبتها... سمعت الرنين... كصوتٍ مخنوق... جواهر أثناء ذلك... لم تشأ أن ترد على الهاتف... ولكنها آثرت الدخول في غيبوبة الحياة... الدنيا كلها ضباب في ضباب... والسعال العنيف... ينفض أوصالها.
عُرضت أمام جواهر صفحة عريضة... أول الأحداث وآخر الأحداث... من حياتها الصلبة... أخيراً مدت يدها... ورفعت السماعة... رغبتها في الحديث مع هذا المتصل معدومة... ورغبتها في الاتصال بعالم الذئاب... أشبه برغبة العاقل في تناول العلقم... رفعت السماعة قليلاً... ثم أرجعتها... لم ترد ولو بكلمة... ألقت بنفسها ثانية... وبعد دقائق طُرق الباب طرقاً عنيفاً... سمعت جواهر ذلك الطرق... لم يكن لها من بد في القيام... وفتح الباب... الزائر هو زوجة الشيخ جابر... نظرات جواهر لوجه الزائرة باردة كالثلج.
- «ماذا بك يا جواهر؟»
- «لا شيء»
- «مستحيل... الأمر غير طبيعي»
دفعت أم محمد جواهر... بشيء من الرفق... ثم دخلت بسرعة... كانت تبحث عن المطبخ... دخلت المطبخ... لم تكد ترى ما أمامها... كان الدخان ينتشر في كل أنحاء المنزل... الذي كان مغلقاً من قبل.
أم محمد تحسست الموقد... ثم أطفأته... إنها وجبة الغداء... التي قررت جواهر تحضيرها لحسان... لقد أصبحت الآن... أشبه بالفحم الحجري... سارعت الجارة للنافذة... وفتحتها... مروحة شفط الهواء... كانت تعمل... ولكن الدُّخان أكثف من قدرتها المحدودة... خرجت الجارة من المطبخ... وهي تسعل سعالاً جافاً... بسبب الدخان.
كانت جواهر ساعة إذن جالسة على كرسي صغير... في الصالة الصغيرة... قالت أم محمد:
- «هيا اخرجي يا جواهر... للهواء الطلق... عليك أن تستنشقي هواء نقياً»
لم تلق جواهر بالاً لهذا الكلام... الأشبه بالخزعبلات... بالنسبة لها... ولكن... بعد إصرار من الجارة... ذهبتا إلى الشرفة... كان الدخان حينها قد انتشر في المنزل... وبدأت جواهر في السعال.
وبعد وصولهما للشرفة... ابتسمت الجارة بسمة صادقة... وقالت:
- «سلامات يا جواهر... ألف سلامات لك... هل أنت مريضة؟... هل أتَّصل بالطبيب؟»
- «الطبيب... لا... لا... طبيـبـي هو الذي أمرضني... وربما قتلني»
- «ماذا بك يا جواهر؟»
- «أرجوك يا خالة... لا تتدخلي في حياتي أكثر...  لقد مِتُّ نفسياً... وماذا لو متُّ جسمياً؟... لقد قَتَلتني الذئاب البشرية... أرجوك... دعيني وشأني... الموت في هذه الحياة أرحم من البقاء »
مدت زوجة جابر يدها... لتطمئن على حرارة رأس جواهر... لقد ظنَّت أنها فقدت عقلها... بسبب كمية الدخان التي استنشقتها... لكن جواهر قالت:
- «اطمئني... سأكون سعيدة لو متُّ... لقد فقدت ما هو أغلى عندي من الحياة... لقد فقدتُ حسان... وإلى الأبد»
- «هل مات؟!»
- «كلا... لم يمت... لكنه قتلني... وَوَأدني أيضاً... وأدني وأنا حيّة... لقد تَعَدَّدَتْ أصناف وأد المرأة... لم يعد وأدها في دفنها حيّة... فحسب... هذا الزمن... هو زمن الوأد المتحضِّر... أنا موءدة...{ وإذا الموءودة سئلت... بأي ذنب قتلت}"
استمرت جواهر تتغنى بالآية الكريمة:
- " {وإذا الموءودة سئلت... بأي ذنب قتلت}"
- «ماذا حصل يا جواهر؟... لا أكاد أفهم»
- «لقد طلقني حسان... لقد كان قرَّة عين لي... لقد وهبني حُبه ووهبته حبي... أنا لا ألومه الآن... حسان منحني الحياة يوماً ما... ثم استعادها الآن... لن أطمع في أن يمنحني أكثر... ولكني لا أستطيع البقاء دونه... ولا أستطيع... يكفي أنني جرَّبت السعادة ذات يوم... أصبحت صورة السعادة معروفة لديَّ الآن... كما كانت الحياة الشقية واضحة أمامي ذات يوم... أنا الآن أستعدُّ للحياة السعيدة الأخرى... أنا واثقة من ربي... واثقة من أنه سيسعدني في الجنة... إن معرفتي بحقيقة السعادة في الدنيا... نعمة من الله... لكي أشتاق للسعادة في الجنة... السعادة جميلة... لذا علينا أن نحرص على أن نُحصِّلَها في الآخرة... وليست سعادة الدنيا... إلا مجرد عيِّنة صغيرة... تدعونا لنتوق إلى ما هو أعظم منها... ولكن... كيف عرفت يا خالة... إنني أمرُّ بهذه الأزمة؟... لم أتعود منك الزيارة في مثل هذا الوقت... ربما كنت سعيدة أكثر... لو لم أرَ أحداً»
- «اعذريني يا جواهر... ولكن... لا يعني كونك لا تريدين أحداً... أن نَتْرككِ وما تريدين... أنت مخطئة يا جواهر... المسلم للمسلم كالجسد الواحد... إذا اشتكى منه عضو... تداعى له سائر الأعضاء... ثم إن مجيئي هنا كان أمراً محتماً»
- «لماذا؟»
- «لأن آثار الدخان... الخارج من خلال شرائح مروحة الشفط... كان واضحاً للغادي والرائح... وكان أحد الغادين... زوجي... الشيخ جابر... لقد رأى الدخان عند ذهابه للمسجد... لصلاة العصر... وعندما رجع من المسجد... رأى الدخان أكثر كثافة... مما جعله يفزع نحوي... ويطلب مني الإسراع إلى هنا... عندها اتـَّصلت بك عبر الهاتف... وعندما لم تردي... تأكد لي أن الأمر خطير... ولكن... الحمد لله على السلامة... على كلٍ... الشيخ جابر في الأسفل... قال لي...(إذا كان في الأمر خطورة... عودي إليَّ... وأبلغيني)... ولكنك فتحت الباب بنفسك... فاطمئن عندما سمع صوتك وأنت تقولين...( من الطارق؟)... هل فهمت يا جواهر؟»
- «شكراً لك يا خالة... أنتم طيبون... جزاكم الله خيراً... الله!... لو يزيد عدد الطيبين... وينقص عدد الأشرار!... إذن لتحولت الأرض إلى جنّة... ولكن... هيهات... هكذا قَدَرُ الدنيا... الشر يصارع الخير... كي يستمر الصراع... وتبقى الأنانية... وتبقى ابتسام... كي يطمح الناس في الآخرة... ويحبوها... لأنها نجاة لهم من جحيم الدنيا»
- «لا تقولي هذا يا جواهر... كل الأمور ستصلح»
- «ستصلح!... لا... لا... أنت واهمة... أنا أعرَفُ منك بالدنيا... إنها مجرد وهم... سراب... ولكن لابد أن أرحل... أنا أشعر بذلك... قلبي يحدثني... لقد تجرعت من الدنيا  قدراً كافياً... آن لي أن أرتاح»
- «أنت مؤمنة يا جواهر... لا يصح قول مثل هذا الكلام... هذا قنوط»
- «ليس قنوطاً... إنما هو قناعة... ثم أنا أعتذر عن إساءتي في استقبالك... عندما أتيت... أرجوك سامحيني... سامحيني... سامحيني... يجب أن لا أسيء لأحد... ما بقي لي من العمر»
تثبَّتت عينا جواهر حينها على شعرة بيضاء... في مقدمة رأس عائشة... لم تعد جواهر تشعر أبداً... بما حولها... لقد بدأ السعال يدب في جسدها الواهن... اندهشت الجارة قليلاً... ولكنها قالت متصنعة التفاؤل:
- «لا يا عزيزتي... أنت لازلتِ صغيرة... المستقبل أمامك... أنا لا أصدّق أبداً أن حسان سيطلقك... لاشك أنها معلومة خاطئة... جابر زوجي يثني دائماً على حسان... يقول... إنه متدين... وحسن الخلق»
- «متدين... وحسن الخلق!... لا أريد أن أفكر في هذا كثيراً... اصمتي أرجوك»
- «ماذا تقصدين؟»
- «المتدين هو المتدين... والمسلم هو المسلم... وحسن الخلق هو حسن الخلق... والإنسان هو الإنسان... أياً كان... يخطئ ويصيب... الخطأ أمر مقدر على بني الإنسان... حسان أخطأ... لاشك... ولكنه حتماً لازال متديناً... وهو إلى الآن... وإلى الموت... يَحْظَى بحبِّي وتقديري... ومع ذلك... فلن أسمح للوهم أن يدخل إلى نفسي ثانية... لن أطمح في حياةٍ سعيدة من جديد... لقد انتهى كل شيء»
بدأت جواهر تتغني بالآية الكريمة:
- "{إني نذرت للرحمن صوماً... فلن أكلِّم اليوم إنسيا}"
ركزت جواهر نظرها للسقف... وبدأت تردد:
-  «بل الرفيق الأعلى... بل الرفيق الأعلى»
فهمت زوجة جابر... كل كلمة قالتها جواهر... وأحست بمدى المعاناة... التي تعيشها هذه المرأة... حدثت نفسها:
- " جواهر الآن... تريد الخروج من واقعها الصعب... بل حتى من حياتها الصعبة... هذا شعور مؤلم... من يدري؟... قد تكون من أهل الجنة... قد يعوضها الله سعادة أبدية... ولكن... عليّ ألاَّ أَتَخَلَّى عن جواهر... بهذه الدعوى... إنها تمرُّ بظروف حرجة... هي أحوج ما تكون لمن يقف معها"
 قامت جواهر متجاهلة وجود جارتها... ثم دعت بدعاء كفَّارة المجلس:
- «سبحانك اللهم وبحمدك... أشهد ألا إله إلا أنت... أستغفرك وأتوب إليك»
جففت جواهر دموعها وهي تسير... اتجهت لمكان الوضوء... توضأت... ثم دخلت في محرابها... وبدأت في الصلاة... أما زوجة جابر... فقد آثرت الخروج.

 

 14- بداية الداء العضال

أقبلت زوجة جابر... لقد كان جابر ينتظرها في السيارة... إنه يشعر بقلق تجاه جواهر... ركبت عائشة في السيارة... سألها بقلق:
- «خيراً إن شاء الله»
- «الدنيا ملعونة»
- «ماذا حصل؟»
- «حسان طلّق جواهر... إنها في وضع لا تحسد عليه»
وضع جابر يده على رأسه... وهز رأسه وهو يردد:
- " لا حول ولا قوة إلا بالله... إنا لله وإنا إليه راجعون"
كاد الشيخ جابر يفقد عقله... هذا آخر ما كان يتوقعه... إنه هو المنسّق لهذا الزواج... ويصعب عليه جدا أن يرى الزواج يفشل أمامه... زفر زفرة طويلة... ثم وضع يده على المقود... وانطلقت السيارة... وعندما وصلا إلى المنزل... توقفت السيارة... ونزل جابر وزوجته...كان جابر حريصا جدا على معرفة تفاصيل الخبر... رفع السماعة... وبدأ الاتصال بهاتف حسان... في منزله الأول... ولكن... لا مجيب... عاود الاتصال مرات ومرات... اتصل بمكتبه...لم يكن ثَمَّ أحد... - ولكنَّك لا تُسمع الموتى-... خرج جابر من المنزل... واستقل سيارته... وبدأ في مشوار البحث:
-" عليَّ أن أقابل حسان في أسرع وقت... إنَّ وضع جواهر سيء... كما قالت  زوجتي".

15- المستشفى

 مرَّ الوقت دون فائدة... جابر لم يعثر على حسان في الأماكن المتوقعة لوجوده... لذا عاد لمنزله... وأخذ زوجته... وذهبا إلى جواهر... إنه قلق من أجلها... نزلت عائشة... وانطلق جابر لمواصلة طريق البحث... وعندما دخلت زوجته على جواهر... كان الوضع أسوأ من سيء... إن السعال الجاف يقطع نياط حنجرة جواهر... لقد بدأت مضاعفات الدخان... الذي استنشقته حال غيبوبتها... تظهر بشكل جلي... إنها في فراشها... كل شيء يُشعر بالقلق... سألت زوجة جابر:
- «ماذا بك يا جواهر؟...»
- «السعال... أشعر أن صدري ممزَّق»
ساعتها دخلت جواهر في نوبة سعال... وذعرت عائشة لما رأت من آلامها... ثم قالت:
- «لابد أن تذهبي للمستشفى... يا جواهر... وضعك يخيفني»
- «لا فائدة»
- «بل كل الفائدة ستكون في ذهابك للمستشفى... سأخبر جابراً... عندما يأتي... وسنذهب بك... لابد من ذلك»
جابر لم يتوقف عن البحث... لا فائدة... ولا حيلة... عاد إلى منزله ثانية... لم تكن زوجته قد وصلت من زيارتها لجواهر... ذهب لأخذها... ولكنها عندما نزلت له... كانت تبكي... لقد فقدت الأمل... ركبت السيارة... وبدأت في عرض القضية كاملة على جابر... قالت:
- «إن جواهر مريضة... وهي ترفض الذهاب للمستشفى... الدخان الذي استنشقته... يسمِّم دمها ورئتيها»
- «هذه مصيبة... أنا سأقنعها... هيا انزلي»
نزل جابر وزوجته من السيارة... سارا قليلا... ثم صعدا الدرج... دخلت عائشة أولا... ثم قالت لجواهر... زوجي سيدخل... لم يطل الوقت... دخل جابر... لم تُخْفِِ جواهر دهشتها من دخول جابر... ابتسم وسلم... ثم جلس بهدوء في طرف المجلس... كانت عائشة واقفة بجوار جواهر... بدأ جابر يتحدث... أكثر شيء ذكره... اسم الله... وقرأ الكثير من آيات القرآن... نجحت كلمات جابر في تهدئة قلب الفتاة المسكينة... شيء خفي يسري في روعها... ويبث السكينة والطمأنينة:
- «المؤمن مبتلىً يا ابنتي... والذي يبتليه... هو ربه وخالقه... لا لأنه يكرهه... كلا يا ابنتي... ولكن لأنه يحبه... إن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة... لذا فهو يعطيها للكافر... كي تَغُرَّهُ لذَّتُها الزائلة... جزاء كفره وجحوده... أما المؤمن... فربما لم يوسع الله عليه... من نعيم الدنيا... كي يمنحه فرصة للصبر... ومع الصبر... ترتفع درجته في الجنة... وإن مع العسر يسراً... إن مع العسر يسرا... كل الأنبياء ابتلاهم الله... ولكنهم صبروا... وكل مؤمن يسير على درب الأنبياء... لابد أن يتعرض للابتلاء"
كانت جواهر تسمع هذه الكلمات... وكانت عيناها تنهمران  بالدموع... استغل جابر هذه الفرصة... وقال:
- «المؤمن يعمل جاهداً... كي يبقى أطول وقت... في هذه الحياة الدنيا... كي يزيد نفسه من أعمال الخير... وليذكر الله كثيرا... وليسبح... وليُحْسن خُلُقه... وليحب للناس... ما يحبه لنفسه... وأنت الآن يا جواهر... ستذهبين معنا للمستشفى...ستتحسن صحتك... وستبقين عابدة شاكرة... الدنيا يجب ألّا تخلو من أمثالك»
قامت جواهر وعقلها يسبح في الكلمات القدسية... التي ألقاها جابر على أذنها للتو... دخلت غرفتها... ولبست عباءتها... وفي أثناء ذلك... باغتها السَّعال الجاف... أكملت ارتداء ملابسها ونزلت... وبعد دقائق... كانت راقدة في غرفة الإسعاف... في المستشفى.

 

 16- فُصُّ ملحٍ ذاب

الشمس مشرقة... ولكنها تبدو مظلمة... في عيني جابر... الذي يجلس أمام المقود... في سيارته الواقفة... إنه ينتظر المحرك ليَسْخن بدرجة كافية... وعليه أن يذهب بعدها للبحث عن حسان... الأمل الوحيد... هو أن يلقاه في عمله.
وصل جابر إلى عمل حسان... وعندما دخل على المدير المسئول عن حسان... قام الثاني مستقبلاً للشيخ جابر... كان الاستقبال حافلا... جلسا مبتسمين... وبدءا في تجاذب الأحاديث... وأخيراً وصل جابر لما يريده... لقد سأل عن حسان:
- " هل حضر حسان لعمله هذا اليوم؟"
اعتذر المدير وأبدى قلقه:
 - «حسان لم يحضر لعمله... منذ يومين... لا أدري... أرجو أن يكون بخير»
بدأ القلق يسري في وجدان جابر بدرجة أكبر... قام شاكرا معتذرا... وعاد إلى منزل حسان... الذي كانت ابتسام تسكنه... طرق الباب... ثم طرقه... ثم طرقه... لا يبدو أن أحداً في الداخل... انقدح في ذهن جابر هاجسٌ مزعج:
-" هل من الممكن أن يكون حسان في الداخل... وقد أصيب لا قدَّر الله بمكروه؟"
ذهب جابر مسرعاً... وأحضر قطعة حديد... وبدأ يعالج الباب بحكمة... حتى فتحه... ولج إلى الداخل... لكن البيت يبدو خواء... لاشيء فيه... سوى الصمت الرهيب... والسكون القاتل... كل الأبواب التي طرقها جابر لا تفضي لشيء... عاد جابر إلى المسجد... كان وقت أذان الظهر ساعتها قد دخل.

 

17- إلى القصر من جديد

جواهر في المستشفى... الأطباء بعضهم متشائم وبعضهم الآخر متفائل... ولكن يبدو أن تنفسها غير طبيعي... وهي أيضاً لا تساعدهم على تجاوز هذه الأزمة... وُضع جهاز الأكسجين على فمها... أكثر من مرة... ولكن جواهر تنزعه... بمجرد خروج الطبيب... حتى الدواء... إنها ترفض أخذه... ولا زال السعال يرتجف في رئتيها وصدرها.
مرّ اليوم الأول على خير... ولكن جواهر كما هي... على رقدتها... أصبح تنفسها أشبه بالحشرجة... الدواء بجوارها... باق كما هو... والطعام... تزهد في تناوله.
وعندما دخل الطبيب عليها... أصابه قلق شديد... وضع السماعة على صدرها... ازداد قلقه... طلب من الممرضة وضع جهاز الأكسجين... وطلب منها أيضاً متابعة الحالة... لكن... لا تحسن... الوضع يسير نحو الأسوأ.
مرت ساعات أخرى... جواهر بدأت تتمالك نفسها... لا أحد يدري لماذا؟... ولكنها الآن لا تريد أن تموت... لأنها تنتظر الشيخ جابراً... حتماً سيأتي هو وزوجته بعد صلاة العصر... وهي تريد أن تقول له شيئاً ما... لابد أنه يتعلَّق بحسان.
أخيراً... أشرق وجه جابر وزوجته من الباب... حاولت جواهر أن تتصنَّع أن صحتها بخير... فَرِحَ جابر لذلك... حاولت أن تضحك... قال جابر.
- «كيف أنت يا ابنتي... يا جواهر... هذا اليوم؟»
- «اليوم أنا بخير... وسأخرج»
- «صحيح... الحمد لله على السلامة... كنت أتوقع ذلك... أنت لازلت صغيرة... حياتك تنتظرك في الخارج»
- «نعم... نعم... إنها تنتظر في الخارج... سأخرج اليوم... سأخرج ولن أبقى أبداً»
- «الطبيب قرر خروجك... أليس كذلك؟»
- «أنا سأخرج معك... سأذهب لمنزلي»
- «ولكن... هل قرر الطبيب خروجك؟»
- «لا... ولكني سأخرج»
دخل الطبيب ساعتها... باغته جابر بقوله:
- «هل ستخرج جواهر حقاً... يا دكتور؟»
- «تخرج!... ما هذا الكلام؟... ومن قال ذلك؟... إنها تحتاج إلى عناية بالغة... بل... ربما... ربما ندخلها غرفة العناية المركزة»
ابتسمت جواهر ساخرة... والتفتت للطبيب... وقالت بإصرار:
- «أنا سأخرج الآن... مع العم جابر... لا يمكن لأي قوة في الأرض... أن تمنعني من ذلك... كن على يقين»
أغمض الطبيب عينيه... وزفر زفرة طويلة... وقال في غضب:
- «أنت حقا معاندة... يجب أن تتعاوني معنا... نحن هنا من أجل صحتك... لسنا أعداء لك... قلت لك أكثر من مرة...  صحتك في خطر»
- «وهل ستعيد لي صحتي يا طبيب؟... أنا أعرف دائي... وأعرف دوائي... سأكون بخير... حتما... لو ذهبت لمنزلي... والآن... أنا سأذهب مع جابر»
- «ولكن صحتك...»
- «أرجوك يا دكتور... بقائي هنا يزيد من مرضي... عليك أن تسمح لي... أو... عليك ألّا  تسمح لي... أنا سأخرج... يعني سأخرج»
نظر الطبيب لجابر متأسفاً... كان يريد أن يقول شيئاً في نفسه ولكنه صمت... في حين قامت جواهر بتثاقل... واتجهت للخزانة... وأعدَّت حاجياتها القليلة... وساعدتها زوجة جابر... وبعد دقائق... كان جابر وامرأتان خلفه... يخرجون من المستشفى.

 

18- الداء الجديد... والكلمات الأخيرة

نزلت جواهر لمنزلها... السعال لازال يباغتها بين الفترة والأخرى... ونزل جابر وزوجته أيضاً... ودخلو معها داخل المنزل... كانت عائشة تساندها حتى صعدت الدرج... دخلت جواهر غرفة نومها... نظر جابر لزوجته عائشة وقال:
-" ابقي هنا... اهتمي يها... وأخبريني عن أي طارئ يطرأ"
اتجه جابر نحو الباب... وقبل أن يخرج... دعته جواهر... عاد جابر في قلق ووقف أمامها... في حين قالت:
- " أرجوك... أحضر لي قلماً وورقة"
فكر جابر قليلا... ثم اتجه إلى المكتبة الصغيرة... وأحضر القلم والورقة... وناول جواهر.
مدت جواهر يدها بتثاقل... أخذت القلم والورقة... اعتدلت في جلستها وبدأت في تدوين بعض الكلمات... ثم قالت:
- " أرجوك... أريد شخصا آخر... ليشهد على ما كتبت"
هز جابر رأسه... وذهب للهاتف... واتصل بأحد الجيران... وطلب منه الحضور.
الأمور تدعو للقلق... والشاهد الآخر حضر... وجواهر جالسة في سريرها... مدت الورقة لجابر... وقالت:
- " أنا جواهر... في كامل وعيي... كتبت وصيتي... أرجوكم... وقعوا الورقة "
نظر الشاهد الآخر لجابر... وقال في أسف:
- " اعذرني... أنا لا أعرف جواهر إلا باسمها... هذا الصوت غريب علي... لست متأكداً من أن هذه هي جواهر... أم لا... هذه وصية... الأمر صعب"
هز جابر رأسه... وهو يتفهم الوضع... ثم قال:
- " زوجتك... بالطبع هي تعرف جواهر... أرجوك... أحضرها... سأكون أنا شاهداً... وزوجتك... وزوجتي... سيكملان عدد الشهادة... رجل وامرأتان"
انصرف الرجل... لم يطل الوقت... لقد جاء... كانت زوجته معه... قَرأت جواهر الوصية أمام الجميع... ثم وقعوا على ما فيها... جابر وزوجته... وزوجة جاره.
كل شيء مؤسف... لم يستطع جابر أن يعلق بكلمة واحدة... وخرج الجار مع زوجته... وجابر خرج أيضا... وترك زوجته بالداخل... إنه مصرٌّ على أن يقابل حسان... لابد أن يخرجه حياً أو ميتاً... أو حتى من تحت الأرض... بدأ جابر رحلة جديدة من البحث الجاد... هنا وهناك... وفي كل مكان... وبدأت جواهر رحلة جديدة... من مصارعة الداء الجديد... الذي لا يعلم أبعاده أحد.

19- في بيت الله

يوم آخر من البحث... وبعد صلاة الظهر... تقدم رجل نحو جابر... إنه رجل معروف لديه... كان هذا الرجل ممن يعرف القليل عن قصة حسان... ويعرف أن جابراً يبحث عنه الآن... قال جابر:
-" ماذا يريد؟... لابد وأنه يحمل خبراً ما؟"
- «هل وجدت حسان... يا شيخ؟»
- «كلا... هل رأيته أنت؟... هل تعرف عنه أي خبر؟... قل لي »
- «لقد رأيت سيارته الجيب... بجوار حديقة السلام... رأيتها صباح اليوم... إنها مقابل المسجد... بين المسجد والحديقة... ربما كان حسان بداخلها... رأيت هيئة رجل داخل السيارة»
قام جابر وهو لا يكاد يُصدق... حتماً سيكون يومه هذا سعيداً جداً... لو لقي حسان... انطلقت سيارة جابر... كان جابر بداخلها... يدعو الله... ويُلِحُّ في الدعاء.
جابر وصل أخيراً إلى الموقع... كان متفائلاً عندما رأى سيارة الجيب واقفة... لم يكن حسان بداخل السيارة... وقفت سيارة جابر... ونزل جابر... واتجه فوراً للمسجد... لم يكن لسعادته حد... عندما رأى صديقه حسان... جالساً في وسط المسجد... وفي يده مصحف.
قام حسان عندما رأى جابراً... إنه لا يدري... هل هو سعيد أم حزين... برؤيته لهذا الشيخ؟.
 كانت الصدمة على نفس حسان قوية... حين طلَّق جواهر... صدمة أصعب من أن يحتملها... لذا قرر أن يهرب من الحياة... قرر أن يتناسى كل شيء... ومن ساعتها... وهو معتكف في هذا المسجد... أصبح الآن أشبه بصوفي زاهد... لقد ترك لحيته تنمو بشكل عشوائي... لم يعد يهتم حتى بمشطها... ولسانه يلهج بذكر الله... أو قراءة القرآن... ورأسه مُطرق للأرض... لقد قرر ألاّ يبتسم ثانية.
أدرك جابر ولأول مرة... أنه إنسان غير مرغوب فيه... خاصة في هذا الوقت... ولدى حسان... ولكن... لا حيلة... هناك مشكلة حقيقية... عليه أن يسعى في حلها... وعليه أن يتجرأ أكثر وأكثر... لقد استطاع من قبل... إقناع جواهر... بأشياء كثيرة... وحتماً سيعينه الله... على إقناع حسان.
سلم جابر على حسان... وعانقه... ثم جلس إلى جواره... الموقف متوتر نوعا ما... ولكن جابراً بدأ بحديث شيِّق... عرض فيه الدنيا بصورة جميلة... وأكد على أن المسلم... من حقه أن يأخذ منها ما شاء... وبدأ يمد الأمل أمام حسان... ويقول:
- «الإنسان يا بني عاجز في كثير من الأحيان... عاجز عن تصور الأمور على حقيقتها... وعاجز أيضاً عن إصدار الحكم الصحيح على ما حوله... الله سبحانه لم يطلب من الإنسان أن يعرف الصواب من أول نظرة... كلا... ولكنه أمره أن يبحث عن الصواب... وإذا قدّر له أن يخطئ في معرفة الصواب ذات مرة... فإن الله لا يؤاخذه... ولكن يأمره بالعودة للصواب»
- «ماذا تريد بالضبط؟... أرجوك أريد المختصر والمفيد»
- «لقد أخطأت في قرارك بطلاق جواهر»
- «أعلم ذلك... ولذا أنا هنا... أكفّر عن خطيئتي»
- «أنت مسلم»
- «لم أقل إني كافر... أعرف أني مسلم... وإلا... لما رأيت المصحف في يدي»
- «المسلم يا بني... إذا أراد أن يكفِّر عن خطيئته... يَكْفيه الاستغفار... الاستغفار يكون في أي مكان... إن الله رحيم بنا... لم يكلفنا مالا طاقة لنا به... ولم يَحْمِلْ علينا إصراً كما حمَّله مَن قَبْلَنا... ومن رحمة الله بنا... أنه يأذن لنا بإعادة الحق إلى نصابه»
- «ماذا تقصد؟»
- «أقصد أن تعيد جواهر»
- «أعيد جواهر... أنت واهم... لو كان في يدي حيلة... لما طلّقتها في الأساس... لقد انفلت السهم من القوس»
- «سيعود السهم... سيعود للكنانة... بل حتى الرصاصة... يستطيع المؤمن إعادتها للبندقية... بعد أن تثور»
- «كيف ذلك... لا أظنُّ... أبدا... مستحيل... الرصاصةُ إذا اخترقت القلب... لن ينفع أبدا... إعادتها»
- «بالتوكل على الله... تخرج الرصاصة من القلب... ويبرأ الجرح »
- «أنا طلَّقتها... وأنا أطلقت الرصاصة»
- «أنت لم تطلّقها»

 

20- طيور الشوق

بدأ قلب حسان يرف لكلام جابر... إنه أشبه بالماء البارد على الظمأ... وأشبه بالمطر على قلب الوردة الظامئ... إن نداءً داخله يطلب منه أن يعود إلى جواهر... وأن يعيدها إلى عصمته... ويترك ابتسام للأيام... وما فعلت بها فلتفعله... بأمر الله... لماذا لم يفكر حسان بهذا من قبل؟... لقد تسرع كثيراً في حكم الطلاق.
حسان من داخله يثور ببكاءٍ عميق... ولكن... كل الأبواب الموصدة تزداد إحكاماً... فُرْجَة صغيرة فُرجت... عسى أن يستطيع حسان أن يَعبر من خلالها لِبَرٍ آمن... نظر حسان بعمق... للنافذة العاكسة... في أعلى القبة... ثم زفر زفرة طويلة... بعدها... نظر إلى وجه الشيخ جابر... وقال:
- «لقد طلقتها... طلقتها... وانتهى كل شيء»
- «هل أنت نادم على أن طلقتها؟»
- «نعم... بالتأكيد... الندم يأكلني »
- «إذن أعدها»
- «أعيدها!... كيف؟»
- «طلاقك لها طلاق مُكره»
- «مكره!... لم أفهم»
- «أنا أقول لك... هل كنت في كامل اختيارك... عندما طلقتها... أم أن ضغوطاً ما... قد فَرَضَتْ نفسها عليك... هيا يا ولدي... سنستفتي أحد العلماء... سيُفرّجُها الله»
كل الموازين في ذهن حسان تغيرت... قلبه الصافي بدأ يرف من جديد... بِحُبٍ كبير... ليس هذا فحسب... بل لعلَّه أصبح الحب الوحيد... لقد تقزَّمت ابتسام... كثيراً في نظره:
-" إنها أنانية... أنانية... ولكن... لا...لا... إنها أم أولادي... إنها أيضاً حبيبتي المخلصة... التي أحبتني ذات يوم... بكل كيانها... علي ألّا أستعجل في الحكم عليها... بكل هذه القسوة... لقد أخطأت... ولكن... قد أجد لها عذراً... المؤمن عذَّار ستار... قد تعود المياه لمجاريها... وتعفو جواهر عنّي... وأعفو أنا عن ابتسام"
قال الشيخ جابر في تفاؤل:
- «هيا يا حسان»
- «إلى أين؟»
- «سنذهب إلى جواهر... لا تضيِّع الوقت»
جلس حسان مهتما في مكانه... قال حسان مغالطاً نفسه:
- «لن أتراجع... يا عم ...الأمر قد انتهى»
- «إذن جواهر أيضاً ستنتهي»
- «ماذا؟... كيف حال جواهر الآن... يا عم جابر؟»
- «إنها بخير حال»
- «صحيح؟»
- «تريد الصراحة... إنها بأسوأ حال... منذ طلّقْتَها وهي تستعد للآخرة»
- «ماذا تقول؟... أعوذ بالله!!»
- «لن يكون لها شفاءٌ إلاَّ على يديك... بإذن الله»
- «لقد توقعت أنها ستنساني»
- «جواهر... لم تنسك ولن تنساك... هيا اركب السيارة»
بدأ حسان يستسلم... لقد آلمه ما سمعه الآن... عن تدهور صحة جواهر... بل أكثر من ذلك... لقد آن له أن يفكر في وضعه بكل عقلانية... وبكل صراحة... إنه الرجل... لن يسمح لابتسام... أن تَقْـتُل جواهر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق